Indexed OCR Text

Pages 501-520

٠٠١
الجزء الثامن والعشرون
أى: إذ نودى الصلاة الجمعة ، فأخرجوا إليها بحرص وسكينة ووقار ...
واتركوا المعاملات الدنيوية من بيع، وشراء، وإجارة، وغيرها.
وإنما قال - سبحانة ــ((وذرو البيع .. )) لأنه أهم أنواع المعاملات، فهو
من باب التعبير عن الشىء بأم أجزائه .
واسم الإشارة فى قوله - سبحانه -: ((ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون))
يعود إلى ما سبق ذكره من الأمر بالسعى إلى ذكر الله، متى نودى للصلاة،
وترك الاشتغال بالبيع وما يشبهه .
أى: ذلكم الذى أمرتكم به من السعى إلى ذكر الله عند النداء للصلاة من
يوم الجمعة ، ومن ترك أعمالكم الدنيوية .. ، خير لكم مما يحصل لكم من
رزق فى هذه الأوقات ، عن طريق البيع أو الشراء أو غيرهما.
فالمفضل عليه محذوف ، لدلالة الكلام عليه ، والمفضل هو السعى إلى
ذكر الله - تعالى - .
وهذا التفضيل باعتبار أن منافع السعى إلى ذكر الله تعالى ـ باقية دائمة،
أما المنافع الدنيوية فهى زائلة فانية .
وجواب الشرط فى قوله «إن كنتم تعلمون، محذوف أى: إن كنتم
تعلمون ما هو خير لسكم، فاسعوا إلى ذكر الله عند النداء للصلاة، واتركوا
البيع والشراء :
أو إن كنتم من أهل العلم والفقه السليم للأمور ، عرفتم أن امتثال أمر
الله - تعالى - بأن تسعوا، إلى ذكره عند النداء اصلاة الجمعة، خير لكم من
الاشتغال فى هذا الوقت من البيع والشراء ...
إذ فى هذا الإمتثال سعادتكم ونجاتكم من خزى الدنيا وعذاب الآخرة.
تم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر تيسيره عليهم فى تشريعاته فقال:
« فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض، وابتغوا من فضل اقه ... )).

٥٠٢
سورة الجمعة
أى : فإذا فرغتم من أداء الصلاة وأقمتموها على أكمل وجه ، فانتشروا
فى الأرض، وأمدوا فى مناكبها. لأداء أعمالكم التى كنتم قد تركتموها عند
النداء للصلاة، وأصلبوا الربح واكتساب المال والززق ، من فضل الله - تعالى -.
ومن فيض إنعامه والأمر هنا الإباحة ، لأنه وارد بعد حظر ، فهو كقوله
- تعالى -: ((وإذا حللتم فاصطادوا)) ...
أى: أن الانتشار فى الأرض بعد الصلاة لطلب الرزق ، ليس واجبا
عليه، إذ طلب الرزق قد يكون فى هذا الوقت ، وقد يكون فى غيره ...
والمقصود من الآية إنما هو تنبيه الناس، إلى أن لهم فى غير وقت الصلاة،
سعة من الزمن فى طلب الرزق ، وفى الاشتغال بالأمور الدنيوية ، فعليهم
أن يسعوا إلى ذكر الله، إذ ما نودى للصلاة من يوم الجمعة، وأن يحرصوا
على ذلك حرصا تاما ، مصحوبا بالنية الطيبة، وبالهيئة الحسنة، وبالمضى
المبكر إلى المسجد.
وقوله - سبحانه - ((واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون، تحذير لهم من
الإنتشار فى الأرض لمصالحهم الدنيوية ، دون أن يعطوا طاعة الله - تعالى -
وعبادته، ما تستحقه من عناية وموظبة.
أى: إذا قضيت الصلاة، فانتشروا فى الأرض لتحصيل معاشكم ، دون
أن يشغلكم ذلك عن الإكثار من ذكر الله - تعالى - فى كل أحوالكم، فإن
الفلاح كل الفلاح فى تقديم ما يتعلق بأمور الدين ، على ما يتعلق بأمور الدنيا،
وفى تفضيل ما يبقى على ما يفنى .
والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها ترسم للمسلم التوازن السامى ، بين.
ما بقتضيه دينه ، وما تقتضيه دنياه .
إنها تأمره بالسعى فى الأرض ، ولكن فى غير وقت النداء للصلاة من
يوم الجمعة، ودون أن يشغله هذا السعى عن الإكثار من ذكر الله، فإن الفلاح.
=

