Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
الجزء الثامن والعشرون.
بشىء حتى يكفر ، خلافا للشافعى فى أحد قوليه ... فإن وطئها قبل أن يكفر،
استغفر الله - تعالى - وأمسك عنها حتى يكفر كفارة واحدة.
وقال مجاهد وغيره: عليه كفارتان ... )،(١).
٦ - قوله - تعالى -: «فصيام شهرين متتابعين .. ، صريح فى وجوب
تتابع الصوم من غير انقطاع بين الأيام ، فلو أفطر يوما من الشهرين من غير
عذر انقطع التتابع ، وازمه استثناف الصوم من جديد ...
.أما الإفطار بعذر - كمرض ونحوه - ، فيرى بعضهم وجوب الاستئناف ،
لزوال التتابع الذى صرحت به الآية ...
ويرى فريق آخر من العلماء ، إلى أن الإفطار بعذر لا يمنع التتابع ..
٧ - أخذ العلماء من قوله - تعالى -:. فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا)
أن المطلوب من المظاهر أن يطعم هؤلاء المساكين إطعاما يشجعهم فى الغداء
والعشاء، سواء أكان ذلك بالتمليك أم بالإباحة، فأيهما وقع من المكفر
أجزأه، وسواء أطعمهم جملة أم متفرقين ...
وأوجب الشافعية تمليك المساكين ... بأن يملك لكل مسكين مدا
أو صاعاً من غالب قوت البلد الذى يسكنه من عليه الكفارة.
أما حكم من عجز عن الكفارة، فيرى جمهور العلماء أنها لانسقط عنه،
بل تستقر فى ذمته حتى يتمكن من أدائها ، كسائر لديون والحقوق ... فإنها
لا تسقط ، وإنما تبقى فى ذمة من عليه، حتى يتمكن من أدائها.
قال القرطبي: وقد ذكر الله - تعالى - الكفارة هنا مرتبة، فلاسبيل إلى
الصيام إلا عند العجز عن الرقبة ، وكذلك لا سبيل إلى الإطعام إلا عند عدم
الاستطاعة على الصيام ... )،(٢).
(١) راجع تفسير القرطبى حـ١٧ ص ٢٧٨.
(٢) راجع تفسير القرطبى < ١٧ ص ٠٢٨٠
(٢١ - سور. المجادلة)

٠ ٣٢٢
سورة المجادلة
هذا، ومن أراد التوسع فى هذه الأحكام الفقهية ، فعليه بكتب الفروع
ويبعض كتب التفسير (١).
ثم بير - سبحانه - سوء عاقبة الذين يحاربون الله ورسوله، ولا يدركون
أنه - سبحانه - معهم أينما كانوا، ويعلم ما يتناجون به من إثم وعدوان
ومعصية الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقال - تعالى -:
(((إنّ الذينَ يحادُّونَ الله ورسولَهُ كُوا كما كُبِتَ الذين مِنْ قَبلِمْ.
وقد أَنزَلْناَ آيَاتٍ بَيِّاتٍ وللكافِينَ عَذَابٌ مُهينٌ (٥) يوم يبعثهمُ
اللّهَيعًا فبَثُّهم بما عَملوا، أحصاَهُ الله ونَسُوه، والله عَلَى كُلُّ شىء
شَهيدٌ (٦) أَلم تَرَ أَنَّ الله يَعلَم ما فى السَّواتِ وما فى الأرْضِ، ما يُكُونُ
مِنْ نَجْوَى ثلاثةٍ إلَّ هُو رابِعُهم، ولا خمسَةٍ إلاَّ هُو سَآَدِسُهم،
ولا أَذْنَى من ذلكَ ولا أَكثَر إلاَّ هُو معهم أينما كانوا، ثمَّ يُنَبْهم
بماَ عمِلُوا يوم القيامةِ، إنَّ الله بُكُلِّ شىءٍ عَلِيمٌ" (٧) أَلم تَرَ إلى الذينّ
نَهُوا عنِ النَّجْوى ثم يُودُونَّ لما نْهُوا عِنْهُ، ويَتَنَاجوْنَ بالإْمِ والعُدوَانِ
ومَعْصيةِ الرسُولِ وإِذَا جاءوكَ حَيَّوْكَ بما لم يُحَيكَ بهِ الله، ويقولُونَ
فى أَنفُسِهِمْ لولاً يعذِّبنَ اللهُ بمَا تَقُول، حَسْبِهِمُ جَهَّمْ يَصْلونَها
فَبْسَ المِصِير)) (٨).
وقوله - سبحانه -: (( يحادون)) من المحادة بمعنى المعاداة والمباغضة. وأصلها
أن تكون أنت فى حد - أى: فى جانب -، وعدوك فى حد آخر . فكنى بها
عن المعاداة لأنها لازمة لها .
(١) راجع تفسير الالومى = ٢٨ ص ٣ وما بعدها .

