Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
الجزء السابع والعشرون
وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد بينت ما أعد لأصحاب الشمال ، من
عذاب مهين ، بأسلوب تقشعر من هو له الأبدان ...
٠٥ ٢ ٥
وبعد هذا الحديث الجامع عن أقسام الناس يوم القيامة، وعن جزاء كل
قسم ... أخذت السورة الكريمة، فى إقامة الأدلة على وحدانية الله - تعالى-،
وعلى كمال قدرته . ..
٠.
وجاءت هذه الأدلة لا عن طريق أمور تخييلية، أو فلسفية. أو غيبية ...
وإنما عن طريق أمور يحسونها بأنفسهم، ويشاهدونها بأعينهم ... عن طريق
خلقهم، وزروعهم التى يزاولونها بأيديهم، والمماء الذى يشربونه، والنار
التى يوقدونها ...
لنستمع إلى السورة الكريمة ، وهى تحكى كل ذلك فتقول:
((نحنُ خَلْنَاكُ فلولاَ تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَ يُمْ ما تُمنونَ (٥٨)
أَنتُم تخلقُونَهُ أَمْ نحنُ الْمَالِقُونَ (٥٩) نحنُ قدَّرْنَاَ بَينكُ الموتَ
وما نحنُ بمسبُوقِينَ (٦٠) على أن نُبَدَّلَ خَلفكُ وَتُنشِكُ فِيا
لا تَلمونَ (٦١) ولقّدْ عَلِتُم النَّشأة الأولى فَلولاً تذكَّرون (٦٢)
أفرأَ يُم ما تحرتُونَ (٦٣) أَأنْتُم تَزْرَعُونَه أم نَحنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)
لو نشاءٍ لجعلناهُ حُطامً فَظَلْتُمْ تفَكَّهُونَ (٦٥) إنَّا لمغْرَمُونَ (٦٦)
بَلْ نحنُ محرومُونَ (٦٧) أفرأَ يُم الماء الذى تَشْرَبُونَ (٦٨) أأَنْتُم
أنزلتُمُوهُ من المزْنِ أَمْ نَحنُ المنزلُونَ (٦٩) لو نشاء جَعْنَهُ أُجَاجًاً
فلولاً تشكُرُون (٧٠) أَفْرَأَ يُمِ النَّارَ التى تُورُنَ (٧١) أأَنتُم أنشأثم

٢٢٢
سورة الواقعة
شجرَتّهَا أَمْ نحنُ المنشِئُونَ (٧٢ ) نحنُ جَلناهَا تَذِكِرَةً ومتاعاً
للمقْوينَ (٧٣) فَسَبِّح باسمِ رِبِّكَ العظيمِ (٧٤))).
وقوله - تعالى -: (( نحن خلقناكم فلولا " صدقون)، رد على إنكار المشركين
للبعث والجزاء. ولولا هنا للتحضيض. والفاء لترتيب التحضيض على ما قبله.
أى: نحن الذين خلقناكم ـ أيها الجاحدون - هذا الخلق الأول بقدرتنا
وحدها ، فهلا صدقم بذلك، وأطعم رسولنا - صلى الله عليه وسلم - فيما
جاءكم به عندنا، وأيقنتم أن الأولين والآخرين سيقفون أمامنا يوم
القيامة للحساب ؟
. فالمراد بقوله - تعالى-(( خلقناكم»: خلقهم من سلالة من طين، ثم جعلهم
نطفة فى قرار مكين .كما قال - تعالى -: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من
طين، ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين . ثم خلقنا النطفة علقة، خلقنا العلقة
مضغة، خلقنا المضغة عظاما، فكسونا العظام لحما ، ثم أنشأناه خلقا آخر ،
فتبارك الله أحسن الخالقين ... »(١)
فإن قيل: إنهم كانوا يعترفون بأن الله - تعالى - قد خلقهم، بدليل قوله
- تعالى -: ((ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله .. ، فما فائدة قول -سبحانه-
نحن خلفناكم .... ؟
فالجواب أنهم لما كان اعترافهم بمنزلة العدم ، حيث أشركوا مع الله
- تعالى - آلهة أخرى فى العبادة قبل لهم على سبيل الإلزام والتبكيت :
نحن خلقناكم ...
ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك أربعة أدلة على صحة البعث وإمكانه ، أما
(١) سورة المؤمنون الآيات ١٢ - ١٤
:

:
٢٢٣
الجزء السابع والعشرون
الدليل الأول فتراه فى قوله - تعالى -:. أفر أيتم ما تمنون. أأنتم تخلقونه
أم نحن الخالقون ... ؟
وقوله: ((تمنون)) مأخوذ من أمنى بمعنى قذف المنى. يقال أمنى الرجل
النطفة إذا قذفها، والاستفهام للتقرير. والرؤية علمية. و((ما)، موصولة وهى
المفعول الأول لقوله (( أرايتم، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد إلى
الصفة محذوف . وجمله: أ أنتم تخلقونه ... هى المفعول الثانى.
والضمير المنصوب فى أوله ، تخلقوه)) يعود إلى الاسم الموصول فى
قوله: ((ما تمنون)). أى: أخبرونى - أيها المشركون - عما تصبونه وتقذفونه
من المنى فى أرحام النساء ؟ أأنتم تخلقون ما تمنونه من النظف علقا فضنا ...
أم نحن الذين خلقنا ذلك ؟ لاشك أنكم تعرفون بأننا نحن الذين خلقنا كل
ذلك، ومادام الأمر كما تعرفون، فلماذا عبد مع الله -تعالى - آلهة أخرى.
فالاستفهام للتقرير حيث إنهم لا يملكون إلا الاعتراف بأن الله - تعالى-
وحده خلق الإنسان فى جميع أطواره .
قال الجمل: و«أم، فى هذه المواضع الأربعة منقطعة، لوقوع جملة
بعدها ، والمنقطعة تقدر بيل والهمزة الاستفهامية، فيكون الكلام مشتملا
على إستفهامين، الأول: أأتم تخلقونه؟ وجوابه: لا . والثانى: مأخوذ من
((أم) أى: بل أنحن الخالقون؟ وجوابه نعم))(1).
ثم أكد - سبحانه - خلقه لكل شىء, وقدرته على كل شىء، فقال - تعالى -
« نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين. على أن تبدل أمثالكم، ونفشتكم
فی ما لا تعلمون »
. أى: نحن وحدنا الذين قدرنا لموتكمآ جالا مختلفة، وأعمارا متفاوتة،
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٢٧٨