٥٠٣
الجزء الثامن والعشرون
فى الإقبال على الطاعات التى ترضيه - سبحانه -، ومن بين هذه الطاعات أن
يكثر الإنسان من ذكر الله - تعالى .. ، حتى فى حالة سعيه لتحصيل رزقه.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بعتاب يحمل فى طياته ثوب التأديب
والإرشاد والتأنيب ، لمن آثر مطالب الذنيا على مطالب الآخرة فقال - تعالى
((وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائماً ......
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: يعاقب - تبارك وتعالى - على ما كان وقع
من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة ، التى قدمت المدينة يومئذ،
فقال: ((وإذا رأو تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائماً ...
فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن جابر قال: قدمت عيرُ - أى : تجارة
- المدينة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب - يوم الجمعة -، خرج
الناس ، وبقى اثنا عشر رجلا ، فنزلت هذه الآية .
وفى رواية عن جابر - أيضا - أنه قال: بينما النبى - صلى الله عليه وسلم -
بخطب يوم الجمعه، فقدمت عير إلى المدينة، فابت رها الناس ، حتى لم يبق مع
الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا اثنا عشر رجلا، فقال - صلى الله عليه
وسلم -: ((والذي نفسي بيده، لو تتابعتم حتى لم يبقمنكم أحد، لسال بكم
الوادى نارا، ونزلت هذه الآية ..... (١).
وفى رواية أن الذين بقوا فى المسجد كانوا أربعين ، وأن العير كانت لعبد
الرحمن بن عوف، وكان قد أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر (٢).
وفى رواية أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب، فقدم دحية
الكلبى بتجارة له ، فتلقاه أهله بالدفوف ، فرج الناس)).
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٠١٤٩
(٢) راجع تفسير الآلوسي = ٢٨ ص ٠١٠٥

٠٠٤
سورة الجمعة
و ((إذا، فى قوله - تعالى -: «وإذا روأ تجارة ... ، ظرف للزمان الماضى
المجرد عن الشرط، لأن هذه الآية نزلت على الرسول - صلى الله عليه وسلم-
بعد أن انفض عنه من انفض وهو يخطب وقوله . «انفضوا، من الانفضاص،
بمعنى التفرق. يقال: انفض فلان عن فلان إذا تركه وانصرف عنه. وهو
من الفض. بمعنى كسر الشىء والتفريق بين أجزائه .
والضمير فى قوله (( إليها، يعود للتجارة، وكانت عودته إليها دون اللهو)،
لأن الانفضاض كان لها بالأصالة، والمراد باللهوحنا: فرحهم بمجىء التجارة،
واستقبالهم لها بالدفوف ، لأنهم كانوا فى حالة شديدة من الفقر وغلاء
الأسعار .
والتعبير بأو يشير إلى أن بعض المنفضين قد انفضوا من أجل التجارة،
وأن البعض الآخر قد انفض من أجل اللهو .
قال الجمل فى حاشيته: والذى سوغ لهم الخروج وترك الرسول-
- صلى الله علية وسلم - بخطب، أنهم ظنوا أن الخروج بعد تمام الصلاة جائز،
لانقضاء المقصود وهو الصلاة، لأنه كان - صلى الله عليه وسلم - فى أول
الإسلام يصلى الجمعة قبل الخطبة كالعيدين، فلما وقعت هذه الواقعة، ونزلت
الآية، قدم الخطبة وأخر الصلاة ،(١).
وقوله - سبحانه -.. وتركوك قائما، جملة حالية من فاعل ((انفضوا))،
والمقصود بها توبيخهم على هذا التصرف، حيث تركوا رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - واقفا يخطب على المنبر، وانصرفوا إلى التجارة واللهو.
وقوله - سبحانه - ((قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة، والله
خير الرازقين)) إرشاد لهم إلى ما هو الأنفع والأبقى والأكرم لهم .
أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الذين انفضوا عنك وأنت
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٤ ص ٠٣٤٥