٣٢٣
الجزء الثامن والعشرون
وقوله: ((كبتوا)) من الكبت بمعنى الخزى والذل. يقال: كبت الله
العدو كبتا - من باب ضرب - إذا أهانه وأذله وأخزاه .
قال الجمل : والذين يحادون الله هم الكافرون، وهذه الآية وردت فى
غزوة الأحزاب ....
والمقصود منها البشارة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين،
بأن أعداءهم المتحز بين القادمين عليهم ، سيصيبهم الكبت والذل ، وسيتفرق
جم .... ، (١) .
والمعنى: إن الذين يحاربون دين الإسلام، الذى شرعه الله - تعالى-،
وجاء به رسوله - صلى الله عليه وسلم - ((كبتوا، وأصابهم الخزى والذل
((كما كبت الذين من قبلهم، من أعداء الحق.
وأو ثرهنَا الفعل («يجادون))، لوقوعه عقب الكلام عن حدودالله - تعالى-
فى قوله - عز وجل - ((وتلك حدود الله للكافرين عذاب أليم)).
وقوله - تعالى -: («كبتوا، بمعنى سيكبتون، وعبر عن ذلك بالماضى،
الإشعار بتحقق الذل والخسران ، لأولئك المتحزبين الذين جمعوا جموعهم
لمحاربة الله ورسوله ....
. وقد حقق أنه - تعالى - وعده، إذ ردهم بغيظهم دون أن ينالوا خيرا ...
وجملة: ((وقد أنزلنا آيات بينات ... )، حال من الضمير فى (( كبتوا)).
أى: كبتوا وجملة: ((وقد أنزلنا آيات بينات ... )) حال من الضمير فى كبتوا)).
أى: كبتوا. لمحادتهم للحق، والحال أنا قد أنزلنا آيات واضحات، تدل على صدق
الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما جاء به من عند ربه، وتشهد بأن أعداء.
على الباطل والضلال .
((وللكافرين)) الذين أعرضوا عن دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم -
وحاربوها (( عذاب مهين، أى: عذاب يهينهم ويذلهم ويخزيهم،
(١) حاشية الجمل على الجلاليب = ٤ ص ٣٠١

٣٢٤
سورة المجادله
وقوله - تعالى -: (( يوم يبعثهم الله جميعا)) يصح أن يكون متعلقا بقوله:
((مهين ، كما يصح أن يكون منصوبا بفعل مقدر ...
أى: اذكر - أيها العاقل - لتتعظ وتعتبر، يوم يبعث الله - تعالى - هؤلاء
المكافرين جميعا من قبورهم ، فينبئهم ويخبرهم بما عملوا من أعمال سيئة ..
والمراد بالإنباء فى قوله: (( فينبتهم بما عملوا): المجازاة والمحاسبة وإنزال
حکمه بهم .
وجملة: ((أحصاه الله، مستأنفة، لأنها بمنزلة الجواب عما قبلها. فكان
سائلا سأل وقال : كيف يفبتهم الله بأعمالهم؟ فكان الجواب: أحصى الله
- تعالى - عليهم عملهم، وسجله عليهم تسجيلا قاما.
وجملة ((ونسوه)) حال من مفعول ((أحصى)) أى: والجال أنهم قد نسوا
ما عملوه، لتهاونهم به حين اقترفوه، ولاعتقادهم بأنهم لن يسألوا عنه يوم
القيامة ، فهم قد أذكروا البعث والحساب والثواب والعقاب .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ((والله على كل شىء شهيد، أى:
والله - تعالى - مشاهد لكل شىء فى هذا الكون، ولا تخفى عليه خافية من
أحوال خلقه .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين
بما فيه ، ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا
أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا،(1).
ثم أقام - سبحانه - الأدلة على شمول علمه فقال: ((ألم تر أن الله
يعلم ما فى السموات وما فى الأرض ، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو
رابعهم ....
(١) سورة الكهف الآية ٤٩

٣٢٥
الجزء الثامن والعشرون
. والاستفهام فى قوله: (( ألم تر .. ، للتقرير، والرؤية بمعنى العلم والإدراك
القلبى .. والخطاب لكل من هو أهل له ...
والنجوى : اسم مصدر بمعنى المسارة، يقال: نجوته نجوا ونجوى وفاجيته
مناجاة، أى : ساروته بكلام على انفراد، وأصله: أن تخلو بمن تناجيه بسر
ثمين فى نجوة من الأرض، أى: فى مكان مرتفع متفصل عما حوله ...
وقيل: أصله من النجاة ، لأن الإسرار بالشىء فيه معاونة على
النجاة.
وتطلق النجوى على القوم المتناجين ، كما فى الآية التى معنا .
قال الألوسى: وقوله - تعالى -: ((ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو
برابعهم .. ، استئناف مقرر لما قبله من سعة علىه - تعالى -، و((يكون)) من
كان التامة. و((من)، مزيدة. و«نجوى)) فاعل، وإضافتها إلى ثلاثة من
إضافة المصدر إلى فاعله .. والاستثناء فى قوله - إلا هو رابعهم، مفرغ من
أم الأحوال ... ، (١).
والمعنى: لقد علمت - أيها العاقل - علما لا يخالطه شك أو تردد، أن الله
- تعالى - يعلم علما تاما، ما فى السموات وما فى الأرض من كائنات مختلفة
الأجناس والأنواع٢ .. وأنه - سبحانه - ما يقع من تناجى ثلاثة فيما بينهم
إلا وهو تعالى - يعلمه، كأنه حاضر معهم، ومشاهد لهم، كما يعلمه الرابع
حين يكون معهم فى التناجى :
(( ولا خمسة إلا هو سادسهم)، أى: ولا يكون التناجى بين خمسة إلا وهو
- سبحانه - معهم، يعلم ما يتناجون به كما يعلم ذلك سادسهم فيما لو كان
التناجى بين ستة .
(١) تفسير الآلوسى =٧ ص

