Indexed OCR Text
Pages 621-627
٦٢١ - الجزء الثامن والعشرون وخيانة امرأة لوط له، كانت عن طريق إرشاد قومه إلى ضيوفة ... مع استمرار هاتين المرأتين على كفرهما ... قال الإمام ابن كثير: قوله: « فانتاهما، أى: فى الإيمان ، لم يوافقاهما على الإيمان ، ولاصدقاهما فى الرسالة ... وليس المراد بقوله: « فخافتاهما)، فى فاحشة، بل فى الدين، فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع فى الفاحشة ... عن ابن عباس: قال: مازنتا ، أما امرأة نوح، فكانت تخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط ، فكانت تدل قومها على أضيافه. وفى رواية عنه قال : كانت خيانتهما أن امرأة نوح ، كانت تفشى سره، فإذا آمن مع نوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به، واما امرأة لوط فكانت إذا أضاف لوط أحدا، أخبرت به أهل المدينة من يعمل السوء))(١). وقوله - تعالى -: ((فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين » بيان لما أصابهما من سوء العاقبة بسبب خيانتهما . أى: أن نوحا ولوطا - عليهما السلام - مع جلالة قدرهما، لم يستطيعا أن يدفعا شيئا من العذاب عن زوجتيهما الخائنتين لهما، وإنما قيل لها تين المرأتين عند موتهما ، أو يوم القيامة ، أدخلا النار من سائر الداخلين من الكفرة الفجرة ... وقوله « شيئا، منصوب على أنه مفعول مطلق لقوله: ((يفنيا،، وجاء منكرا للتقليل والتحقير، أى: فلم يغنيا عنهما شيئا من الإغناء حتى ولو كان قليلا ... وقوله: (( مع الداخلين)) بعد قوله: ((أدخلا النار)) لزيادة تبكيتهما، (١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ١٩٨ ٦٢٢ سورة التحريم ولتأكيد مساواتهما فى العذاب مع غيرهما من الكافرين الخائنين، الذين لاصلة لهم بالأنبياء من حيث القرابة أو مايشبها . ثم ضرب - سبحانه - مثلا للمؤمنين فقال: ((وضرب الله مثلا الذين آمنوا امرأة فرعون، وهى آسية ابنة مزاحم، التى لم يمنعها طوفان الكفر الذى كانت تعيش فيه فى بيت فرعون ، ولم يشغلها ما كانت فيه من متاع الحياة الدنيا وزينتها ... عن أن تطلب الحق، وتعرض عن الباطل، وأن تكفر بكل ما يدعيه زوجها من كذب وطعيان ... قال الجمل: آمنت بموسى - عليه السلام - لما غلب السحرة، وتبين لها أنه على الحق، ولم تضرها الوصلة بالكافر، وهى الزوجية التى هى من أعظم الوصل ولانفعه إيمانها، لأن كل امرىء بما كسب رهين ... وروى الشيخان عن أبى موسى الأشعرى أنه قال : كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا أربع: مريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد - صلى الله عليه وسلم -، وآسية بنت مزاحم، امرأة فرعون)). قيل: إنها إسرائيلية وأنها عمة موسى. وقيل إنها ابنة عم فرعون .... ومن فضائلها أنها اختارت القتل على الملك، وعذاب الدنيا على النعيم الذى كانت فيه، - بعد أن خالط الإيمان قلبها، (١). أى. وجعل الله - تعالى - حال امرأة فرعون، مثلا للمؤمنين، حيث آمنت بالحق بعد أن تبين لها، دون أن يصرفها عن ذلك أى صارف ، فكان ما فعلته فى أسمى درجات الإخلاص وصدق