٠٠٠
الجزء الثامن والعشرون
تخطب ... قل لهم: ما عند الله - تعالى - من ثواب ومن عطاء خير من اللهو
الذى يشغلكم عن ذكر الله، ومن التجارة التى قبتغون من ورائها الربح
المادى ، والمنافع العاجلة ...
والله - تعالى - هو خير الرازقين، لأنه - سبحانه - هو وحده الذى
يقسم الأرزاق، وهو الذى يعطى ويمنع، كما قال - سبحانه -: ((ما يفتح
الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده، وهو
العزيز الحكيم».
وقدمت التجارة على اللهو فى صدر الآية ، لأن رؤيتها كانت الباعث
الأعظم على الانفضاض إليها ، وترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - قائماً
يخطب على المنبر ، ولم يبق معه إلا عدد قليل من أصحابه.
وأخرت فى آخر الآية وقدم اللهو عليها ، ليكون ذمهم على انفضاضهم
أشد وأوجع، حتى لا يعودوا إلى مثل ذلك .
هذا ، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات مايأتى:
١ - فضل يوم الجمعة، وفضل صلاة يوم الجمعة، والتحذير من ترك أدائها.
ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى، مارواه مسلم وأبو داود
والنسائى عن أبى هريرة، أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : خير
يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، وفيه أدخل الجنة ، وفيه
أخرج منها ، ولا تقوم الساعة إلا فى يوم الجمعة)).
وروى الشيخان عن أبى هريرة أنه سمع النبى - صلى الله عليه وسلم -
يقول: نحن الآخرون - أى: زمنا - السابقون يوم القيامة قبل غيرهم -،
يد أنهم - أى: اليهود والنصارى - أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من
بعدهم ، ثم هذا يومهم الذى فرض عليهم - أى: تعظيمه ، فاختلفوا فيه. فهدانا
الله، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غدا - أى: السبت - ، والنصارى بعد غد -
أى : الأحد ..

٠٠٦
سورة الجمعة
وروى مسلم والنسائى عن ابن عمر أنه سمع النبى - صلى الله عليه وسلم -
يقول على أعواد منبره: (( لينتهين أقوام عن وَ د عهمَ الجمعات - أى تركهم
صلاة الجمعة -، أو ليختمن اللّه على قلوبهم ، ثم ليكونن من الغافلين)).
قال القرطى ما ملخصه= وإنما سميت الجمعة جمعة ، لأنها مشتقة من الجمع ،
حيث يجتمع الناس فيها للصلاة .... وكان يقال ليوم الجمعة : العروبة ....
قال البيهقى : وروينا عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب الزهرى، أن
مصعب بن عمير ، كان أول من جمع الجمعة بالمدينة للمسلمين ، قبل أن
يهاجر إليها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ...
ثم قال القرطبى: وأما أول جمعة جمعها - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه،
فقال أهل السير والتاريخ: قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مها جرا
حتى نزل بقباء، على بنى عمروبن عوف، يوم الإثنين، لاثنى عشرة ليلة خلت
من شهر ربيع الأول حين اشتد الضحى .
ومن تلك السنة يعد التاريخ. فأقام بقباء إلى يوم الخميس، وأسس مسجدهم
ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة ، فأدركته الجمعة فى بنى سالم بن عوف ، فى بطن
وادلهم، جمع بهم وخطب . وهى أول خطبة خطبها بالمدينة ، وقال فيها: الحمد
قه. أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه ... ))(!).
٢ - الآية الكريمة وإن كانت قد أمرت المؤمنين بالسعى إلى صلاة
الجمعه عند النداء لها ، إلا أن هناك أحاديث متعددة تحض على التبكير بالحضور
إليها، وبالغسل لها، وبمس الطيب، وبالحضور إليها على أحسن حالة ...
ومن تلك الأحاديث مارواه الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة أن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - قال .. من أغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة - أى:
(١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ٩٩