٣٢٦
سورة المجادلة
وقوله - تعالى -,ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا،
بيان لشمول علمه جميع الأحداث .
أى: ولا يقع التناجى بين ماهو أقل من ذلك العدد أو أكثر - كالإثنين
والستة - إلا وهو - سبحانه - يعلم علما قاما ما يجرى بينهم فى أى مكان كانوا،
وعلى أية حالة وجدوا ...
(((ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة، أى: ثم يخبرهم - سبحانه - يوم القيامة
بما عملوه فى الدنيا من أعمال كبيرة أو صغيرة، ويجازيهم عليها بما يستحقونه
من ثواب أو عقاب .
(( إن الله بكل شىء عليم، فهو - سبحانه - لا يخفى عليه شىء فى الأرض
ولا فى السماء .
والمقصود بهذه الآية الكريمة، بيان شمول على الله - تعالى - لكل شىء ،
وأنه - سبحانه - يحصى على الناس أعمالهم إحصاء الحاضر معهم، المشاهد لهم،
الذى لا يعزب عنه شىء من حركاتهم أو سكناتهم، ولذا افتتح - سبحانه -
الآية بالعلم ، واختتمها بالعلم - أيضا -.
قال الإمام الزازى ما ملخصه: ذكر - سبحانه - الثلاثة والخمسة لوجوه:
أحدها: أن هذا إشارة إلى كمال رحمته، وذلك لأن الثلاثة إذا اجتمعوا ، فإذا
أخذ اثنان فى التناجى والمشاوره بقى الواحد ضائعاً وحيدا، فيضيق قلبه
فيقول الله - تعالى - له : أنا جليك وأنيك.
١
وثانيها : أن العدد الفرد أشرف من الزوج.، لأن اله وتر يحب الوتر ،
عفص الأعداد الفردية بالذكر للتنبيه على شرفها ...
:
وثالثها: أن الآية نزلت فى قوم من المنافقين، اجتمعوا على التناجى
مغايظة للمؤمنين ، وكانوا على هذين العددين : - أى كانوا فى مرة ثلاثة وفى
مرة أخرى خمسة - فنزلت الآية الكريمة بيانا للواقع ... ، (١).
(١) راجع تفسير الفخر الرازى حـ ٢٨ ص ٠٢٢٦

٣٢٧
الجزء الثامن والعشرون
ويبدو لنا أن ذكر العدد وإنما هو من باب التمثيل، وأن المقصود الأصلى
من الآية الكريمة، بيان أن علم الله - تعالى - يشمل كل كبير وصغير،
وكثير وقليل، ولذا قال - سبحانه -: « ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو
معهم أينما كانوا ...
قال القرطبى: قال الفراء : المعنى غير مصمود، والعدد غير مقصود ، لأنه
- تعالى - إنما قصد - وهو أعلم - أنه مع كل عدد قل أو كثر، يعلم ما يقولون
سراً وجهر، ولا تخفى عليه خافية، فمن أجل ذلك إكتفى بذكر بعض العدد ،
دون بعض .. ، (١)
ثم عجئب الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - من حال قوم يؤثرون -
الغى على الرشد ، وينصحون فلا يستجيبون للنصحية ، وينهون عن الشرور
فيأبون إلا الانغماس فيها ، فقال - تعالى - ((ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى،
ثم يعودون لما نهوا عنه، ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ... )
قال الآنوسى: قال ابن عباس: نزلت فى اليهودو المنافقين، كانوايتناجون
دون المؤمنين ، وينظرون إليهم ويتغامزون بأعينهم عليهم، يوهمونهم عند
أقاربهم أنهم أصابهم شر .. فلما كثر ذلك منهم، شكا المؤمنون إلى الرسول
- صلى الله عليه وسلم -، فنهاهم عن التناجى دون المؤمنين، فعاد والمثل
...
فعلهم ..
والخطاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والهمزة للتعجيب من حالهم
وصيغة المضارع للدلالة على تكرار فعلهم وتجدده ، واستحضار صورته
الغريبة ..... (٢)
والمعنى: إن شئت أن تعجب - أيها الرسول الكريم - فاعجب من حال
(١) تفسير القرطى = ١٧ ص ١٩٠
. (٢) تفسير الآلوسي جـ ٢٨ ص ٢٥

