Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ الجزء السابع والعشرون الثاني: أن العامل فيها اذكر مقدرا. الثالث: أنها شرطية وجوابها مقدر، أى إذا وقعت الواقعة ، كان كيت وكيت، وهو العامل فيها ... ، (١). وقال بعض العلماء: والذى يظهر لى صوابه ، أن إذا هنا : هى الظرفية المتضمنة معنى الشرط، وأن قوله الآتى: ((إذا رجت الأرض رجاء بدل من قوله: ((إذا وقعت الواقعة))، وأن جواب إذا هو قوله : فأصحاب الميمنة ... وعليه فالمعنى: إذا قامت القيامة، وحصلت هذه الأحوال العظيمة ، ظهرت منزلة أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة .... (٢). وقوله - تعالى -: ((ليس لوقعتها كاذبة، مؤكد لما قبله، من أن وقوع] يوم القيامة حق لا ريب فيه . ~ وكاذبة صقة لموصوف محذوف ، وهى اسم فاعل بمعنى المصدر ... أى: عندما تقع القيامة ، لا تكذبها نفس من النفوس ، التى كانت تجحدها فى الدنيا ، بل كل نفس حينئذ تكون مصدقة لها. قال القرطبى: قوله: «ليس لوقمنها كاذبة». الكاذبةمصدر بمعنى الكذب، والعرب قد تضع الفاعل والمفعول موضع المصدر، كقوله - تعالى - لا تسمع فيها لاغية ، أى : لغو ... أى : ليس لقيام القيامة كذب ولا تخلف بل هى واقعة بقينا -. أو الكاذبة صفة والموصوف محذوف ، أى : ليس لوقعتها حال كاذبة أو نفس كاذبة .... (٣) . (١) راجع حاشية الجمل ـ ٤ ص ٢٧٠ (٢) راجع أضواء البيان = ٧ ص ٧٦١ للشيخ الشنقيطى - رحمه أنه -. (٣) سورة النساء الآ ية ٨٧° ٢٠٢ سورة الواقعة وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «الله لا إله إلا هو ليجمعتكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ... )) (١) . وقوله - سبحانه -: ((فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده، وكفرنا بما كنا به مشرکین ،(٢) . ثم بين - سبحانه - ما يترتب على قيام الساعة من أحوال فقال: «خافضة رافعة، أى : هى خافضة للأشقياء إلى أسفل الدركات، وهى رافعة للسعداء إلى أعلى الدرجات . والخفض والرفع يستعملان عند العرب فى المكان والمكانة ، وفى العز والإهانة .. ونسب - سبحانه - الخفض والرفع إلى القيامة على سبيل المجاز. والمقصود بالآية الكريمة ترغيب الصالحين فى الازدياد من العمل الصالح، لترفع منزلتهم يوم القيامة، وترهيب الفاسقين من سوء المصير الذى ينتظرهم، إذا ما استمروا فى فسقهم وعصيانهم . ویری بعضهم أن المراد بالخفض والرفع فى هذا اليوم، ما يترتب عليه من تنائر النجوم، ومن تبدل الأرض غير الأرض ، ومن صيرورة الجبال كالعهن المنفوش ... وعلى هذا يكون المقصود بالآية : التهويل من شأن يوم القيامة ، حتى يستعد الخلق لاستقباله، بالإيمان والعمل الصالح، حتى لا يصيبهم فيه ما يصيب. العصاة المفسدين ، من خزى وهوان .... والآية الكريمة تسع المعنيين، لأن فى هذا اليوم يرتفع الأخيار، وينخفض الأشرار ولأن فيه - أيضا - ((تبدل الأرض غير الأرض والسموات .. )). والمراد بالرج فى قوله - تعالى - بعد ذلك: «إذا رجت الأرض رجا. (١) تفسير القرطى = ١٧ ص ١٩٤ (٢) سورة غافر الآية ٨٤ ٢٠٣ الجزء السابع والعشرون وبست الجبال بسا .. ، التحريك الشديد، والاضطراب الواضح . يقال: رج فلان الشىء رجا ، إذا حر كه بعنف ، وزلزله بقوة ... وقوله: ((وبست)) من البس بمعنى التفتيت والتكسير الدقيق ، ومنه قولهم: بس فلان السويق، إذا فتته ولته وهيأه للأكل .. أى: إذا رجت الأرض وزلزلت زلزالا شديدا، وفتقت الجبال تفتيتا حتى صارت كالسويق الملتوت .. فمكانت تلك الجبال كالهباء المنبث أى: المتفرق الذى يلوح من خلال شعاع الشمس إذا ما دخل من نافذة ... إذا ما حدث كل ذلك ، وجد كل إنسان جزاءه من خير أو شر , فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره . ومن يعمل مثقال ذرة شرايره)). جواب الشرط ماذكرته الآيات بعد ذلك من حسن عاقبة أصحاب الميمنة وسوء عاقبة أصحاب