٥٠٧
الجزء الثامن والعشرون
كغسل الجنابة - ثم راح إلى المسجد، فكأنما قرب بدنة - أى. ناقة ضخمة
ومن راح فى الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح فى الساعة الثالثة
فكأنما قرب كبشا أقرن ــ أى له قرون -، ومن راح فى الساعة الرابعة
فكأنما قرب دجاجة، ومن راح فى الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا
خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر ).
وووى ابن ماجة عن ابن مسعود قال . سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم
يقول: إن الناس يجلسون يوم القيامة على قدر ترواحهم إلى الجمعات ، الأول
ثم الثانى ثم الثالث ثم الرابع، وما رابع أربعة من الله ببعيد)).
وروى الشيخان عن أبى سعيد الخدرى، عن النبى -صلى الله عليه وسلم-
أنه قال: « على كل مسلم الغسل يوم الجمعة، ويلبس من صالح ثيابه، وإن
كان له طيب مس منه».
٣ - أخذ العلماء من قوله - تعالى -: ((إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة
فسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ... )) أن صلاة الجمعة فريضة محكمة، وأن
الحى لأدائها واجب ، وأن ترك ذلك محرم شرعا .
ومن المعروف بين العلماء أن الأمر يقتضى الوجوب، مالم يوجد له
صارف ، ولاصارف له هنا ..
قال الإمام القرطبى: فرض الله - تعالى - الجمعة على كل مسلم، ردا على
على من يقول : إنها فرض على الكفاية . ونقل عن بعض الشافعية أنها سنة ..
وجمهور الأمة والأئمة أنها فرض على الأعيان، لقوله - تعالى -: ((إذا
نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ... )).
وثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لينتهين أقوام عن
ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين)).
وهذا حجة واضحة فى وجوب الجمعة وفرضيتها ... )،(!).
(١) راجع تفسير القوطبى = ١٨ ص ١٠٥

٥٠٨
سورة الجمعة
قال بعض العلماء : جاء فى الآية الكريمة الأمر بالسعى، والأمر للوجوب
فيكون السعى واجبا، وقد أخذ العلماء من ذلك أن الجمعة فريضة، لأنه
- سبحانه - قد رتب الأمر للذكر على النداء للصلاة، فإذا كان المراد بالذكر
هو الصلاة ، فالدلالة ظاهرة، لأنه لا يكون السعى لشىء واجبا، حتى يكون
ذلك الشيء واجبا .
وأما إذا كان المراد بالذكر الخطبة فقط، فهو كذلك، لأن الخطبة شرط
الصلاة، وقد أمر بالسعى إليه، والأمر للوجوب، فإذا وجب السعى للمقصود
تبعا، فما ذلك إلا لأن المقصود بالذات واجب ...
كما أن الاشتغال بالبيع أو الشراء وقت النداء محرم، لأن الأمر للوجوب.
وقال بعضهم: هو مكروه كراهة تحريم ... ،(٢).
ومما يدل على أن صلاة الجمعة فريضه محكمة، وأن السعى إليها واجب، وأن
الاشتغال عنها بالبيع أو الشراء محرم، ماجاء فى الأحاديث من الأمر بالمحافظة
عليها، ومن التخدير من تركها، مارواه أبو داود من حديث أبي الجعد ، أن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من ترك ثلاث جمع تهاونا بها، طبع
الله على قلبه،.
٤ - قوله - تعالى -: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض ... ، يدل
دلالة واضحة ، على سمو شريعة الإسلام، وعلى سماحتها ويسرها، وجهها بين
مطالب الدنيا ومطالب الآخرة ...
ومع أن هذا الأمر بالانتشار بعد الصلاة للإباحة - كما سبق أن قلنا -، إلا
أن بعض السلف كان إذا أنتهت الصلاة ، خرج من المسجد، ودار فى السوق
ساعة ، ثم رجع إلى المسجد فصلى ماشاء أن يصلى ...
(١) راجع تفسير آيات الأحكام ج ٤ ص ١٥٢ لفضيلة الشيخ محمد
على السايس .

