Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
الجزء الثامن والعشرون
ثم إنه - تعالى - وصفهم بأمور أولها : أنهم فقراء ، ثانيها: أفهم مها جرون
وثالثها: أنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم . يعنى أن الكفار أجبروهم على
الخروح .. ورابعها: أنهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا. والمراد بالفضل
ثواب الجنة، وبالرضوان: قوله: ((ورضوان من الله أكبر)).
وخامسها: قوله: ((وينصرون الله ورسوله، أى: بأنفسهم وأموالهم.
وسادسها: قوله: (( أولئك هم الصادقون)) يعنى أنهم لما هجروا لذات الدنيا،
وتحملوا شدائدها لأجل الدين ، ظهر صدقهم فى دينهم ... (١)
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف المهاجرين فى سبيله، بجمله من
المناقب الحميدة، والتى إستحقوا بسببها الفلاح والفوز برضوان الله.
ثم مدح - سبحانه - بعد ذلك الأنصار، الذين يحبون من هاجر إليهم
فقال: ((والذين تبوؤًا الدار والإيمان من قبلهم، يحبون من هاجر إليهم:،
والجملة الكريمة معطوفة على ((المهاجرين)) أو مبتدأ وخبره: ((يحبون))
والنبوؤ: النزول فى المكان ، ومنه المباءة للمنزل الدى ينزل فيه الإنسان .
والمراد بالدار: المدينة المنورة . وأل للعهد. أى: الدار المعهودة المعروفة
وهى دار الهجرة .
وقوله : ((الإيمان ، منصوب بفعل مقدر. أى: وأخلصوا الايمان.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى عطف الايمان على الدار ،
ولا يقال : تبوؤ الايمان؟.
قلت معناه: تبوؤ الدار وأخلصوا الايمان، كقوله : علفتها تبنا وماء
بارداً ....
أى: وجعلوا الايمان مستقرا ومتوطنا لهم، لتمكنهم منه، واستقامتهم
عليه ، كما جعلوا المدينة كذلك .
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٢٩ ص ٢٨٧

٣٨٢
سورة الحشر
أو أراد: دار الهجرة ودار الإيمان، فأقام لام التعريف فى الدار مقام
المضاف إليه، وحذف المضاف من دار الإيمان، ووضع المضاف إليه
مقامه .
أو سمى المدينة - لأنها دار الهجرة، ومكان ظهور الإيمان - بالإيمان(١).
وقوله: «من قبلهم، أى: من قبل المهاجرين. وهو متعلق بقوله
(( تبوؤًا)) .
وقوله: (( يحبون من هاجر إليهم، خبر المبتدأ، أو حال من الذين
تبوؤًا الدار ...
أى : هذه هى صفات المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ... وهذا
هو جزاؤهم ...
أما الذين سكنوا دار الهجرة وهى المدينة المنورة ، من قبل المهاجرين،
وأخلصوا إيمانهم وعبادتهم لله - تعالى-، فإن من صفاتهم أنهم يحبون إخوانهم
الذين هاجروا إليهم حبا شديدا، لأن الإيمان ربط بين قلوبهم برباط المودة
والمحبة. وقوله: (( ولا يجدون فى صدورهم حاجة ما أوتوا)) صفة أخرى من
صفات الأنصار .
ومعنى ((يجدون)) هنا: يحسون ويعلمون. والضمير الأنصار، وفى قوله
((أوتوا، المهاجرين. والحاجة فى الأصل: اسم مصدر بمعنى الاحتياج،
أى : الافتقار إلى الشىء .
والمراد بها هنا: المأرب أو الرغبة الناشئة عن التطلع إلى ما منحه النبى -
صلى الله عليه وسلم - للمهاجرين دون الأنصار، من فيء أو غيره.
أى: أن من صفات الأنصار - أيضا -، أنهم لا تتطلع نفوسهم إلى شىء
(١) تفسير الكشاف - ٤ ص ٠٨٣

٣٨٣
الجزء الثامن والعشرون
ما أعطى للمهاجرين، من الفئ. أو غيره، لأن المحبة التي ربطت قلوب الأنصار
بالمهاجزين، جعلت الأنصار يرتفعون عن التشوف إلى شىء مما أعطاه النبى
- صلى الله عليه وسلم - للمها جرين وحدهم ...
ثم وصفهم - سبحانه - بصفة ثالثة كريمة فقال: ((ويؤثرون على أنفسهم
ولو كان بهم خصاصة .... ،
والإيثار معناه: أن يؤثر الإنسان غيره على نفسه، على سبيل الإكرام
والنفع والخصاصة: شدة الحاجة، وأصلها من خصاص البيت ، وهو ما يبقى
بين عيدانه من الفرج والفتحات .
١ -.
أى: أن من صفات الأنصار أنهم كانوا يقدمون فى النفع إخوانهم
المهاجرين على أنفسهم، ولو كانوا فى حاجة ماسة، وفقر واضح، إلى
ما يقدمونه لإخوانهم المهاجرين .
ولقد ضرب الأنصار - رضى الله عنهم - أروع الأمثال وأسماها فى هذا
المضمار، ومن ذلك ما رواه الشيخان والترمذى والنسائى وغيرهم عن أبى
هريرة قال: أتى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول
الله، أصابنى الجهد، فأرسل إلى نسانه فلم يجد شيئا فقال - صلى الله عليه وسلم
-: ألا رجل يضيف هذا الرجل الليلة رحمه الله؟ فقام رجل من الأنصار
وفى رواية أنه أبو طلحة - فقال: أنا يا رسول الله، فذهب به إلى أهله، فقال
لا مرأته: أكرمى ضيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قالت: واقه
ما عندى إلا قوت الصبية !! قال : إذا أراد الصبيه المشاء فنوميهم ، وتعالى
فأطفشى السراج، ونسطوى بطوننا لليلة لضيف رسول الله - صلى الله عليه سلم -
ففعات .
ثم غدا الضيف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لقد عجب الله
الليلة من فلان وفلانة، وأنزل لقه فيهما: «ويؤثرون على أنفسهم ولو كان