المشأمة . ومن الآيات الكثيرة، التى وردت فى معنى هذه الآيات، قوله - تعالى -: ((يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجمال كثيبا مهيلا))(١). والخطاب فى قوله - تعالى -: ((وكنتم أزواجا ثلاثة)) للناس جميعا، وكان بمعنى صار، والأزواج بمعنى الأصناف والأنواع ... أى: وصرثم ـ أيها الناس - فى هذا اليوم الهائل الشديد، أصنافا ثلاثة، على حست أحوالكم فى الدنيا ... تم فصل - سبحانه - الحديث عن الأزواج الثلاثة فقال: فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة. وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة. والسابقون السابقون». والمراد بأصحاب الميمنة ، أولئك السعداء الذين يؤتون كتبهم يوم القيامة بأيمانهم، أو لأنهم يذهب بهم ذات اليمين إلى الجنة ... (١) سورة المزمل . الآية ١٤ ٢٠٤ سورة الواقعة ١٠ أو سموا بذلك، لأنهم ميامين ، أى: أصحاب بركة على أنفسهم ، لأنهم أطاعوا ربهم وخالفوا أهواءهم ... فكانت عاقبتهم الجنة . وسمى الآخرون بأصحاب المشأمة، لأنهم مشائيم، أى : أصحاب شؤم على أنفسهم ، لأنهم طغوا وآثروا الحياة الدنيا .: فكانت عاقبتم النار .. أو سموا بذلك، لأنهم يؤتون كتبهم بشمالهم، أو لأنهم يذهب بهم ذات الشمال إلى النار ... والعرب تسمى الشمال شؤما، كما تسمى اليمين بمنا. والتعبير بقوله: « ما أصحاب الميمنة، التفخيم والإعلاء من شأنهم، كما أن التعبير بقوله - تعالى -. ((ما أصحاب المشأمة، للتحقير والتعجيب من حالهم. وجملة: (( ما أصحاب الميمنة، مكونة من مبتدأ - وهو ما الاستفهامية -، وخبر وهو ما بعدها، وهذه الجملة خبر لقوله «فأصحاب الميمنة .. ووضع فيها الاسم الظاهر موضع الضمير للتفخيم، بخلاف وضعه فى أصحاب المشأمة ، فهو للتشنيع عليهم . وشبيه بهذا الأسلوب قوله - تعالى - الحافة ما الحاقة. والقارعة ما القارعة. ولا يؤنى بمثل هذا التركيب إلا فى مواضع التفخيم، أو التعجيب ... والمعنى: فأصحاب الميمنة، أى شىء هم فى أحوالهم وصفاتهم الكريمة، وأصحاب المشأمة، أى شىء هم فى أحوالهم وصفاتهم القبيحة ؟ وقد ترك هذا الاستفهام التعجيى على إبهامه، لتذهب النفس فيه كل مذهب من الثواب أو العقاب ... وقوله:، والسابقون السابقون ، هؤلاء هم الصنف الثالث ، وهم الذين سبقوا غيرهم إلى كل قول أوفعل فيه طاعة لله - تعالى - وتقرب إلى جلاله . والأظهر فى إعراب مثل هذا التركيب، أنه مبتدأ وخبر، على عادة العرب فى تكريرهم اللفظ، ، وجعلهم الثانى خبراً عن الأول، ويعنون بذلك أن اللفظ المخبر عنه، معروف خبره، ولا يحتاج إلى تعريفه ، كما فى قول الشاعر : أنا أبو النجم ، وشعرى شعرى ... ٢٠٥ الجزء السابع والعشرون يعنى، أن شعرى هو الذى أتاك خبره، وإنتهى إليك وصفه ... والمعنى: والسابقون هم الذين إشتهرت أحوالهم ، وعرفت منزلتهم ، وبلغت من الرفعة مبلغا لا يفى به إلا الإخبار عنهم بهذا الوصف. وحذف - سبحانه - المتعلق فى الآية لإفادة العموم. أى: هم السابقون إلى كل فضل ومكرمة وضاعة ... وأخرم - سبحانه - عن أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة، التشويق السامع إلى معرفة أحوالهم، وبيان ما أعد لهم من ثواب عظيم، فصله بعد ذلك فى قوله - تعالى -, أولئك المقربون. فى جنات النعيم .. )، أى: والسابقون غيرهم إلى كل فضيلة وطاعة . أولئك هم المقربون عند الله - تعالى - وأولئك ثم الذين مقرهم جنات النعيم. فالجمله الكريمة مستأنفة إستثنافا بيانيا، لأنها جواب عمايثيره فى النفوس قوله - تعالى -((والسابقون السابقون)، و((أولئك، مبتدأ، وخبره ما بعده ومافيه من معنى البعد، مع قرب العهد بالمشار إليه، الإشعار بسمو منزلتهم عند الله - تثالى - ولفظ,المقربون)) مأخوذ من القربة بمعنى الحظوة. وهو أبلغ من القريب ، لدلالة صيغته على الاصطفاء والاجتباء .... أى: أولئك هم المقربون من ربهم - عز وجل - قربا لا يعرف