٥٠٩
الجزء الثامن والعشرون
قال الإمام ابن كثير : كان عراك بن مالك - أحد كبار التابعين - إذا
صلى الجمعه، انصرف فوقف على باب المسجد وقال: «اللهم إنى أجبت دعوتك
إوصليت فريضتك ، وانتشرت كما أمرتنى، فارزقنى من فضلك وأنت خير
الرازقين ، (١) .
هذا ، وهناك أحكام أخرى توسع المفسرون والفقهاء فى الحديث عنها،
يرجع إليها من شاء المزيدمن معرفة هذه الأحكام والآداب ...
وبعد: فهذا تفسير لسورة ((الجمعة))، نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا.
لوجهه ، ونافعا لعباده .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.؟
: القاهرة - مدينة نصر - صباح الثلاثاء ١٠ من شوال ١٤٠٦ هـ
١٩٨٦/٦/١٧ م
(١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ١٤٩

تفسير
سُورَة المَنَافِقون

مقدمة وتمهيد
١ - سورة (المنافقون، من السور المدنية الخالصة، وعدد آياتها
حدى عشرة آية، وكان نزولها مدسورة ((الحج))، وقبل سورة
: المجادلة (١).
وقد عرفت بهذا الإسم منذ عهد النبوة، فقد جاء فى حديث زيد بن أرقم
الذى سنذكره خلال تفسير فالها - أنه قال: «فلما أصبحنا قرأ رسول الله
٢ - صلى الله عليه وسلم - سورة المنافقين)).
وقال الآلومى. أخرج سعيد بن منصور، والطبرانى فى الأوسط -
بسند حسن - عن أبى هريرة. قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يقرأ فى صلاة الجمعة فى الركعة الأولى - بسورة الجمعة، فيحرض بها المؤمنين،
ويقرأ فى الركعة الثانية بسورة المنافقين ، فيقرع بها المنافقين ،
٢ - والمحققون من العلماء على أن هذه السورة، نزات فى غزوة بنى
المصطلق ، وقد جاء ذلك فى بعض الروايات التى وردت فى سبب نزول بعض
آياتها، والتى سنذكرما خلال تفسيرنا لها - بإذن الله -، وكانت هذه الغزوة
فى السنة الخامسة من الهجرة .
وذكر بعضهم أنها نزلت فى غزوة ((تبوك))، وما يشهد لضعف هذا
القول، أن المنافقين فى هذا الوقت - وهو السنة التاسعة من الهجرة -، كانوا
قد دالت دو لتهم، وضعف شأنهم، وما كان لواحد منهم أن يقول: ((لئن
رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل )
(١) راجع الإتقان في علوم القرآن جـ ١ ص ٢٧ السيوطى.
( ٣٣ - سورة المنافقون)

- ٥١٤ -
٣ - وسميت هذه السورة، بسورة ((المنافقون))، لأنها فضحتهم،
ووصفتهم بماهم أهله من صفات ذميمة ، ومن طباع قبيحة ، ومن مسالك
سيئة ... ويكاد حديثها يكون مقصورا عليهم، وعلى أكاذيبهم ودسائسهم.
وحديث القرآن عن النفاق والمنافقين ، قد ورد فى كثير من السور
المدنية ، ففى سورة البقرة نجد حديثا مستفيضا عنهم، يبدأ بقوله - تعالى -:
(( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر، وما هم بمؤمنين ... ))
وفى سورة آل عمران نجد توبيخا من القه - تعالى - لهم، كما فى قوله
- عز وجل -: «الذين قالوا لإخواتهم وقعدوا، لو أطاعونا ما قتلوا، قل.
فادر. وا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ....
وفى سورة النساء بجد آيات متعددة تتحدث عن قبائحهم ، ومن ذلك
قوله - تعالى -: ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل اليك، وما أنزل
من قبلك ، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ،
ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا. وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله
وإلى الرسول، رأيت المنافقين يصدون عنك مدودا ... )
أما سورة ( التوبة ) فهى أكثر السور حديثا عنهم، ولذا سميت بالفاضحة.
لأنها فضحتهم على رؤوس الأشهاد، كما سميت بالمنفرة، لأنها نقرت عما فى
قلوبهم، وكشفت عنه. كما سميت بالمبعثرة، لأنها بعثرت أسرارهم ... (١)
والحق أنه لاتكاد تخلوسورة من السور المدنية، من الحديث عن المنافقين
وعن سوء سلوكهم وأخلاقهم ... ، وجوب إبتعاد المؤمنين عنهم.
٤ - والنفاق إنما يظهر ويفشو حيث تكون القوة، لذا لم يكن المنافقين
أثر فى العهد المكي، لأن المؤمنين كانوا قلة مستضعفين فى الأرض ، ومن
كان هذا شأنه لا ينافقه الناس، فضلا عن أن مشركى مكة كانوا بطبيعتهم
(١) راجع مقدمة تفسير نالسورة التوبة .