٣٢٨
سورة المجادلة
هؤلاء اليهود والمنافقين الذين نهيتهم أنت عن التناجى فيما بينهم ، بما يقلق
المؤمنين وبغيظهم .... ولكنهم لم يستجيبوا لنصحك ونهيك ، بل استمروا
على تناجيهم بما هو إثم وعدوان ومعصية لمك، ولما جئتهم به من عند الله
- تعالى .
وعبر بقوله - تعالى -: « ثم بعودون لما نهوا عنه، للاشعار بأنهم قوم
لاتؤثر فيهم النصائح وإنما هم يستمعون إليها، ثم يهجرون العمل بها،ويعودون
إلى فجورهم وفقهم.
ووصف تناجيهم بأنه كان مشتملا على الأثم والعدوان ومعصية الرسول
لا على الإثم فقط أو على العدوان فقط . . لبيان أن تناجيهم مشتمل على
كل أنواع السوء والفحشاء . فهم يتناجون بكلام هو إثم وشر فى ذاته ،
وبأقوال مشتملة على ظلم المؤمنين والاعتداء على دينهم وعلى أعراضهم،
وبأفعال هى معصية الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لأنهم لم يستجيبوا لنهيه
إياهم عن المناجاة بما يؤذى المؤمنين ويحزنهم ... بل إستمروا فى طغيانهم.
يعمهون .
والباء فى قوله: (( بالإثم .. ، للملابسة. أى يقتاجون متلبسين بالإثم
وبالعدوان وبمعصية الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
قم بين - سبحانه - أن هؤلاء المنافقين ومن لف لفهم من اليهود ، لم
يكتفوا بتلك المناجاة القبيحة التى كانوا يرونها فيما بينهم، لإغاظة المؤمنين ..
بل أضافوا إلى ذلك النطق أمام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالكلام السىء
وبالعبارات التى تدل على سوء طويتهم، فقال - تعالى - : «وإذا جاءوك
حيوك بما لم يحميك به الله .....
أى: وإذا جاء هؤلاء المنافقون واليهودإلى مجلسك - أيها الرسول الكريم.
ألقوا اليك بتحية ، هذه التحية لم يأذن بها الله - تعالى -، ولم يخاطبك بها ..

i
الجزء الثامن والعشرون
٢٢٩
وقد كان المنافقون عندما يدخلون على الرسول - صلى الله عليهم -
لا يقولون له كله: «السلام عليكم)) - وهى تحية الإسلام،، إنما يقولون له:
أنعم صباحا أو مساء ... متجنبين النطق بتحية الاسلام. ومستعملين تحية
الجاهلية .
روى الشيخان عن عائشة: أن ناسا من اليهود ، دخلوا على رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - فقالوا: السام أى: الموت عليك يا أبا القاسم. فقال
- صلى الله عليه وسلم - «وعليكم).
قالت عائشة: وقلت عليكم السلام ولعنكم الله وغضب عليكم.
فقال - صلى الله عليه وسلم - ياعائشة إن الله لا يحب الفاحش والمتفحش»
فقلت: ألا نسمعهم يقولون: السام؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - ((أو
سمعت قولى: عليكم ، فأنزل الله - تعالى - وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك
به الله ، (١) .
ثم بين - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائلهم المتعدده فقال: «ويقولون فى
أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول ....
والمراد بأنفسهم هنا: أى فيما بينهم وفى مجامعهم، أو فيما بينهم وبين أنفسهم
أى إذا جاءك هؤلاء المنافقون ومن على شاكلتهم فى الضلال، نطقوا
أمامك بتحية لم يحيك بها الله - تعالى - ولا يكتفون بذلك، بل يقولون فيما
بينهم على سبيل التباهى والجحود للحق (( لولا يعذبنا الله بما نقول)) أى: هلا
يعذبنا الله بسبب ماقلناه، لو كان محمدا .. صلى الله عليه وسلم - من عنده .. تعالى-
أى: أنهم يفكرون فيوته - صلى الله عليه وسلم - لأنها - فى زعمهم لو كانت
حقا، لعذبهم الله - تعالى - بسبب إساءتهم اليه، وإعراضهم عن نهيه لهم:
(١) تفسير الآلومى حـ ٢٨ ص ٢٦

٢٣٠
سوارة المجادلة
وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يكبتهم، وبما يسلى نبيه - صلى الله عليه
وسلم - فقال: (( حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير)).
أى: لا تحزن - أيها الرسول الكريم - المسالك هؤلاء المنافقين معك
ومع أصحابك، فإن هؤلاء المنافقين ومن لف لفهم ، كافيهم من العذاب جهنم،
يصلونها ويقاسون حرما ، فبئس المصير جهنم لو كانوا يعلمون .
وبعد أن فضح الله - تعالى - المنافقين ومن على شاكلتهم فى الكفر
والضلال، وبين سوء عاقبتهم بسبب مسالكهم الخبيثة ... بعد كل ذلك وجه
الله - تعالى - ثلاث نداءات إلى المؤمنين، أدبهم فيها بأدبه السامى ... فقال.
- تعالى -:
(((يأُها الذينَ آمنُوا إذَا تنَجْم فلا تتَنَجَوا بالإثم والمُدوَانِ
ومعصيةِ الرسولِ وتناجَوا بالبرِّ وَالتَّقْوى، واتَّقُوا الله الذى إليهِ
تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى من الشَّيطَنِ لَيَحزُنَ الذِينَ آمَنُوا، وليسَ
يضارّهْ شَيْئًا إلا بإذْنِ الله، وعَلَى الله فَليتَوكلِ المؤمِنُون (١٠)
يَأيُّها الذّينَ آمَنُوا إذا قيلَ لُكُم تَفَسَّعُوا فى المجالس فَفسَحُوا يَفْسِحٍ
اللهُ لكُ ، وإذا قيلَ انشُزُوا فانشُزُوا يرفعِ الله الذِينَ آمَنُوا منكمٌ،
والذينَ أُوتُوا العِلِمَ دَرَجاتٍ، والله بما تَسلونَ خبيرٌ (١١) بِأيها الذينَ
آمنُوا إذا نَجْتُ الرسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يدَىْ نَجوائُ صدقةً ، ذلكَ
خيرٌ لكُم وأَطهر، فإنْ لم تَجِدُّوا فإنّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْقْتُمْ
أنْ تُقدِّمُوا بينَ يدَىْ تَجوالكُ صَدَقَتٍ، فإنْ لمْ تَفعَلُوا وَتَب اللهُ.