أحد مقداره ... وقوله - سبحانه -: (( فى جنات النعيم )) بيان لمظهر من مظاهر آ نار هذا التقرب . قال الآلوسي: وقوله: (( فى جنات النعيم)) متعلق بقوله (( المقربون، أو بمضمر هو حال من ضميره، أى : كائنين فى جنات النعيم . وعلى الوجهين ، فيه إشارة إلى أن قربهم حض لذة وراحة ، لا كقرب ٢٠٦ سورة الواقعة خواص الملك القائمين بأشغاله عنده، بل كقرب جلسائه وبد ماته الذين لا شغل لهم، ولا يرد عليهم أمر أو نهى، ولذا قيل ((جنات النعيم)) دون جنات الخلود ونحوه ... ، (١) ثم قال - تعالى - «ثلة من الأولين. وقليل من الآخرين، والثلة: الجماعة الكثيرة من الناس، وأصلها: القطعة من الشىء. وهى خبر لمبتدأ محذوف. والمفسرين فى المراد بالثلة من الأولين ، وبالقليل من الآخرين، إتجاهان: أولهما: يرى أصحابه أن المراد بقوله: («ثلة من الأولين»: أولئك السابقون من الأمم الكثيرة السابقة على الأمة الإسلامية، وهم الذين صدقوا أنبياءم وعزروم ونصروم ... والمرادبقوله: ((وقليل من الآخرين، المؤمنون من هذه الأمة الإسلامية وعلى هذا المجنى سار صاحب الكشاف ، فقد قال: العلة: الأمة الكثيرة من الناس ، قال الشاعر : بحیش کتیار من السيل مزبد وجاءت إليهم ثلة خندقية وقوله - عز وجل -: ((وقليل من الآخرين، كفى به دليلا على الكثرة أى فى لفظ ((ثلة)»-، وهو من الثل وهو الكسر ... كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم . والمعنى: أن السابقين من الأولين كثير ، وهم الأمم من لدن آدم - عليه السلام - إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -. ((وقليل من الآخرين)) وهم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم .... ، (٢) وأما الإتجاه الثانى فيرى أصحابه، أن الخطاب فى قوله - تعالى - ((وكنتم أزواجا ثلاثة، للأمة الإسلامية خاصة، وأن المراد بقوله: «ثلة من الأولين صدر هذه الأمة الاسلامية ... (١) تفسير الآلومى = ٢٧ ص١٣٣ (٢) تفسير الكشاف - ٤ ص ٥٣ ٢٠٧ الجزء السابع والمشرون وأن المراد بقوله - تعالى -: ((وقليل من الآخرين) من أق بعد صدر هذه الأمة إلى يوم القيامة ... وقد أفاض الامام ابن كثير فى ترجيح هذا القول ، فقال ما ملخصه : وقد إختلفوا فى المراد بقوله: (( ئلة من الأولين وقليل من الآخرين، فقيل: المراد بالأولين الأمم الماضية، بالآخرين هذه الأمة ... وهو إختبار ابن جرير ... وهذا الذى إختارة ابن جرير ههنا فيه نظر ، بل هو قول ضعيف ، لأن هذه الأمة: هى خير الأمم بنص القرآن , فيبد أن يكون المقربون أكثر منها، اللهم إلا أن يقابل مجموع الأمم بهذه الأمة ... فالقول الراجح أن يكون المراد بقوله - تعالى - ((ثلة من الأولين)) أى: من صدر هذه الأمة . والمراد بقوله: ((وقليل من الآخرين، أى: من هذه الأمة ... وروى عن الحسن أنه قال: أما السابقون فقد مضوا ، ولكن اللهم إجعلنا من أصحاب اليمين ، (١) وقد رجح بعض العلماء القول الأول فقال ما ملخصه : وقد إختلف أهل العلم فى المراد بهذه الثلة من الأولين، وهذا الفليل من الآخرين المذكورين هنا. كما إختلفوا فى الثلتين المذ کوریین فی قوله - تعالى - بعد ذلك: «ئلة من الأولين . وثلة من الآخرين .... وظاهر القرآن يفيد فى هذا المقام : أن الأولين فى الموضعين من الأمم الماضية . والآخرين فيهما من هذه الأمة . وأن قوله - تعالى -: «ثلة من الأولين. وقليل من الآخرين)) فى السابقين خاصة . ٢٠٨ سورة الواقعة وأن قوله - تعالى -: (( ثلة من الأولين. وثلة من الآخرين، فى أصحاب اليمين خاصة . وذلك لشمول الآبات جمیع الأمم، إذ قوله - تعالى -: «و کنتم أزواجا ثلاثة . .