- ٥١٠ -
جبابزة، وكانوا يعلنون حربهم على الدعوة الإسلامية إعلانا سافرا،
لا التواء معه ولا مداهنة .
أما المؤمنون فى العهد المدني ، فقد كانوا أقوياء، خصوصا بعد أن
أسسوا دولتهم، وانتصروا على المشركين فى غزوة بدر ... كما إنتصروا على
اليهود ... فظهرت حركة النفاق فى المدينة ، لمداهنة المؤمنين، وللحصول
على تصيبهم من الغنائم الى يغنمها المؤمنون ... ولغير ذلك من الأسباب التى
ذكرها العلماء والمؤرخون ... (١)
وسورة ( المنافقون ) فضحت أحوالهم، وكشفت عن دخائلهم وعن
خسة نفوسهم ... وختمت بموعظة المؤمنين، وبحثهم على الإنفاق فى سبيل
الله، وعلى تقديم العمل الصالح ، الذى ينفعهم فى ذنياهم وفى آخرتهم.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم .
القاهرة - مدينة نصر
مساء الثلاثاء : ١ من شوال سنة ١٤٩٦ هـ
١٩٨٦/٦/١٧ م
(١) راجع على سبيل المثال كتاب:(سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم-
« ٢ ص ١٧٦ للأستاذ محمد عزت ذروزه .

٥١٦
سورة المنافقون
التفسير
قال الله - تعالى - إِذَا جَك المنافقونَ قالُوا نَشْهَد إِنَّكَ لرسُولُ
الله، والهُ يعَلَمُ إِنَّكَ لرَسُولُهُ، وَاللّهُ يَشْهد إنَّ المنَافِقِينَ لكَاذِبُونَ (١)
اتَّخِذُوا أَيْمَنَهم جُنَّةً ، فَصِدُّوا عَنْ سَبِيلِ الله، إنَّهم ساء ما كانوا
يَعْلُونَ (٢) ذلِكَ بأَهم آَمُوا ثم كفَرُوا، فَطُبِع ◌َلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ
لا يَفْقَّهُونَ (*) وإذَا رَأَيَتَهم تُمجِبُّكَ أجْسامُهِمْ وإنْ يَقُولُوا تَسْتَع
لِقَوْلِيْ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ، يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ، هَم
العَدُوُّ ، فاحذَرْهُم قاتَلُهُمُ اللهُ أَنَّى يَوْفَكُونَ (٤))) .
فتتح الله - تعالى - السورة الكريمة. بالحديث عن صفة من أبرز
الصفات الذميمة المنافقين , ألا وهى صفة الكذب والخداع، فقال - تعالى -
« إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ... )).
" و((إذا، هنا ظرف للزمان الماضى ,بقرينة كون جملتيها ماضيتين،
وجواب ((إذا) قوله: «قالوا فضهد إنك لرسول الله ... ، والخطاب الرسول
- صلى الله عليه وسلم - .
و((المنافقون) جمع منافق، وهو من يظهر الإسلام ويخفى الكفر، أو
من يظهر خلاف ما يبطن من أقوال وأفعال ..
أى: إذا حضر المنافقون إلى مجلسك - أيها الرسول الكريم - قالوا لك
على سبيل الكذب والمخادعة والمداهنة ... نشهد أنك رسول من عند الله
- تعالی ۔، و أنك صادق فيما تبلغه عن ربك :.
وعبروا عن التظاهر بتصديقهم له - صلى الله عليه وسلم - بقولهم. نشهد،
المأخوذ من الشهادة التى هى إخبار عن أمر مقطوع به- وأكدوا هذه الشهادة.