اليقين ... والظرف فى قوله: (( إذ قالت .. )) متعلق بمحذوف، أو بقوله: ((مثلا)). أى: وضرب الله - تعالى - مثلا للذين آمنوا، حال امرأةفرعون، وقت (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٣٧١ ٦٢٣ الجزء الثامن والعشرون أن قالت (( رب ابن لى عندك بيتا فى الجنة)) أى: ابن لى بيتا فى مستقر رحمتك، أو فى جنتك التى لا يستطيع أحد التصرف فيها إلا بإذنك. وقوله: (( فى الجنة، بدل أو عطف بيان لقوله - تعالى - ((عندك))، وقدم عندك، للإشعار بأن محبتها للقرب من رحمته - تعالى - أهم من أى شىء آخر. ( ونجنى من فرعون وعمله، أى: ونجنى من طغيان فرعون، ومن عمله الذى بلغ النهاية فى السوء والقبح ... (( ونجنى)) - أيضا - «من القوم الظالمين)) وهم أتباع فرعون وحاشيته وملؤه ، وشيعته ... وفى هذا الدعاء أسمى ألوان الأدب، فهى تسأل الله - تعالى - أن يعوضها عن دار فرعون ، دارا فى أعلى درجات الجنة ... وهذا الدعاء يشعر بأن فرعون وقومه، قد صدوها عن الإيمان، وهددوها بأنهم إن آمنت ... حرموها من قصر فرعون ، وزيفته وفخامته ... كما أنها سألت ربها - عز وجل - أن ينجيها من ذات فرعون، ومن عمله السىء، ومن كل من حام حول فرعون، واتبعه فى طغيانه وكفره ... وقوله - سبحانه -: ((ومريم ابنة عمران ... )، معطوف على «أمرأة فرعون ... .. أى: وضرب الله - تعالى - مثلا آخر للمؤمنين. مريم ابنة عمران ... ((التى أُحصفت فرجها، أى: حفظته وصافته، إذ الإحصان جعل الشىء حصينا ، بحيث لا يتوصل إليه، وهو كناية عن عفتها وطهارتها وبعدها عن كل فاحشة ... وقوله , فنفخنا فيه من روحنا ، مفرع على ماقبله . ٦٢٤ سورة التحريم قال الألوسى: قوله (( فنفخنا فيه، النافخ رسوله جبريل - عليه السلام- فالإسناد مجازى . وقيل الكلام على حذف مضاف، أى: فنفخ رسولنا، وضمير: فيه، للفرج . واشتهر أن جبريل - عليه السلام - نفخ فى جيبها فوصل أثر ذلك . إلى الفرج . وقال الفراء: ذكر المفسرون أن الفرج جیب درعها ، وهو محتمل لآن الفرج معناه فى اللغة ، كل فرجة بين شيئين ، وموضع جيب درع المرأة مشقوق فهو فرج، وهذا أبلغ فى الثناء عليها ، لأنها إذا منعت جيب درعها، فهى للنفس أضع ... (١). أى: فنفخ رسولنا جبريل فى فرجها أو فى جيب درعها، روحا من أرواحنا هى روح عبدنا ونبينا عيسى - عليه السلام -. وإضافة الروح إلى ذاته - تعالى -، لأنه هو الخالق والموجد والإشارة. إلى أن تكوين المخلوق الحى فى رحمها ، كان على غير الأسباب المعنادة . وقوله - تعالى -: ((وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين)). زيادة فى مدحها ، وفى الثناء عليها .. أى: وكان من صفات مريم ابنة عمران أنها آمنت إيمانا حقاء بكلمات ربها، أى: بشرائعه التى شرعها لعباده، وبما ألقاه إليها من إرشادات عن طريق وحيه . (((وكتبه، أى: وصدقت بكتبه التى أنزلها على أنبيائه. وقرأ الجمهور و((كتابه، بالإفراد، على أن المراد به جنس الكتب، او الإنجيل الذى أنزله - سبحانه - على ابنها عيسى .. (١) تفسير الألوسى = ٢٨ ص ١٦٤. ٦٢٥ سورة التحريم و((من)) فى قوله - تعالى -: «وكانت من القاضي)) للابتداء. أى: وكانت من نسل الرجال القانتين، الذين بذلوا أقصى جههم فى طاعة انه - تعالى-، وفى إخلاص العبادة له . ويصح أن تكون ((من) للتبعيض. أى : وكانت من عداد المواظبين على الطاعة ، وجىء بجمع الذكور على سبيل التغليب ، وللإشعار بأن طاعتها لا تقل عن طاعة الرجال ، الذين بلغوا الغاية فى المواظبة على صناعة الله - تعالى -. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة، قد اشتملت على ثلاثة أمثال : مثل للكافرين ، ومثلين للمؤمنين . وقد تضمن مثل الكفار ، أن الكافر يعاقب على كفره، دون أن ينفعه ما بينهوبين المؤمنين من قرابة أو نسب .. كماحدث لامرأة نوح وامر أفلوط. وأما المثلان اللذان للمؤمنين ، فقد تضمنا أن اتصال المؤمن بالكافر ، لا يضره شيئا إذا فارقه فى كفره وعمله ... وقد وضح صاحب الكشاف هذا المعنى فقال: ما ملخصه مثل الله - تعالى- حال الكفار - فى أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين ، .. دون أن ينفعهم ما بينهم وبينهم من صلة أو قرابة - بحال امرأة نوح وامرأة لوط : فإنهما لما فافقتا وخانتا الرسولين، لم يغن عنهما ما بينهما وبينهما من وصلة الزواج شيئا ... ومثل حال المؤمنين - فى أن وصلة الكافرين لا تضرهم . ولا تنقص شيئا من ثوابهم وزلفاهم عند الله - بحال امرأة فرعون ، فإنها مع كونها زوجة أعدى أعداء الله، فإنها بسبب إيمانها قد رفع منزلتها عنده .. وبجمال مريم ابنة عمران ، فقد أعطاها الله ما أعطاها من الكرامة ... ٠٠١ ٢/١٥١: ٦٢٦ سورة التحريم وفى على هذين التمثيلين تعريض بأمى المؤمنين المذكورتين فى أول. السورة ، وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بماكرهه، وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده ... وإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا فى الإخلاص والكمال فيه ، كمثل هاتين المؤمنتين ، وأن لاتشكلا على أنهمازوجارسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإن ذلك الفضل لابنفعهما إلا مع كونهما مخلصتين .. وأسرار التنزيل ورموزه فى كل باب، بالغة من اللطف والخفاء ، حدا بدق عن تفطن العالم ، ويزل عن تبصره ... » . وبعد: فهذا تفسير لسورة ((التحريم). نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافماً لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . الإسكندرية - العجمى مساء ٢٦ من شوال ٥١٤٠٦ ٤ من يوليو ١٩٨٦ م التفسير الوسيط للقرآن الكريم فهرس المجلد الرابع عشر صفحة ١ - تفسير سورة ((الذاريات)) ١٠ ٢ - تفسير سورة (( الطور)) ٣٩ ٦٥ ٣ - تفسير سورة ((النجم، ٤ - تفسير سورة ((القمر) ١١٥ • - تفسير سورة («الرحمن» ٦ - تفسير سورة , الواقعة)) ٧ - تفسير سورة (( الحديد)) ٩ - تفسير سورة ((الحشر» ١٠ - تفسير سورة الممتحنة)) ١١ - تفسير سورة ((الصف)) ١٢ - تفسير سورة ((الجمعة)) ١٣ - تفسير سورة (( المنافقون)) ١٤ - تفسير سورة (( التغابن)) ١٥ - تفسير سورة ((الطلاق )) ١٦ - تفسير سورة ((التحريم)) ١٦٠ ١٩٦ ٢٤٨ ٣٥٧ ٤٠ ٤٠٥ ٤٨٠ ٥١٠ ٥٤١ ٥٦٤ ٠٩٩