٢٢٤
سورة الواقعة
٠٠:
فمنكم من يموت صغيرا« ومنكم من يموت كبيرا، وما نحن بمسبوقين. أى:
وما نحن بمغلوبين على ذلك ، بل نحن قادرون قدرة تامة على تحديد آجالكم ،
فمن حضره أجله فلن يستطيع أن يتأخر عنه ساعة، أو يتقدم عنه ساعة، كما
قال - تعالى -: ((فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)).
وقوله - تعالى -: ((على أن تبدل أمثالكم، متعلق بقوله: ((نحن قدرنا
بينكم الموت )» .
والمراد بتبديل أمثالهم: إيجادقوم آخرين من ذريه أولئك الذين ماتوا
والمعنى: نحن وحدنا الذين قدر نابينكم الموت ، و حددناه علىحسب مشیتنا .
ونحن الذين فى قدرتنبا أن نبدل من الذين ماتوا منكم أشباها لهم، أو جدم
بقدرتنا - أيضا - كما قال - سبحانه -: ((وربك الغنى ذو الرحمة أن يشأ يذهبكم
ويستخلف من بعدكم ما يشاء، كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين)) (٢)
ويصح أن يكون قوله - تعالى -: ((قدرنا، بمعنى قضينا وكتبنا، ويكون
قوله: ((على أن نبدل أمثالكم، متعلق بقوله ((بمسبوقين))، ويكون المراد
بتبديل أمثالهم: إيجاد قوم آخرين سوام ..
والمعنى: نحن الذين وحونا كتبنا عليكم الموت، وقضيناه على جميع الخلق
فيكل نفس ذائقة الموت، وما نحن بمغلوبين على إهلاككم، وعلى خلق أمثالكم
بدلا منكم كما قال - تعالى -: « يا أيها الناس أقم الفقراء إلى الله, والله هو الغنى
الحميد. إن يشأ يذهبكم وبات بخلف جديد. وما ذلك على الله بعزیز)) (١)
وقوله - سبحانه -: ((وتنشئكم فى ما لا تعدون)) بيان للون آخر من
ألوان قدرته - تعالى -
أى: نحن لسنا بعا جزين ولا بمغلوبين ... على أن نهلككم ونأتى بدلا منكم
(١) سورة الأنعام. الآية ١٢٣
(٢) سورة فاطر . الآيات ١٥ - ١٧

٢٢٥
الجزء السابع والعشرون
يغيركم. ولسنا - أيضا - :عاجزين على أن تنشئكم بعد إهلاككم فيما لا تعدونه
من الصور ، والهيئات ، والصفات .
قال صاحب الكشاف: قوله - تعالى -: «نحن قدرنا بينكم الموت)، أى:
قدرناء تقديرا، وقسمناه عليكم قسمة الرزق على إختلاف وتفاوت كما تقتضيه.
مشيتقنا، فاختلفت أعماركم من قصير وطويل ومتوسط ..
وقوله: (( وما نحن بمسبوقين، يقال: سبقته على الشىء إذا أعجزته عنه.
وغلبته عليه، ولم تمكنه منه. فمعنى قوله، وما نحن بمسبوقين على أن نبدل
أمثالكم، أنا قادرون على ذلك لانغلبوننا عليه. وأمثالكم جمع مثل - بسكون
الثاء - أي: على أن نبدل منكم ومكانكم أشباهكم من الخلق ((و)، على أن تنشئكم»
فى خلق لا تعلمونها وما عهد تم مثلها. يعنى أنا نقدر على الأمرين جميعا: على
خلق ما يماثلكم وما لا يمائكم، فكيف نعجز عن إعادتكم .
ويجوز أن يكون أمثالكم جمع مثل، - بفتحتين - أى : على أن نبدل
ونغير صفاتكم التى أنتم عليها فى خلقكم وأخلاقكم. وتنشئكم فى صفات
لا تعلمونها ... ، (١)
ثم لفت - سبحانه - أنظارهم إلى مالا يعلمونه من حالهم فقال: (ولقد
علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون »
أى: والله لقد علمتم النشأة الأولى من خلقكم، حيث أوجدناكم من نطفة
فعلقة فمضغة ... فهلا تذكر تم ذلك وعقلتموه ، وعرفتم أن من قدر على
خلقكم ولم تكونوا شيئا مذكورا ... قادر على إعادتكم إلى الحياة مرة
أخرى ؟
فالمقصود بهذه الآيات الكريمة إقامة الأدلة الساطعة، على إمكانية البعث
وعلى أن من قدر على خلق الإنسان من العدم، قادر على إعادته .
(١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٥٦
( ١٥ - سورة الواقعة)