٥١٧
الجزء الثامن والعشرون.
يان واللام، للايهام بأن شهادتهم صادقة، وأنهم لا يقصدون بها إلا وجه الحق.
وأن ما على ألسنتهم يوافق ما فى قلوبهم .
قال الشوكانى: أكدوا شهادتهم بإن واللام .. للاشعار بأنها صادرة من
صميم قلوبهم ، مع خلوص فياتهم : والمراد بالمنافقين: عبد الله بن أبى
وأتباعه .
ومعنى أشهد: تحلف ، فهو يجرى مجرى القسم . ولذا بتلقى بما يتلقى به القسم ..
ومثل نشهد نعلم ، فإنه يجرى مجرى القسم ، كما فى قول الشاعر :
ولقد علمت لتأتين منيتى إن المنايا لا تطيش سهامها (1)
وقوله :. والله يعلم إنك لرسوله، جملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها،
من كونه - صلى الله عليه وسلم - رسول من عند الله - تعالى - حقا.
وجملة: «والله يشهد إن المنافقين لكاذبون. معطوفة على قوله: « قالوا
تشهد ، ...
أى. إذا حضر المنافقون إليك - أيها الرسول الكريم - قالوا كذبا
وخداعا : نشهد إنك لرسول الله، «واقه » - تعالى - يسلم إنك لرسوله «حقا
سواء شهدوا بذلك أم لم يشهدوا، فأنت لست فى حاجة إلى هذه الشهادة التى
تخالف بواطنهم ...
((والله)) - تعالى - يشهد إن المنافقين لكاذبون)) فى قولهم: نشهد إنك
لرسول الله، لأن قولهم هذا يباين ما أخفته قلوبهم المريضة، من كفرونفاق
وعداوة لك وللحق الذى جئت به ...
والإيمان الحق لايتم ، إلا إذا كان ما ينطق به اللسان، يوافق ويواطىء
ما أضمره القلب. وهؤلاء قد قالوا بألسنتهم ماليس فى قلوبهم، فثبت كذهم
فى قولهم : نشهد إنك لرسول الله ...
(١) تفسير فتح القدير ج ● ص ٠٢٢٠

٥١٨
سورة المنافقون
قال صاحب الكشاف: فإن قلت. أى فائدة فى قوله - تعالى -: «والله
يعلم إنك لرسوله، ؟ قلت: لو قال: قالوا نشهد إنك لرسول الله، والله يشهد
إن المنافقين لكاذبون ، لكان يوم أن قولهم هذا كذب ، فوسط بينهما
قوله: ((والله يعلم إنك لرسوله، ليميط هذا الإيمان،(!).
وجىء بالفعل ((يشهد، فى الإخبار عن كذبهم فيما قالوه، للمشاكلة ، حتى
يكون إبطال خبرهم مساويا لإخبارهم ولما نطقوا به.
ثم بين - سبحانه+جانبا من الوسائل التى كانوا يستعملونها لكى يصدقهم
من يسمعهم فقال - تعالى -: ((اتخذوا أيمانهم جنة» ...
والأيمان : - بفتح الهمزة - جمع يمين. والجنة - بضم الجيم - ما يستقر به
المقائل ليتقى ضربات السيوف والرماح والنبال ...
أى: أن هؤلاء المنافقين إذا ظهر كذبهم ، أو إذا جوبهوا بما يدل على
كفرهم ونفاقهم، أقسموا بالأيمان المغلظة بأنهم ما قالوا أو فعلوا ما يسى. إلى
التى - صلى الله عليه وسلم -، أو إلى المؤمنين ...
فهم يستقرون بالحلف الكاذب ، حتى لا يصيبهم أذى من المؤمنين ، كما
يستقر المقاتل بترسه من الضربات .
وقد حكى القرآن كثيرا من أيمانهم الكاذبة، ومن ذلك قوله - تعالى -:
((ويحلفون بالله إنهم لمنكم وماهم منكم، ولكنهم قوم يفرقون)،(٢).
وقوله - سبحانه -: ((يحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر،
وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا .... (٣).
(١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٥٣٨
(٢) سورة التوبة . الآية ٠٦
(٣) سورة التوبة الآية ٧٤

