Indexed OCR Text

Pages 161-180

- ١٦١ -
والنجم والشجر يجدان. والسما. رفعها ووضع الميزان. أن لا تطغوا
فى الميزان ... )).
• - وبعد أن ساق - سبحانه - ما ساق من ألوان النعم ، أتبع ذلك ببيان
أن كل من على ظهر هذه الأرض مصيره إلى الفناء، وأن الباقى هو وجه الله
- تعالى - وحده ... وببيان أهوال القيامة، وسوء عاقبة المكذبين، وحسن
عاقبة المؤمنين ...
قال - تعالى -: ((يعرف المجرمون بسيمام فيؤخذ بالنواصى
والأقدام ، ...
, ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان. ذواتا
أفنان ...
ثم وصفت ما أعده الله - تعالى - للمتقين ومفا يشرح الصدور ، ويقر
العيون ، فقد أعد - سبحانه - لهم - بفضله وكرمه - الحور العين، والفرش
التى بطائنها من استبرق .
قال - تعالى -: ((حور مقصورات فى الخيام، فبأي آلاءربكما تكبان
لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان. فبأي آلاء ربكما تكذبان. متكئين على
رفرف خضر وعبقرى حسان. فأى آلاءربكما تكذبان . تبارك اسم ربك
ذى الجلال والإكرام.
وهكذا نرى السورة الكريمة تطوف بنا فى آفاق هذا الكون ، فتحكى
لنا من بين ما تحكى - جانبا من مظاهر قدرة الله - تعالى - ونعمه على خلقه،
وتقول فى أعقاب كل نعمة ((فبأى آلاء ربكما تكدبان))، وتتكرر هذه الآية
فيها إحدى وثلاثين مرة، لتذكير الجن والإنس بهذه النعم كى يشكروا الله
- تعالى - عليها شكراً جزيلا.
(١١ - سورة الرحمن)

.
- ١٦٢ -
نسأل الله - تعالى - أن يحملنا جميعا من عباده الشاكرين عند الرجاء
الصابرين عند البلاء .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟
کتبه الراجی عفو ربه .
الدوحة - قطر
مساء الأربعاء: ٢ من جمادى الآخرة ١٤٠٦ هـ محمد سيد طنطاوى
٤
₹
عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية
١٩٨٦/٣/١٢ م

١٦٣
الجزء السابع والعشرون
التفسير
. قال الله - تعالى - ((الرَّحمنُ (١) عَلَّ القرآنَ (٢) خلق الإنسان (٣)
لُ الْبَيانَ (٤) الشَّمسُ والقمرُ بُحُسْبَانِ (٥) والنَّجمُ والشجَرُ
مجُدانِ (٦) والسَّماءَ رفَعها ووضَع الميزانَ (٧) ألاَّ تَطْفَوا فى الميزَانِ (٨)
أَفيُوا الوزْنَ بالقسْطِ ولا تُخسرُوا المِيزَانَ (٩) والأرْضَ وضْتَها
دْنامِ (١٠) فيها فاكِيةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكمامِ (١١) والحبُ
والعصْفِ وَالرَّبحانِ (١٢) فبأَىِّ آلاء ربُكُمَا تُكَذبانِ (١٣))).
افتتحت السورة الكريمة بهذا الاسم الجليل لله - عز وجل - وهو لفظ.
فتق من الرحمة ، وصيغته الدالة على المبالغة ، تنبه إلى عظم هذه الرحمة
معها.
وهذا اللفظ مبتدأ ، وما بعده أخبار له .
ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته ومنته على عباده بأجل النعم، وأعظمها
أفا، فقال: « على القرآن، والقرآن هو أعظم وحى أنزله - سبحانه - على
نبيائه ورسله .
أى: على نبيه - صلى الله عليه وسلم - المفرآن، الذى هو أعظم النعم شأنا
أرفعها مكانا، إذ باتباع توجيهاته وإرشاداته ، يظفر الإنسان بالسعادة
الدنيوية والأخروية .
ولفظ «القرآن ,هو المفعول الثانى لعلم، والمفعول الأول محذوف.
وهذه الآية الكريمة تتضمن الرد على المشركين الذين زعموا أن هذا
اقرآن قد تعلمه الرسول - صلی الله عليه وسلم ۔ من البشر ، کما حکی - سبحانه-