٢٢٦
سورة الواقعة
قال القرطبى: وفى الخبر : عجبا كل العجب للمكذب بالشأة الأخرى ،
وهو يرى النشأة الأولى. وعجبا للمصدق بالنشأة الآخرة، وهو لا يسعى
لدار القرار ، (١).
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان الدليل الثانى على صحة البحث وإمكانيتها
فقال - تعالى -: ( أفر أيتم ما تحر ثون. أأنتم تزرعونه أم نحن المزارعون. لونشاء
لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون إنا لمغرمون. بل حن محرومون)).
والحرث : شق الأرض من أجل زراعتها. والمراد به هنا: وضع البذر
فيها بعد حرها .
أى: أخبرونى عن البذور التى تلقون بها فى الأرض بعد حرثها، التم
التى تنبتونها وتصير ونها زرعا بهيجا فضبرا أم نحن الذين نفعل ذلك؟ لا شك
أننا نحن الذين نصير هذه البذور زروعا وفباتا يانعا ، ولو نشاء لجعلنا هذا
النبات (( حطاما، أى: مكسرا مهشما يابسا لا نفع فيه، فظلتم بسبب ذلك
((تفكهون)) أى: فصر تم بسبب ما أصاب زرعكم من هلاك، تتعجبون.
ما أصابه، وتتحسرون على ضياع أموالكم، وتندمون على الجهد الذى بذلتموه
من غير فائدة ..
•
وأصل التفكه: التنقل فى الأكل من فاكهة إلى أخرى ، ثم استعير للتنقل
من حديث إلى آخر، وهو هنا ما يكون من أحاديثهم المتنوعة بعد هلاك.
الزرع .
والمراد بالتفكه هنا: التعجب والندم والتحسر على ما أصابهم ..
وقوله - سبحابه -: ((إنما لمغرمون)) مقول لقول محذوف. أي): فصرتم
بسبب تحطيم زروعكم تتعجبون، وتقولون على سبيل التحسر: إنا لمهلكون
(١) تفسير القرطبى =١٧ ص٢١٦

٢٢٧
الجزء السابع والعشرون
جسبب هلاك أقواتنا. من الغرام بمعنى الهلاك. أو إنا لمصابون بالغرم
توالاحتياج والفقر، بسبب ما أصاب زرعنا . من الغرم وهو ذهاب المال
بلا مقابل .
ویقولون ۔ أیضا ۔ : «بل نحن محرومون» من منافع ھذا الزرع الذی کنا
تملق الآمال على الانتفاع به ، والاستفادة بثماره ...
٠
قال الإمام القرطى - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآيات: والمستحب
لكل من يلقى البذر فى الأرض أن يقرأ بعد الاستعاذة: « أفر أيتم ماتحرثون .. »
الآيات. ثم يقول: بل الله الزارع، والمنبت والمبلغ. اللهم صل على محمد ،
وبارزقنا ثمر هذا الزرع، وجنبنا ضرره، واجعلنا لأنعمك من الشاكرين.
ولآلائك من الذاكرين، وبارك لنا فيه يارب العالمين .. ، (١).
ثم ذكر - سبحانه - الدليل الثالث على إمكانية البحث ، وعلى كمال قدرته
- تعالى - فقال: أفر أيتم الماء الذى تشربون. أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن
المتزلون. لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون)).
أى: وأخبرونى - أيضا - عن الماء الذى تشربونه، اأنتم الذين أنزلتموه
من ((المزن، أى: من السحاب أم نحن الذين أولناه ؟
لا شك أننا نحن الذين أنزلناه، ولا تستطيعون إنكار ذلك، لأن إنكاركم
لذلك يعتبر نوعا من المكابرة المكشوفة، والمغالطة المفضوحة .
. وتخصيص هذا الوصف، وهو ((الذى تشربون)) بالذكر، مع كثرة
منافع الماء، لأن الشرب أهم المقاصد التى من أجلها أنزل - سبحانه - الماء
من السحاب.
وتموله - سبحانه -: لو نشاء جعلناه أجاجا ... ) بيان لمظهر من مظاهر
رحمته - سبحانه - .
(١) راجع تفسير القرطى <١٧ ص٢١٨

٢٢٨
سورة الواقعة
ومفعول المشيئة هنا وفى ما قبله إلى قوله « لو نشاء لجعلناه حطاما .....
محذوف ، للا كتفاء عنه بجواب الشرط .
والماء الأجاج: هو الماء الشديد الملوحة والمرارة فى وقت واحد.
أى: لو نشاء أن نجعل هذا الماء النازل من المزن لشربكم، ماء جامعا بين
الملوحة والمرارة لفعلنا، ولكنا لم نشأ ذلك رحمة بكم، وفضلا منا عليكم.
وقوله: ((فلولا تشكرون، حض على الشكر لله - تعالى - أى: فهلا
شكرتم الله - تعالى - على هذه النعم، وأخلصتم له العبادة والطاعة، ووضعتم
نعمه فى مواضعها .
فالمراد بالشكر هنا : أن يواظب العبد على شكر ربه ، وعلى المداومة
على ما يرضيه وعلى استعمال النعم فيما خلقت له .
أما شكر الرب - عز وجل - لعبده فمعناه: منحه الثواب الجزيل، على
عمله الصالح، ومنه قوله - تعالى -: ((ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر
علیم » .
قال بعض العلماء: واعلم أن مادة الشكر تتعدى إلى النعمة تارة، وإلى
المنعم أخرى ،
فإن عديث إلى النعمة، قعدت إليها بنفسها دون حرف الجر، كقوله تعالى:
، رب أوزعنى أن أشكر نعمتك التى أفعمت على ٠٠٠، ...
وإن عديت إلى المنعم تعدت إليه بحرف الجر الذى هو اللام، كقوله
- تعالى -: - واشكروا لي ولا تكفرون، ... (١).
وقال - سبحانه - هنا « لو نشاء جعلناه أجاجا)) وقال فى الآيات السابقة:
(( لو نشاء لجعلناه حطاما ... بلام التأكيد، لأن إنزال الماء من السماء وتحويله
(١) أضواء البيان «٧ ص٧٩٤ للشيخ محمد الأمين الشنقيطى.

