Indexed OCR Text
Pages 601-620
= الجزء الثامن والعشرون ٦٠١ وروى ابن جرير عن زيد بن أسلم : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أصاب أم إبراهيم مارية ، فى بيت بعض نسائه - وفى وراية فى بيت حفصة فقالت : يا رسول فى بينى وعلى فراشى؟ جعلها - أى مارية - عليه حراما. وحلف بهذا ... فأنزل الله هذه الآيات(١). قال القرطبى ما ملخصه: وأصبح هذه الأقوال أولها ... والصحيح أن التحريم كان فى العسل ، وأنه شربه عند زينب. وتظاهرت عليه عائشة وحفصة فيه، تجرى ما جرى خلف أن لايشربه وأسر ذلك ونزلت الآية فى الجميع (٢). وقال الإمام ابن كثير - بعد أن ساق عددا من الروايات فى هذا الشأن: والصحيح أن ذلك كان فى تحريمه - صلى الله عليه وسلم للعسل(٣). وقال الألوسى: قال النووى فى شرح مسلم: الصحيح أن الآية فى قصة العسل، لا فى قصة مارية المروية فى غير الصحيحين ، ولم تأت قصة مارية من طريق صحيح ... والصواب أن شرب العسل كان عند زينب بنت جحش ... (٤). وقد افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بتوجيه النداء إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( يأيها النبى لم تحرم ما أحل اقه لك ... )). وفى توجيه النداء إليه - صلى الله عليه وسلم -، تنبيه إلى أن ما سيذكر بعد النداء، شىء مهم بالنسبة له ، ولسائر المسلمين . (١) راجع تفسير القرطبى - ١٨ ص ١٧٧، وتفسير ابن كثير حـ ٨ ص ١٨٥ وتفسير الألوسى - ٢٨ ص ٠١٤٦ (٢) راجع تفسير القرطبى - ١٨ ص ٠١٧٩ (٢) راجع تفسير ابن كثير ــ ٨ ص ٠١٨٧ (٤) راجع تفسير الآلوسى حـ ٢٨ ص ٠١٤٧ ٦٠٢. سورة التحريم لاننى والاستفهام فى قوله - تعالى -: لم تحرم ما أحل الله لك .. المصحوب بالعتاب منه - سبحانه - لنبيه - صلى الله عليه وسلم -. وجملة (( تبتغى مرضاة أزواجك، حال من فاعل «تحرم،، والعتاب. واقع على مضمون هذه الجملة والتى قبلها، وهى قوله ((لم تحرم ما أحل اللهلك)). والمعنى: يا أيها الرسول الكريم، لماذا حزمت على نفسك ما أحله الله - تعالى - لك من شراب أو غيره؟ أفعلت ذلك من أجل إرضاء أزواجك؟ إنه لا ينبغى لك أن تفعل ذلك، لأن ما أباحه الله - تعالى - لك، لا يصح أن تحرمه على نفسك، أو أن تمتنع عن تعاطيه، فتشق على نفسك من أجل إرضاء غيرك . قال بعض العلماء: فاداه بلفظ «النبى)) إشهارا بأنه الذى نبى بأسرار التحليل والتحريم الإلهى. والمراد بتحريمه ما أحل له. امتناعه منه، وحظره إياه على نفسه . وهذا المقدار مباح، ليس فى ارتكابه جناح. وإنما قبل له (( لم تحرم ما أحل الله لك، رفقا به، وشفقة عليه، وتنويها لقدره ولمنصبه - صلى الله. عليه وسلم - أن يراعى مرضاة أزواجه بما يشق عليه، جريا على ما ألف من لطف الله - تعالى - به، ورفعه عن أن يحرج بسبب أحد من البشر الذين ثم. أتباعة ... )، (١) . وقوله - سبحانه -: ((والله غفور رحيم)، تسلية للرسول - صلى الله عليه. وسلم - عما أصابه من وقع هذا اللوم، ومن أثر هذا العتاب، وإرشاد له - صلى الله عليه وسلم - بأن ما فعله. داخل تحت مغفرة الله - تعالى :. ورحمته . -- (١) تفسير القاسمى جـ ١٦ ص ٠٤٨٠٢ ٠ ٦٠٣ الجزء الثامن والعشرون أى: والله - تعالى - واسع المغفرة والرحمة وقدغفر لك - بفضله وكرمه ما فعلته بسبب بعض أزواجك، وجعلك على رأس من تظلهم رحمته . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر رحمته فقال: (( قد فرض الله لكم تجلة أيمانكم .. وقوله (( فرض، هنا بمعنى شرع. والتحله: مصدر بمعنى التحليل، والمراد بها الكفارة. وهي مصدر حلل كالتكرمة مصدر كرم، من الحل الذى هو عند العقد ... أى: قد شرع الله - تعالى - لكم تحليل الإيمان التى عقد نموها ، عن طريق الكفارة، لأن اليمين إذا كانت فى امر لا يحبه الله - تعالى -، فالعدول عنها أولى وأفضل . وفى الحديث الشريف يقول - صلى الله عليه وسلم -: «إنى وافقه لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يمينى وفعلت الذى هو خير))، وقد اختلف العلماء فى التحريم الذى كان من النبى - صلى الله عليه وسلم- أكان بيمين أم لا ؟ " وظاهر الآية يؤيد القول بالإيجاب، لقوله - تعالى -: ((قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم، لأن هذه الجملة الكريمة تشعر بأن هناك يمينا نحتاج إلى کفارة . وقد جاء فى بعض الروايات الصحيحة أنه قال: «بل شريت عسلا عند زينب بنت جحش، فلن أعود له ، وقد حلفت. لا تخبرى بذلك أحداً ... )). قال الألوسى ما ملخصه: واختلفوا هل كفر النبى - صلى الله عليه وسلم - عن يمينه هذه أولا ؟ فعن الحسن أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكفر لأنه كان مغفورا لهما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وإنما هو تعليم للمؤمنين ... ٠ ٦٠٤ سورة التحريم وعن مقاتل: أنه - صلى الله عليه وسلم - أعتق رقبة ... ونقل مالك عن زيد بن أسلم أنه - صلى الله عليه وسلم - أعطى الكفارة .. )) (١) وقوله - سبحانه -: ((والله مولاكم، أى: وهو - سبحانه - سيدكم ومتولى أموركم وناصركم. وهو - تعالى -: «العليم الحكيم، أى: العليم بجميع أحوالكم وشئونكم، الحكيم فى كل أقواله وأفعاله وتدبير شئون عباده. والظرف فى قوله - تعالى - ((وإذ أسر النبى إلى بعض أزواجه حديثا .. )) متعلق بمحذوف تقديره أذكر وقوله:« أسر، من الإسرار بالشىء بمعنى کتمانه و عدم إشاعته. والمراد ببعض أزواجه: حفصة - رضى الله عنهما - والمراد بالحديث قوله لها - كما جاء فى بعض الروايات -: « بل شربت عسلا عند زينب ، ولن أعود، وقد حلفت فلا تخبرى بذلك أحدا.،.) أو قوله لها فى شأن مارية: إنى قد حرمتها على نفسهٍ، فاكتمى ذلك ... فأخبرت بذلك عائشة ، أى: وأذكر - أيها العافل لتعتبر وتتعظ - وقت أن أسر النبى - صلى الله عليه وسل - إلى زوجه حفصة حديثا، يتعلق بشربه العسل فى بيت زينب بنت جحش، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لحفصة لاتخبرى بذلك أحدا . (« فلما نبأت به، أى: فلما أخبرت حفصة عائشة بهذا الحديث الذى أمرت بكتمانه، وأظهره الله عليه، أى: وأطلع الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - على ما قالته حفصة لعائشة . فظاراد بالإظهار : الاطلاع، وهو مشتق من الظهور بمعنى التغلب. وعبر بالإظهار عن الإطلاع ، لأن حفصة وعائشة كانتا حريصتين على ١٤٨ (١) تفسير الآلوسي جـ ٢٨ مر ٦٠٥ الجزء الثامن والعشرون عدم معرفة ما دار بينهما فى هذا الشأن ، فلما أطلع الله - تعالى - نبيه على دلك كانتا بمنزلة من غلبتا على أمرهما. وقوله - سبحانه -: «عرف بعضه أعرض عن بعض، إن للمسالك السامى الذى سلكه - صلى الله عليه وسلم - فى معاتبته لحفصة على إنشائها لما أمرها أن تكتمه. والمفعول الأول لعرف محذوف . أى: أعرفها بعضه. أى: فحين خاطب - صلى الله عليه وسلم - حفصة فى شأن الحديث الذى أفشبته، إكتفى بالإشارة إلى جانب منه، ولم يذكر لها تفاصيل ما قاله لها .سابقا ... لسمو أخلاقة - صلى الله عليه وسلم - إذا فى ذكر التفاصيل مزيد من الخجل والإحراج لها: قال بعضهم : ما زال التغافل من فعل الكرام، وما إستقصى كريم قط وقال الشاعر : . ليس الغبي بسيد فى قومه لكن سيد قومه المتغابى وإنما عرفها - صلى الله عليه وسلم - ببعض الحديث، ليوقفها على خيلتها وعلى أنه كان من الواجب عليها أن تحفظ سره - صلى الله عليه وسلم - قالوا: ولعل حفصة - رضى الله عنها - قد فعلت ذلك، ظنامنها أنه لا حرج فى إخبار عائشة بذلك، أو أنها إجتهدت فاخطأت ، ثم ثابت وندمت على خطئها ... ثم حكى - سبحانه - ماقالته حفصة للرسول -صلى الله عليه وسلم - ومارد به عليها فقال: (( فلما نبأها به قاات من أنبأك هذا، قال فيأنى العليم الخبير» أى: فلما سمعت من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على أنه قد أطلع على ما قالته لعائشة ، قالت له : من أخبرك بما دار بينى وبينها ؟ فأجابها - صلى الله عليه وسلم - بقوله: أخبر فى بذلك الله - تعالى - العليم بجميع ٦٠٦ سورة التحريم أحوال عباده وتصرفاتهم ... الخبير بما تمكنه الصدور. وبما يدور فى النفوس من هواجس وخواطر . . إنما قالت له - صلى الله عليه وسلم -: ((من أنبأك هذا، لتتأكد من أن عائشة لم تحبره - صلى الله عليه وسلم - بما دار بينهما فى هذا الشأن ... فلما قال لها - صلى الله عليه وسلم -: (( نبأفى العامم الخبير، تحقق ظنها فى كفان عائشة لما قالته لها ، وتيقنت أن الذى أخبره بذلك هو الله - عز وجل -.. و فى تدبيل الآية الكريمة بقوله: ((العليم الخبير، إشارة حكيمة وتنبيه بليغ ، إلى أن من الواجب على كل عاقل، أن يكون ملتزما لكمان الأسرار التى يؤنمن علهها، وأن إذاعتها - ولو أضيق الحدود - لا تخفى على الله - عز وجل - لأنه - سبحانه - عليم بكل معلوم ، ومحيط بخبايا النفوس وخلجانها .. ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك خطابه إلى حفصة وعائشة ، فأمرهما بالتوبة عما صدر منهما . فصـ ل: « إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما .، ولفظ « صغت، بمعنى مالت وإنحرفت عن الواجب عليهما. يقال: صغا فلان يصغو ويصغى صغوا ... إذا مال نحوشىء معين. ويقال صغت الشمس إذا ماات نحو الغروب، ومنه قوله - تعالى -: «لتصغى إليه أفئدة الذين. لا يؤمنون بالآخرة ». وجواب الشرط محذوف، والتقدير: إن تقوبا إلى الله، فلتوبتكماموجب أو سبب ، فقد مالت قلوبكما عن الحق، وإنحرفت عما يجب عليكما نحو الرسول - صلى الله عليه وسلم - من كتمان لسره، ومن حرص على راحته، ومن إحترام لكل تصرف من تصرفاته ... وجاء الخطاب لهما على سبيل الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ، مبالغة فى المعاقبة ، فإن المبالغ فى ذلك ، يوجه الخطاب إلى من يريد معاقبته مباشرة . = ٦٠٧ الجزء الثامن والعشرون وقال - سبحانه ((فقد صغت قلوبكما)) بصيغة الجمع للقلوب، ولم يقل قلبا كم بالتقنية : لكراهة إجتماع تثفيتين فيما هو كالمكلمة الواحدة، مع ظهور المراد ، وأمن البس . ثم ساق - سبحانه - ما هو أشد فى التخذير والتأديب فقال: ((وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاء وجبريل وصالح المؤمنين، والملائكة بعد ذلك ظهير ، وقوله ((تظاهرا، أصله تتظاهرا حدقت إحدى التامين تخفيفا. والمراد بالتظاهر: التعاون والتآزر. يقال: ظاهر فلان فلانا إذا أعانه على مايريده. وأصله من الظهر ، لأن من يعين غيره فكأنه يشد ظهره، ويقوى أمره ... قال - تعالى -: (( إلا الذين عاهد تم من المشركين، ثم لم ينقصوكم شيئا، ولم يظاهروا عليكم أحدا، فأمرا إليهم عبدهم إلى منتهم ... ، (١) وجواب الشرط - أيضا - محذوف. أى: وإن تتعاونا عليه بما يزعجه، ويغضبه ، من الإفراط فى الغيرة، وإفشاء سره ... فلا يعدم ناصرا ولا معينا بل سيجد الناصر الذى ينصره عليكما ... فإن الله - تعالى - ,هو مولاه، أى: ناصره ومعينه، « وجبريل، كذلك ناصره ومعينه عليكما. , وصالح المؤمنين، أى: وكذلك الصالحون من المؤمنين من أنصاره وأعوانه . (( والملائكة بعد ذلك ظهير، أى: والملائكة بعد نصر الله - تعالى - له، وبعد نصر جبريل وصالح المؤمنين له ، مؤبدونه ومناصرونه وواقفون فى صفه ضدكما . وفى هذه الآية الكريمة أقوى ألوان النصر والتأييد الرسول - صلى الله (١) سورة التوبة. الآية ٣ ٦٠٨ سورة التحريم عليه وسلم -، وأسمى ما يتضورة الإنسان من تكريم الله - تعالى - لنبيه .. - صلى الله عليه وسلم -، ومن غيرته - عز وجل - عليه، ومن دفاعه عنه. - صلى الله عليه وسلم- وفيها تعريض بأن من يحاول إغضاب الرسول - صلى الله علية وسلم - ، فإنه لا يكون من صالح المؤمنين. وقوله.(( وجبريل)، مبتدأ، وقوله: (( وصالح المؤمنين والملائكة)) معطوف عله . وقوله((بعد ذلك، متعلق بقوله , فظهير، الذى هو خبر عن الجميع وقد جاء بلفظ المفرد، لأن صيغة فعيل يستوى فيها الواحد وغيره. فكأنه - تعالى - قال: والجميع بعد ذلك مظاهرون له. وأختير الإفراد للاشعار بأنهم جميعا كالشىء الواحد فى تأييده ونصرة، وبأنهم كأنهم يد واحدة على من يعاديه . ٠ قال صاحب الكشاف: فإن قلت: قوله: (( بعد ذلك، تعظيم للملائكة ومظاهرتهم ، وقد تقدمت نصرة الله وجبريل وصالح المؤمنين، ونصرة الله - تعالى - أعظم وأعظم ؟ قلت : مظهرة الملائكة من جملة قصرة الله ، فكانه فضل نصرنة - تعالى- بهم وبمظاهرتهم على غيرها من وجوه صرته لفضلهم .... (١)٠١ وخص جبريل بالذكر مع أنه من الملائكة ، للتنوية بمزيد فضله ، فهو أمين الوحى، والمبلغ عن الله - تعالى - إلى رسله. هذا، ومما يدل على أن الخطاب فى قوله - تعالى -: ((إن تتوبا إلى الله)) لحقصة وعائشة. ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن إبن عباس أنه قال: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر عن المرأنين من أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللتين قال الله - تعالى - فيهما: إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما .. حتى حج عمر ، وحججت معه . (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٦٧ ٦٠٩ الجزء الثامن والعشرون فلما كان يبعض الطريق ... قلت: يا أمير المؤمنين، من المرأمان من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - اللتان قال الله - تعالى - فيهما : (( أن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكم) .... فقال عمر: وأعجبا لك يا بن عباس ... هما حفصة وعائشة ... )) (١) ثم أضاف - سبحانه - إلى تكريمه لنبيه تكريما آخر، وإلى تمديده لمن تسىء إليه من أزواجه تهديدا آخر فقال - تعالى -: «عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن ... )) قال الجمل ما ملخصه: سبب نزولها أنه - صلى الله عليه وسلم - لما أشاعت حفصه ما أسرها به، أغتم - صلى الله عليه وسلم - ، وحلف أن لا يدخل عليهن شهرا مؤاخذة لهن ... ولما بلغ عمر - رضى الله عنه - أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قد إعتزل نساءه ... قال له يارسول الله: لا يشق عليك أمر النساء، فإن كنت طلقتين فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. قال عمر: وقلما تكلمت بكلام إلا رجوت أن الله يصدق قولى الذى أقوله فنزلت هذه الآية . فاستأذن عمر النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يخبر الناس أنه لم يطلق نساءه فأذن له، فقام على باب المسجد ، ونادى بأعلى صوته: لم يطلق النبى - صلى الله عليه وسلم - «نساءه)(٢) و «عسى، كلمة تستعمل فى الرجاء، والمراد بها هنا التحقيق ، لأنها صادرة عن - عز وجل - (١) راجع الحدیث بتمامه فى تفسیر ابر کثیر ج ٨ ص ١٨٨ فهو حديث ممتع وطويل. ١٧٠٠ جة (١) (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٣٦٧ (٣٩ - سورة التحريم) ٦١٠ سورة التحريم قال الآلوسي: « عسى، فى كلامه- تعالى - الوجوب، وأن الوجوب هنا إنما هو بعد تحقق الشرط . وقيل: هى كذلك إلا هنا. والشرط معترض بين اسم (( عسى)) وخبرها . والجواب محذوف. أى: إن طلقكن فعسى ... و((أزواجا)) مفعول ثان ((ليبدل)، و« خيرا)) صفته ... ))(١). أى : عسى إن طلقكن رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم - بإذن ربه ومشيئته، أن يبدله - سبحانه - أزواجا خيرا منكن . ثم وصف .. سبحانه - هؤلاء الأزواج بقوله ((مسلمات، منقادات ومطيعات لله ولرسوله، ومتصفات بكل الصفات التى أمر بها الإسلام. ( مؤمنات)) أى: مذعنات ومصدقات بقلوبهن لمكل ماجاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - من عندربه . ((قانتات، أى: قائمات بالطاعة لله ولرسوله على أكمل وجه . ((قائبات، أى: مقلعات عن الذنوب والمعاصى، وإذا مسهن شىء منها قدمن وتبن إلى الله - تعالى - قوبة صادقة نصوحاً. ((عابدات)، أى: مقبلات على عبادته- تعالى - إقبالا عظيما ... « سائحات، أى: ذاهبات فى طاعة الله أى مذهب، من ساح الماء: إذا سال فى أنحاء متعددة. وقيل معناه: مهاجرات. وقيل: صائمات . تشبيها لهن بالسائح الذى لا يصحب معه الزاد غالبا، فلا يزال ممسكا عن الطعام حتى يجده. (((ئيبات)) جمع ثيب - بوزن سيد - وهى المرأة التى سبق لها الزواج، من ثاب بثوب ثوبا، إذا رجع. وسميت المرأة التى سبق لها الزواج بذلك ، لأنها ثابت إلى بيت أبويها بعد زواجها، أو رجعت إلى زوج آخر غير زوجها الأول . (١) تفسير الآلوسى - ٢٨ ص ٦١١ الجزء الثامن والعشرون (( وأبكارا) جمع بكر، وهى الفتاة العذراء التى لم يسبق لها الزواج ، وسميت بذلك لأنها لا تزال على أول حالتها التى خلقت عليها . وهذه الصفات جاءت منصوبة على أنها نعت لقوله, أزواجا، أو حال. ولم يعطف بعضها على بعض بالواو ، لأجل التنصيص على ثبوت جميع تلك الصفات لكل واحدة منهن . وعطف - سبحانه - ((وأبكارا، على ماقبله لتغافى الوصفين، إذ الشيبات لايوصفن بالأبكار ، وكذلك الأبكار لايوصفن بالثيبات، ولا يجتمع الوصفان فى ذات واحدة . قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف تكون المبدلات خيرا منهن، ولم يكن على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين ؟ قات: إذا طلقهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعصيانهن له، وإبذائهن إياه، لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والنزول على عداء ورضاه خيرا منهن ... فإن قلت: لم أخليت الصفات كلها عن العاطف، ووسط بين الثيبات والأبكار؟ قلت: لأنهما صفتان متنافيتان لايجتمعان فيهن اجتماع سار الصفات فيهن، فلم يكن بد من الواو .... )(١). هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يراها ترسم جانبا من حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع أزواجه، وهذا الجانب فيه مافيه من العظات التى من أبرزها تكريم الله - تعالى - لنبيه، - صلى الله عليه وسلم - (١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٠٥٦٧ ٦١٢ سورة التحريم وإرشاده إلى ماهو أهدى وأقوم، وسمو أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - فى معاملته لأهله ، وتحذير أزواجه من أن يتصرفن أى تصرف لا يرغب فيه، ولا يميل إليه، وتعليم المؤمنين والمؤمنات - فى كل زمان ومكان - كيف تكون العلاقة الطيبة بين الرجال والنساء ... ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك نداءين إلى المؤمنين ، أمرهم فى أولهما أن يؤدوا واجبهم نحو أنفسهم ونحو أهليهم، حتى ينجو من عذاب النار، وأمرم فى ثانيهما بالمداومة على التوبة الصادقة النصوح ... ، ووجه نداء إلى الكافرين بين لهم فيه سوء عاقبة كفرهم، ثم وجه - سبحانه - نداء إلى النى - صلى الله عليه وسلم - أمره فيه بأن يجاهد الكفار والمنافقين جهادا مصحوبا بالغفظة والخشونة ... فقال - تعالى -: (( بأيُها الذينَ آمنُوا قُوا أَنفُسَكُم وأهلِيكُم ناراً وفودُهَا النَّاس والحِجَارةُ، عَلَيها ملائكةٌ فَلاَظٌ شِدَادٌ، لا يعصُونَ الله ما أَمَرَم ويَفَعلونَ ما يُؤْمَرونَ (٦) يَأيُّها الذينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَومَ إنّما تُجْزَونَ ما كنتُمْ تَعملونَ (٧) يَأيُّها الذِينَ آمَنُوا توبُوا إلى القُوِ نوبةٌ نَصُوحاً عمَی رَبِكُم آنْ يَكَفِّرْ عنكُمْ سبائِلُم ويدخِلِكُمْ جناتٍ تجرِى مِنْ تحتِها الأنهارُ، يوْمَ لا يُخْزِى الله النَّبِىَّ والذينَ آمَنُوا مَعَهُ نُوُمْ يَسْمِى بَيْنَ أَيدِيهِمْ وَبَيمَانِهِم، يقولُونَ رَبِنَا أَعِمْ لَ نَورَنَاَ، والغْفٍ لنا، إنَّكَ على كلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ (٨) بَأيُّها النَّئَّ جاهِدِ الكَفَّارَ والمناْفِقِينَّ واغْلظ عَلَيهِم ومَأْوَامٍ، جهنّمُ وبْسَ الَصِيرُ (٩)). ٦١٣ الجزء الثامن والعشرون وقوله - تعالى -: ((قوا، فعل أمر من الوقاية، يقال: وقى يقى، كضرب يضرب.، : - والمعنى: يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان. أبعدوا أنفسكم عن ، عن طريق فعل الحسنات، واجتناب السيئات، وأبعدوا أهليكم - أيضاً - عنها، عن طريق نصحهم وإرشادهم وامرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر .. قال القرطى : قال قتادة ومجاهد: قوا أنفسكم بأفعالكم. وقوا أهليكم بوصيتكم ... ففى الحديث الصحيح أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالإمام الذى على الناس راع وهو مسؤول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم ..... وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((ما نحل والد ولدا، أفضل من أدب حسن» وقال - صلى الله عليه وسلم: «مروا أبناءكم بالصلاة السبع. واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع ، ... وقدروى مسلم فى صحيحه أن النبى - صلى الله عليه وسم - كان إذا أور يقول : قومى فأوترى يا مائشة .... وذكر القشيرى أن عمر - رضى الله عنه - لما نزلت هذه الآية قال يارسول الله: نقى أنفسنا فكيف بأهلينا؟ فقال: تنهونهم عما نها كم الله عنه، وتأمرونهم بما أمركم الله به» ... (١) وجاء لفظ النار منكرا ، للتهويل . أى: نارا عظيمة لا يعلم مقدار حرها إلا الله - تعالى - . وقوله: ((وقودها الناس والحجارة)، أى: هذه النار لا توقد كما يوقد غيرها بالحطب وما يشبها، وإنما مادة اشتعالها تتكون من الناس الذين كانوا (١) راجع تفسير القرطى = ١٨ ص ٩٤ ٦١٤ سورة التحريم. فى الدنيا يشر كون مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة ، ومن الحجارة التی کانت تعبد من دونه - تعالى - . 22 ثم أضاف - سبحانه - إلى تهويلها أمرا آخر وصفة أخرى فقال: ((عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، والغلاظ : جمع غليظ ، وهو المتصف بالضخامة والغلظة، التى هى ضدالرقة . وهذا اللفظ صفة مشبهة ، وفعله غلظ كمكرم .. وشداد : جمع شديد، وهو المتصف بالقوة والشدة . يقال : فلان شديد على فلان ، أى: قوى عليه، بحيث يستطيع أن ينزل به ما يريد من الأذى والعقاب . ١ أى: هذه النار من صفاتها - أيضا - أن الموكلين بإلقاء الكفار والفساق فيها، ملائكة قساة فى أخذهم أهل النار، أقوياء عليهم ، بحيث لا يستطيع أهل النار أن يفلتوا منهم، أو أن يعصوا لهم أمرا ... وهؤلاء الملائكة من صفاتهم كذلك أنهم لا يعصون لله - تعالى - أمراء وإنما ينفذون ما يكلفهم - سبحانه - به تنفيذا تاما. قال صاحب الكشاف: فإن قلت أليس الجملتان - لا يعصون .. ويفعلون. فى معنى واحد ؟ قلت : لا ، فإن معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمو نها ولا يأبو نها ولا ينكرونها. ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به، ولا يتثاقلون عنه، ولا يتوانون فيه . ثم بين - سبحانه - ما تقوله الملائكة لأهل النار عند ما يعرضون عليها، فقال: ((يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم .... ، والمراد باليوم ، يوم القيامة فأل فيه للعهد . ٦١٥ الجزء الثامن والعشرون أى: تقول الملائكة لهم فى هذا اليوم العسير - على سبيل التبكيت والتوبيخ - لا تعتذروا - أيها الكافرون عن كفركم، بأن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير. أو بأن غيرنا أضلنا، أو بأننا ما كنا مشر كين .. فإن هذه الأعذار لن تنفعكم ، وأنتم فى هذا اليوم إنما تعاقبون على كفركم فى الدنيا ، وعلى إصراركم على ذلك حتى أدرككم الموات ... فالآية الكريمة توبيخ للكافرين ، وتيتبس لهم من قبل أعذارهم الكاذبة . ثم يرشد - سبحانه - المؤمنين ، إلى ما يعينهم على الوقاية من النار فيقول: • يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله قوبة نصوحا .... ) والتوبة : العزم الصادق على عدم العودة إلى المعصية ، والندم على ما فعله منها فى الماضى ، والنصوح صيغة مبالغة من النصح، وصفت بها التوبة على سبيل الاسناد المجازى، والمقصود وصف التائبين بها ، من نصح فلان الثوب إذا خاطه ، فكأن التائب يرقع ما مزقه بالمعصية . أو من قوهم : عسل قاصح . إذا كان خالصاً من الشمع وغيره . وقد ذكروا فى معنى هذه الجملة أكثر من عشرين وجها .. قال الفرطبى: اختلفت عبارة العلماء، وأرباب القلوب، فى التوبة النصوح على ثلاثة وعشرين قولا ، فقيل: هى التى لا عودة بعدها، كما لا يعود اللبن إلى الفرع ... وقال قتادة: النصوح الصادقة الناضحة .. الخالصة ... وقال القرظى: التوبة النصوح بجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، والاقلاع بالأبدان ، وإضمار ترك العود بالجنان ، ومهاجرة سىء الإخوان. وقال الفقهاء: التوبة لا تعلق لحق آدمى فيها لها ثلاثة شروط: أحدها أن يقلع عن المعصية ، وثانيها: أن يندم على ما فعله، وثالثها : أن يعزم على أن لا يعود إليها .. . ٦١٦ سورة التحريم فإذا اجتمعت هذه الشروط فى التوبة كافت نصوحا ... وإن كانت تتعلق بحق آدمى، فشروطها أربعة. هذه الثلاثة المتقدمة، والرابع أن يبرأ من حق صاحبها ، فإن كانت المعصية مالا أو نحوه رده إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه من نفسه، أو طلب العفو منه، وإن كانت غيبه استحله منها ... .