، خطاب لجميع أهل المحشر، فظهر أن السابقين وأصحاب اليمين ، منهم من هو من الأمم السابقة . ومنهم من هو من هذه الأمة ... ولا غرابة فى أن يكون السابقون من الأمم السابقة أكثر ... لأن الأمر الماضية أمم كثيرة، وفيهم أنبياء كثيرون ... وأما أصحاب اليمين من هذه الأمة، فيحمثل أن يكونوا أكثر من أصحاب اليمين من جميع الأمم ، لأن الثله تتناول العدد الكثير، وقد يكون أحد العددين الكثيرين ، أكثر من الآخر ، مع أنهما كلاهما كثير . ولهذا تعلم أن مادل عليه ظاهر القرآن، واختاره ابن جرير، لا ينافى ماجاء من أن نصف أهل الجنة من هذه الأمة ... )،(١). ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء السابقين بالخيرات من عطاء كريم، فقال: ((على سرر موضوفة)). والسرد: جمع سرير، وهو ما يستعمله الإنسان لقومه أو الإنكاء عليه فى جلسته ... والموضونة: أى المنسوجة بالذهب نسجا محكما ، لراحة الجالس عليها ولتكريمه. يقال وضن فلان الغزل يَضِفُه، إذا نسجه نجا متقنا جميلا ... أى: مستقرين على سرر قد نسجت أطرافها بالذهب وبما يشبهه» نسجا بديما يشرح الصدر. فقوله: ((على سرر موضونة، حال من المقربين ... (١) راجع أضواء البيان = ٧ ص ٧٦٩ للشيخ محمد الأمين الشنقيطى. ٢٠٩ الجزء السابع والعشرون ومثله قوله: ((متكتين عليها متقابلين، أى: مضطجعين عليها إضطجاع الذی إمتلأ قلبه بالراحة ، وفراغ البال من کل مایشغله ، وقد قابل وجه كل واحد منهم وجه الآخر، ليتم سرورهم ونعيمهم، إذ تقابل وجوه الأحباب يزيد الأنس والبهجة .. ((يطوف عليهم ولدان مخلدون ، أى : يدور عليهم من أجل خدمتهم، غلبان شبابهم باق لا يتغير، وهيئنهم الجميله على حالها لا تتبدل . فهم دائما على تلك الهيئة المنعوته بالشباب والمنظر الحسن . ((بأكواب وأباريق وكأس من معين، أى: يطوفون عليهم، بأكواب أى بأقداح لاعرالها، وأباريق - أى: وبأوان ذات عرا، ركأس من معين)) أى: ويإناء مملوء بالخر الكثير الجارى، فقوله («معين، من المعن بمعنى الكثرة ((( لا يصدعون عنها .. ، أى: لا يصيبهم صداع أوتعب بسبب شرب هذه الخمر، فمن هنا بمعنى باء السبببه . ٠ وقوله (ولا ينزفون، أى: ولا تذهب الخمر عقولهم، كما تفعل خمر الدنيا بشاربها ، مأخوذ من النِّزْقٍ، بمعنى إختلاط العقل . وقوله: « وفاكهة مما يتخيرون، أى : ويطاف عليهم بفاكهة بتلذذون بأكلها ، وهذه الفاكهة تأتيهم من كل نوع ، على حسب مايريدون ويشتهون. ويطاف عليهم - أيضا - بلحم مما يشتهون، مما يحبونه ويختارونه من. هذه اللحوم الطيبه المحيبه إلى النفوس . وقوله ((وحورعين)) معطوف على قوله ((ولدان مخلدون، أى: ويطوف عليهم - أيضا - نساء عيونهن شديدة البياض والسواد فى سعة وجمال. وهؤلاء الحور العين ((كامثال اللؤلؤ المكنون)) أى: يشبهن اللؤلؤ المكنون الذى لم قدمسه الأيدى .. فى صفاء بيضهن ، وفى شدة جماهن. (١٤ - سورة الواقعة ) ٢١٠ سورة الواقعة وقوله - سبحانه -: ((جزاء بما كانوا يعملون)) بيان الأسباب التى أوصلتهم. إلى هذا النعيم الكبير .. ولفظ ((جزاء)) منصوب على أنه مفعول لأجله لفعل محذوف. أى: أعطيناهم هذا العطاء الجزيل ، جزاء مناسبا بسبب ما كانوا يعملونه فى الدنيا من أعمال صالحة . وقوله - تعالى -: «لا يسمعون فيها لغوا ولا قائما. إلا قيلا سلاما سلاما، تتميم للنعم التى أنعم - سبحانه - عليهم بها فى الجنة . واللغو : الكلام الساقط الذى لافائدة منه، ولا وزن له يقال : لفا فلان يلغو ، إذا قال كلاما يلام عليه . ولتأثيم: مصدر أثم، إذا نسب غيره إلى الإثم وفعل مالا يليق. أى: أن هؤلاء المقربين لا يسمعون فى الجنة كلاما لا يعتد به ، ولا يسمعون - أيضا - كلاما سيئا أو قبيحاً، بأن ينسب بعضهم إلى بعض مالا يليق به . وإنما الذى يسمعونه هو الكلام الطيب المشتمل على الآمان المتكرر، والتحية الدائمة . والاستثناء منقطع، لأن السلام لابندرج تحت اللغو ، وهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم، و((قيلا)) بمعنى «فولا)) وهو منصوب على الاستثناء . ولفظ ((سلاما)) الأول، بدل من قوله «فيلا، أو لفت له ... أى: سالما من العيوب والتكرير لهذا اللفظ القصد منه التأكيد ، والإشعار بكثرة تحيتهم بهذا اللفظ الدال على المحبة الوئام . أى : لا يسمعون فى الجنة إلا سلاما إثر سلام، وتحية فى أعقاب تحبة، ومودة تتلوها مودة . ٢١١ الجزء السابع والعشرون وإلى هنا نجد الآيات الكريمة ، قد بينت أقسام الناس يوم القيامة ، وفصلت ما أعده - سبحانه - للسابقين، من عطاء جزيل، وفضل عيم .. ٠٠٠ وبعد هذا الحديث الزاخر بالخيرات والبركات عن السابقين ... جاء الحديث عن أصحاب اليمين وعما أعده الله - تعالى- لهم من ثواب فقال- سبحانه -: ((وأصحابُ اليَعِينِ ما أصحابُ اليمين (٢٧) فى سِدْرٍ مَمْضُودٍ (٢٨) وَطْلِحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وظِلٌّ تَمْدُودٍ (٣٠) ،وماه مَسْكُوبٍ (٣١) وفاكهةٍ كثيرةٍ (٣٢) لا مقطوعةٍ ولا تَمنُوعةٍ (٣٣) وفُرُشٍ مرفوعةٍ (٣٤) إنّا أَنْشَأْ نَاهُنَّ إنشاء (٣٥) جعلناهُنَّ أبكاراً (٣٦) عُرُّباً أَتراباً (٣٧) لأصحابِ اليَمِينِ (٣٨) ثُمَةٌ من الأولينَ (٣٩) وَثَةٌ مِن الْآخِرِينَ (٤٠))). قال الآلوسي: قوله - تعالى - ((وأصحاب اليمين ... ، شروع فى بيان تفاصيل شئونهم ، بعد بيان شئون السابقين . وأصحاب: مبتدأ . وقوله: ((ما أصحاب اليمين) جملة استفهامية مشعرة بتفخيمهم , والتعجب من حالهم. وهى خبر للمبتدأ .. أو معترضة، والخبر قوله : فی سدر مخضود ... ،(١). والسدر: شجر النَّبيق، واحده سدرة. ومخضود أى: منزوع الشوك. يقال : خضد فلان الشجر، إذا قطع الشوك الذى به فهو خضيد ومخضود . أو مخضود بمعنى ملىء بالثمر حتى قڤنت أغصانه، من خضدت الغصن، إذا ثنيته وأملته إلى جهة أخرى . (١) تفسير الآلو ... =٢٧ ص ١٣٩. ٢١٢ سورة الواقعة أى: وأصحاب اليمين، المقول فيهم أما أصحاب اليمين على سبيل التفخيم، مستقرون يوم القيامة فى حدائق مليئة بالشجر الذى خلا من الشوك وإمتلأ بالثمار الطيبة ، التى تثنت أغصانها لكثرتها ... قال القرطبى: وذكر ابن المبارك قال: حدثنا صفوان عن سليم بن عامر قال: كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم . قال: أقبل أعرابى يوما فقال: يارسول الله، لقد ذكر الله فى القرآن شجرة مؤذية ، وما كنت أرى فى الجنة شجرة تؤذى صاحبها؟. فقال صلى الله عليه وسلم - وما هى ؟ قال: السدر، فإن له شو كا مؤذيا. فقال - صلى الله عليه وسلم -.: ألم بقل الله - تعالى - , فی سدر مخضود)، ؟ خضد الله - تعالى - شوكه تجعل مكان كل شوكة ثمرة. (١). وقوله - تعالى: «وطلح منضود، بيان لنعمة ثانية . والطلح: قالوا هو شجر الموز، واحده طلحة. والمنضود : المتراكب بعضه فوق بعض ، بحيث صار ثمرة متراصا على هيئة جميلة تسر الناظرين . فقوله ((منضود)) إسم مفعول من النضد وهو الرج". يقال: نضد فلان متاعه، - من باب ضرب - إذا وضع بعضه فوق بعض بطريقة منسقة جميله . ومنه قوله - تعالى -: (والنخل باسقات لها طلع نضيد، وقوله - سبحانه - ((وظل ممدود)، أى: ممتد متسع منبسط، بحيث لا يزول كما يزول الظل فى الدنيا, ويحل محله ضوء الشمس. أخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن فى الجنة شجرة يسير الراكب فى ظلها عام - ·إقرءوا إن شئتم ((وظل ممدود (٢) (١) تفسير القرطب =١٧ ص ٢٠٧ (٢) واجمع تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٢٨٩ ٢١٣ الجزء السابع والعشرون . وقوله - سبحانه -: ((وماء مسكوب)) أى: وفيها ماء كثير مصبوب بحرى على الأرض ، ويأخذون منه ما شاءوا ، بدون جهد أو تعب .. يقال : سكب، فلان الماء سكبا ، إذا صبه بقوة وكثرة. وقوله - تعالى -: ((وفاكهة كثيرة. لامقطوعة ولا ممنوعة)، أى: وهم بجانب كل ذلك يتلذذون فى الجنة بفاكهة كثيرة ، هذه الفاكهة ليست مقطوعة عنهم فى وقت من الأوقات ، ولا تمتنع عن طالبها متى طلبها. وجمع - سبحانه - بين إنتفاء قطعها ومنعها، الإشعار بأن فاكهة الجنة ليست كفاكهة الدنيا فهى تارة تكون مقطوعة ، لأنها لها أوقات معينة تظهر فيها، وتارة