٣٣١
الجزء الثامن والعشرون
عَلَيكُم فأفيُوا الصَّلاة وآنُوا الزَّ كَاةَ، وأَطِعوا الله ورسولهُ، والله
خَبِيرٌ بِما تَعملُونَ (١٣)» .
فقوله - تعالى -: ((يأيها الذين آمنوا إذا تناجيتم ... ، تعليم وإرشاد
منه - سبحانه - للمؤمنين، لكى يكون حديثهم فيما بينهم، يقوم على الخير
لا على الشر، وعلى الطاعة لا على المعصية، وعلى البر والتقوى لا على الإثم
والعدوان ، حتى لا يتشبهوا بالمنافقين، الذين كانوا على النقيض من ذلك .
أى: يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان، ((إذا تناجيتم، بأن أسر
بعضكم إلى بعض حديثا (« فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول)»
كما هو شأن المنافقين ومن على شاكلتهم فى الكفر والضلال .
وإنما ((تناجوا)، فيما بينكم ((بالبر والتقوى)) والبر ضد الإثم والعدوان،
وھو یعم جمیع أفعال الخير التی أمر الله - تعالى - بها .
والتقوى: الامتثال لأمر الله - تعالى-، وصيانة النفس عن كل
مالا يرضاه.
ثم ختم -سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ((واتقوا الله الذى إليه تحشرون)،
أى: وراقبوا الله - تعالى - فى كل أحوالكم، فإليه وحده يكون مرجعكم
يوم القيامة، وسيبشكم ويجمعكم للحساب والجزاء ...
والمراد بالنجوى فى قوله - تعالى - بعد ذلك: «إنما النجوى من الشيطان
ليحزن الذين آمنوا ... )): نجوى المنافقين فيما بينهم، وهى التى عبر عنها
- سبحانه - قبل ذلك بقوله: ((ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية
الرسول » .
٠٠
فأل فى قوله - تعالى -: «النجوى، للعهد. أى: إنما النجوى المعهودة

٣٣٢
سورة المجادلة
التى كان يتناجى المنافقون بها فيما بينهم ، كائنة من الشيطان لا من غيره،
لأنه هو الذى حرضهم وأغراهم، بأن يتساروا بالإثم والعدوان ...
وقوله: (( ليتحزن الذين آمنوا، قرأ الجمهور: ((ليحزن)) - بفتح الياء
وضم الزاى - مضارع حزن، فيكون ,الذين آمنوا، فاعل. والحزن:
الهم والغم . .
أى: زين الشيطان للمنافقين هذه النجوى السيئة ، لكى يحزن المؤمنون
ويغتموا، بسبب ظنهم أن من وراء هذه النجوى أخبارا سيئة تتعلق بهم
أو بذويهم ...
وقرأ نافع ((ليُحزن)) - بضم الياء وكسر الزاى -، فيكون ((الذين آمنوا)
مفعولا . أى: فعل مافعل الشيطان مع المنافقين ، لكى يدخل الحزن والغم
على المؤمنين .
.
وأسند - سبحانه - النجوى إلى الشيطان، باعتبار أنه هو الذى يوسوس
بها ، ويزينها فى قلوب هؤلاء المنافقين وأشباههم.
وجملة: (( وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله ... )، معترضة لتثبيت
المؤمنين ، وتسليتهم عما أصابهم من المنافقين .
واسم ليس : الشيطان أو التناجى ، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال،
و((شيئا، منصوب على المفعول المطلق.
أى: لا تحزنوا - أيها المؤمنون - لمسالك المنافقين معكم، ولا تخافوا
من تناجيهم فيما بينهم ، فإنها نجوى زينها لهم الشيطان ، واعلموا أن كيد
الشيطان لن يضركم شيئا من الضرر فى حال من الأحوال إلا فى حال إرادة
الله - تعالى - ومشيئته ...
ومادام الأمر كما بينت لكم، فاجعلوا توكلكم - أيها المؤمنون - على الله