٠ وهى واجبة من كل معصية على الفور ، ولا يجوز تأخيرها .... ،(١) وقوله - سبحانه - ((عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم، ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الأنهار .... . والرجاء المستفاد من فعل ((عسى))، مستعمل هنا فى الوعد الصادق منه - تعالى - على سبيل الكرم والفضل، فقد قالوا إن كل ترج فى القرآن واقع منه - تعالى - فضلا منه وكرما أى: بامن آمنت بالله حق الإيمان، توبوا إلى الله - تعالى - قوبة صادقة، بحيث تندمون على ما فرط منكم من ذنوب ، وتعزمون على عدم العودة إليها، وتستمرون على توبتكم طوال حياتكم ..... فإنكم متى فعلتم ذلك غفر الله - تعالى - لكم ذنوبكم ، وكفر عنكم سيئاتكم ، وأدخلكم جنات تجرى من تحت أشجارها وثمارها الأنهار .... قال صاحب الكشاف: قوله: ((عى ربكم)): إطماع من الله لعباده، وفيه وجهان : أحدهما أن يكون على ما جرت به عادة الجبابرة من الإجابة بعسى ولعل ، ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت، والثانى: أن يجىء به تعليما للعباد وجوب الترجح بين الخوف والرجاء ... (٢)، (١) راجع تفسير القرطى = ١٨ ص ١٩٤: (٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٠٥٧٠ ٦١٧ الجزء الثامن والعشرون والظرف فى قوله - سبحانه -: ((يوم لا يخزى الله النبى والذين آمنوا معه ، فورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم .... ، منصوب بقوله - تعالى - قبل .ذلك: ((يدخلكم))، أو بفعل مضمر تقديره: أذ كر ... وقوله: (( بخزى، من الخزى بمعنى الافتضاح: يقال: أخزى الله فلانا إذا فضحه . والمراد به هذا : عذاب النار . وقوله: ( والذين آمنوا معه، معطوف على الغى، وجملة ,فورهم بسعى." مستأنفة . أى: يدخلكم الله - بفضله وكرمه .. جنات تجرى من تحتها الأنهار، يوم القيامة ، يوم ينجى - سبحانه .. النبى - صلى الله عليه وسلم .. وينجى الذين آمنوا معه من عذاب النار ، ومن خزى هذا اليوم العصيب .. وهم جميعا .. وعلى رأسهم الرسول صلى الله عليه وسلم .. فورهم وهم على الصراط ، يسعى ويمتد وينتشر « بين أيديهم)) أى: أمامهم ((وبأيمانهم)، أى: وعن أيمانهم ... ويقولون .. على سبيل الحمد والشكر لله .. تعالى .. باربنا (أنتمم لنا فورناء بأن تزيده ولا تنقصه حتى ندخل جنتك ... (((واغفر لنا، يا ربنا ذنوبنا (( إنك)، ياربنا, على كل شىء قدير)). وفى عطف الذين آمنوا على النبى - صلى الله عليه وسلم -، إشعار بأن سبب انتفاء خزبهم، هو إيمانهم صادق، وعملهم الصالح، ومحبتهم الكريمة لغى - صلى الله عليه وسلم -. والضمير فى قوله ((فورهم)): يعود إلى النبى - صلى الله عليه وسلم- والذين آمنوا معه . وخص - سبحانه - الأمام واليمين بالذكر ، لفضل هذين المكانين ، إذ النور عندما يكون من الأمام يستمتع الإنسان بمشاهدته ، وعندما يكون عن جهة اليمين يزداد تفاؤلا وانشراحا به ... ٦١٨ سورة التحريم والتخصيص بذلك لا ينفى أن يكون النور محيطا بهم من كل جوانبهم، وهو نور حقيقي يكرم الله - تعالى - به عباده الصالحين . وختموا دعاءهم بقولهم - كما حكى القرآن عنهم -: «إنك على كل شىء قدير))، الإشارة إلى أنهم كانوا على جانب كبير من رجاء تحقق دعائهم، لأنهم يسألون ويدعون الله - تعالى -، الذى لا يقف أمام قدرته شى .... ثم أمر - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يجاهد الكفار والمنافقين جهادا كبيرا فقال: يأيها النبى جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم ..... )). وخص النبى - صلى الله عليه وسلم - بالأمر بالجهاد، مع أن الأمر به يشمل المؤمنين معه، لأنه - صلى الله عليه - هو قائدهم ورائدم ... وجهاده - صلى الله عليه وسلم - للكفار يكون بدعوتهم إلى الحق حتى يسلموا، فإذا لم يستجيبوا