٢٢٩
الجزء السابع والعشرون
من ماء عذب إلى ماء ملح، مما لا يتوهم أن الأحد قدرة عليه سوى الله - تعالى،
إذا لم يحتج الأمر إلى تأكيد ...
أما جفاف الزرع بعد نضارته. حتى يعود حطاما، فمما يحتمل أنه من
فعل الزارع، أو لأى سبب آخر كآفة زراعية، لذا أكد - سبحانه - أنه هو
الفاعل لذلك على الحقيقة، وأنه - تعالى - قادر على تحطيمه بعد نموه وريعانه .
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الدليل الرابع على قدرته - تعالى - على
البعث والنشور، فقال - تعالى -، أفر أيتم النار التى تورون، النتم أنشاتم
شجرتها أم نحن المنشئون. نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين فسبح .
باسم ربك العظيم ، ،
وقوله: (( تورون)) أى: توقدون ،من أورى النار إذا قدحها وأوقدها.
ويقال: ورَى الزندُ يَرى وَرياً، إذا خرجت ناره، ـ وفعله من باب وعى -
وأوراه غيرُه، إذا استخرج النار منه .
وقوله: ((للمقوين)) مأخوذ من أقوى الرجل، إذا دخل فى القواد ،وهو
الفضاء الخالى من العمران. والمراد بهم هنا المسافرون، لأنهم فى معظم
الأحيان يسلكون فى سفرهم الصحارى والفضاء من الأرض.
وخصهم - سبحانه - بالذكر، لأنهم أكثر من غيرهم انتفاعا بالنار ،
وأحوج من غيرهم إليها .
والمراد بشجرة النار : المرخ والعفار ، وهما شجرتان، يقدح غصن
إحداهما بغصن الأخرى فتتولد النار منهما بقدرة الله - تعالى -.
ومن أمثال العرب: لكل شجر نار ، واستمجد المرخ والعفار. أى :
وعلا على غيرهما المرخ والمفار لأنهما أكثر الشجر نصيبا فى استخراج
النار. فهو مثل يضرب فى تفضيل الشىء على غيره .
والمعنى: وأخبرونى - أيضا - عن النار التى تقدحونها و تستخر جونها

٢٣٠
سورة الواقعة
من الشجر الرطب الأخضر ، أ أنتم خلقتم شجرتها، واخترعتم أصلها ، أم
نحن الخالقون لها وحدنا ؟
لاشك أن الجواب الذى لاجواب غيره، أننا نحن الذين أنشأنا شجرا
لا أنتم .
ونحن الذين جعلناها تذكرة، نذكر الناس بها فى دار الدنيا إذا أحسوا
بشدة حرارتها ، بنار الآخرة التى هى أشد وأبقى، حتى يقلعوا عن الأقوال
والأفعال التى تؤدى بهم إلى نار الآخرة.
ونحن - أيضا - الذين جعلنا هذه النار ((متاعا، أى: منفعة ((المقوين)
أى: للمسافرين، والذين هم فى حاجة إليها فى شئونهم المختلفة.
والفاء فى قوله - تعالى -: ((فسبح باسم ربك العطيم، لترتيب ما بعدها
على ما قبلها .
أى: ومادام الأمر كذلك، فسبح ، أيها العاقل - باسم ربك العظيم،
بأن تنزهه عن الشريك والولد، وبأن تخلص له العبادة والطاعة .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة، قد ذكرت أربعة أدلة على إمكانية
البعث: الأول عن طريق خلق الإنسان. والثانى: عن طريق إنبات النبات.
والثالث عن طريق إنزال الماء من السحاب. والرابع عن طريق إنشاء
الشجر الذى تستخرج منه النار .
وإنها لأدلة واضحة على كمال قدرة الله - تعالى-ووحدانيته. لكل عبد منيب.
٠ ٠٠
وبعد أن ساق -سبحانه - هذه الأدلة المتنوعة على كال قدرته، وعلى صحة
البعث ... التفت - سبحانه- بالحديث إلى أولئك الذين وصفوا القرآن بأنه
أساطير الأولين ... فرد عليهم بما يخرس ألسنتهم، ونعت القرآن بنعوت جليلة
فقال - تعالى - :