١٦٤
سورة الرحمن
عنهم فى قوله: (ولقد تعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر .... (١).
وفى قوله (( وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأمانه عليه قوم
آخرون ... )،(٢) .
كما نتضمن الرد عليهم لزعمهم أنهم لا يعرفون الرحمن، كما فى قوله - تعالى:
(( وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن ... )،(٣).
وقوله - تعالى -: «خلق الإنسان. علمه البيان، بيان لنعمتين أخريين
من نعمه - سبحانه - .
والمراد بالإنسان جنسه والمراد بالبيان: الفهم والنطق والإفصاح عما
يريد الإفصاح عنه بالكلام الذى أداته اللسان .
أى: خلق - سبحانه - بقدرته الإنسان على أجمل صورة، وأحسن تقويم
ومكنه من الإفصاح عما فى نفسه عن طريق المنطق السليم ، والقول الواضح.
كما مكنه من فهم كلام غيره له، فتميز بذلك عن الأجناس الأخرى ، وصار
أهلا لحمل الأمانة التى عجزت عن حملها السموات والأرض والجبال، وأصبح
مستعدا لتلقي العلوم والخلافة فى الأرض ...
ورحم الله - تعالى - صاحب الكشاف ، فقد صور هذه المعانى بأسلوبه
الرصین فقال: عدد الله - عز وجل - آلاءه فقدم ماهو أسبق قدمامن ضروب
آ لائه. وأصناف نعمائه، وهى فعمة الدين، وقدم من نعمة الدين ما هو فى
أعلى مراتبها، وأقصى مراقبها، وهو إنعامه بالقزآن وتنزيله وتعليمه، لأنه
أعظم وحى الله رتبة، وأعلاه منزلة. وأحسنه فى أبواب الدين أثرا، وهو
سنام الكتب السماوية ، ومصداقها والعيار عليها
(١) سورة النحل الآية ١٠٢.
(٢) سورة الفرقان الآية ٤.
(٣) سورة الفرقان الآية ٦٠ .

١٦٥
الجزء السابع والعشرون
وأخر ذكر خلق الإنسان عن ذكره، ثم أتبعه إياه ليعلم أنه إنما خلقه
ليحيط علما بوحيه، وكتبه ، وما خلق الإنسان من أجله ...
ثم ذكر ما تميز به الإنسان عن سائر الحيوان من البيان ، وهو المنطق
فصيح المعرب عما فى الضمير .
ولفظ ((الرحمن)) مبتدأ. وهذه الأفعال مع ضمائرها أخبار مترادفة.
إخلاؤها من العاطف ، نجيئها على نمط التعديد، كما تقول: زيد أغناك بعد
فر، أعرك بعد ذل، كثرك بعد قلة ... فما تنكر من إحسانه .... (١)
وقوله - تعالى -: الشمس والقمر بحسبان، بيان لنعمة رابعة من نعمه
تعالى التى لا تحصى .
والحسبان: مصدر زيدت فيه الألف والنون ، والمراد بحساب دقيق،
.تقدير حكيم . والجار والمجرور متعلق بمحذوف ...
أى: الشمس والقمر يجريان فى هذا الكون، بحساب دقيق فى بروجهما
منازلهما، بحيث لا يشوب جريهما اختلال أو اضطراب ، وبذلك يعرف
ناس السنين والشهور والأيام، ويعرفون أشهر الحج والصوم ، وغير ذلك
ن شئون الحياة ...
وشبيه بهذه الآية قوله تعالى -: «لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ،
لا الليل سابق النهار، وكل فى فلك يسبحون،(٢).
ثم قال - تعالى -: ((والنجم والشجر بسجدان، والمراد بالنجم هنا - عند
مضهم - النبات الذى لا ساق له، وسمى بذلك . لأنه ينجم - أن يظهر من
لأرض- بدون ساق .
يرى آخرون: أن المراد به: نجوم السماء، فهو اسم جنس لكل ما يظهر
، السماء من محوم.
(١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٤٣
(٢) سورة ( يس، الآية ٤٠

١٦٦
سورة الرحمن
ويؤيد هذا الرأى قوله - تعالى -: « ألم تر أن الله يسجد له من في السموات
ومن فى الأرض ، والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوابها
وكثير من الناس، وكثير حق عليه العذاب .. )، (١)
والشجر: هو النبات الذى له ساق وإرتفاع عن وجه الأرض.
والمراد بسجودهما: إنقيادهما وخضوعهما الله - تعالى - كانقياد الساجد
لخالقه .
قال ابن كثير : قال ابن جرير: إختلف المفسرون فى معنى قوله
(« والنجم، بعد إجماعهم على أن لشجر ما قام على ساق. فعن ابن عباس قال
النجم: ما إنبسط على وجه الأرض من النبات.
وكذا قال هذا القول سعيد بن جبير ، والسدى، وسفيان الثورى ؛ وقد
إختاره ابن جرير .
وقال مجاهد: النجم - المراد به هنا - الدى يكون فى السماء . وكذا قال
الحسن وقتاده . وهذا القول هو الأظهر .... (١)
وقوله - تعالى -: ((والسماء رفعها ووضع الميزان ... ، أى: والسماء
أوجدها بقدرته مرفوعة بدون أعمدة ، وأنتم ترون ذلك بأعينكم.
L
فالمقصود بقوله ((رفعها، لفت الأنظار إلى مظاهر قدرته - تعالى.
وإلى وجوب شكره وإخلاص العبادة له ، والتزام طاعته ...
والميزان: يطلق على الآلة التى يزن الناس بهما ما يريدون وزنه من
الأشياء المختلفة .
والمراد به هنا: وجوب التزام العدل فى الأحكام. وشاع إطلاق الميزان
على العدل فى الأحكام ، لأن كليهما تضبط به الأحكام، وتناول الحقوق ..
أى: والسماء خلقها مرفوعة عند ابتداء، وشرع وأثبت العدل وأمر
باتباعه فى الأقوال والأحكام ، ليستقيم أمر الناس ..
(١) سورة ((الحج، الآية ١٨

