Indexed OCR Text
Pages 481-500
البيئي مقدمة و تمهد ١ - سورة ((الجمعة) من السور المدنية الخالصة. قال الآلوسى : هى مدنية ، كما روى عن ابن عباس وابن الربير، والحسن، ومجاهد. وعكرمة ، وقتادة ، وإليه ذهب الجمهور . وقال ابن يسار : هى مكية ، وحكى ذلك عن ابن عباس ومجاهد: والأول هو الصحيح. لما رواه البخاري وغيره عن أبى هريرة قال : كنا جلوسا عند النبى - صلى الله عليه وسلم - حين أنزلت سورة الجمعة، فتلاها، فلما بلغ (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ... )) قال له رجل: يارسول الله - من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا؟ فوضع - صلى الله عليه وسلم - يده على سلمان الفارسى، وقال: والذى نفسى بيده لو كان الإيمان بالثريا لنا له رجال من هؤلاء ... )). ومن المعروف أن إسلام أبى هريرة كان بعد الهجرة بمدة بالاتفاق.»(١). ٢ - وهى عشر آيات، وكان نزولها بعد سورة التحريم))، وقبل سورة ((التغابن)). وقـ كان النبى - صلى الله عليه وسلم - كثيرا ما يقرؤها فى صلاة الجمعة، فقد روى الإمام مسلم فى صحيحه عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أن رسول - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ فى صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين)). وأخرج ابن حبان والبيهقى عن جابر بن سمرة أنه قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ فى صلاة المغرب ليلة الجمعة، بسورة ((الكافرون)) وبسورة «قل هو الله أحد ... ،، وكان يقرأ فى صلاة العشاء الأخيرة من ليلة (١) تفسير الآلوسى = ٢٨ ص ٠٩٢ (٣١ - سورة الجمعة) - ٤٨٢ - الجمعة ، بسورة الجمعة، وبسورة المنافقين ... )) وسميت بهذا الاسم لحديثها عن يوم الجمعة ، وعن وجوب السعى إلى صلاتها . ٣ - وقد اشتملت السورة الكريمة، على الثناء على الله - عز وجل -، وعلى مظاهر نعمه على عباده ، حيث أرسل فيهم رسولا كريما ، ليزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة .. كما اشتملت على توبيخ اليهود وذمهم ، لعدم عملهم بالكتاب الذى أنزله - سبحانه - هدايتهم وإصلاح حالهم ... ، كما اشتملت على دعوة المؤمنين ، إلى المحافظة على صلاة الجمعة ، وعلى المبادرة إليها دون أن يشغلهم عنها شاغل ... نسأل الله - تعالى أن يجعلنا من المحافظين على فرائضه وتكاليفه، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم . د محمد سيد طنطاوى القاهرة • من شوال ١٤٠٦هـ ١٩٨٦/٦/١١ م ٤٨٣ الجزء الثامن والعشرون التفسير قال الله - تعالى -: ((يُسَبُح للهِ ما فى السَّمواتِ وما فى والأرْض الّكِ القُدُّوس العزيزِ الحكيمِ (١) هُو الذى يعَتَ فى الْأُمِّينَ رسولاً مِنِهم ، يِتُلُوا عَلَيهِمْ آيَاتِهِ، وُزَكَيهم، وُعلِّهمُ الكتابَ والحكمةَ، ◌ِإِنْ كَانُوا مِنْ قَيلُ لفى ضلالٍ مُبِينٍ (٢) وآخرِينَ مِنْهم لمَّا يَلحقُوا بِهِمْ وهُو العزيزُ الحَكِيمُ (٣) ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يؤْتِيهِ من يشاء، واللهُ ذُوِ الفَضْلِ العَظيمِ (٤)). ". أفتتحت سورة ((الجمعة)) كغيرها من أخواتها ((المسبحات)) بالثناء على انه - تعالى -، وببيان أن المخلوقات جميعها، نسبح بحمده - تعالى- وتقدمر له. والتسبيح : تنزيه الله - تعالى - عما لا يليق به، اعتقادا وقولا وعملا، مأخوذ من السبح، وهو المر السريع فى الماء أو الهواء، لأن المسبح قه - تعالی ۔ مسرع فی تنزیہہ ـ تعالی ۔ و تبر ئته من كل سوء . وقوله: « القدوس ، من التقديس بمعنى التعظيم والتطهير وغير ذلك من صفات المكال . أى: أن التسبيح: ففى مالا يليق بذانه - تعالى -، والتقديس: إثبات ما يليق بجلاله - سبحانه - والمعنى: ينزه الله - تعالى - ويبعده عن كل نقص، بجميع مافى السموات، وجميع مافى الأرض من مخلوقات ، فهو - سبحانه - ( الملك، أى: المدير لشئون هذا الكون، المتصرف فيه تصرف المالك فما ملك ... · «القدوس، أى: البليغ فى الطهارة وفى التنزه عن كل نقص، من القدس - بضم القاف وسكون الدال ـ بمعنى الطهر. وأصله القدس - يفتح القافى والدال - وهو الإناء الذى يكون فيه ما يتطهر به، ومنه القادوس وهو إناء معروف . ٤٨٤ سورة الجمعة ((العزيز، الذى لا يغلبه غالب, الحكيم، فى كل أقواله وأفعاله وتصرفاته . هذا ، ومن الآيات الكثيرة الدالة على أن جميع من فى السموات ومن فى الأرض، يسبحون الله - تعالى -، قوله - عز وجل -: « تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن ، وإن منشیء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم . إنه كان حليما غفورا،(١) . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على خلقه، فقال («هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم، يتلو عليهم آياته، ويزكيهم ويعلمهم الكتابو والحكمة ..... وقوله: الأميين ، جمع أمى، وهو صفة لموصوف محذوف. أى: فى الناس أو فى القوم الأميين، والمراد بهم العرب، لأن معظمهم كانوا لا يعرفون القراءة والكتابة . ٠ وسمى من لا يعرف القراءة والكتابة بالأمى ، اغلبة الأمية عليه ، حتى لكأن حاله بعد تقدمه فى السن ، كحاله يوم ولدته أمه فى عدم معرفته. للقراءة والكتابة . و((من)، فى قوله - تعالى -:: منهم، للتبعيض ، باعتبار أنه واحد منهم، ويشاركهم فى بعض صفاتهم وهى الأمية . وقوله : - يتلو ... )) من التلاوة، وهى القراءة المتتابعه المرتلة، الى يكون بعضها قلو بعض . وقوله: ((ويزكيهم)، من التزكية بمعنى التطهير والتنقية من السوء والقبائح .. والمراد بالكتاب: القرآن، والمراد بتعليمه: بيان معانيه وحقائقه، وشرح أحكامه وأوامره ونواهية ... (١) سورة الإسراء. الآية ٤٤٠ ٤٨٥ الجزء الثامن والعشرون والمراد بالحكمة: العلم النافع ، المصحوب بالعمل الصالح ، وفى وضعها إلى جانب الكتاب إشارة إلى أن المقصود بها، السنة النبوية المطهرة، إذ إيهالكتاب وبالسنة، يعرف الناس أصلح الأقوال والأفعال ، واعدل الأحكام، وأقوم الآداب ، وأسمى الفضائل ... . أى: هو سبحانه - وحده، الذى (( بعث، بفضله وكرمه، فى العرب ((الأميين، رسولا)، كربما عظيما، كائنا: منهم، أى: من جفسهم ويعرفون حسبه ونسبه وخلقه .. هذا الرسول الكريم أرسلناه إليهم، ليقرأ عليهم آيات الله - تعالى - التى أنزلها عليه هدايتهم وسعادتهم، متى آمنوا بها، وعملوا ما اشتملت عليه من توجيهات سامية .... وأرسلناه إليهم - أيضا ليزكيهم، أى وليطهرهم من الكفر والقبائح والمنكرات . وليعلمهم الكتاب، بأن يحفظهم إياه، ويشرح لهم أحكامه، ويفسر لهم ما خفى عليهم من ألفاظ ومعانيه . ج وليعلهم - أيضا - الحكمة، أى: العلم النافع المصحوب بالعمل الطيب وصدر - سبحانه - الآية الكريمة بضمير اسم الجلالة، لتربية المهابة فى النفوس، ولتقوية ما اشتملت عليه من نعم وأحكام، إذ هو - سبحانه - وحده الذى , فعل ذلك لا غيره . وعبر - سبحانه بفى المفيدة للظرفية فى قوله - تعالى -: ((فى الأميين))، للإشعار بأن هذا الرسول الكريم الذى أرسله إليهم، كان مقيما فيهم، وملازما لهم، وحريصا على أن يبلغهم رسالة الله - تعالى - فى كل الأوقات والأزمان . والتعبير بقوله: ((منهم)) فيه ما فيه من دعرنهم إلى الإيمان به، لأن هذا الرسول الكريم، ليس غريبا عنهم، بل هو واحد منهم شرفهم من شرفه، وفضلهم من فضله ... ٤٨٦ سورة الجمعة وهذه الآية الكريمة صريحة فى أن الله - تعالى - قد استجاب دعوة نبيه إبراهيم - عليه السلام عندما دعاه بقوله: ((ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ، إنك أنت العزيز الحكيم، "). وقد جاء ترتيب هذه الآية الكريمة وأمثالها فى أسمى درجات البلاغة والحكمة، لأن أول مراحل تبليغ الرسالة، يكون بتلاوة القرآن ، ثم ثنى - سبحانه - بتزكية النفوس من الأرجاس، ثم ثلث بتعليم الكتاب والحكمة، لأنهما يكونان بعد التبابغ والتزكية للنفوس . ولذا قالوا: أن تعليم المكتاب غير تلاوته، لأن تلاوته معناها: قراءته قراءة منقلة، أما تعليمه فمعناه: بيان أحكامه ، وشرح ما خفى من ألفاطه وأحكامه . فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة، قد اشتملت على جملة من الصفات. الجليلة ، التى منحها - سبحانه - لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حال الناس قبل منته - صلى الله عليه وسلمـ فقال: (( وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين، وهذه الجملة الكريمة فى موضع الحال من قوله ..: «هو الذى بعث فى الأميين ... )، و((إن)) فى قوله ((وإن كانوا .. ، مخففة من الثقلية، واسمها ضمير الشأن محذوف ... أى: هو - سبحانه - بفضله وكرمه، الذى بعث فى الأميين رسولامنهم، وحالهم أنهم كانوا قبل إرسال هذا الرسول الكريم فيهم ، فى ضلال واضح لا يخفى أمره على عاقل ، ولا يلتبس قبحه على ذى ذوق سليم. وحقا لقد كان (١) سورة البقرة الآية ١٢٩. : ٤٨٧ الجزء الثامن والعشرون الناس قبل أن يبزغ نور الإسلام، الذى جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - من عندربه، فى ضلال واضح، وظلام دامس ، من حيث العقائدوالعبادات، والأخلاق والمعاملات .... فکان من رحمة الله - تعالی۔۔ بهم ، أن أرسل فيهم رسوله محمدا ۔ صلى الله عليه وسلم -، لكى يخرجهم من ظلمات الكفر والفسوق والعصيان، إلى نور الهداية والاستقامه والإيمان . ثم بين - سبحانه - أن رسالة رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -لن يكون نفعها مقصورا على المعاصرين له والذين شاهدوه .. بل سيعم نفعها من سيجيئون من بعدهم، فقال - تعالى -: ((وآخرين)) منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم .. وقوله: (( وآخرين)) جمع آخر بمعنى الغير، والجملة معطوفة على قوله قبل ذلك , فى الأميين ... ، فيكون المعنى : هو - سبحانه-الذى بعث فى الأميين رسولا منهم، كمابعثه فى آخرين منهم. ((لما يلحقوا بهم)) أى: لم يجيئوا بعد، وهم كل من يأتى بعد الصحابة من أهل الإسلام إلى يوم القيامة، بدليل قوله - تعالى -: ، وأوحى إلى هذا القرآن لأنذرکم به ومن بلغ ... ،(١) أى: وأوحى إلى هذا القرآن لأفذوكم به يا أهل مكة ، ولأنذر به جميع من بلغه هذا الكتاب. ووصلت إليه دعوته من العرب وغيرهم إلى يوم القيامة. وفى الحديث الشريف: بلغوا عن الله - تعالى - فمن بلغته آية من كتاب الله ، فقد بلغه أمر الله ». (١) -ورة الأنعام الآية ٠١٩ ٤٨٨ سورة الجمعة وعن محمد بن كعب قال: ((من بلغه القرآن فكأنما رأى النى - - صلى الله عليه وسلم -.. ،(١) ويصح أن يكون قوله: ((وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ... ، معطوف على الضمير المنصوب فى قوله: «ويعلمهم ... ، فيكون المعنى: هو الذى بعث فى الأمپین رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويز كيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويعلم آخرين منهم , لما يلحقوا بهم، أى: لم يحيثوا بعد، وسيجيئون ... وهم كل من آمن بالرسول من بعد الصحابة إلى يوم القيامه. قال صاحب الكشاف: وقوله: ((وآخرين، مجرور عطف على الأمبين. يعنى: أنه بعثة فى الأميين الذين على عهده، وفى آخرين من الأميين الذين لم يلحقوا بهم بعد، وسيلحقون بهم، وهم الذين بعد الصحابة . وقيل : لما نزلت قيل: من هم يا رسول أمه، فوضع يده على سلمان ثم قال: « لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجال من هؤلاء)). وقيل : هم الذين يأتون من بعدهم إلى يوم القيامة . ويجوز أن بنتصب عطفا على المنصوب فى ((ويعلمهم)). أى: يعلمهم ويعلم آخرين؛ لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستنداً إلى أدلة، فكأنه هو الذى تولى كل ما وجد منه)،(٢) . والمتأمل فى هذه الآية الكريمة براها تشير إلى أن دعوة النبى - صلى الله عليه وسلم -، ستبلغ غير المعاصرين له - صلى الله عليه وسلم -، وأنهم سيتبعونها ، ويدافعون عنها ... وهذا ما أيده الواقع، فقد دخل الناس فى دين الله أفواجا من العرب ومن غير العرب ، ومن أهل المشارق والمغارب ... (١) راجع تفسيرنالسورة الأنعام = ٧٣. (٢) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠٥٣٠ ٤٨٩ الجزء الثامن والعشرون فالآية الكريمة تخبر عن معجزة من معجزات القرآن الكريم، ألا وهى ! الإخبار عن أمور مستقبله أيدها الواقع المشاهد. وقوله - تعالى -: ((وهو العزيز الحكيم)) تذييل المقصود به بيان أن قدرته - تعالى - لا يعجزها شىء ، وأن حكمته هى أسمى الحكم وأسدها. أى: وهو - سبحانه - العزيز الذى لا يغلب قدرته شىء، الحكيم فيما يريده ويقدره و یو جده . واسم الإشارة فى قوله: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ... ، يعود إلى ما تقدم ذ کره من کرمه- تعالی ۔ علی عباده ، حیث اختص رسوله - محمدا - صلى الله عليه وسلم - بهذه الرسالة الجامعة لكل خير وبركة، وحيث وفق من وفق من الأميين وغيرهم ، إلى اتباع هذا الرسول الكريم ... أى: ذلك البعث منا لرسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - لكى يهدى الناس بإذننا إلى الصراط المستقيم، هو فضلنا الذى نؤتيه وفخصه لمن نشاء اختصاصه به من عبادنا ... (((والله)) - تعالى - هو« ذو الفضل العظيم، الذى لا يقاربه فضل ، ولا یدافيه كرم . كما قال - سبحانه -: قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم . يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم)، (١). ثم انتقلت السورة الكريمة - بعد هذا البيان افضل الله - تعالى .. على غبيه - صلى الله عليه وسلم -، وعلى من أرسله لهدايتهم - إلى الحديث عن جانب من رذائل اليهود، وأمرت النبى .. صلى الله عليه وسلم - أن يتحداهم وأن يرد على أكاذيبهم .. فقال - تعالى -: (١) سورة آل عمران. الآيتان ٠٧٤٠٥٧٣ ٤٩٠ سورة الجمعة ((مَثَلُ الذينَ مُّلُوا النَّوراةَ ثمّ لم يحملوهاَ كَمَثَلِ الحمارِ يَحمِلُ أَسفاراً بْسَ مثلُ القومِ الذينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ، واللّهُ لا يَهدِى القومَ الَّالمينَ (٥) قُلْ يَأْيُّها الذينَ هَادُوا إنْ زعمتُم أَنكُم أولياء لثهِمِنْ دُونٍ النَّاس، فَتَمنَّوا الموتَ إنْ كُنْتُ صَدَقِزَ (٦) ولا يَتَكَثَّونةُ أَبداً بما قدَّمتْ أَيدِيهِم، واللّهُ عَلِيمٌ بالَّظَالِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الموتَ الذى تفِرُّونَ مِنْهُ فإِنَّه ملاَقِيكُم، ثُمَّ تُرَدُّون إلى عَم الغَيْبِ وَالشََّدَةِ، فَيَبْكُم بما كُثُم تَعَمُلُونَ (٨)). والمراد بالمثل في قوله - تعالى - ,مثل الذين حملوا التوراة ... »: الصفة والحال ... والمراد بالذين حملوا التوراة: اليهود الذين كلفهم الله - تعالى - بالعمل بما اشتملت عليه التوراة من هدايات وأحكام وآداب ... ولكنهم فبذوها وتر كوا العمل بها. والأسفار: جمع سفر، وهو الكتاب الكبير المشتمل على ألوان من العلم النافع ، وسمى بذلك لأنه يسفر ويكشف عما فيه من المعانى المفيدة للمطلع عليها . والمعنى : حال هؤلاء اليهود الذين أنزل الله - تعالى - إعليهم التوراة لهدايتهم ... ولكنهم لم ينتفعوا بها ... كحال الحمار الذى يحمل كتب العلم النافع ، ولكنه لم يستفد من ذلك شيئا ، لأنه لا يفقه شيئا ما يحمله ... ففى هذا المثل شبه الله - تعالى - اليهود الذين لم ينتفعوا بالتوراة التى فيها. الهداية والنور ، بحال الحمار الذى يحمل كتب العلوم النافعة دون أن يستفيد بها. ١ ٤٩١ الجزء الثامن والعشرون ووجه الشبه بين الإثنين : هو عدم الانتفاع بما من شأنه أن ينتفع به أنتفاعا عظيما، لسمو قيمته ، وجلال منزلته . قال صاحب الكشاف: شبه اليهود - فى أنهم حملة التوراة وقراوها. وحفاظ مافيها، ثم إنهم غير عاملين بها، ولا منتفعين بآياتها ... بالحمار، حمل أسفارا، أى: كتبا كبارا من كتب العلم، فهو يمشى بها، ولا يدرى منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب. وكل من علم ولمن يعمل بعلمه فهذا مثله ، وبشر المثل ... ،(١). وقال الإمام ابن كثير: يقول - تعالى - ذا ما اليهود الذين أعطوا التوراة. فلم يعملوا بها ، إن مثلهم فى ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارا ... فهو يحملها حملا حسيا ولا يدرى ماعليه، وكذلك هؤلاء .. لم يعملوا بمقتضى ما فى التوراة بل أولوه وحرفوه، فهم أسوأ من الحمار، لأن الخمار لافهم له، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها، ولهذا قال - تعالى - فى آية أخرى: ((أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون»(٢). وقال القرطبى: وفى هذا المثل تنبيه من الله - تعالى - لمن حمل الكتاب، أن يتعلم معانيه، ويعمل بما فيه، لئلا يلحقه من الذم مالحق هؤلاء اليهود، قال الشاعر : بجيدها ، إلا كعلم الأباعر زوامل للأسفار لاعلم عندهم بأوساقه، أو راح ما فى الغرائر (٣) لعمرك ما يدرى البعير إذا غدا وعبر - سبحانه- عن تكليفهم العمل بالتوراة وعن تركهم لذلك بقوله: (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٥٣٠ (٢) تفسير ابن كثير ج ٨ ص ١٤٣ (٣) تفسير القر طبى = ١٨ ص ٩٤ ٤٩٢ سورة الجمعة (حملوا التوراة ثم لم يحملوها، للإشعار بأن هذا التكليف منه - تعالى - لهم، كان عهدا مؤكدا عليهم ، حتى لكأنهم تحملوه كما يتحمل الإنسان شيئا قد وضع فوق ظهره أو كتفيه ، ولكنهم نبذوا هذا العهد، وألقوا بما فوق أكتافهم من أحمال، وانقادوا لأهوائهم وشهواتهم انقياد الأعمى لقائده .. ولفظ ((ثم) فى قوله ((ثم لم يحملوها) للتراخى النسى، لأن عدم وفاتهم بما عهد إليهم، أشد عجبا من تحملهم لهذه العهود. وشبههم، بالحمار الذى هو مثل فى البلادة والغباء، لزيادة التشفيع عليهم، والتقبيح لحالهم . حيث زهدوا وأعرضوا عن الانتفاع بأثمن شىء نافع، - وهو كتاب الله -، كماهو شأن الحمار الذى لا يفرق فيما يحمله على ظهره بين الشىء النافع والشىء الضار . وجملة («يحمل أسفارا، فى موضع الحال من الحمار، أو فى موضع جر على أنها صفة الحمار ، باعتبار أن المقصود به الجنس ، فهو معرفة لفظا ، فكرة معنى . قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ((يحمل، ما محله؟ قلت: محله النصب على الحال، أو الجر على الوصف ، لأن لفظ الحمار هنا ، كلفظ اللتيم فى قول الشاعر: ولقد أمر على الثيم يبنى .... ،(١) ثم أضاف - سبحانه - إلى ذم هؤلاء اليهود ذما آخر فقال: « بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله .. » و ((بئس، فعل ذم، وفاعله ما بعده وهو قوله: (( مثل القوم))، وقد أغنى هذا الفاعل عن ذكر المخصوص بالذم ، لحصول العلم بأن المذموم هو حال هؤلاء القوم الذين وصفهم - سبحانه - بأنهم قد كذبوا بآياته. (١) تفسير الكشاف - ٤ ض ٥٣٠ ٤٩٣ الجزء الثامن والعشرون أى: بئس المثل مثل هؤلاء القوم الذين كذبوا بآيات الله - تعالى - الدالة على وحدانيته وقدرته ، وعلى صدق أنبيائه فيما يبلغونه عنه - تعالى -. وقوله: ((والله لا يهدى القوم الظالمين)، تذييل قصد به بيان الأسباب التى أدت إلى عدم توفيق الله - تعالى - لهم إلى الهداية. أى: والله - تعالى - قد اقتضت حكمته، أن لا يهدى إلى طريق الخير، من ظلم نفسه، أو آ ثر الغى على الرشد، والعمى على الهدى ، والشقاوة على السعادة ، لسوء إستعداده، وانطماس بصيرته ... ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يتحدى اليهود، وأن يرد على مزاعمهم ردا يخرس ألسنتهم، ويكشف عن أكاذيبهم ... فقال - سبحانه -: ((قل يأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء الله من دون الناس فتمنو الموت إن كنتم صادقين ». قال الآلوسي: وأمر - صلى الله عليه وسلم - أن يقول لهم ذلك، إظهارا لكذبهم، فإنهم كانوا يقولون: ((نحن أبناء اللّه وأحباؤه)) ويدعون أن الآخرة خالصة لهم عند أقه ... وروى أنه لما ظهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كتب يهود المدينة. إلى يهود خيبر: إن اتبعتم محمدا أطعناه، وإن خالفتموه خالفناء. فقالوا - أى: يهود خيبر ـ: نحن أبناء خليل الرحمن، ومنا عزير ابن الله، ومنا الأنبياء ومتى كانت النبوة فى العرب؟ نحن أحق بها من محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولا سبيل إلى اتباعه، فنزلت هذه الآيات ... ))(١): والمقصود بالذين هادوا، أى: الذين ادعوا أنهم على الديانة اليهودية ، يقال: هاد فلان وفهود، إذا دخل فى اليهودية ، نسبة إلى بهوذا أحد أبناء (١) تفسير الآلوسي - ٢٨ ص ٩٦ ٤٩٤ سورة الجمعة يعغوب - عليه السلام -، أو سموا بذلك حين تابوا عن عبادة العجل، من هاد جهود هودا بمعنى تاب، ومنه قوله - تعالى -: ((واكتب لنا فى هذه الدنيا حسنة وفى الآخرة، إنا هدنا إليك ... ، أى : أى تبنا إليك. ومعنى , أولياء فته .. )، مقر بين منه، كرماء عليه، لهم منزلة خاصة عنده - تعالى - وقوله: (فتمنوا الموت .. )، جواب الشرط. والتمنى معناه: إرتباح النفس ، ورغبتها القوية فى الحصول على الشىء .. ويستعمل التمنى فى المعنى القائم بالقلب، بأن تتطلع نفس الشخص إلى الحصول على الشىء .. كما يستعمل عن طريق النطق باللسان، بأن يقول الإنسان بلسانه، ليتنى أحصل على كذا . وهذا المعنى الثانى هو المراد هنا، لأن المعنى الكائن فى القلب لا يعلمه أحد سوى الله - تعالى - . ومعنى الآية الكريمة: قل يا محمد هؤلاء اليهود الزاعمين أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنهم أولياء الله - تعالى - المقربون إليه من دون سائر خلقه ... قل لهم .. على سبيل التحدى والتعجيز والتبكيت .. إن كان الأمر كمازعمتم، فاذكروا أمام الناس بألسنتكم لفظا، يدل على أنكم تحبون الموت وترغبون فيه، لمكى تظفروا بعد الموت بالمحبة الكاملة من الله، ولكى تنتقلوا من شقاء الدنيا ومتاعبها ... إلى النعيم الخالص بعد موقكم ... وجواب الشرط فى قوله: (( إن كنتم صادقين، محذوف لدلالة ما قبله عليه. أى: إن كنتم صادقين فى دعواكم أنكم أولياء فقه من دون الناس فتمنوا الموت . وافتتحت الآية الكريمة بلفظ ((قل))، للاهتمام بشأن التحدى من الرسول ٤٩٥ الجزء الثامن والعشرون - صلى الله عليه وسلم - لهم، ولبيان أنه أمر من الله - تعالى - وليس للرسول - صلى الله عليه وسلم - سوى التنفيذ. وجىء بإن الشرطية المفيدة لمشك ، مع أنهم قد زعموا أنهم أولياء الله فعلا ، للاشعار بأن زعمهم هذا وإن كانوا قد كرروا النق والتباهي به ... إلا أنه بمنزلة الشىء الذى تلوكه الألفة، دون أن يكون له أساس من الواقع، فهو لوضوج بطلاقه صاد بمنزلة الشىء الذى يفترض وقوعه إفترضنا على سبيل التوبيخ لهم ، قال الألوسى ما ملخصه: قوله: (( قل يأيها الذين هادوا .. )، أى: تهودوا ((إن زعمتم أنكم أولياء لله، أى: أحباءته. ولم يضف - سبحانه - لفظ أو ليا. إليه، كما فى قوله: « ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ... ، ليؤذن بالفرق بين مدعى الولاية ، ومن يخصه - تعالى - بها. وقوله: ((من دون الناس .. ، حال من الضمير الراجع إلى اسم (( إن)) أى : متجاوزين عن الناس . (فتمنوا الموت)، أى: فتمنوا من الله أن يميتكم وينقلكم من دار البلية إلى محل الكرامة ... فإن من أيقن أنه من أهل الجنة، أحب أن يخلص إليها من هذه الدنيا التى هى دار كدر وتعب،(١). تم أخبر - سبحانه - عن واقهم وعن حالتهم المستقبلة فقال: ((ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين،. أى: أن هؤلاء اليهود لا يتمنى أحدهم الموت أبدا، بسبب ماقدمته أيديهم من آثام، والله - تعالى - لا تخفى عليه خافية من سيئاتهم واعتداء اتهم والهم، بل هو - سبحانه .. يسجل ذلك عليهم، ويجازيهم بما يستحقونه من عقاب . (١) تفسير الآلومى حـ ٩١٢٨ ٤٩٦ سورة الجمعة فالآية الكريمة خبر من الله - تعالى - عن اليهود بأنهم يكرهون الموت، ولا يتمنونه، ولا يستطيعون قبول ماتحداهم به - صلى الله عليه وسلم - من. طلبهم تمنى الموت، لعلمهم بأنهم لو أجابوه إلى طلبه، لحل بهم الموت الذى يكرهونه. وقد صح من عدة طرق عن ابن عباس أنه قال: «لو تمنوا الموت الشرق أحدهم بريقة ». وقال ابن جرير: وبلغنا أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار ... ،(١). وقال ابن کثیر: وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال : « فال أبو جهل - لعنه الله -: إن رأيت محمدا عند الكعبة، لآتين حتى أطأ عنقه. قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لو فعل لأخذته الملائكة عيانا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من الغار . ولو خرج الذين يباهلون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ارجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا)(٢). وقال صاحب الكشاف ما ملخصه: وقوله: ((ولا يتمنونه أبدا، أى: بسبب ما قدموا من الكفر، وقد قال لهم - صلى الله عليه وسلم -: (والذي نفسي بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه، فلولا أنهم كانوا موقنين بصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتمنوا، ولكنهم عدوا أنهم لو تمنوا لم توا من ساعتهم، ولحقهم الوعيد، فما تمالك أحد منهم أن يتمنى، وهى إحدى المعجزات - لأنها إخبار بالغيب وكانت كما أخبر .. فإن قلت: ما أدراك أنهم لم يتمنوا الموت؟ قلت: لو تمنوا لنقل ذلك. عنهم، كما نقلت سائر الحوادث، ولمكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم. ء (١) راجع تفسير ابن جرير ج ١ ص ٤٢٧ (٢) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ١٤٤ ٤٩٧ الجزء الثامن والعشرون من أولى المطاعن فى الإسلام، أكثر من الذر، وليس أحد منهم نقل عنه ذلك،١) . هذا، ويكفى فى تحقيق هذه المعجزة، ألا يصدر تمنى الموت عن اليهود فين تحداهم التى - صلى الله عليه وسلم - بذلك، وهم الذين كانوا يضعون تراقيل فى طريق دعوته ... ولا يقدح فى هذه المعجزة، أن ينطق يهودى بعد العهد النبوى بتمنى الموت ، وهو حريص على الحياة، لأن المعنيين بالتحدى اليهود المعاصرون للعهد النبوى . والمقصود بقوله - تعالى -: «والله عليم بالظالمين) التهديد والوعيد. أى: واقه - تعالى - عليم علما قاما بأحوال هؤلاء الظالمين ، وسيعاقبهم العقاب الذى ، يتناسب مع ظلمهم وبغيهم. فالمراد من العلم لازمه، وهو الجزاء والحساب. وعبر - سبحانه - هنا بقوله: ((ولا يتمنونه .. )) وفى سورة البقرة ٠٠. بقوله: « ولن يتمنوه . للإشعار بأنهم بكرهون الموت فى الحال وفى المستقبل كرامة شديدة. ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن يخبرهم بأنهم لأمغر لهم من الموت، مهما حرصوا على الهروب منه، فقال - تعالى -: ((قل لا إن الموت الذى تفرون منه، فإنه ملاقيكم .... )). أى: قل - أيها الرسول الكريم - هؤلاء اليهود الذين يكرهون الموت، 1 ويزعمون أنهم أحباب الله .... )). قل لهم على سبيل التوبيخ والتبكيت: إن الموت الذى تكرهونه، وتحرصون على الفرار منه، لامهرب لكم منه ، ولا محيص لكم عنه، فهو نازل (١) راجع تغير الكشاف ج ٤ ص ٥٣١، وج١ ص ٢٢٥ ; ٣٢ - سورة الجمعة) ٤٩٨ سورة الجمعة بكم إن عاجلا أو آجلا كما قال - سبحانه -: ((أينما تكونوا يدككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة ٤٠٠٠. فالمقصود بهذه الآية الكريمة ، إخبارهم بأن ملعهم من الموت مهما أشتد، لن يفيدهم شيئا ، لأن الموت نازل بهم لا محالة ... ثم بين - سبحانه - أنهم بعد الموت، سيجدون الجزاء العادل فقال: (( ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة، فينبئكم بما كنتم تعملون)). أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم -: إن الموت نازل بكم لا محالة، ثم بعد هلاككم سترجعون إلى الله - تعالى - الذى يعلم السر والعلانية. والجهر والخفاء، فيجازيكم على أعمالكم السيئة، بما تستحقوفه من عقاب. فالمراد بالإنباء عما كانوا يعملونه، الحساب على ذلك ، والمجازاة عليه . وشبيه بهذه الآيات قوله - تعالى - فى سورة البقرة: ( قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس. فتمنوا الموت إن كنتم صادقين . ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين . ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ، ومن الذين أشركوا، يود أحدهم لو بعمر ألف سنة، وما هو بمز حزحه من العذاب أن يعمر، واقه. بصير بما يعملون))(١). وبعد هذا التوبيخ والتحدى اليهود الذين زعموا أنهم أولياء فقه من دون الناس ... وجه - سبحانه - للمؤمنين، أمرم فيه بالمسارعة إلى أداء فرائضة، ونهاهم عن أن تشغلهم دنياهم عن ذكره وطاعته ، فقال - تعالى -: (١) راجع تفسيرنا لسورتى الفاتحة والبقرة ص ٢٦٨ وما بعدها. ٤٩٩ الجزء الثامن والعشرون (( يَأيُّها الذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِى للصَّلاَةِ مِنْ يوم الجمعةِ، فاشْعوا إلى ذِكْرِ الَّهِ وَذَرُوا البَيْع، ذَلِكُم خيرٌ لكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَلُونَ (٩) فإذا قُضِيتْ الصَّلاَةِ فاتتَشِرُوا فِى الْأرْضِ وابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ، واذ كُروا الله كَثِراً لَمَلِكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإذَا رَأَوْا تَجَرَةً أَوْ لَمَوَاَ نْقَضوا إِلَيْها وتركَوكَ قائماً قُلْ ما عِندَ اللهِ خيرٌ مِنَ اللَّهوِ ومن النِّجارَة، والله خيرُ الرَّازِقِينَ (١١))). والمقصود بالنداء فى قوله - سبحانه -: ((يأيها الذين آمنوا إذا نودى الصلاة .... ، جميع المكلفين بها ، الذين يجب عليهم أداؤها .. وفادام - سبحانه - بصفة الإيمان، لتحريك حرارة الإيمان فى قلوبهم، ولتحريضهم على المسارعة إليها ، إذ من شأن المؤمن القوى، أن يكون مطيعا لما يأمره خالقه به . والمراد بالنداء: الأذان والإعلام بوقت حلولها . والمقصود بالصلاة المنادى لها هنا: صلاة الجمعة، بدليل قوله - تعالى - (( من يوم الجمعة،. . واللام فى قوله ((للصلاة)) للتعليل، و((من، بمعنى فى، أو البيان، أو للتبعيض ، لأن يوم الجمعة زمان، تقع فيه أعمال، منها الصلاة المعهودة فيه وهى صلاة الجمعة، ولأن الأمر بترك البيع خاص بها، لوجود الخطبة فيها . وقوله: ((فاسعوا ... )) جواب الشرط، من المسمى، وهو المشي السريع . ٠٠٠ سورة الجمعة والمراد به هنا: المشى المتوسط بوقار وسكينة، وحسن تهيؤ لصلاة الجمعة . قال الألوسى ماملخصه: قوله: ((فاسعوا إلى ذكر الله)، أى: امشوا إليه بدون إفراط فى السرعة ... فقد أخرج الستة فی کتبهم عن أبى سلمة من حديث أبى هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم. تسعون، وأقوها وأنتم تمشون ، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا)). والمراد بذكر الله: الخطبة والصلاة جميعا، لأشتمالها عليه، واستظهر بعضهم أن المراد به الصلاة، وقصره بعضهم على الخطبة ... )(١) .. وإنما عبر - سبحانه - بالسعى لتضمنه معنى زائدا على المشى، وهو الجد والحرص على التبكير ، وعلى توقى التأخير . والمعنى: يامن آمنتم بالله حق الإيمان، إذا نادى المنادى لأجل الصلاة فى يوم الجمعة، فامضوا إليها بجد، وإخلاص نية، وحرص على الأنتفاع لما سمعونه من خطبة الجمعة، التى هى لون من ألوان ذكر الله - تعالى - وطاعته . والأمر فى قوله - سبحانه -: «فاسعوا إلى ذكر الله، وذروا البيع .. » الظاهر أنه الوجوب ، لأن الأمر يقتضى الوجوب، مالم يوجد له صارف عن ذلے ، ولاصارف له هنا . والمراد من البيع هنا: المعاملة بجميع أنواعها ، فهو يعم البيع والشراء وسائر أنواع المعاملات . (١) تفسير الآلوسى ج ٢٨ ص ١٠٢. .