٢٣١
الجزء السابع والعشرون
(فلاَ أُقْسِمُ بِوَاقِع النُّجوم (٧٥) وإنَّهُ لَقَسمٌ لوْ تَعَلَمُونَ
عِظِيمٌ (٧٦) إِنّهُ لْقُرآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فى كتابٍ مكُنُونٍ (٧٨) لا يَسُّهُ
إلّ الْمُطَهَّرونَ (٧٩) تَنزِيلٌ من ربِّ العالمينَ (٨٠))).
قال بعض العلماء: ورد القسم على هذا النحو فى القرآن الكريم كثيراً،
ومن ذلك قوله - تعالى -: «فلا أقسم بالشفق. والقمر وماوسق، وقوله:
, فلا أقسم بالخفس الجوار الكنس، ...
وقد جاء على غير هذه الصورة ، أى: من غير لا النافية، ومن غير الفعل
. أقسم،، كما فى قوله - تعالى -: «فورب السماء - الأرض إنه لحق .. وتا
اقه لأكيدن أصنامكم ، ...
وتارة يكون القسم بأشياء مختلفة من خلقه - تعالى- كالصافات ، والطور،
والتين، والقرآن)). (١) والفاء فى قوله - تعالى -: (( فلا أقسم بمواقع النجوم))
التفريع على ما تقدم من أدلة البعث .. .
و((لا، عند أكثر المفسرين فى هذا التركيب وأمثاله: مزيدة للتأكيد ،
كما فى قوله - تعالى -: «لئلا يعلم أهل الكتاب ... ، أى ليعلم أهل الكتاب .
والمعنى هنا : فأقسم بمواقع النجوم ...
قالوا: وزيادتها هنا جاءت جريا على سنن العرب مز زيادتها قبل القسم،
كما فى قولهم : لاوأبيك، كأنهم ينفون ما سوى المقسم عليه. فيفيد الكلام
التأكيد .
ويرى بعضهم أن ((لا، هنا: للنفى، فيكون المعنى: فلا أقسم بمواقع النجوم،
لأن الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم أصلا، فضلا عن هذا القسم العظيم.
قال الآلوسي ما ملخصه: «فلا أقسم .. ، لامزيدة للتأكيد مثلها فى قوله
(١) راجع تفسير آيات الأحكام جـ ٤ ص ٩٦ للشيخ محمد على السايس.

٢٣٢
سورة الواقعة
- تعالى -: ((لئلا يعلم أهل الكتاب)). أو هى لام القسم - بعينها - أشبعت
فتحتها فتولدت منها ألف ... - أى: فلا قسم ...
وقيل إن ((لا)، هنا للنفى والرد على ما يقوله الكفار فى القرآن من أنه سحر ..
كأنه قيل: فلا صحة لمل يقولون فيه. ثم استؤنف فقيل: أقسم ...
وقال بعضهم إن ((لا)، كثيرا ما يؤنى بها قبل القسم على نحو الاستفتاح،
كما فى قولهم : لا وأنبك ..
وقال أبو مسلم وجمع: إن الكلام على ظاهره المتبارد منه . والمعنى:
لا أقسم إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم. أى: لا يحتاج إلى قسم
أصلا، فضلا عن هذا القسم العظيم ... ،(١)
والمواقع: جمع موقع، وموقع الشىء ما يوجد فيه ، وما يسقط فيه من.
مكان مرتفع .
فالمراد بمواقع النجوم : مساقطها التى تسقط فيها عند غروبها .. وقيل:
مواضعها من بروجها فى السماء ، ومنازلها منها ... وقيل: المراد موافعها يوم
القيامة عندما تنتشر وتتفرق ... وأقسم - سبحانه - بذلك، للتنويه بشأنها ،
ولما فيها من الدلالة على أن لهذا الكون خالفا قادرا حكيما ، يسير كواكبه
بدقة ونظام بديع ، لا اختلال معه ولا اضطراب ... إذ كل نجم من هذه
النجوم المتغائرة فى الفضاء، له مجاله الذى يغيب فيه، وله مكانه الذى لا يصطدم
فيه بغيره .
قال بعض العلماء : إن هذه النجوم والكواكب، التى تزيد على عدة بلا بين
نجم، ما يمكن رؤيته بالعين المجردة ، وما لا يرى إلا بالمجاهر والأجهزة،
وما يمكن أن تحس به الأجهزة، دون أن تراه هذه كلها تسبح فى الفلك
(١) تفسير الآلومی ۶ ٢٧ ص
٠١٥

٠
٢٣٣
الجزء السابع والعشرون
الغامض، ولا يوجد أى احتمال أن يقترب مجال مغناطيسى لنجم ، من مجال
نجم آخر، أو يصطدم بكوكب آخر .... (١).
ومن العلماء من يرى أن المراد بمواقع النجوم: أوقات نزول القرآن نجما
نجما، وطائفة من الآيات على طائفة أخرى ....
قال ابن كثير : واختلفوا فى معنى قوله (( بمواقع النجوم، فعن ابن عباس
أنه يعنى نجوم القرآن فإنه نزل جملة ليلة القدر، من السماء العليا إلى السماء
الدنيا، ثم نزل مفرقا بعد ذلك ...
وعن قتادة. ((مواقع النجوم، منازلها .. وقال مجاهد: مطالعها
ومشارتها ... وعن الحسن: انتشارها يوم القيامة .... (٢) ...
ويبدو لنا أن تفسير النجوم هنا، بنجوم السماء هو الأرجح، لأنه هو
الظاهر من معنى الآية الكريمة.
وقوله - سبحانه -: (( وإنه لقسم لو تعلمون عظيم)) كلام معترض بين.
القسم وجوابه والضمير فى «وإنه، يعود إلى القسم المذكور فى قوله ((فلا أقسم
بمواقع النجوم،، أو يعود إلى («مواقع النجوم)) بتأويله بمعنى المذكور.
قال صاحب الكشاف: ((بمواقع النجوم)) أى: بمساقطها ومغاربها ...
واستعظم ذلك بقوله: (( وإنه لقسم لو تعلمون عظيم، ... وهو اعتراض فى
اعتراض، لأنه اعترض به بين المقسم والمقسم عليه، وهو قوله: « إنه
لقرآن كريم)،. واعترض بقوله - لو تعلمون - بين الموصوف وصفته .. (٣)
وجواب ((لو)) إما محذوف بالكلية لأنه لا يتعلق بذكره غرض، إذ
(١) من كتاب «الله والعلم الحديث، ص ٣٣ للأستاذ عبد الرازق نوفل.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٠٢٩٩
(٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٠٠٩