١٦٧
سورة الرحمن
قال الآلوسي ما ملخصه: قوله: « ووضع الميزان، أى: شرع العدل وأمر
به، لينتظم أمر العالم ويستقيم، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ((بالعدل قامت
السموات والأرض، أى: بقيتا على أثمن نظام ... وتفسير الميزان بالعدل،
هو المروى عن مجاهد، والطبرى، والأكثرين، وهو مستعار العدل استعارة
تصريحية .
وعن ابن عباس والحسن وقتادة ، أن المراد بالميزان ما تعرف به مقادير
الأشياء، وهو الآلة المسماة بهذا الإسم .. أى: أوجده فى الأرض ليضبط
الناس معاملاتهم فى أخذهم وعطائهم(١)،.
وجملة: ((أن لا تطغوا فى الميزان)، بمنزلة التعليل لما قبلها . أى : شرع
العدل بين الناس، وأوجب عليهم التمسك به فى كل شئونهم، لئلا يتجاوزوه
إلى غيره من الجور والظلم .
والطغيان: هو تجاوز الحدود المشروعة فى كل شىء.
ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى - وهو التزام العدل - تأكيدا صريحا فقال:
(((وأقيموا الوزن بالقسط، ولا تخسروا الميزان)،
وقوله: ((وأقيموا، من الإقامة، والمراد به الإتيان بالشىء على أكمل
صورة، ومنه قوله - تعالى -: «وأقيموا الصلاة ... ، أى: أروها كاملة
الأركان والسنن والخشوع ..
والقسط: العدل، يقال: أقسط فلان فى حكمه إذا عدل ، والباء
المصاحبة .
وفول: (( ولا تخسروا)) من الإخسار بمعنى النقص والبخس والجور .
والمعنى: شرع الله العدل، ونهاكم عن تجاوزه، وأمركم أن تقيمواحياتكم "
عليه فى أوزانكم التى تتعاملون بها فيما بينكم، وفى كل أحوالكم، فاحذروا
أن تخالفوا أمره .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ٠١٠١

١٦٨
سورة الرحمن
وكرر - سبحانه - لفظ ((الميزان) للتنبيه على شدة عناية الله - تعالى -
بإقامة العدل بين الناس فى معاملاتهم ، وفى سائر شئونهم ، إذبدونه لا يستقيم
لهم حال ، ولا يصلح لهم بأل ، ولا يستقر لهم قرار :.
ثم إنتقلت السورة الكريمة ، إلى بيان جانب من مظاهر نعمه الأرضية،
فقال - تعالى -: والأرض وضعها للأنام ...
والمراد بالأنام: الخلائق المختلفون فى ألوانهم وأشكالهم والستهم،
والذين يعيشون فى شن أقطارها ونجاجها ... وهو اسم جمع لا واحدله
من لفظه .
أى: والأرض ((وضعها للأمام .... »
والمراد بالأمام: الخلائق المختلفون فى ألوانهم وأشكالهم وألسنتهم،
والذين يعيشون فى شتى أقطارها وجاجها ... وهو اسم جمع واحد له
من لفظه .
أى: والأرض , وضعها، أى: أوجدها موضوعة على هذا النظام البديع،
من أجل منفعة الناس جميعا، لأن إيجادها على تلك الصورة الممهدة المفروشة ..
جعلهم ينتفعون بما فيها من كنوز وخيرات ، ويتقلبون عليها من مكان إلى
آخر ... وصدق الله إذ يقول: («هو الذى خلق لكم مافى الأرض جميعا .. »
وقوله - سبحانه -: ((فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام. والحب ذو العصف
والريحان ، بيان لبعض ما اشتملت عليه هذه الأرض من خيرات .
ـد
والفاكهة : اسم لما يأكله الإنسان من ثمار على سبيل التفكه والتلذذ،
لا على سبيل القوت الدائم، مأخوذة من قولهم فكه فلان - كفرح - إذا
تلذفت نفسه بالشىء .. والأكام: جمع كم ـ بكسر الكاف -، وهو الطلع
قبل أنه تخرج منه الثمار .