٣٣٣
الجزء الثامن والعشرون
- تعالى - وحده، ولا تبالوا بالمنافقين، ولا بتناجيهم، ولا بما يسوله الشيطان
لهم من قبائح، «إن كل شىء بقضاء الله وقدره.
قال الألوسى ما ملخصه: وحاصل هذا الكلام أن ما يتناجى المنافقون به
مما يحزن المؤمنين ، إن وقع فهو إرادة الله - تعالى - ومشيئته، ولا دخل
للمنافقين فيه ، ومادام الأمر كذلك، فلا يكترث المؤمنون بتناجيهم،
وليتوكلوا على الله - عز وجل -، ولا يخافوا من تناجيهم ...
ثم 1- التناجى بين المؤمنين قد يكون منهيا عنه، فقد أخرج الشيخان
وغيرهما عن ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إذا
كنتم ثلاثة ، فلا يقناجى اثنان دون الآخر، حتى تختلطوا بالناس ، من
اجل ان ذلك يحزنه ، .
ومثل التناجى فى ذلك ، أن يتكلم اثنان بحضور ثالث بلغة لا يفهمها
الثالث، إن كان يحزنه ذلك)،(١).
وروى الإمام مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: (( إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه، فإن
ذلك يحزنه ،(٢) .
والخلاصة أن تعاليم الإسلام، تنهى عن التناجى فى الحالات التى توقع
الريبة فى القلوب ، وتزعزع الثقة بين الأفراد والجماعات ...
وهذا النهى لون من الأدب الحكيم، الذى يحفظ للمؤمنين مودتهم، ومحبتهم
ويبعد عن نفوسهم الشكوك والريب ، ويطرد عن قلوبهم نزغات الشيطان
«الذی یجری من ابن آدم مجرى الدم)).
ثم لفت - سبحانه - أنظار المؤمنين إلى أدب رفيع آخر فقال: ( يأيها الذين
(١) تفسير الآلوسى = ٢٨ ص ٠٢٧
(٢) تفسير ابن كثير حـ ٤ ص :٠٣٢
-

٣٣٤
سورة المجادلة
آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا فى الجمالس فأفسحوا يفسح الله لكم ....
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : ماروى عن
قتادة أنه قال: نزلت هذه الآية فى مجالس الذكر، وذلك أنهم كانواإذا رأوا
أحدهم مقبلا، ضفوا بمجالسهم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرهم
الله أن يفسح بعضهم لبعض .
وقال مقاتل بن حيان : أنزلت هذه الآية يوم الجمعة . وكان رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - يومئذ فى الصفه، وفى المكان ضيق. وكان يكرم أهل
بدر من المهاجرين والأنصار. فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجالس
فقاموا خيال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: السلام عليكم أيها النبى
ورحمة الله وبركاته، فرد النبى - صلى الله عليه وسلم - عليهم. ثم سلموا على
القوم بعد ذلك ، فردوا عليهم السلام، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن
يوسع لهم.
فعرف النبى - صلى الله عليه وسلم - ما يحملهم على القيام فلم يفتح لهم
فشق ذلك عليه ، فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر:
قم يافلان ، قم يافلان ...
فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرف - صلى الله عليه وسلم-الكرامة
فى وجو هم,
فقال المنافقون : ألستم تزعمون أن صاحبكم هذا يعدل بين الناس ؟ واقه
ما رأيناه قد عدل على هؤلاء ... فبلغنا أن رسول - صلى الله عليه وسلم - قال
((رحم الله رجلا يفسح لأخيه)). فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعا، ونزلت
هذه الآية .... (١)
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٣٢٤
.
٤

٢٣٠
"جزء الثامن والعشرون
وقوله،تفسحوا، من التفسح، وهو تفعل بمعنى التوسع. يقال فسح
فلان الفلان فى المجلس - من باب نفع - إذا أوجد له فسحة فى المكان
ليجلس فيه .
والمعنى: يا من آمنتم بالله حق الإيمان، إذا قيل لكم توسعوا فى مجالسكم
لقسع أكبر قدر من إخوانكم فامتثلوا واستجيبوا، لأن فعلكم هذا يؤدى
إلی أن یفسح الله - تعالی ۔ لکم فی رحمته، وفی منازلكم فى الجنة ، وفى كل
شىء نحو ته .
· وحذف - سبحانه - متعلق ((يفسح الله لكم، ليشمل كل ما يرجو
الناس أن يفسح الله لحم فيه، من رزق ، ورحمته ، وخير دنيوى وأخروى.
والمراد بالمجالس: مجالس الخير، كمجالس الذكر، والجهاد. والصلاة،
وطلب العلم، وغير ذلك من المجالس التى يحبها الله - تعالى -.
وقراءة الجمهور: ((إذا قيل لكم نفسحوا فى المجلس، بالإفراد على إرادة
الجفس ... أى: قيل لكم تفحوا فى أى مجلس خير فافسحوا ... لأن هذا
التوسع يؤدى إلى ازدياد المحبة والمودة بينكم. وقرأ عاصم بصيغة الجمع.
ثم أرشدهم - سبحانه - إلى نوع آخر من الأدب السامى فقال: ((وإذا
قيل انشروا فانشزوا ....
٠٠
والنشوز الارتفاع عن الأرض. يقال: نشر ينشر وينشُز - من بابى
نصر وضرب ـ إذا ارتفع من مكانه ،
أى: وإذا قيل لكم - أيها المؤمنون - انهضوا من أما كنكم، التوسعة
على المقبلين عليكم ، فانهضوا ولا نتكاسلوا .
وقوله: «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات، جواب
الأمر فى قوله : (( فانهزوا ... )).