٢٢٤
سورة الواقعة
٠
المقصود هو نفى عليهم، أى: أقسم بمواقع النجوم، وإنه لقسم عظيم،ولکنكم
لا تعلمون قيمته ومنزلته ...
وإما أن يكون جوابها مقدرا، فيكون المعنى: أقسم بمواقع النجوم،
وإنه لقسم عنايم لو كان عندكم علم نافع، لعظمتموه، ولآمنتم بما أقسمنا
عليه، ولكنكم لم تعظموه ولم تؤمنوا لجهلكم ، ولا نطماس يصاتركم ...
والضمير فى قوله - سبحانه - إنه لقرآن كريم، راجع إلى غير مذ كور
فى الكلام، إلا أن علم المخاطبين به واستحضارهم له، نزل منزلة ذكره.
أى: أقسم بمواقع النجوم، إن هذا الذى يتلوه عليكم نبينا محمد - صلى
الله عليه وسلم - لقرآن كريم، أى: رفيع القدر، طاهر الأصل، كثير
المنافع ، ظاهر الفضل ، لأن الناس يجدون فيه كل مايريدونه من سعادة
وخير ...
وليس أمره - كمازعمتم - من أن الشياطين تنزلت به ، أو من أنه أساطير
الأولين ..
وقوله - سبحانه -: ((فى كتاب مكنون)) وصف آخر للقرآن الكريم.
والمكنون: المستور والمحجوب عن أنظار الناس، بحيث لا يعلم كنهه إلا الله
- تعالى -. والمراد بالكتاب: اللوح المحفوظ. أى: أن هذا القرآن الكريم،
قد جعله الله - تعالى - فى كتاب مصون عن غير الملائكة المقربين، بحيث
لا يطلع عليه أحد سوام ...
وقوله - سبحانه -: (( لا يمسه إلا المطهرون)): صفة للكتاب الذى هو
اللوح المحفوظ ، أى: أن هذا القرآن قد اقتضت حكمتنا أن نجعله فى كتاب
مصون بحيث لا يطلع عليه قبل نزوله، من اللوح المحفوظ ولا يمنه أحد،
إلا الملائكة المطهرون من كل مايوجب الطهارة ...
وعلى هذا التفسير يكون الغرض من الآيات الكريمة، ففى مارعمه
:

٢٣٥
٠
الجزء السابع والعشرون
المشركون من أن القرآن تنزلت به الشياطين، وإثبات أن هذا القرآن مصون
فى كتاب مستور عن الأعين، هو اللوح المحفوظ، وأن الملائكة المطمون
وحدهم هم الذين يطلعون على هذا القرآن من اللوح المحفوظ، وهم وحدهم
.الذين ينزلون به على الرسول - صلى الله عليه وسلم -..
كما قال - تعالى -: «وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين.
على قلبك لتكون من المنذرين: بلسان عربى مبين ... ،(١).
وكما قال - سبحانه -: ((وما نغزات به الشياطين. وما ينبغى لهم وما يستطيعون
إنهم عن السمع لمعزولون ... ،(٢)،
ومنهم من يرى أن قوله - تعالى -: (( لا يمسه إلا المطهرون ، صفة أخرى
للقرآن الكريم. فيكون المعنى: إن هذا القرآن الكريم، لايصح أن يمسه
إلا المطهرون من الناس، عن الحدث الأصغر، والحدث الأكبر، فيكون
المراد بالطهارة: الطهارة الشرعية ...
وقد رجح العلماء الرأى الأول الذى يرى أصحابه أن قوله - تعالى -:
« لا يمسه إلا المطهرون، صفة للوح المحفوظ المعبر عنه بأنه كتاب مكنون،
وأن المراد بالمطهرين: الملائكة المقربون ...
وقالوا فى تأييد ماذهبوا إليه: إن الآيات مسوقة .التنزيه القرآن عن أن
تنزل به الشياطين، وأنه فى مكان مأمون لا يصل إليه إلا الملائكة المقربون.
والآيات - أيضا - مكية، والقرآن المكى أكثر اهتمامه كان موجها إلى
إبطال شبهات المشركين، وليس إلى الأحكام الفرعية ، التى تحدث عنها القرآن
المدنى كثيرا .
كذلك قالوا: إن وصف الكتاب بأنه ((مكنون)) يدل على شدة الصون
(١) سورة الشعراء الآيات ١٩٢، ١٩٥:
(٢) سورة الشعراء الآيات ٢١٠، ٠٢١٢