١٦٩
الجزء السابع والعشرون
وقوله: (( ذو العصف، أى: ذو القشر الذى يكون على الحب، وسمى
بذلك لأن الرياح تعصف به، أى: تطيره لخفته. أو المراد به الورق بعد
أن يببس ومنه قوله - تعالى -: ((جعلهم كعصف مأكول)).
والريحان: هو النبات ذو الرائحة الطيبة . وقيل: هو الرزق.
أى: فى هذه الأرض التى تعيشون عليها، أوجد الله - تعالى - الفاكهة التى
تتلذذون بأ كلها ، وأوجد لكم النخيل ذات الأوعية التى يكون فيها الثمر ..
وأوجد لكم الحب، الذى تحيط به قشوره، كما ترون ذلك بأعينكم، فى
سنابل القمح والشعير وغيرهما .
وأوجد لكم النبات الذى يمتاز بالرائحة الطيبة التى قبهج النفوس، وأشرح
الصدور. فأنت ترى أنه - تعالى - قد ذكر فى هذه الآيات ألوانا من النعم ،
فقد أوجد فى الأرض الفاكهة للتلذذ، وأوجد الحب للغذاء، وأو جد النباتات
ذات الرائحة الطيبة .
قال القرطبى ما ملخصه: وقراءة العامة ((والحب ذو العصف والريحان))
بالرفع فيها كلها ، عطفا على (( الفاكهة)) . - أى: فيها فاكهة وفيها الحب ذو
العصف ، وفيها الريحان ..
وقرأ ابن عامر بالنصب فيها كلها . عطفا على الأرض ، أو بإضمار فعل .
أى: ((وخلق الحب ذا العصف والربحان)) - أى: وخلق الريحان -.
وقرأحمزة والكسائى بحر ((الربحان)) عطفا على العصف. أى: فيها
الحب ذو العصف والريحان . ولا يمتنع ذلك على قول من جعل الريحان بمعنى
الرزق. فيكون كأنه قال: والحب ذو الرزق. لأن العصف رزق للبها م،
والريحان رزق الناس .. »(١) .
(١) راجع تفسير القرطبي -١٧ ص ٧

١٧٠
سورة الرحمن
ثم ختم - سبحانه - هذه النعم بقوله: ((فبأى آلا. ربكما تكذبان)).
والفاء للتفريع على النعم المتعددة التى سبق ذكرها، والاستفهام للتعجيب
ممن يكذب بهذه النعم، والآلاء: جمع إلى - بكسر الهمزة وفتحها وسكون
اللام - وهى النعمة، والخطاب المكلفين من الجن والإنس، وقيل لأفراد
الإنس مؤمنهم وكافرهم. أى: فبأى واحدة من هذه النعم تكذبان ربكا
- أى: تجحدان فضله ومننه - يامعشر الجن والإنس، مع أن كل نعمة من
هذه النعم تستحق منكم الطاعة لى، والخضوع لعزتى، والإخلاص فى عبادتى.
قال الجمل ماملخصه: كررت هذه الآية هنا إحدى وثلاثين مرة، تقريرا
للترجمة، وتأ كيدا للتذكير بها، وذلك كقول الرجل لمن أحسن إليه، وهو
ينكر هذا الإحسان: ألم تكن فقيرا فأغنيتك ، أفتنكر هذا؟ ألم تكن
عريانا فكسوتك، أفتنكر هذا ...
ومثل هذا الكلام شائع فى كلام العرب ، وذلك أن الله - تعالى - عدد
على عباده نعمه، ثم خاطبهم بقوله: (( فبأي آلاء ربكما تكذبان)).
وقد كرر - سبحانه - هذه الآية ثمانى مرات، عقب آيات فيها تعداد
عجائب خلقه، ومبدأ هذا الخلق ، ونهايته ، ثم كررها سبع مرات عقب آيات
فيها ذكر النار وشدائدها بعدد أبواب جهنم ... ثم كررها - أيضا - ثمانى
مرات فى وصف الجنتين وأهلهما، بعدد أبواب الجنة ، وكررها كذلك
ثمانى مرات فى الجنتين اللتين هما دون الجنتين السابقتين ، فمن اعتقد الثمانية
الأولى، وعمل بموجبها، استحق هاتين الثمانيتين من الله - تعالى -، ووقار
السبعة السابقة - بفضله وكرمه _(١) .
(١) حاشية الجمل على الجلالين = ٤ ص ٠٢٥٤

١٧١
اجزء السابع والعشرون
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن قعمة خلق الإنسان، وعن
مظاهر قدرته فى هذا الكون ، فقال - تعالى - :
((خَلَقَ الإنسانَ من مَلْصَال کالفخَّارِ (١٤) وخالقَ الجانَّ من مارجٍ
من نارٍ (١٥) فِأَىَّ آلاء ربْكُمَا تُكَذِّبَنِ (١٦) ربُّالمشْرِقِين وربُ
المَغْربين (١٧) فبأىِّ آلاء ربكما تكذِّبَانٍ (١٨) مَرج البحرين
ياقِيَازِ (١٩) بيُْما برزَخٌ لا يَبْعِيانِ (٢٠) فبأي آلاءربكما تكذّبان (٢١)
يخرُجُ منهمَا اللؤلؤ والمرجانُ (٢٢) فبأىِّ آلاءربكما تكذبان (٢٣)
ولهُ الجَوَارِ المنشآتُ فى البحرِ كَالْأَعْلاَمِ (٢٤) فبأىّ آلاء ربكما
تكذبان (٢٥))).
والصلصال: الطين اليابس الذى تسمع له صوتا وصلصلة إذا قرع بشىء.
والفخار : الخزف الجوف الذى صار كذلك بعد أن أدخل فى النار .
ولا تعارض بين هذه الآية، وبين غيرها من الآيات التى تحكى أن الإنسان
خلق من تراب ، أو من طين ، أو من صلصال من حمأ مسنون ...
لأن كل آية تتحدث عن مرحلة من مراحل خلق الإنسان، لأن هذا
التراب صار طينا، ثم خمر هذا الطين فصار حماً مسنونا. أى: طينا أسود
متغير الرائحة ، ثم يبس هذا الطين فصار صلصالا كالفخار .
فالآيات الكريمة التى تحدثت عن خلق الإنسان لا يصادم بعضها بعضا،
وإنما يؤيد بعضها بعضا .
قال بعض العلماء: وقد أثبت العلم الحديث ، أن جسم الإنسان يحتوى