٣٣٦
سورة المجادلة
وعطف الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا من باب عطف الخاص على
العام، على سبيل التعظيم والتنويه بقدر العلماء.
أى: وإذا قيل لكم ارتفعوا عن مواضعكم فى المجالس فارتفعوا، فإنكم
إن تفعلوا ذلك، يرفع الله - تعالى - المؤمنين الصادقين منكم درجات عظيمة
فى الآخرة، ويرفع العلماء منكم درجات أعظم وأكبر .
ويرى بعضهم أن المراد بالموصولين واحد ، والعطف فى الآية لتنزيل
التغاير فى الصفات ، منزلة التغاير فى الذات .
والمعنى: يرفع الله الذين أمنوا العالمين درجات عظيمة لا يعلم مقدارها
إلا الله - تعالى -.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على شمول علمه فقال. «والله
بما تعلمون خبير ، .
أى: والله - تعالى - مطلع اطلاعا قاما على نواياكم، وعلى ظواهركم
وبواطنكم، فاحذروا مخالفة أمره، واتبعوا ما أرشدكم إليه من أدب وسلوك.
هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة: أن إفساح
المؤمن لأخيه المؤمن فى المجلس ، من الآداب الإسلامية التى ينبغى التحلى بها،
لأن هذا الفعل بجانب رفعه للدرجات، فإنه سبب للتواد والتعاصف والتراحم.
. قال القرطبى ماملخصه: والصحيح فى الآية أنها عامة فى كل مجملس، اجتمع
المسلمون فيه للحير والأجر، سواء أكان مجلس حرب، أم ذكر، أم مجلس
يوم الجمعة ... ولكن بدون أذى ، فقد أخرج الشيخان عن ابن عمر أن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم
يجلس فيه ،.
وعن ابن عمر - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يقام الرجل.
من مجلسه ثم يجلس فيه آخر، ولكن تفحوا وتوسعوا ... )) (١).
(١) تفسير القرضى ج١٧ ص ٠٢٩٨

٢٣٧
الجزء الثامن والعشرون
وعلى أية حال فإن الآية الكريمة ترشد المؤمنين فى كل زمان ومكان،
إلى لون من مكارم الأخلاق , ألا وهو التوسعة فى المجالس، وتقديم أهل العلم
والفضل ، وإنزالهم منازلهم الى تليق بهم فى المجلس .
كذلك أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة أنه يجوز القيام للقادم .
قال الإمام ابن كثير : وقد اختلف الفقهاء فى جواز القيام للموارد إذا جاء
على أقوال: فمنهم من رخص فى ذلك محتجا بحديث : : قوموا إلى سيدكم)).
ومنهم من منع من ذلك. محتجا بحديث: ((من أحب أن يتمثل له الرجال
قباما، فليتبوأ مقعده من النار».
ومنهم من فصل فقال : يجوز القيام للقادم من سفر ، والحاكم فى محل
ولايته، كما دل عليه قصة سعد بن معاذ، فإنه لما استقبله النبى - صلى الله عليه
وسلم - حاكما فى بنى قريظة، فرآء مقبلا قال للمسلمين: ((قوموا إلى سيدكم)،
وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه - والله أعلم -.
فأما إتخاذه - أى القيام - ديدنا، فإنه من شعار الأعاجم ... وفى الحديث
المروی فی السنن أن رسول الله - صلی الله علیه وسلم - كان يجلس حيث انتهى
به المجلس، ولكن حيث يجلس يكون صدر ذلك المجلس، وكان الصحابة
مجلسون منه على مرانبهم ، فالصديق عن يمينه ، وعمر عن يساره ، وبين
يدبه غالبا عثمان وعلى لأنهما كانا ممن يكتب الوحى ، وكان يأمرهما
بذلك ..... ١) .
كذلك أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، فضل العلماء ،
وسمو منزلتهم .
٠
قال صاحب الكشاف: عن عبد الله بن مسعود أنه كان إذا قرأ هذه الآ يه
قال: بأيها الناس افهموا هذه الآية، واترغبكم فى العلم . وفى الحديث الشريف:
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٣٢٥
١ ٢٢ - سورة المجادلة)