٥١٩
الجزء الثامن والعشرون
وقوله - عز وجل -: «بحلفون بالله لكم ليرضوكم، والله ورسوله أحق
أن يرضوه إن كانوا مؤمنين))(١) .
قال الآلوسى : قال قتادة : كلما ظهر شىء منهم يوجب مؤاخذتهم، حلفوا
كاذبين، عصمة لأموالهم ودمائهم،(٢).
والفاء فى قوله - تعالى -: ((فصدوا عن سبيل الله ... ) للتفريع على ما تقدم.
أى: اتخذوا أيمانهم الفاجرة ذريعة أمام المؤمنين لكى يصدقوم. فتمكنوا
عن طريق هذه الأيمان الكاذبة ، من صد بعض الناس عن الصراط المستقيم ،
ومن تشكيكهم فى صحة ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -.
٠
فهم قد جمعوا بين رذيلتين كبيرتين: إحداهما: يعتمد على الأيمان
الكاذبة، والثانية: إعراضهم عن الحق، ومحاولتهم صرف غيرثم عنه ..
وقوله - سبحانه -: «إنهم ساء ما كانوا يعملون ، تذييل قصد به بيان
قبح أحوالهم، وسوء عاقبتهم .
وساء فعل ماض بمعنى مس فى إفادة الذم. ومما، موصولة والعائد
محذوف .
أى: إن هؤلاء المنافقين بئس ما كانوا يقولونه من أقوال كاذبة، وساء
ما كانوا يفعلونه من أفعال قبيحة ، سيكونون بسببها يوم القيامة فى الدرك
الأسفل من النار .
واسم الإشارة فى قوله - تعالى - بعد ذلك: , ذلك بأنهم آمنو ثم كفروا))
يعود إلى ما تقدم ذكره من الكذب، ومن الصد عن سبيل الله، ومن قبح
الأقوال والأفعال .
(١) سورة التوبة الآية ٦٢
(٢) تفسير الآلومى حـ ٢٨ ص ١٠٩

٥٢٠
سورة المنافقون
أى : ذلك الذى ذكر من حالهم الذى دأبوا عليه من الكذب والخداع
والصد عن سبيل الله ... سببه أنهم ((آمنوا، أى: نطقوا بكلمة الإسلام
بألسنتهم دون أن يستقر الإيمان فى قلوبهم ((ثم كفروا، أى: ثم ارتكوا
فى الكفر واستمروا عليه ، وظهر منهم ما يدل على رسوخوم فيه ظهورا
جليا، كقولهم: ((أنؤ من كما آمن السفهاء .. ، وكقولهم للمجاهدين: ((لا تنفروا
فى الحر .. .».
( فطبع على قلوبهم، أى: فختم الله - تعالى - عليها بالكفر نتيجة
إصرارهم عليه، فصاروا ، بحيث لا يصل إليه الإيمان .
(((فهم لا يفقهون، أى: فهم لا يدركون حقيقة الإيمان أصلا، ويشعرون
به، ولا يفهمون حقائقه لانطماس بصائرهم .
وقوله: (( ذلك، مبتدأ. وقوله ((بأنهم آمنوا ثم كفروا٠٠)) خبر:
والباء السببية .
و((ثم)) للتراخى النسب، لأن إبطان الكفر مع إظهار الإيمان أعظم
من الكفر الصريح ، وأشد ضررا وقبها .
قال صاحب الكشاف: فين قلت: المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر
الثابت الدائم، فما معنى قوله. ((آمنوا ثم كفروا)؟
قلت: فيه ثلاثة أوجه: أحدها : آمنوا ، أى نطقوا بكلمة الشهادة ،
وفعلوا كما يفعل من يدخل فى الإسلام، ثم كفروا. أى: ثم ظهر كفرتم بعد
ذلك وتبين بما أطلع الله عليه المؤمنين من قولهم: إن كان يقوله محمد - صلى
الله عليه وسلم - حقا فنحن حمير ....
والثانى : آمنوا، أى: نطقوا بالإيمان عند المؤمنين ، ثم نطقوا بالكفر
عند شياطينهم استهزاء بالإسلام، كقوله - تعالى -: ((وإذا لقوا الذين آمنوا
قالوا آمنا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم)).