١٧٢
سورة الرحمن
من العناصر ما تحتويه الأرض ، فهو يتكون من الكربون، والأكسجين،
والحديد .....
وهذه نفسها هى العناصر المكونة للتراب، وإن اختلفت نسبها من إنسان
إلى آخر . وفى الإنسان عن التراب، إلا أن أصنافها واحدة .
إلا أن هذا الذى أثبته العلم لا يجوز أن يؤخذ على أنه التفسير الحتمى
النص القرآنى.
فقد تكون الحقيقة القرآنية تعنى هذا الذى أثبته العلم أو تعنى شيئا آخر
سواه، وتقصد إلى صورة أخرى من الصور الكثيرة، التى يتحقق بها معنى خلق
الإنسان من تراب ، أو من طين ، أو من صلصال ...
والذى نذبه إليه بشدة، هو ضرورة عدم قصر النص القرآنى، على
كشف على بشرى ، قابل للخطأ والصواب ، وقابل للتعديل والتبديل ، كلما
اتسعت معارف الإنسان، وكثرت وتحسنت وسائله للمعرفة ... »(١).
والمعنى: خلق - سبحانه - بقدرته أباكم آدم الذى هو أصلكم، وعنه
تفرع جنسكم من طين يابس يشبه المخار فى ييوسته وصلابته .
((وخلق)) - سبحانه ـ ((الجان، أى: جفس الجن ((من مارج من نار)،
أى: من هب خالص لا دخان فيه: أو ما اختلط بعضه ببعض من اللهب
الأحمر وغير الأحمر، إذ المارج. هو المختلط، وهو اسم فاعل بمحض اسم
المفعول مثل دافق . أى: خلق جنس الجان من خليط من هب النار. ومن
فى قوله (( من نار)) للبيان .
قال ابن كثير: يذكر الله - تعالى - خلقه الإنسان من صلصال
(١) راجع فى ظلال القرآن ــ ٢٧ ص ٣٤٥١

١٧٣.
الجزء السابع والعشرون
كالفخار، وخلقه الجان من مارج من نار، وهو طرف لهبها. قاله الضحاك:
وعن ابن عباس: من مارج من نار ، أى : من لهب الغار ...
ورى مسلم عن عائشة قالت: قال رسول - صلى الله عليه وسلم -: خلقت
الملائكة من نور ، وخلق الجان من مارج من نار. وخلق آدم مما وصف
لكم»(١).
والمقصود بالآيتين تذكير بنى آدم بفضلهم على غيرهم، حيث بين - سبحانه.
لهم من أخلقهم ، وأنهم قد خلقوا من عنصر غير الذى خلق منه الجن ، وأن
الله - تعالى - قد أمر إبليس المخلوق من النار، بالسجود لأبيهم آدم المخلوق
من الطين ، فعليهم أن يشكروا الله - تعالى - على هذه النعمة، وأن يحذروا
وسوسة إبليس وجنوده .
وبعد أن أمر بشكر هذه النعم، أتبع ذلك ببيان مظهر آخر من مظاهر
قدرته، فقال : رب المشرقين، ورب المغربين . فبأي آلاء ربكما تكذبان .
أى: هو - سبحانه - رب مشرق الشمس فى الشتاء والصيف، ورب مغربها
فيهما، وفى هذا التدبير المحكم منافع عظمى للإنسان والحيوان: النبات.
ولا تعارض بين هذه الآية، وبين قوله - تعالى - فى آية أخرى : « رب
المشرق والمغرب ... ، (٢).
لأن المراد بهما جنسهما، فهما صادقان على كل مشرق من مشارق الشمس
التى هى ثلاثمائه وستون مشرقا، وعلى كل مغرب من مغاربها التى هى كذلك.
أوبين قوله - تعالى - فى آية ثالثه: «رب السموات والأرض وما بينهما
ورب المشارق )،(٣) .
أى: ورب جميع المشارق التى تشرق منها الشمس فى كل يوم على مدار العلم
(١) تفسير ابن كثير - ٤ ص ٢٧١
(٢) سورة الزمر الآية ٩
(٣) سورة الصافات الآية .