٢٣٦
سورة الواقعة
والستر عن الأعين، بحيث لاتناله أيدى البشر، وهذا لا ينطبق إلا على اللوح
المحفوظ، أما الفرآن فيمسه المؤمن وغير المؤمن ،(1).
قال الإمام القرطبى ماملخصه قوله: (( لا يمسه إلا لمطهرون)) اختلف فى
معنى ((لا يمسه)) هل هو حقيقة في المس بالجارحة أو معنى؟ وكذلك اختلف
فى (( المطهرون )) من هم؟
فقال: أنس وسعيد بن جبير : لايمس ذلك الكتاب إلا المطهرون من
الذنوب وم الملائكة ...
وقيل المراد بالكتاب : المصحف الذى بأيدينا. وهو الأظهر . وقد
روى مالك وغيره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان فى كتابه الذى
كتبه إلى شرحبيل بن كلا .... ألا يمس القرآن إلا طاهر ..
وقالت أخت عمر لعمر عند إسلامه: ((لا يمسه إلا المطهرون)، فقام
واغتسل ... ثم أخذ الصحيفة الى بيدها، وفيها القرآن.
ثم قال: واختلف العلماء فى مس المصحف على غير وضوء : فالجمهور
على المنع ...
.
وفى مس الصيان إياه على وجهين: أحدهما المنع اعتبارا بالبالغ. والثانى
الجواز، لأنه لو منع لم يحفظ القرآن، لأن تعلمه حال الصغر، ولأن الصبى
وإن كانت له طهارة إلا أنها ليست بكاملة، لأن النية لا تصح منه. فإذا جاز
أن يحمله على طهارة ، جاز أن يحمله محدثا(١).
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة بقوله: «تنزيل من رب العالمين))
أى : هذا الكتاب الكريم، منزل من رب العالمين، لارب سواه، ولا خالق
غيره، وبذلك نرى، ان هذه الآيات الكريمة، قد وصف الله - تعالى - فيها
(١) راجع تفسير آيات الأحكام جـ ٤ ص ١٣
(٢) راجع تفسير القرطبي ج ١٧ ص ٠٢٢٦

٢٢٧
الجزء السابع والعشرون
القرآن الكريم ، بجملة من الصفات الجليلة، فقد وصفه - سبحانه - بأنه
كريم، ووصفه بأنه مصون ومحفوظ من أن يمه أحد سوى ملائكته
المقربين ، وسوى عباده المطهرين من الأحداث، ووصفه بأنه نزل من عنده
لامن عند أحد سواء كما زعم أولئك الجادلون ...
ثم تتحدث السورة فى أواخرها، بأسلوب مؤثر، عن لحظات الموت ..
عن اللحظات التى يفارق الإنسان فيها هذه الحياة، وأحباؤه من حوله
لا يملكون له نفعا ... ، وعن بيان الحالة التى يكون عليها هذا المفارق لهم ..
فتقول : :
((أَفْبِهذَا الحديثِ أنْتُم مُدهِنُونَ (٨١) وتجعلُونَ رزْمَكُم أنْكُم
تَكَذِّبُونَ (٨٢) فلولاً إذا بلَغَتِ الْلُقُ ومَ (٨٣) وأتُ حينئذٍ
تَنظُرُونَ (٨٤) ونحنُ أَقْربُ إليهِ مِنكُم ولكِنْ لَا تُبْصِرُون (٨٥)
فلولاً إن كثُ غيرَ مَدِينِنَ (٨٦) تَرجِعُونها إن كنتُم صَدَقِينَ (٨٧)
فأمَّا إِن كَانَ من المترَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّهُ نَسِيمٍ (٨٩) وأمَّا
إن كانَ من أصحابٍ اليمينِ (٩٠) فسلامٌ لكَ مِنْ أَصَبٍ اليمينِ (٩١)
وأمَّا إِن كانَ من المكذِّبينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فُزُلٌ من ◌َمسيمٍ (٩٣)
وتَصْلَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إنَّ هذا لَهُوَ حقُّ اليَقِ (٩٥) فَسَبُّحْ باسمِ
رَبِّكَ العَظيمِ (٩٦))) .
والاستفهام فى قوله - تعالى -: «أفيهذا الحديث أقم مدهنون، للإنكار
والتوبيخ . وهو داخل على مقدر .
والمراد بالحديث: القرآن الكريم، وما تضمنه من هدايات وإرشادات .
وتشريعات ...

٢٣٨
سورة الواقعة
وقوله: ((مدهنون، من الإدمان وأصله جعل الجلد ونحوه مدهونا
بشىء من الدهن، ليلين ، ثم صار حقيقة عرفية فى الملاينه والمسايرة والمداراة،
ومنه قوله - تعالى -: ((ودوا لو تدهن فيدهنون)).
والمراد به هنا : تظاهر المشركين بمهادفة الرسول - صلى الله عليه وسلم -
وبما جاء به من قرآن كريم ، وإيداؤهم من اللين خلاف ما يبطنون من
المكر والبغضاء.
ويصح أن يكون الإدمان هنا: بمعنى التكديب والتفاق، إذ أن هذه
المعانى - أيضا - تتولد عن المداهنة والمسايرة.
أى: أتعرضون - أيها المشركون - عن اناق الذى جاءكم به رسولنا - صلى
الله عليه وسلم - ، فتظهرون أمامه بمظهر المداهن والمهادن ، الذى يلين أمام
خصمه، ولا يقابله بالشدة والحزم ، مع أنه فى الوقت نفسه يضمر له أشد
أنواع السوء والكراهية؟
إذا كان هذا شأنكم، فاعدوا أن تصرفكم هذا لا يخفى علينا!؟
وقوله - سبحانه -: «وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون، معطوف على
ما قبله من باب عطف الجملة على الجملة، والكلام على حذف مضاف.
والمعنى: أتعرضون عن هذا القرآن على سبيل المداهنة والملاينة،
وتجعلون شكر نعمة رزقنا لكم به ، وبالمطر الذى لا حياة لكم بدوته، أنكم
تكذبون بكونهما من عند الله - تعالى - فتقولون فى شأن القرآن: أساطير
الأولين . وتقولون إذا ما أنزلنا المطر عليكم: مطرنا بسبب فوء كذا. أى:
بسبب سقوط النجم فى جهة المغرب مع الفجر .
قال الألوسى: قوله: ((وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون)) أى: وتجعلون
· شكركم أفكم تكذبون، تقولون: أمطرنا بنوء كدا وكذا، وبنجم كذا وكذا.
وأكثر الروايات أن قوله - تعالى - ,وتج ملون رزقكم .. ، نزل فى القائلين:

٢٣٩
الجزء السابع والعشرون
مطرنا بنوء كذا .. أخرج مسلم - فى صحيحه - عن ابن عباس قال: مطر الناس
على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال - صلى الله عليه وسلم -
أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر: قالوا: هذه رحمة وضعها الله. وقال بعضهم:
لقد صدق أوهكذا، فنزلت هذه الآية: ((فلا أقسم بمواقع النجوم، حتى بلغ
((وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون)) ...
ثم قال الإمام الآلوسى : والآية على القول بنزولها فى قائلى ذلك : ظاهرة
فى كفرهم المقابل الإيمان (( فكأنهم كانوا يقولونه عن اعتقاد أن الكواكب
مؤثرة حقيقة ، موجدة للمطر، وهو كفر بلا ريب، بخلاف قوله مع اعتقاد
أنه من فضل الله - تعالى -، وأن النوء ميقات وعلامة فإنه ليس بكفر.(١).
وقد ذكر المفسرون هنا جملة من الأحاديث فى هذا المعنى فارجع إليها إن
شئك(٢) .
٠
ثم انتقلت الآيات إلى توبيخهم على أمر آخر، وهو غفلتهم عن قدرة الله
- تعالى - ووحدانيته وهم يشاهدون آثار قدرته أمام أعينهم فقال - تعالى -:
(((فلولا إذا بلغت الحلقوم. وأنتم حينئذ تنظرون. ونحن أقرب إليه منكم
ولكن لا تبصرون . فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين)).
. ولولا فى الموضعين للتحضيص على التذكر والاعتبار، ولإبراز عجزم
فنى أوضح صورة، إذ أظهار عجزهم هو المقصود هنا بالحصن ..
وقوله ، إذا بلغت)، ظرف متعلق بقوله , ترجعونها)، أى: تردونها.
وقد قدم عليه لتهويله . وللتشويق إلى الفعل المحضوض عليه، وهو إرجاع
الروح إلى صاحبها .
والضمير فى ((بلغت)» يعود إلى الروح، وهى وإن كانت لم تذكر إلا أنها
مفهومة من الكلام .
(١) راجع تفسير الألوسى حـ ٢٧ ص ١٥٦
(٢) راجع تفسير ابن كثير - ٤ ص ٢٩٩. وتفسير القرطى -١٧ ص٢٢٨
٠

٢٤٠
سورة الواقعة
والحلقوم : بجزى الطعام وأل فيه للعهد الجنسى.
وجملة: ((وأنتم حينئذ تنظرون)) حال من ضمير ((بلغت))، ومفعول
((تنظرون)) محذوف والتقدير: تنظرون وتبصرون صاحب الروح وهو فى
تلك الحال العصية .
وجمله ((ترجعونها ... )، جواب الشرطين فى قوله: ((إن كنتم غير
مدينين، وفى قوله: " إن كنتم صادقين)).
وجملة، ونحن أقرب إليه منكم، مستأنفة لتأكيد توبيخهم على جهالاتهم
. وعدم اعتبارهم حتى فى أوضح المواقف التى تدل على قدرة خالقهم
- عز وجل - .
والمعنى: إذا كنتم - أيها الجاحدون المكذبون ــ لم تعتبروا ولم تتعظوا
بكل ماسقناه لكم من ترغيب وترهيب على لسان رسولنا محمد - صلى الله عليه
وسلم -... فهلا اعتبرتم وانعظتم وآمنتم بوحدانيتنا وقدرتنا .. حين ترون
أعز وأحب إنسان إليكم، وقد بلغت روحه حلقومه، وأوشكت على أن
تفارق جسده ...
(( وأنتم، أيها المحيطون بهذا المحتضر العزيز عليكم ((حينئذ، أى: حين
وصلى الأمن به إلى تلك الحالة التى تنذر بقرب نهايته، أنتم ((تنظرون، إلى
ما يقاسيه من غمرات الموت، وقبصرون مافيه من شدة وكرب، وتحرصون
كل الحرص على انجائه ما حل به ولكن خرصكم يذهب أدراج الرياح.
((ونحن، فى هذه الحالة وغيرها، أقرب إليه منكم أى: ونحن أقرب إليه
منكم بعلمنا وبقدرتنا، حيث إنمكم لايعرفون حقيقة ماهو فيه من أهواله
ولا تدركون بعظم مافيه من كرب. ولا تقدرون على رفع شىء من قضائنا
فيه وفى غيره ..
وقوله: ((ولكن لاتبصرون، استدراك للمكلام السابق. أى: ونحن