٣٨٤
سورة الحشر
بهم خصاصة ... )،(١).
وقوله - سبحانه -: ((ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون، تذييل
قصد به حض الناس على التخلى بفضيلة السخاء والكرم .
والشح يرى بعضهم أنه بمعنى البخل ، ويرى آخرون أن الشح غريزة فى
النفس تحملها على الإمساك والتقتير، وأما البخل فهو المنع ذاته، فكأن البخل
أثر من آثار الشح .
قال صاحب الكشاف : الشح ـ بالضم والكسر وقد قرىء بهما:
اللؤم، وأن تكون نفس المرء كزة حريصة على المنع، كما قال الشاعر:
إذا هم بالمعروف قالت له مهلا .
يمارس نفا بين جنبيه كزة
وقد أضيف إلى النفس لأنه غريزة فيها، وأما البخل فهو المنع نفسه،
ومنه قوله - تعالى -: «وأحضرت الأنفس الشح ... ))(٢).
أى. ومن بوق بتوفيق الله وفضله، شح نفسه وحرصها على الإمساك.
فيخالفها فيما تأمره به من المنع والتقتير، فأولئك الذين يخالف ونهام المفلحون،
الفائزون برعنا الله - عز وجل -.
ومن الأحاديث التى وردت فى النهى عن الشح، ما أخرجه مسلم - فى
صحيحه - عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
((إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشحه لك من
كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم،(٣).
(١) تفسير الألوسى = ٢٨ ص ٥٢. وراجع تفسير القرطبی ج ١٨"
ص ٥٤
(٢) تفسير الكشاف جـ ، ص ٠٣٣٩
(٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٠٣١٩

٣٨٥
الجزء الثامن والعشرون
ثم مدح - سبحانه - كل من سار على نهج المهاجرين والأنصار فى قوة
الإيمان، وفى طهارة القلب، وسماحة النفس فقال - تعالى - : والذين جاؤا
من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل
فى قلوبنا غلا للذين آمنوا .....
قال الألوسى: قوله: (والذين جاؤا من بعدهم ... ، عطف عند
الأكثرين أيضا على المهاجرين. والمراد بهؤلاء قيل: الذين هاجروا حين
قوى الاسلام، فالمجىء حسى، وهو مجميتهم إلى المدينة، وضمير، من بعدهم))
للمهاجرين الأولين .
وقيل: هم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة ، فالمجىء إما إلى الوجود
أو إلى الايمان، وضمير((من بعدهم، للفريقين: المهاجرين والأنصار.
وهذا هو الذى يدل عليه كلام عمر - رضى الله عنه - وكلام كثير من
السلف كالصريح فيه، فالآية قد استوعبت جميع المؤمنين، (١).
ويبدو لنا أن هذا الرأى الثانى ، وهو كون الذين جاؤوا من بعدهم
يشمل المؤمنين الصادقين جميعا، أقرب إلى الصواب ، لأنهم هم التابعون
بإحسان المهاجرين والأنصار ، والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم
ورضوا عنه ... »(٧) ،
وعليه يكون المعنى: والذين جاؤا من بعد المهاجرين والأنصار، واتبعوم
بإحسان إلى يوم القيامة، يقولون، على سبيل الدعاء لأنفسهم ولاخوانهم
فى العقيدة، ((ربنا اغفر لنا)، أى: ياربنا اغفر لناذنوبنا، واغفر لناذنوبنا،
وأغفر« لاخواننا، فى الدين ((الذين سبقونا بالإيمان، فهم أسبق منا إلى
(١) تفسير الآلوسى = ٢٨ ص ٠٥٤
(٢) سورة التوبة الآيه ٠١٠٠
( ٢٥ - سورة الحشر )