١٧٤٠
سورة الرحمن
إذ لها فى كل يوم مشرق معين تشرق منه، ولها فى كل يوم - أيضا - مغرب
تغرب فيه .
ثم قال - سبحانه - : مرج البحرين يلتقيان . بينهما برزخ لا يبغيان
فبأي آلاء ربكما تكذبان يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ،
وقوله: ((مرج)) من المترج بمعنى الإرسال والتخلية، ومنه قولهم: مرج
فلان دابته، إذا أرسلها إلى المرج، وهو المكان الذى ترعى فيه الدواب .
ويصح أن يكون من المرج بمعنى الخلط ، ومنه قوله - تعالى -:
« فهم فى أمر مريج، أى: مختلط، وقيل المرعى: مرج، لاختلاط الدواب
فيه بعضها ببعض .
والمراد بالبحرين: البحر العذب، والبحر الملح . والبرزخ: الحاجز
الذى يحجز بينهما ، بقدرة الله - تعالى - :
والمعنى: خلق الله - تعالى - البحرين. وأرسلهما بقدرته فى مجاريهما،
بحيث يلتقيان ويتصل أحدهما بالآخر، ومع ذلك لم يختلطا، بل يبقى المالح
على ملوحته، والعذب على عذوبته، لأن حكمة الله قد إقتضت أن يفصل
بينهما، بحواجز من أجرام الأرض، أو بخواص فى كل منهما، تمنعهما هذه
الخواص وتلك الحواجز، من أن يختلطا، ولولا ذلك لاختلطا وأمتزجا ،
وهذا من أكبر الأدلة على قدرة الله - تعالى -، ورحمته بعباده، إذ أبقى الله
- تعالى - المالح على ملوحته ، والعذب على عذوبته، لينتفع الناس بكل منهما
فى مجال الانتفاع به ... ،
فالماء العذب ينتفع به فى الشراب الناس والدواب والنبات .... والماء
الملح ينتفع به فى أشياء أخرى، كاستخراج الملح منه ، وفى غير ذلك
من المنافع ...
ومن بديع صنع الله فى هذا الكون، أنك تشاهد البحار الهائلة على

!
١٧٥
الجزء السابع والعشرون
سطح الأرض، والأنهار الكثيرة ، ومع ذلك فكل نوع منهما باق على
خصائصه . مع أن كلا منهما قد يلتقى بالآخر .
قال بعض العلماء: والمقصود بالبحرين ما يعرفه العرب من هذين النوعين
وهما نهر الفرات، وبحر العجم، المسمى اليوم بالخليج الفارسى، والتقائهما:
إنصباب ماء الفرات فى الخليج الفارسى، فى شاطئ البصرة، والبلاد التى على
الشاطئ. المربى من الخليح الفارسى، تعرف عند العرب ببلاد البحرين لذلك.
والمراد بالبرزخ بينهما: الفاصل بين الماءين: الحلو والملح بحيث لا يغير
أحد البحرين طعم الآخر بجواره وذلك بسبب ما فى كل منهما من خصائص
تدفع عنه إختلاط الآخر ». وهذا من مسائل الثقل النوعى
وذكر البرزخ، وهو معنى لا يبغيان ، أى لا يبغى أحدهما على الآخر ،
أى. لا يغلب عليه فيفد طعمه، فاستعير لهذه الغلبة لفظ البغى .... (١)
وقال صاحب الظلال - رحمه الله -: والبحر ان المشار اليهما هما البحر
المالح، والبحر العذب، ويشمل الأول البحار والمحيطات ، ويشمل الثانى
الأنهار . ومرج البحرين: أرسلهما وتركهما يلتقيان . ولكنهما لا يبغيان،
ولا يتجاوز كل منهما حده المقدر، وظيفته المقسومة ، وبينهما برزخ من
طبيعتهما من صنع الله - تعالى -...
. وتصب جميع الأنهار - تقريبا - فى البحار، وهى التى تنقل إليها أملاح
الأرض ، فلا تغير طبيعة البحار ولا تبغى عليها، ومستوى سطوح الأنهار
أعلى - فى العادة - من مستوى سطح البحر، ومن ثم لا يبغى البحر على الأنهار.
التى تصب فيه، ولا يغمر مجاريها بمائة الملح ... وبينهما دائما هذا البرز خ من
صنع الله . فلا يبغيان .
(١) تفسير التحريروالتنوير -٢٧ص ٢٤٦ للشيخ محمد الطاهر: عاشور
(٢) راجع فى ظلال القلهآن - ٢٧ ص ٣٤٥٢