تكون موجودة ولكن يصعب الحصول عليها، لامتناع أصحابها من إعطائها ... وقوله - تعالى -: «وفرش مرفوعه، أى. وفيها - أيضا - فرش منضدة، فد إرتفعت عن الأرض ، ليتكى. عليها أهل الجنة وأزواجهم. والضمير فى قوله - تعالى -: « إنا أنشأنا من إنشاء .... ، عائد إلى غير . مذكور، إلا أنه يفهم من سياق الكلام ، لأن الحديث عن الفرش المرفوعة يشير إلى من يجلس عليها، وهم الرجال ونساؤهم. أى: نساؤهم من أهل الدنيا أو الحور العين. ويرى بعضهم أنه يعود إلى مذكور، لأن المراد بالفرش النساء، والعرب تسمى المرأة لباسا، وإزارا، وفراشا ... والإنشاء: الخلق والإيجاد ، فيشمل إعادة ما كان موجودا ثم عدم ، كما يشمل الإيجاد على سبيل الابتداء. أى: إنا أنشأنا هؤلاء النساء المطهرات من كل رجس حسى أو معنوى، . إنشاء جميلا، يشرح الصدور ... (((الجعلنامن، بقدرتنا , أبكارا، أى: فصير نامن أبكارا ليكون ذلك أكثر تلذذا بهن. ٢١٤ سورة الواقعة قال الآلوسي : وفى الحديث الذى أخرجه الطبرانى عن أبى سعيد مرفوعا (( إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم، عدن أبكارا)، (١) وقوله: «عربا أترابا، صفة أخرى من صفات هؤلاء النساء الفضليات الجميلات . ٠ وقوله: (عربا)) جمع عروب - كرسل ورسول - من أعرب فلان فى قوله إذا نطق بفصاحة وحسن بيان . وأترابا: جمع ترب - بكسر التاء ومكون الراء -، وترب الإنسان هو ما كان مساويا له فى السن . أى: إنا أنشأنا هؤلاء النساء على تلك الصورة الجميلة ، فجعلناهن أبكارا كما جعلنامن - أيضا - معحبيبات إلى أزواجهن، ومستويات فى سن واحدة. روى الترمذى عن الحسن قال: أنت عجوز فقالت بارسول الله، أدع اله - تعالى - أن يدخلنى الجنة، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز ، فولت تبكى . فقال - صلى الله عليه وسلم - أخبروها أنها لاتدخلها وهى «جوز، إن الله - تعالى - يقول: (( إنا أنهانا هن إنشاء. فجعلنا من أبكارا. عربا أترابا))(٢). واللام فى قوله : «لأصحاب اليمين، متعلقة بأنشأناهن ، أو بجملناهن .. أى: أنشأنامن كذلك، ليكن فى صحبة أصحاب اليمين ، على سبيل التكريم لهم .. وقوله: « ثلة من الأولين. وثلة من الآخرين، خبر لمبتدأ محذوف. أى: أصحاب اليمين جمساعة كبيرة منهم من الأمم الماضية، وجماعة كبيرة أخرى من هذه الأمة الإسلامية . (١) راجع تفسير الآلوسي - ٢٧ ص ١٤٢ (٢) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٩١ ٢١٠ الجزء السابع والعشرون وبذلك نرى أن الله - تعالى - قد ذكر لنا ألوانا من النعم التى أنعم بها على أصحاب اليمين، كما ذكر قبل ذلك ألوانا أخرى مما أنعم به على السابقين . قال الألوسى: ((ولم يقل - سبحانه - فى حق أصحاب اليمين: ((جزاء بما كانوا يعملون)». كما قال - سبحانه - ذلك فى حق السابقين، رمزا إلى أن الفضل فى حقهم متمحض ، كأن عملهم لقصوره عن عمل السابقين . لم يعتبر اعتباره. ثم الظاهر أن ماذكر من أصحاب اليمين ، هو حالهم الذى ينتهون إليه فلا ينافى أن يكون منهم من يعذب لمعاصى فعلها ، ومات غير تائب عنها ، ثم يدخل الجنة ... ،(١) . وبعد هذا الحديث الذى يشرح الصدور، ويقر العيون، وترتاح له "الأفئدة، عن السابقين وعن أصحاب اليمين ... جاء الحديث عن أصحاب الشمال، وهم الذين استحبوا العمى على الهدى وآثروا الغى على الرشد، فقال - تعالى : (وَأَصْحَبُ الشّمالِ ما أصحابُ الشّمالِ (٤١) فى سُجُومٍ وحميمٍ (٤٢) وظلَّ من تحُمُومِ (٤٣) لا باردٍ ولا كريم (٤٤) إنّهم كانوا قبلَ ذلكَ مُتَرَفِينَ (٤٥) وكانوا يُصِرُّونَ عَلَى الحِنْتِ العظيمِ (٤٦) وكانوا يقُولُونَ أَئِذَا مِثْناً وكُنَّا ◌ُراباً وعِظامً أَئِنَّا لَبُعُوتُونَ (٤٧) أو آبَاؤُنَاَ (١) تفسير الآلوسى = ٢٧ ص ١٤٣. ٢١٦ سورة الواقعة الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ (٤٩) لَجْعُوهُونَ إلى ميقَتِ يومٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثم إنكُم أيُّها الضالُونَ المَكَذِّبُونَ (٥١) لَآ كلونَ من شَجرٍ من زّقُومٍ (٥٢) فالتُونَ منها البُطُونِ (٥٣) فشارِبونَ عَلَيْهِ من الحَمِيمِ (٥٤) فشَآَرِبونَ شَرْبَ الهِيِمِ (٥٥) هذا نُزُلُهم ، ومَّ الدِّينِ (٥٦))) . وقوله - تعالى -: ((وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال، أى: ما قصة هؤلاء القوم؟ وما حالهم؟ وما جزاؤهم ؟ ثم بين - سبحانه - ذلك فقال: ((فى سموم وحميم)) والسموم: الريح الشديدة الحرارة، التى تدخل فى مسام الجسد ، فكأنها السم القاتل . والحميم: الماء الذى بلغ النهاية فى الغليان، أى: هم فى الآخرة مستقرون فيما يهلكهم من الريح الحارة ، والماء الشديد الغليان . وهم كذلك فى ((ظل من يحموم، أى: فى دخان أسود شديد بخلق أنفاسهم . والعرب يقولون لكل شىء شديد السواد: أسود يحموم. مأخوذ من الشىء الأحم، وهو الأسود من كل شىء، ومثله الحمم. و ((من)) فى قوله: ((من يحوم، للبيان، إذ الظل هنا هو نفس اليحموم وتسميته ظلا من باب التهكم بهم . وقوله - تعالى -: لا (( لا بارد ولاكريم، مفتان الظل. أى: هذا الظل لا شىء فيه من البرودة الى إستروح بها من الحر، ولا شىء فيه من النفع لمن یاوی إلیه. فما تان الصفتان لبيان انتفاء البرودة والنفع عنه، ومتى كان كذلك انتهت عنه صفات الظلال التى يحتاج إليها . . ٢١٧ الجزء السابع والعشرون " قال صاحب الكشاف: قوله - تعالى -: ((لا بارد ولا كريم)» نفى لصفتى الظل عنه، يريد أنه ظل ولكن لاكار الظلال. سماه ظلا ثم نفى عنه برد الظل وروحه وففعه لمن يأوى إليه من أذى الحر، ليمحق ما فى مدلول الظل من الاسترواح إليه ، والمعنى: أنه ظل حار نار، إلا أن المنفى فى نحو هذا شأنا ليس للإثبات ، وفيه تهكم بأصحاب المعامة، وأنهم لا يستأهلون الظل البارد التكريم، الذى هو الأضدادهم فى الجنة ،(!). · ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بهؤلاء الأشقياء إلى هذا المصير الأليم، فقال - تعالى -: ((إنهم كانوا قبل ذلك مترفين، أى: إنهم كانوا قبل ذلك العذاب الذى حل بهم، أى: كانوا فى الدنيا «مترفين، أى: متنعمين بطرين ومتبعين لهوى أنفسهم، وسالكين خطوات الشيطان ، دون . أن يصدهم عن ذلك صاد، أو يردعهم رادع . ٠٠ فالمراد بالترف هنا: بطر النعمة، وعدم شكر الله - تعالى - عليها . والمترف: هو الذى يتقلب فى نعم الله - تعالى -، ولكنه يستعملها فى المعاصى لا فى الطاعات ، وفى الشرور لا فى الخيرات . وقوله - سبحانه -: ((وكانوا يصرون على الحنث العظيم)) بيان لسبب آخر من الأسباب التى أدت بهم إلى هذا المصير السىء. والحنث: الذنب الكبير ، والمعصية الشديدة ؛ ويندرج تحته الإشراك بالله - تعالى -، وإنكار البعث والجزاء، والحلف الكاذب مع تعمد ذلك. أى؛ وكانوا فى الدنيايصرون على ارتكاب الذنوب العظيمة ، ويتعمدون -إتيانها بدون تحرج أو تردد، ومن مظاهر ذلك أنهم أقسموا بالأيمان . المغلظة أنه لا بعث ولا حساب، ولا جزاء، كما قال - تعالى - ((وأقسموا (١) تفسير الكشاف = ٤ ص .. ٢٠٨ سورة الواقعة بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت .. (١). ثم حكى - سبحانه - لونا من أقوالهم الباعله، وحججهم الداحضة فقال: وكانوا يقولون أثدا متنا وكنا ترايا وعظاما أثنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون». أى: أنهم فرق ترفهم وإصرارهم على ارتكاب الآثام كانوا يقولون . - على سبيل الإنكار - لمن نصحهم باتباع الحق: أهذا متنا، وانتهت حياتنا،. ووضعنا فى القبور، وصرنا ترابا وعظاما، أثنا لمبعوثون ومعادون إلى الحياة مرة أخرى؟ وهل آباؤنا الأولون الذين صاروا من قبلنا عظاما ورفاتا يبعثون - أيضا -؟ ولا شك أن قولهم هذا دليل على انطاس بصائرهم، وعلى شدة غفلتهم عن آثار قدرة الله - تعالى -، التى لا يعجزها شىء، والتى من آثارها إيجادهم من العدم .. واذا لقن الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - الجواب الذى يخرس ألسنتهم فقال - سبحانه -: ((قل إن الأولين والآخرين، مجموعون إلى ميقات يوم معلوم ، . أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - إن الأمم السابقة التى من جملتها آباؤكم، والأمم اللاحقة الى من جملتها أنتم .. المكل مجموعون ومسوقون إلى الحشر فى وقت واحد محدد فى علم الله - تعالى -، وعندما يأتي هذا الوقت. ماله من دافع . فالميقات هنا : بمعنى الوقت والأجل ، والمراد به هنا: يوم القيامة . ووصفه - سبحانه - بأنه معلوم، الاشعار بكونه معينا وواقها وقوعه لاريب فيه، ولكن فى الوقت الذى يداؤه الله - تعالى - ويختاره. (١) سورة النحل ، الآ يه ٣٨ ٢١٩ الجزء السابع والعشرون ثم بين - سبحانه - ما سيحل بهم من عذاب فى هذا اليوم فقال:، ثم إنكم أيها الضالون المكذبون. لآكلون من شجر من زقوم .. ٠٠٠، والجملة الكريمه معطوفة على قوله - تعالى -: ((إن الأولين والآخرين لمجموعون .. )، وداخلة فى حيز القول. و(ثم)، للتراخى الزمانى أو الرقى والخطاب للمشركين الذين أعرضوا عن دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم -. و((من)، فى قوله ((من شجر)) إبتدائيه، وفى قوله (( س زقرم، بيانية. وشجر الزقوم : لا وجودله فى الدنيا، وإنما يخلقه الله - تعالى - فى نار، كما يخلق غيره من أصناف العذاب ، كالحيات والعقارب ... وقيل : هو شجر شام، متى مسه جسد إنسان ، تورم هذا الإنسان ومات ويوجد هذا الشجر فى الأراضى المجدبة المجاورة للصحراء. والزقوم من التزقم ، وهو ابتلاع الشىء السكريه، وبمشقة شديدة ... والمعنى . ثم قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل التقريع والتبكيت: إنكم أيها الضالون عن الحق ، المكذبون بالبعث والجزاء، لآكلون يوم القيامة من شجر ، هو شجر الزقوم، الذى هو أخبث الشجر وأبشعه .... ((فمالثون منها البطون) أى: فمالئون من هذه الشجرة الخبيثة بطونكم ، لشدة الجوع الذى حل بكم ... وجاء الضمير مؤنثا فى قوله: «منها، لأن الشجر هنا بمعنى الشجرة، أو لأن ضفائر الجمع لغير العاقل، تأتى مؤنثة فى الغالب . ثم قال - تعالى -: ((فشاربون عليه من الحميم: فشاربون شرب الهيم، والضمير فى قوله (( عليه، يعود على الأكل المستفاد من قوله: ((لآكلون)) .... ٢٢٠ سورة الواقعة أى: ثم إنكم - أيها الضالون المكذبون - بعد هذا الأكل الخبيث من شجرة الزقوم .. تشربون عليه فى بطونكم - ماء قد بلغ أقصى ردجات الحرارة ، فصرتم فى شرابكم كالإبل العطاش التى لاير ويها الماء مهما كثر ، لأنها مصابة بداء هذا الداء يمنعها من الشبع منه، فما تزال تشرب منه حتى تهلك . ٠ فقوله: ((الهيم)) صفة لموصوف محذوف، أى: الإبل الهيم. جمع أهيم الذكر . وهيما. للمؤنث. والهيام - بضم الهاء - داء يصيب الإبل)) يجعلها تشرب فلا تشبع، وما تزال تشرب حتى نهلك، أو تسقم سقما شديدا يؤدى إلى موتها . والفاء فى قوله - تعالى -، فشاربون عليه)) عطف على، لآ كلون .. ،، لإفادة أن شربهم مع عطشهم الشديد. يأتى بعد أكلهم من الزقوم، بدون مهلة أو استراحة . وقوله: ((فشاربون شرب ٠٠٠،تأكيد لما قبله، للتنبيه على أن هذا الشراب - مع فظاعته وقبحه - لامفر لهم منه، ولا انفكاك لهم عنه . ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بقوله: (( هذا نزلهم يوم الدين)) والنزل: ما يعد الضيف من منزل حسن، ومأكل حسن لإكرامه . أى : هذا المذكور من أنواع العذاب المهين ..- فزلهم ومسكنهم ومقرم، أول قدو مهم يوم الجزاء . فالإشارة بقوله: ((هذا)) إلى ما ذكر قبل ذلك من عذاب مهين، من مظاهره أكلهم من الزقوم، وشربهم من الحجم . والتعبير عما أعدهم من عذاب بالعزل ، على سبيل التهكم ، كما فى قول الشاعر : و كنا إذا الجبار بالجيش عنافنا جعلنا القنا والمرهفات له نزلا