٣٣٨
سورة المجادلة
((بين العالم والعابد مائة درجه .. )) وفى حديث آخر: فضل العالم على العابد،
كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم» ....
وعن بعض الحكماء انه قال: ليت شعرى أى شىء أدرك من فاته العلم،
وأى شىء فات من أدرك العلم .
وعن الأحتف: كل عز لم يوضد بعلم إلى ذل يصير،(١).
ثم أرشدهم - سبحانه - إلى لون ثالث من الأدب السامى، فناداهم للمرة
الثالثة بقوله: (( بأيها الذين آمنوا إذا ناجبتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم
صدقة ذلكم خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا، فإن الله غفور رحيم)).
والمراد بقوله - تعالى -، إذا فاجيتم،: إذا أردتم المناجاة ، كما فى قوله.
- تعالى - ((إذا فتم إلى الصلاة٠٠)
والمراد بقوله: (( بين يدى بجواكم، أى: قبل مناجاتكم الرسول - صلى
. الله عليه وسلم - بقليل، والكلام من باب الاستعارة التمثيلية، حيث شبهت
هيئة قرب الشىء من آخر، بهيئة وصول الشخص إلى من ي يد الوصول إليه،
على سبيل تشبيه المعقول بالمحسوس ..
واسم الإشارة فى قوله: ( ذلك خير لكم وأطهر، يعود إلى تقديم
الصدقه، والجملة بمنزلة التعليل للأمر بتقديمها .
والمعنى. يامن آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان، إذا أردتم مناجأة الرسول
- صلى الله عليه وسلم -. والحديث معه فى أمر ما على سبيل السر، فقدموا
صدقه للفقراء قبل مناجاته - صلى الله عليه وسلم ، فذلك التقديم خير لكم
لما فيه من الثواب ، وأكثر طهرا لنفوسكم، فإن لم تجدوا شيئا تتصدقون به
قبل مناجاةكم له - صلى الله عليه وسلم -، فلا تحزنوافإن الله - تعالى - واسع
المغفرة والرحمة .
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٧٦

٣٣٩
الجزء الثامن والعشرون
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيه روايات منها ما جاء عن
أبن عباس - رضى الله عنهما - أنه قال : نزلت بسبب أن المسلمين كانوا
يكثرون المسائل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى شقوا عليه،
فأراد الله - تعالى - أن يخفف عن نبيه - صلى الله عليه وسلم - فلما نزات
هذه الآبه، كف كثير من الناس. ثم وسع الله عليهم بالآية التى
بعدها .... .(١) .
وقال بعض العلماء : إن هذا الأمر قد اشتمل على فوائد كثيرة:
منها : تعظيم أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم وإكبار شأن مناجاته ،
كأنها شىء لاينال بسهولة .
ومنها: التخفيف عن النبى - صلى الله عليه وسلم - بالتقليل من المناجاة -
حتى يتفرغ - صلى الله عليه وسلم - المهام العظمى التى كلفه - سبحانه - بها.
ومنها : تهوين الأر على الفقراء ، الذين قد يغلبهم الأغنياء على مجلس
الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فإنهم إذا علموا أن قرب الأغنياء من
الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ومناجاتهم له، تسبقها الصدقة ،
لم يضجروا.
ومنها: عدم شغل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما لا يكون مهما من
الأمور ، فيتفرغ للرسالة . فإن الناس وقد جبلوا على الشح بالمال ، يقتصدون
فى المناجاة التى تسبقها الصدقه .
ومنها: تميز محب الدنيا من محب الآخرة، فإن المال مك الدواعى (٢).
: ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر لطفه بعباده فقال: « أأشفقتم أن
تقدموا بين يدى فجواكم صدقه ... ))
(١) تفسير القرطى = ١٧ ص ٣٠١
(٢) تفسير آيات الأحكام حـ ٤ ص ١٣١ للشيخ محمد على السايس

٣٤٠
سورة المجادلة
والإشفاق معناه: أن يتوقع الإنسان عدم حصوله على مايريده. والمراد
به هنا : الخوف .
والاستفهام مستعمل فيما يشبه اللوم والعتاب، لتخلف بعضهم عن مناجاة
الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسبب تقديم الصدقة.
و،إذ)) فى قوله(( فإذ لم تفعلوا، ظرفية مفيدة للتعليل.
والمعنى: أخفْتُم - أيها المؤمنون - أن تقدموا قبل مناجانكم للرسول
- صلى الله عليه وسلم - صدقة، فيصيبكم بسبب ذلك الفقر، إذا ما وأظبتم على ذلك.
(( فإذا لم تفعلوا وقاب الله عليكم)، أى: خين لم تفعلوا ما كلفناكم به من
تقديم الصدقة قبل مناجاتكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وتاب الله
- تعالى - عليكم . بأن رخص لكم فى هذه المناجاة بدون تقديم صدقة ، وخفف
منكم ما كان قد كلفكم به - سبحانه - والفاء فى قوله: فأقيموا الصلاة. وآتوا
الزكاة، وأطيعوا الله ورسوله ، معطوفة على كلام محذوف.
أى: فين خففنا عنكم الصدقة - بفضلنا ورحمتنا - قداوموا على إقامة
الصلاة، وعلى إعطاء الزكاة لمستحقيها، وأطيعوا الله ورسوله، فى كل
ما أمركم به أو نها كم عنه .
واعلموا أن الله - تعالى - خبير بما تعملون، ولا يخفى عليه شيء من أقوالكم
أو أفعالكم، وسيجازى الذين أماؤا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية ناسخة التى قبلها، لأنها أسقطت وجوب
تقديم الصدقه الذى أمرت به الآبه السابقه .
وقد لخص الإمام الآلوسى كلام العلماء فى هذه المسألة تلخيصا حسنا فقال:
واختلف فى أن الأمر الندب أو للوجوب، لكنه نسخ بقوله - تعالى -:
أأشفقتم أن تقدموا .. » وهو وإن كان متصلا به تلاوه، ا کنه غير متصل
به نزولا. وقيل: نسخ باية الزكاة . والمعول عليه الأول .