١٧٦
سورة الرحمن
فلا عجب أن يذكر - سبحانه - البحرين، وما بينهما من برزح . فى
مجال الآلاء والنعم ... )(١) .
ثم يذكر - سبحانه - بعض نعمه المختبئة فى البحرين فيقول: (يخرج
منهما اللؤلؤ والمرجان).
(((واللؤلؤ - فى أصله - حيوان، وهو أعجب ما فى البحار، فهو يهبط إلى
الأعماق، وهو داخل صدفة جيرية تقيه من الأخطار ... ويفرز مادة لزجة
تتجمد مكونة (( اللؤلؤ) ...
والمرجان - أيضا - حيوان يعيش فى البحار ... ويكون جزرا مرجانية
ذات ألوان مختلفة، صفراء برتقالية، أو حمراء قرنفلية أو زرقاء زمردية :: (٢).
ومن اللؤلؤ والمرجان تتخذ الحلى الغالية الثمن ، العالية القيمة، الى تتحلى
بها النساء ...
والآية الكريمة صريحة فى ان اللؤلؤ والمرجان يخرجان من البحرين
- الملح والعذب - إلا أن كثيرا من المفسرين ساروا على أنه - أى : اللؤلؤ
والمرجان - يخرج من أحدهما فحسب، وهو البحر الملح ...
قال الألوسى ما ملخصه: واللؤلؤ صغار الدر ، والمرجان كباره ...
وقيل العكس ...
والمشاهد أن خروج اللؤلؤ والمرجان من أحدهما وهو والملح ...
لكن لما التقيا وصارا كالشىء الواحد، جاز أن يقال: يخرجان منهما، كما يقال
يخرجان من البحر ، ولا يخرجان من جميعه، ولكن من بعضه، كما تقول:
خرجت من البلد، وإنما خرجت من محلة من محاله، بل من دار واحدة من
دوره، وقد يسند إلى الإثنين ما هو لأحدهما. كما يسند إلى الجماعة ماصدر من
وأحد منهم(٢).
(١) راجع ((كتاب الله والعلم الحديث، ص ١٠٥ للأستاذ عبدالر-اق نوفل.
(٢) راجع تفسير الالومى = ٢٧ ص ١٠٦ ٪

١٧٧
الجزء السابع والعشرون
والحق أن ما سار عليه الإمام الآلوسى وغيره ، من أن اللؤلؤ والمرجان
يخرجان من البحر الملح لا من البحر العذب ، مخالف لما جاء صريحا فى قوله
- تعالى -: ((وما يستوى البحر أن، هذا عذب فرات سائغ شرابه، وهذا ملح
أجاج، ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها ... ))(١)،
فإن هذه الآية صريحة فى أن اللؤلؤ والمرجان يخرجان من كلا البحرين
الملح والعذب، وقد أثبتت البحوث العلمية صحة ذلك ، فقد عثر عليهما فى بعض
الأنهار العذبة، التى فى ضواحى ويلز واسكتلاندا فى بريطانيا ... (٦).
ثم بين - سبحانه - نعمة أخرى من نعمه التى مقرها البحار فقال: ((وله
الجوار المنشآت فى البحر كالأعلام . فبأي آلاء ربكما تكذبان).
والجوار: أى: السفن الجارية ، فهى صفة لموصوف محذوف دل عليه
متعلقه، وهو قوله - تعالى -: ((فى البحر)).
والمنشآت : جمع منشأة - اسم مفعول - أى: مرفوعة الشراع، وهو
ما يسمى بالقلع، من أنشأ فلان الشىء، إذا رفعه عن الأرض ، وأنها فى
سيره إذا أسرع ...
أى: وله - سبحانه- وحده لالغيره، التصرف المطلق فى السفن المرفوعة
القلاع والتى تجرى فى البحر ، وهى تشبه : الجبال فى ضخامتها وعظمها .
والتعبير: بقوله - تعالى - (( وله، للاشعار بأن كونهم هم الذين صنعوها
لا يخرجها عن ملكه - تعالى - وقصرفه، إذ هو الخالق الحقيقى لهم ولها ،
وهو الذى سخر تلك السفن لتشق ماء البحر بأمره .
(١) سورة فاطر الآية ١٢.
(٢) راجع دائرة معارف الشعب المصرية العدد ٧٣ ص ٠٥٢٧
(١٢ - سورة الرحمن)

١٧٨
سورة الرحمن
ومن الآبات الكثيرة التى تشبه هذه الآية فى دلالتها على قدرة الله - تعالى ..
وعلى منته على عباده بهذه السفن التى تجرى فى البحر بأمره، قوله - تعالى -
(( ومن آياته الجوار فى البحر كالأعلام، إن يهأ يمكن الريح فيظل رواكد
على ظهره، إن فى ذلك لآيات لكل صبار شكور. أو يوبقهن بما كسبوا
ويعفو كثير ... ) (١).
وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة الله - تعالى - ، ونعمه على
عباده ... جاء الحديث عن تفرده - تعالى- بالبقاء، بعد فناء جميع المخلوقات
التر على ظهر الأرض، وعن افتقار الناس إليه وحده - سبحانه - وغناء عنهم
فقال تعالى :
((كُلُّ مِنْ عليْها فانٍ (٢٦) ويبْقَى وَجُ رَبِّكَ ذُو الْجلال.
والإِكْرَامِ (٢٧) فبأىِّ آلاء ربكما تكذّبان (٣٨) يسألُهُ مَن فى
السَّواتِ والأرضِ كُلَّ يومٍ هو شأنٍ (٢٩) فبأى آلاء ربكما
تكذّان (٣٠) سنَفْرغ لكُمْ أَيُها الثّقلانِ (٣١) فبأى آلاء ربكما
تكذَّبان (٣٢) يا معشَر الجنّ والإنْس إنٍ اسْتطمّم أن تَنْقُذوا من
أقطار السَّمواتِ والأرضِ فاتُذُوا، لا تْقُذُون إلاَّ بساطآنٍ (٣٣):
فبأي آلاءربكما تكذُّبان (٣٤) يرسّل عليكما شَواظ من نار ونحاسٍ
فلاَ تَنْتَصران (٣٥) فبأي آلاء ربكما تكذّبان (٣٦) )) .
والضمير فى «عليها، يعود إلى الأرض بقرية المقام، والمراد بمن عليها:
كل من يعيش فوقها، ويدخل فيهم دخولا أوليا بنو آدم، لأنهم م المقصودون
بالخطاب ، ولذا جىء بمن الموصوله الخاصة بالعقلاء.
(١) سورة الشورى الآيات ٣٢ - ٣٤.