٣٨٦
سورة الحشر
الخير والفضل .. ((ولا تجعل)، ياربنا ((فى قلوبنا غلا، أى: حدا وحقدا
((للذين آمنوا)، أى: ياربنا لا نجعل فى قلوبنا أى غل أو حسد لإخواننا.
المؤمنين جميعا .
((ربنا إنك رءوف رحم، أى: ياربنا إنك شديد الرأفة بعبادك، واسع
الرحمة بهم
وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، أن من حق الصحابة - رضى اله ...
عنهم - على من جاء بعدهم، أن يدعو لهم، وأن ينزلوهم فى قلوبهم منزلة.
الاحترام والتبجيل والتكريم ...
ورحم الله الإمام الفرطى فقد أفاض فى بيان هذا المعنى، فقال ماملخصه:
قوله - تعالى -: ((والذين جاؤا من بعدهم ... )) يعنى التابعين، ومن دخل فى
الإسلام إلى يوم القيامة .
قال ابن أبى ليلى: الناس على ثلاثة منازل: المهاجرون، والذين تبوؤًا
الدار والإيمان، والذين جاؤا من بعدهم. فاجتهد ألا تخرج من هذه
المنازل ...
وهذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة ...
وقال الإمام الرازى : واعلم أن هذه الآيات قد استوعبت جميع
المؤمنين ، لأنهم إما المهاجرون، أو الأنصار، أو الذين جاؤا من بعدهم،
وبين أن من شأن من جاء من بعد المهاجرين والأنصار، أن يذكر السابقين ،
وهم المهاجرون والأنصار بالدعاء والرحمة، فمن لم يكن كذلك، بل ذكرهم
بسوء، كان خارجا من جملة أقسام المؤمنين، بحسب نص هذه الآية،(١).
(١) تفسير الفخر الرازى = ٢٩ ص ٠٢٨٩

٣٨٧
الجزء الثامن والعشرون
وبعد أن رسمت السورة الكريمة ، تلك الصورة الوضيئة المهاجرين
والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ... بعد كل ذلك أخذت فى رسم صورة
أخرى، متباينة تمام المباينة مع صورة هؤلاء الصادقين ، ألا وهى صورة
المنافقين، الذين انضموا إلى كل مناوى للدعوة الإسلامية، فقال - تعالى -:
(( لم ترَ إلى الذينَ نَفْقُوا يَقُولُونَ لإخوانهم الذينَ كَفَرُوا مِنْ
أَهْل الكتابِ، لئنْ أُخْرِ جَتْم لنَخْرِجَنّ .. كمُ ولا نَطِيعُ فِيكُمُ أحداً
(أبداً، وإنْ قُوتْتُم لَنصُرُكُم، واللّهُ بِشَهَدُ إِنَّهم الكَاذِبُونَ (١١) لبْنْ
أُخرِجُوا لاتَخْرِجُونْ مَعُم، وَلَيْنْ قُوقِلوا لا ينصُرُونَهم، ولئنْ
نصَرُومُ لْيُوأُنَّ الأدبارَ ثم لاَ يُنُصِرُونَ (١٢) لأنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فى
مُدُورِمْ من اللهِ، ذلِكَ بِأَنَّهُ قَومٌ لاَ يَفَقُهُونَ (١٣) لايقَاتِلُونُكُم ◌َجميعاً
إلا فى قُرَّى مُخْصَّةٍ، أو مِنْ وَرَاءِ جُدرٍ، بَأْسُهم بيْنَهم شَدِيدٌ ،
تحسبُهُم ◌َيعاً وقُلُوبُهُم شتَّى، ذلكَ بأَنَّهِم قَومٌ لا يَعقِلونَ (١٤) كَمَثَلِ
الّذِينَ مِنْ قَبلِمْ قِرِيباً، ذَاقوا وبال أَمرِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥)
كَثّلِ الشَّيطانِ إِذْ قَلَ الإنْسَانِ الْغُر، فلمَّا كَفَر قَالَ إِنِّى برى*مْكَ
إِنِى أَخافُ اللهَ ربِّ العالمينَ (١٦) فكانَ اقِبَتَهُمَا أَنَّهما فى النَّارِ خَلَدِيْنِ
فيها، وذلكِ جزَاءِ الَّظَالِنَ (١٧) )).
قال الألوسى: قوله - تعالى -: ((ألم تر إلى الذين نافقوا ... ، حكاية
لما جرى بين الكفرة والمنافقين من الأقوال الكاذبة، والأحوال الفاسدة،
ونعجيب منها بعد حكاية محاسن أحوال المؤمنين على اختلاف طبقاتهم.
والخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو لمكل أحد ممن يصله
الخطاب ...