جاهدهم بالسيف والسلاح حتى يزهق باطلهم. وجهاده للمنافقين يكون بتأديبهم وزجرهم وإلقاء الرعب فى قلوبهم، حتى يأمن المؤمنون شرهم ، وحتى يشعروا بأن الفى والمؤمنين لهم بالمرصاد ... والغلظة فى الأصل: تطلق على الشىء الصلب الغليظ. والمراد بها هنا: معاملتهم بالشدة والخشونة والقسوة ... حتى يأمن المؤمنون جانبهم، ويتقوا شرم .. أى: يأيها النبي الكريم جاهد أنت ومن معك من المؤمنين، الكفار والمنافقين، وعاملهم جميعا بالخشونة والغلظة .... حتى ها بوك أنت ومن معك، وحتى تكونوا فى مأمن منهم ومن أذاهم إذ الحق لا بد له من قوة تحميه وتدفع عنه كيد أعدائه . وقوله - تعالى -: ((ومأواهم جهنم وبئس المصير، بيان لسوء مصيرهم فى الآخرة . ٦١٩ الجزء الثامن والعشرون أى: أن هؤلاء الكافرين والمنافقين، حالهم فى الدنيا المجاهدة والمعاملة التى لا تسامح معها ولا تساهل، حتى تكون كلمتهم السفلى، وكلمة الله - تعالى- هى العليا ... أما حالهم فى الآخرة، فالإلقاء بهم فى جهنم، وبئس المأوى والمسكن جهنم. فالمخصوص بالذم محذوف، وهو جهنم، أو المأوى ... وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أرشد النبى - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين ، إلى ما يسعدهم فى دنياه وآخرتهم . وبعد هذه النداءات، للمؤمنين، والكافرين وللنبى - صلى الله عليه وسلم-، ضرب - سبحانه - مثلين لنساء كافرات فى بيوت أنبياء، ولنساء مؤمنات فى بيوت كفار، لتزداد الموعظة وضوحا، وإيزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم. وليشعر الجميع - ولاسيما أزواج النبى - صلى الله عليه وسلم أنهم مسئولون أمام الله - تعالى - عن أعمالهم .... فقال - تعالى - : («ضربَ اللهُ مثلاً لَّذِينَ كَفَرُوا امرأَةَ نوحٍ وامرأةً لوطٍ ، كانتا تحتَ عبدَينِ مِنْ عِبِاَدْنَاَ صَلحينٍ «فخَتَاهما، فَلَمْ يُعْنَا عَنهماَ مِنْ الله عَيْئاً، وقيلَ ادْخُلا النَّار مَع الدَّاخِينَ (١٠) وضرب الله مثلاً للذينَ آمنُوا امرأةٌ فِرْعونَ ، إذْ قَالَتْ رَبٌّ ابنٍ لِ عِندِكَ يَدْأَ فى الجنَّةِ، وَتَجْنِى مِنْ فِرعَونَ وَعَملِهِ وَتَّنِى من القومِ الظالمينَ (١١) ومَرِيم ابنَ عَمْانَ التى أحصَنَتْ فَرْجَهَا، فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحنّاً، وصدَّقَتْ بكلماتٍ ربها وكُتُبهِ، وكانَتْ من القَانِتِينَ (١٢))). والمراد يضرب المثل. إيراد حالة غريبة، ليعرف بها حالة أخرى مشابهة ٦٢٠ سورة التحريم لها فى الغرابة. وقوله ((مثلا)، مفعول ثان لضرب، والمفعول الأول ((امرأة نوح ... )). والمتدبر القرآن الكريم، يراه قد أكثر من ضرب الأمثال، لأن فيها تقريبا للبعيد، وتوضيحا للغريب، وتشبيه الأمر المعقول بالأمر المحسوس، حتى يرسخ فى الأذهان .... أى: جعل الله - تعالى - مثلا لحال الكافرين، وأنه لا يغنى أحد عن أحد «امرأة نوح وامرأة لوط، عليهما السلام .. وعدى الفعل ((ضرب)) باللام، للإشعار بأن هذا المثل إنما سبق من أجل أن يعتبر به الذين كفروا، وأن يقلعوا عن جهالاتهم التى جعلتهم يعتقدون أن أصنامهم ستشفع لهم يوم القيامة . وقوله - تعالى -: ((كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فانتاهما .... بيان لحال هاتين المرأتين ، ولما قامتا به من أفعال شائنة، تتنافى مع صلتهما بهذين النبيين الكريمين .. والمراد بالتحتية هنا: كونهما زوجين لهذين النبيين الكريمين، وتحت عصمتهما وريانتهما، وأشد الناس التصاقا بهما. وقال - سبحانه - ((كانتا تحت عبدين ... )، للتعظم. أى: كانتا فى عصمة نبيين لهما من سمو المنزلة مالهما عند الله - تعالى -. ووصفهما - سبحانه - بالصلاح، - مع أنهما نبيان والنبوة أعظم هبة من الله لعبد من عباده -، للتغويه بشأن الصالحين من الناس ، حتى يحرصوا على هذه الصفة، ويتمسكوا بها، فقد مدح الله - تعالى - من هذه صفته فى آيات كثيرة، منها قوله - تعالى -: (( وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين)). وخيانة امرأة نوح له، كانت عن طريق إفشاء أسراره ، وقولها لقومه: إنه مجنون ...