١٧٩
الجزء السابع والعشرون
.- أى: كل من على الأرض من إنسان وحيوان وغيرهما، صار إلى الزوال
والنشاء ويبقى وجه ربك وذاته بقاء لا تغير معه ولا زوال، فهو - سبحانه -
((خرالجلال)، أى: ذو العظمة والاستغناء المطلق , والإكرام، أى: والفضل
التام ، والإحسان الكامل ...
وقال - سبحانه - ، وہقی و جه ربك ، ولم يقل ويبقى وجه ربكما ، كما فى
قوله: (( فبأى آلاء ربكما ... ،
لأن الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - على سبيل التكريم والقشريف،
ويدخل تحته كل من يتأتى له الخطاب على سبيل التبع .
: قال القرطبى: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض،
فنزلت ((كل شىء هالك إلا وجهه))، فأيقنت الملائكة بالهلاك ...
وقوله: (( ويبقى وجه ربك ، أى: ويبقى الله ، فالوجه عبارة عن وجوده
وذاته ، قال الشاعر :
فكل شىء سواه زائل
قضى على خلقه المنايا
وهذا الذى ارتضاء المحققون من علمائنا .. ،»(!).
وقوله - تعالى -: «يسأله من فى السموات والأرض كل يوم هو فى
شأن ... ، بيان لغناه المطلق عن غيره، واحتياج غيره إليه .
والمراد باليوم هنا: مطلق الوقت مهما فل زمنه. واشأن: الأمر العظيم،
والحدث الهام ...
أى: أنه - سبحانه - يسأله من فى السموات والأرض، سؤال المحتاج
إلی رزقه، وفضله ، وستره ، وعافيته ... وھو - عز وجل- فى كل وقت من
الأوقات، وفى كل لحظة من اللحظات، فى شأن عظيم ، وأمر جليل، حيث
يحدث ما يحدث من أحوال فى هذا الكون ، فيحيى ويميت ، ويعز ويذل ،
ويغنى ويفقر ، ويشفى ويمرض ... دون أن يشغله شأن من شأن ...
(١) تفسير القرطبى = ١٧ صر ٠١١٥

١٨٠
سورة الرحمن
قال الألوسى ما ملخصه: قوله: ((كل يوم هو فى شأن، أى: كل وقت
من الأوقات، هو فى شأن من الشئون ، التى من جملتها إعطاء ماسألوا ، فإنه
- تعالى - لا يزال ينشىء أشخاصا، ويفنى آخرين ,ويأتى بأحوال، ويذهب
بأحوال، حسبما تقتضيه إرادته. المبنية على الحكم البالغة ...
أخرج البخارى فى تاريخه، وابن ماجه ، وجماعة عن أبى الدرداء،
عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال فى هذه الآية: ((من شأنه: أن ينفر
ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويخفض آخرين، ...
وسأل بعضهم أحد الحكماء، عن كيفية الجمع بين هذه الآية ، وبين ماصح
من أن القلم قد جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، فقال: «شئون يبديها
لا شتون بیتديها ،
وانتصب (( كل يوم)) على الظرفيه، والعامل فيه هو العامل فى قوله-تعالى
((فى شأن)، و((هو)) ثابت المحذوف، فكأنه قيل: هو ثابت فى شأن.
کل یوم .. ،!)).
ثم حدد - سبحانه - الذين يخالفون عن أمره تحذيرا شديداً، فقال:
« سنفرغ لكم أيها الثقلان فبأي آلاء ربكما تكذبان».
وجىء بحرف التنفيس الدال على القرب وهو السين ، للإشعار بتحقق
ما أخبر به - سبحانه . .
وقوله: ((نفرغ، من الفراغ، وهو الخلو عما يشغل ...
والمراد به هنا: القصد إلى الشىء والإقبال عليه . يقال فلان فرغ لفلان
وإليه . إذا قصد إليه لأمر ما ...
والثقلان: تثنية ثقل - بفتحتين -، وأصله كل شىء له وزن وثقل، والمراد
بهما هنا : الإنس والجن .
:٠
(١) تفسير الألوسى = ٢٧ ص ٠١١٠