٣٨٨
سورة الحشر
والآية - كماروى عن ابن عباس - نزلت فى رهط من بنى عوف منهم:
عبد الله بن أبى سلول ... بعثوا إلى بنى النضير بما تضمنته الجمل المحكية،
بقوله - تعالى - ((يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب .. )،(١).
والمراد بالأخوة فى قوله - سبحانه -: « يقولون لإخوانهم)): أخوة فى
الكفر والفسوق والعصيان .. ،
والمعنى : ألم يصل إلى علمك - أيها الرسول الكريم - حال أولئك المنافقين
الذين أظهروا الإسلام، وأبطنوا الكفر، وهم يقولون لإخوانهم فى الكفر
من أهل الكتاب ، وهم: هود بنى النضير ، أثناء محاصر تكم لهم ۔ أبها
المؤمنون . .
يقولون لهم: ((والله لئن أخرجتم، من دياركم («لنخرجن معكم)، أى:
لتخرجن من ديارنا معكم، لتكون مصاحبين لكم حينما مرقم.
ويقولون لهم : - أيضا -: ((ولا نطيع فيكم أحدا أبدا ... ، أى: ولا نطيع
فى شأنكم أحدا أبدا، يريد العدوان عليكم، أو يديد منعنا من الخروج معكم
ومؤازرتكم ...
ويقولون لهم - كذلك -: ((وإن قوقلتم لتنصرفكم، أى: وإن قاتلكم
المسلمون ، لنقفن إلى جواركم ، ولنقدمن ليكم العون الذى يؤدى إلى
نصركم .
وقوله - سبحانه -: ((والله يشهد إنهم لمكاذبون، رد عليهم، وإبطال.
لمزاعمهم .
أى: والله - تعالى - يشهد بأن هؤلاء المنافقين لكاذبون فى أقوالهم،
وفى عهودم ...
ثم أبطل -سبحانه - أقوالهم بصورة أكثر تفصيلا فقال: ((لئن أخرجوا
(١) تفسير الألوسى - ٢٨ ص ٠٥٦

٣٨٩
الجزء الثامن والعشرون
لا يخرجون معهم، وأمن قولوا لاينصرونهم، ولئن نصروهم ليولن الأدبار
ثم لاينصرون ).
أى: والقه لش أخرج المؤمنون اليهود من ديارهم، فإن هؤلاء المنافقين
لا يخرجون معهم، ولئن قائل المؤمنون اليهود، «إن المنافقين أن ينصروا
اليهود، ولئن نصروهم على سبيل الفرض والتقدير - ، ليوأن المنافقون
الأدبار فرارا منكم - أيها المؤمنون -، ثم لا يصرون بعد ذلك، لا م
ولا من قاموا بنصرهم، لأن الفريقين اجتمعوا على الباطل واتحدت قلوبهم
فى الجبن والخور والحرص على الحياة ...
فأنت ترى أن هاتين الآيتين الكريمتين ، قد وصفتا المنافقين، بالكفر
والعصيان، وبالتحالف مع كل محارب للدعوة الإسلامية ، وبنقض العهود،
وخلف الوعود ، وبالجبن الخالع ، والكذب الواضح ...
وقد تحقق ما أخبرت عنه الآيتان عن هؤلاء المنافقين ، فإن يهود بنى
التضير عندما جد الجد، وحانت ساعة وحيله ... أرسلوا إلى المنافقين
يطلبون عونهم، فما كان من المنافقين إلا أن خذلوهم ، وتحللوا من
وعودهم لهم ...
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف قيل: ((ولئن نصروم .. ،
بعد الإخبار بأنهم لاينصرونهم؟ قلت: معناه، ولئن نصروهم على سيل
الفرض والتقدير ... كقوله (( لئن أشركت ليحبطن عملك،، وكما يعلم
- سبحانه - ما يكون، فهو يعلم مالا يكون ...
والمعنى: ولئن نصر المنافقون اليهود ايتهزمن المنافقون ثم لا ينصرون
بعد ذلك . أى: يهلكهم الله - تعالى - ولا ينفعهم نفاقهم، لظهور كفرم،
أو لينهز من اليهود ثم لا ينفعهم نصر المنافقين لهم .

٣٩٠
سورة الحشر
وفيه دليل على صحة النبوة لأنه إخبار بالغيب ... ،(١) .
وبعد أن بشرافه - تعالى - المؤمنين بهزيمة أعدائهم أمامهم، أنبع
ذلك ببشارة أخرى ، وهى أن هؤلاء المنافقين وإخوانهم فى الكفر، يخشون
المؤمنين خشية شديدة، فقال - سبحانه -: ((لأتم أشد رهبه فى صدورم
من اله .....
والرهبة: مصدر رِهِبَ، بمعنى عاف. يقال: رهب فلان فلانا، إذا
عافه خوفاً شديدا من داخل نفسه ...
أى: لأنتم - أيها المؤمنون - أشد خوفا فى نفوس هؤلاء المنافقين
واليهود ، من ربهم الذى خلقهم وأوجدهم .
وقوله ((ذلك بأهم قوم لا يفقهون، تعليل لسبب جبنهم وخوفهم. وأسم
الإشارة يعود إلى كون المؤمنين أشد وهبة فى صدور المنافقين واليهود من
الله - تعالى - .
أى: أنتم أشد رهبة فى قلوبهم من الله - تعالى-، بسبب أنهم قوم
لا يفقهون الحق، ولا يعلمون شيئا عن عظمة الله - سبحانه - وجلاله
وقدرته ...
والمقصود من هذه الآية الكريمة، نهوين أمر هؤلاء الأعداء فى نفوس
المؤمنين ، وبيان أن هؤلاء الأعداء قد بلغ الجبن والخور فيهم مبلغا كبيرا،
لدرجة أن خشيتهم لكم ، أشد من خشيتهما الله - تعالى -.
والتعبير بالرهبة للإشعار بأنها رهبة خفية لا يعلمها إلا الله - تعالى -
وأن هؤلاء المنافقين واليهود، مهما تظاهروا أمام المؤمنين بالبأس والقوة،
فهم فى قرارة نفوسهم يخافون المؤمنين خوفا شديدا ...
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠٨٥

٢٩١
الجزء الثامن والعشرون
قال صاحب الكشاف: رهبة مصدر رهب المبنى المفعول، كأنه قيل
أشد مرهوبية .
وقوله: ((فى صدورهم)): دلالة على نفاقهم يعنى: أنهم يظهرون لكم
فى العلانية خوف الله، وأنتم أهيب فى صدورهم من الله - تعالى -.
فإن قلت : كأنهم كانوا يرهيون من الله حتى تكون رهبتهم منهم أشد؟
قلت : معناه أن رهبتهم فى السر منكم، أشد من رهبتهم من اللّه التى
يظهرونها لكم، وكانوا يظهرون هم رهبة شديدة من الله ... ،(١).
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد قررت حقيقة راسخة فى نفوس المنافقين
وأشباههم ، وإن كانوا يحاولون إخفاءها وسترها، وهى أن خشيتهم من
الناس أشد من خشيتهم من الله - تعالى -.
ثم بقرر - سبحانه - حقيقة أخرى، أيدتها التجارب والمشاهد الواقعية،
فقال - تعالى -: ((لا يقاتلونكم جميعا إلا فى قرى محصنة أو من وراء جدر ،
بأسهم بينهم شديد. تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ... )).
والآية الكريمة بدل اشتمال من التى قبلها، لأن شدة الخوف من المؤمنين،
جعلت اليهود وحلفاءهم ، لا يقاتلون المسلمين ، إلا من وراء الخنادق
والحصون ..
والجدر : جمع جدار، وهو بناء مرتفع بحقمى به من يقاقل من خلفه.
ودجميعا، بمعنى مجتمعين كلهم ...
أى: أن هؤلاء اليهود وحلفاءهم من المنافقين، لايقاتلونكم مجتمعين
كلهم فى موطن من المواطن إلا فى قرى محصفة بالخنادق وغيرها. أو يقاتلونكم
(١) تفسير الكشاف < ٤ ص ٠٨٥

٣٩٢
سورة الحشر
من وراء الجدران التى يتمترون بها، لأنهم يعجز ن عن مبارزتكم، وعن
مواجهتكم وجها لوجه، لفرط رهبتهم منكم ...
قال ابن كثير : يعنى أنهم من جبنهم وملعهم ، لا يقدرون على مواجهة
جيش الإسلام، بالمبارزة والمقاتلة، بل إما فى حصون، أو من وراء جدر
محاصرين، فيقاتلونكم الدفع عنهم ضرورة ... » (١).
وقوله - تعالى -: «بأسهم بينهم شديد، جملة مستأنفة، كأن قائلا قال:
ولماذا لا بقائلون المؤمنين إلا على هذه الصورة؟ فكان الجواب: بأسهم بينهم
شديد. أى : عداوتهم فيما بينهم عداوة شديدة، بحيث لا يتفقون على رأى ،
وقوتهم يستعملونها فيما بينهم استعمالا واسعا، فإذا ما التقوا بكم تحوات هذه
القوة إلى جبن وملع ...
قال صاحب الكشاف: يعنى أن البأس الشديد الذى يوصفون به ، إنما
هو فيما بينهم إذا اقتتلوا، ولو قاتلوكم لم يبق لهم ذلك البأس والشدة ، لأن
الشجاع يجين، والعزيز بذل، عند محاربة الله ورسوله)) (٢).
وقوله - تعالى -: (( تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، استئناف آخر الإجابة
عما يقال: من أنه كيف تكون عداوتهم فيما بينهم شديدة، ونحن نرام
متفقين ؟
فكان الجواب : ليس الأمر كما يظهر من حالهم من أن بينهم تضامن
وترابط ... بل الحق أنهم متدابرون مختلفون متباغضون ... وإن كانت
ظواهرهم تدل على خلاف ذلك ...
٠
أى: تحسبهم أيها الناظر إليهم مؤتلفين ... والحال أن قلوبهم متفرقة،
(١) تفسير ابن كثير حـ ٤ ص ٠٣٤٠
(٢) تفسير الكشاف = ٤ ص ٠٨٥

٣٩٣
الجزء الثامن والعشرون
ومنازعهم مختلفة، وبواطنهم تباين ظواهرهم ... ومادام الأمر كذلك
فلا تبالوا بهم - أيها المؤمنون -، بل أغلظوا عليهم، وجاهدوهم بكل قوة
وجسارة ...
واسم الإشارة فى قوله: «ذلك بأنهم قوم لا يعقلون)) يعود إلى ماسبق
ذكره، من شدة ء اوتهم فيما بينهم، ومن مخالفة بواطنهم لظواهرهم.
أى : ذلك الذى ذكر ناه لكم من شدة بأسهم فيما بينهم، ومن مخالفة
بواطنهم لظواهرهم ، سببه أنهم قوم لا يعقلون الحق والهدى والرشاد ...
وإنما هم ينساقون وراء أهوائهم بدافع من الأحفاد والمطامع والشهوات،
بدون إدراك لعواقب الأمور ، أو الفهم الصحيح ...
ثم ساق - سبحانه - مثلين زيادة فى تثبيت المؤمنين، وفى التهوين من
شأن أعدائهم فقال - تعالى -: «كمثل الذين من قبلهم قريبا ذقوا وبال أمرهم
ولهم عذاب أليم.
وقوله: ((كمثل ... )) خبر لمبتدأ محذوف. والمراد بالذين من قبلهم:
يهود بنى قينقاع، وكفار قريش الذين حل بهم ماحل من هزائم فى
غزوة بدر .
والوبال: المرعى الضار الذى ترعاه الماشية ، دون أن تدرك سو.
عاقبته .
أى: مثل هؤلاء اليهود والمنافقين، وحالهم العجيبة ... كمثل الذين من
قبلهم، وهم يهود بنى قينقاع، الذين أخرجوا من المدينة بسبب غدرهم ،
وكان خروجهم قبل خروج بنى النضير بزمن ليس بالطويل ، وكمثل مشركى
قريش الذين حلت بهم الهزيمة فى غزوة بدر ، فإن هؤلاء وهؤلاء قد ذاقوا
: فى الدنيا -و- عاقبة كفرهم بدون إمهال ...

٣٩٤
سورة الحشر
أما فى الآخره فلهم عذاب شديد الألم والإهانة .
ووجه الشبه بين السابقين واللاحقين ، أن الجميع قد اغتروا بما لهم وقوتهم
فتطاولوا على المؤمنين ، ونقضوا عمودهم معهم ... فكانت عاقبتهم جميعا أن
أذهم الله - تعالى - فى الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ...
وأما المثل الثانى فيتجلى فى قوله - تعالى -: «كمثل الشيطان إذ قال للانسان.
أكفر ، فلما كفر قال إنى برى منك ...
أى: مثل المنافقين فى تزييتهم الشر والفساد ليهود بنى النضير ... كمثل
الشيطان إذ قال للانسان فى الدنيا أكفر بالله - تعالى - فلما كفر ذلك الإنسان.
ومات على الكفر، وبعث يوم القيامة، ووجد مصيره السىء ... ندم وألقى
التبعة على الشيطان الذى قال له: ((إن برى. منك)) ومن كفرك ... إني أخاف الله.
رب العالمين ووجه الشبه: أن المنافقين تبرؤا من معاونتهم ومن مناصرتهم ...
عندما حانت ساعة الجد .. ، كما يتبرأ الشيطان من كفر الكافر يوم القيامة .
ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: ، وقال الشيطان
لما قضى الأمر إن الله وعدكم وعد الحق، ووعدتكم فأخلفتكم، وما كان لى
عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى، فلا تلومونى ولومواأنفسكم،
ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخى ... ،(١).
وقوله - سبحانه - ((فكان عاقبتهما أنهما فى النار خالدين فيها ٠٠٠)، من.
تمام المثل الذى ضربه الله - تعالى - المنافقين واليهود.
أى : فكان عاقبة ذلك الشيطان وذلك الإنسان ، أنهما كائنين فى النار ،
حالة كونهما خالدين فيها خلوداً أبديا، وكذلك حال المنافقين واليهود ..
((وذلك، الخلود فى النار (( جزاء الظالمين، الذين تجاوزوا حدود الله.
- تعالى -، وحاربوا أولياءه - سبحانه -..
(١) سورة إبراهيم الآية ٢٢.

٣٩٥
الجزء الثامن والعشرون
والمراد بالشيطان والإنسان جنهما ، وقد ذكر بعضهم هنا قصصا تدل
على أن المراد بالإنسان شخص معين، وقد أضربنا عنها صفحا لضعفها.(١).
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذمت المنافقين واليهود ذما شفيعا،.
وأضعفت من شأنهم ، وساقت لهم من الأمثلة ما يجعل المؤمنين يستخفون
بهم، ويجاهروتهم بغلظة وشدة .
٥٠٠٠
ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بتقواه وبتقديم العمل
الصالح الذى ينفعهم يوم بلقونه. ونهاهم عن القشبه بالقوم الفاسقين ...
فقال - تعالى - :
((يَأيُّها الذّينَ آمَنُوا اتَّقوا الله ولنَظُرُ نَفْسٌّ ما قدَّمتْ لِغَدٍ، واتّقُوا
اللهَ إنَّ خَبِيرٌ بِمَا تعملُونَ (١٨) ولا تكُونُوا كَالَّذينَ نَسُوا الله فَأُنْسامُ
أَنْفُسَهُم أولئِكَ مُ الغاسِقُون (١٩) لا يَسْتَوِى أَصَبُ النَّارِ وأصَبُ
الجِنَّةِ أَصَبُ الجِنَّةِم الفاْرُونَ (٢٠) لو أَنْزَلْنَاَ هذَا الْقُرََّنَ عَلَى جَبَلٍ
لرَّأَيْتَهِ خَشِعاً مُتْصَدِّعًاً من خَشْيَةِ اللهِ، وَلِكَ الأمثالُ نَضْرِبُها للنَّاسِ
لعلَّهم يَتَفَكَّرُونَ (٢١)» .
والمراد بالغد فى قوله - تعالى -: يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر
نفس ما قدمت لغد ٠٠.): يوم القيامة ...
أى: يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان، ((اتقوا انه، أى صواوا
أنفسكم عن كل ما يغضب الله - تعالى -، وراقبوه فى السر والعلن، وقفو أعند
حدوده فلا تتجاوزها .
(١) راجع تفسير ابن كثير -٤ ص ٢٤١. وتفسير القرطى حـ ١٨ ص٣٨.

٣٩٦
سورة الحشر
,ولتنظر نفس ما قدمت لغد، أى: ولتنظر كل نفس، ولتتأمل فى
الأعمال التى عملتها فى الدنيا، والتى ستحاسب عليها فى يوم القيامة، فإن كانت
خيرا ازدادت منها ، وإن كانت غير ذلك أقلعت عنها .
وعبر - سبحانه - عن يوم القيامة بالغد للإشعار بقربه، وأنه آت لا ريب
فيه، كما يأتى اليوم الذى بلى يومك. والعرب تخبر عن المستقبل القريب بالغد
كما فى قول الشاعر :
فإن يك صدر هذا اليوم ولى
فإن غدا لناظره قريب
وقال - سبحانه -: ((ولتنظر نفس، لإفادة العموم، أى: كل نفس عليها
أن تنظر نظر محاسبة ومراجعة فى أعمالها ، بحيث لا تقدم إلا على ما كان
صالحا منها .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت: ما معنى تنكير النفس والغد ؟ قلت :
أما تفكير النفس فاستقلالا الأنفس النواظر فيما قدمت للآخرة. كأنه قيل:
ولتنظر نفس واحدة فى ذلك. وأما تنكير الغد ، فلتعظيمه وإبهام أمره،
كأنه قيل: لغد لا يعرف كهه لعظمه .
وعن مالك بن دينار: مكتوب على باب الجنة: وجدنا ما عملنا، وربحنا
ما قدمنا، وخسرنا ماخلفنا،(١).
وكرر - سبحانه - الأمر بالتقوى فقال: ((واتقوا الله، للتأكيد. أى:
اتقوا الله بأن تؤدوا ما كلفكم به من واجبات ، وبأن تجتنبوا مانهاكم عنه
من سيئات .
وقوله - سبحانه -: ((إن الله خبير بما تعملون، تعليل للحض على التقوى
(١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٠٥٠٨

٣٩٧
الجزء الثامن والعشرون
أى. اتقوه فى كل ما تأنون وما تذرون، لأنه - تعالى - لا تخفى عليه خافية
من أعمالكم، بل هو - سبحانه - محيط بها إحاطة تامة، وسيجازيكم عليها
بما تستحقون يوم القيامة .
وقد جاء الأمر بتقوى الله - تعالى - فى عشرات الآيات من القرآن
الكريم، لأن تقوى الله - تعالى - هى جماع كل خير، وملاك كل بره فضيلة،
ومن الأدلة على ذلك :
أننا نرى القرآن يبين لنا أن تقوى الله، قد أمر بها كل فى قومه. قال
- تعالى -: كذبت قوم نوح المرسلين . إذ قال لهم: أخوهم نوح ألا تتقون.
أفى لكم رسول أمين. فاتقوا الله وأطيعون ... )).
وقارة نجد القرآن الكريم يبين لنا الآثار الطيبة التى تترتب على تقوى الله
فى الدنيا والآخرة، فيقول: ((ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم
بركات من السماء والأرض .. )).
ويقول: (( ومن يتق الله يجعل له مخرجا. ويرزقه من حيث لا يحتسب)).
ويقول : - سبحانه -: (( الأخلاءيومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين)).
وبقول - عز وجل,: (( إن المتقين في جنات ونهر. فى مقعد صدق عند
مليك مقتدر ».
وبعد هذا الأمر المؤكد بالتقوى ، جاء النهى عن التشبه بمن خلت قلوبهم
من التقوى، فقال - تعالى -: ((ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنسام
أنفسهم .... ،
أی نمسكوا - أيها المؤمنون - بتقوى الله - تعالى - ومراقبته. والبعد عن
كل ما لا يرضيه ، واحذروا أن تكونوا كأولئك الذين تركوا التكاليف
التى كلفهم الله - تعالى - بها، فتركهم -- سبحانه - إلى أنفسهم، بأن
جعلهم ناسين لهما، فلم يسعوا إلى ما ينفعها ، بل سعوا فيما يضرها ويرديها.

٣٩٨
سورة الحشر
فالمراد بالنسيان هنا : الترك والإهمال ، والكلام على حذف مضاف.
أى: نسوا حقوق الله - تعالى - وما أوجب عليهم من تكاليف.
والماء فى قوله: (فأنساهم .. ، للسببية، أى: أن نسيانهم لما يجب عليهم
نحو أنفسهم من تهذيب وتأديب ... كان سببه نسيانهم لما يجب عليهم نحو
خالقهم من صاعته وخشيته .
ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم فقال: (( أولئك هم الفاسقون)) أى:
أولئك الذين تركوا ما يجب عليهم نحو خالقهم ونحو أنفسهم ، هم الفاسقون
عن أمره، الخارجون على شريعته ودين، الخالدون يوم القيامة فى
العذاب المهين .
ثم حذر - سبحانه - المؤمنين من نسيان طاعته وخشيته بأسلوب آخر
فقال: (( لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة، أصحاب الجنة هم
الفائزون » .
أى: لا يستوى فى حكم الله - تعالى - وفى جزائه , أصحاب النار، الذين
استحقوا الخلود فيها، ((وأصحاب الجنة، الذين ظفروا برضوانه - تعالى-
بسبب إيمانهم وعملهم الصالح ...
(( أصحاب الجنة هم الفائزون)) بالسعادة التى ليس بعدها سعادة، وبالنعيم
الذى لا يقاربه نعيم .
وقال - سبحانه -: ((لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة ... ، بدون
بيان ما لا يستويان فيه ، الإشعار بالبون الشاسع بين الفريقين ، فى سلوكهم،
وفى أعمالهم ، وفى تفكيرهم ، وفى نظرتهم إلى الحياة، وفى العاقبة التى ينتهى
إليها كل فريق ..
قال صاحب الكشاف: هذا تنبيه للناس، وإيذان لهم بأنهم لفرط
غفلتهم ، وقلة فكرهم فى العاقبة ، وتهالكهم على إيثار العاجلة ، واتباع

٣٩٩
الجزء الثامن والعشرون
الشهوات: كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة والنار والبون العظيم بين أصحابهما
وأن الفوز مع أصحاب الجنة، فمن حقهم أن يعلمواذلك وينبهوا عليه، كمانقول
لمن يعق أباه، هو أبوك، تجعله بمنزلة من لا يعرفه، فتنبهه بذلك على حق
الأبوة، الذى يقتضى البر والتعطف ... )،(١).
ومن الآيات الكثيرة التى تشبه هذه الآية فى معناها، قوله - تعالى -:
· رما يستوى الأعمى والبصير، والذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا المسىء
قليلا ما تتذكرون» (٢).
ثم نوه - سبحانه - بشأن القرآن الكريم، المشتمل على ألوان من الهدايات
والمواعظ، والآداب والأحكام ، التى فى إتباعها سعادة الناس وفوزهم فقال:
« لو أنزلنا هذا القرآن على جبل، لرأيته خادما متصدعا من خشية الله .. )).
والمراد بالجبل: حقيقته، والكلام على سبيل الفرض والتقدير ، واختير
الجبل ، لأنه أشد الأشياء صلابة وقلة بأثر بما ينزل به.
أى: لو أننا أنزلنا - على سبيل الفرض والتقدير - هذا القرآن العظيم الشأن
على جبل من الجبال العالية الشامخة الصلبة وخاطبناء به ... ( أيت - أيها
العاقل - هذا الجبل الذى هو مثال فى الشدة والغلظة والضخامة وعدم التأثر ..
لرأيته , خاشعا متصدها من خشية الله)).
أى: لرأيته متذللا متشفقا من شدة خوفه من الله - تعالى - ، ومن
خشيته ...
قال الآلوسى وهذا، تمثيل لغلو شأن القرآن، وقوة تأثيره والغرض - من
هذه الآية - توبيح الإنسان على قسوة قلبه، وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن
(١) تفسیر الکشاف = ٤ ص ٥٠٨
(٢) سورة غافر الآية ٠٨.

٤٠٠
سورة الحشر
الكريم، وتدبر ما فيه من القوارع وهو الذى لو أنزل على جبل - وقدركب.
فيه العقل - لخشع وتصدع .
ويشير إلى كونه تمثيلا , قوله - تعالى -: ((وتلك الأمثال نضربها للناس
لعلهم يتفكرون،(١).
أى : وتلك الأمثال الباهرة التى أشمل عليها هذا القرآن العظيم، نضربها
وفسوقها للناس، لكى يتفكر وافيها، ويعملوا بما تقتضيه من توجيهات حكيمة
ومن مواعظ سديدة: ومن إرشادات نافعة ، .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالثناء على ذاته - تعالى -، وببيان
بعض أسمائه الحسنى . فقال - تعالى -:
(( هُو اللهُ الذى لا إله إلاَّ هُو، عالم الغَيَبِ والشَّهادة هو الرحمن
الرحيمُ (٢٢) هُوَ اللهُ الذى لا إلهَ إلاَّ هَو الملكُ القُدُّوسُ السَلامُ
المؤمِنُ الُهُمِنُ العزِيزُ الجبارُ المتكبِرُ ، سُبحانَ الله عمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)
هُو الله الخالقُ البارِى المُصَور، لهُ الأسماء الحسنى، يسبح لهِ ما فى
السَّمواتِ الأرض، وهو العزيز الحكيم (٢٤)».
قال الجمل: لما وصف - تعالى - القرآن بالعظم، ومعلوم أن عظم الصفة
تابع لعظم الموصوف، أتبع ذلك بوصف عظمه - تعالى - فقال: «هو الله.
الذى لا إله إلا هو)، أى: هو اله الذى وجوده من ذاته، فلا عدم له بوجه
من الوجوه، فلا شىء يستحق الوصف بهذا غيره , لأنه هو الموجود أزلا
(١) تفسير الآلومى حـ ٢٧ ص ٦٢.