Indexed OCR Text

Pages 1-20

التفسير الوسيط
: للقرآن الكريم
تفسير
سُورَة الذاريات
لفضيلة
الدكتور محمد السيد طنطاوى
عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية
( الجزء السادس والعشرون }
١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م

١
مَطْبَعَة السعادة
سيعلى احمد ماهر - شمع الحمراوى »
ت: ٩٠٧٣٧٩ س ت ١١٩٩٧٠

﴿ رَبََّ تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أَنْتَ السَّمِيع العَلِيم ﴾

بية الله الرحمن الرحيمِ
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ((الذاريات)) من السور المكية الخالصة، وعدد آياتها
ستون آية. وكان نزولها بعد سورة ((الأحقاف)).
٢ - وقد افتتحت هذه السورة بقسم من الله - تعالى -، ببعض مخلوقاته،
على أن البعث حق ، وعلى أن الجزاء حق.
قال - تعالى -: ((والذاريات ذروا . فالحاملات وقرأ. فالجاريات يسرا.
فالمقسمات أمراً. إن ما توعدون الصادق. وإن الدين لواقع ...
٣ - ثم بينت السورة الكريمة بعد ذلك، ما أعده - سبحانه - لعباده
المتقين، فقال - تعالى -: ((إن المتقين فى جنات وعيون. آخذين ما آتام
ربهم، إنهم كانوا قبل ذلك محسنين. كانوا قليلا من الليل ما يهجعون.
وبالأسحار هم يستغفرون . وفى أموالهم حق للسائل والمحروم ...
٤ - ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك طرفا من قصة إبراهيم ولوط وهود
وصالح وموسى وفوح - عليهم السلام - مع أقوامهم، ليكون فى هذا البيان
ما يدعو كل عاقل إلى الأتعاظ والاعتبار، بحسن عاقبة الأخيار، وسوء
عاقبة الأشرار .
٥ - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بییان مايدل على كمال قدرته ،
وعلى سعة رحمته، ودعا الناس جميعا إلى إخلاص العبادة والطاعة له، لأنه
- سبحانه - ما خلقهم إلا لعيادته ...
قال - تعالى -: ((وماخلفت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم

- ٦ -
من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين . فإن
للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون . فويل للذين كفروا
من يومهم الذى يوعدون .
٦ - هذا، والمتدبر فى هذه السورة الكريمة، يراها - كغيرها من السود
المكية - قدركزت حديثها على إقامة الأدلة على أن العبادة لا تكون إلا لله
الواحد القهار، وعلى أن البعث حق، والجزاء حق وعلى أن سنة الله - تعالى-
قد اقتضت أن يجعل العاقبة الطيبة لأنبياته وأتباعهم، والعاقبة السيئة للمكذبين
لرسلهم، وعلى أن الوظيفة التى من أجلها خلق الله - تعالى - الجن والإنس،
إنما هى عبادته وطاعته :
٠
نسأل الله - تعالى - أن يهدينا جميعا إلى صراطه المستقيم. وصلى الله على
سیدنا محمد آله وصحبه وسلم؟
د. محمد سيد طنطاوى
١٤٠٦/٥/١٨ هـ
١٩٨٦/١/٢٩ م

٧
الجزء السادس والعشرون
التفسير
قال الله - تعالى -: وَالدَّارياتٍ ذَرْوا (١) فالْحَامِلاتٍ وِفْراً (٢)
فالجارياتٍ يُسراً (٣) فالمقسَّاتِ أَمْراً (٤) إنّما توعدونَ لصَدِقٌ (٥)
وإِنَّ الدِّينَ لواقِعُ (٦) والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ (٧) إنكُم لفِى قَوْلٍ
◌ُخْتلِفٍ (٨) يُؤْفَكَ مَنْهُ من أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْحَرَّاصُونَ (١٠) الذينَ م فى
غَرةٍ سَاهُونَ (١١) يسأُونَ أيَّانَ يومُ الدِّينِ (١٢) يومَ م على النَّارِ
يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُم هذا الذى كنْتَّ به تَسْتَمَجِلُونَ (١٤)» .
والمراد بالذاريات: الرياح التى تذروا الشىء، أى تسوقه وتحركه، تنقله
من مكانه .
- فهذا اللفظ اسم فاعل من ذرًا المعتل، بمعنى فرّق وبدد. يقال ذرت
الرياح التراب تذروه ذروا ، و قذریه ذریا - من بابى عدا ورمى - إذا طيرته
وفر قته.
ومنه قوله - تعالى - : وأضرب لهم مثل الحياة الدنيا، كما أنزلناه من
السماء، فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح(١) .. ، أى:
تنقله وتحركه من مكان إلى آخر .
والمفعول محذوف، و((ذروا، مصدر مؤكد، وناصبه لفظ الذاريات
أى: وحق الرياح التى تذروا التراب وغيره ذروا ، وتحركه تحريكا
شديدا .
(١) سورة الكهف الآية ١٥.

٨
سورة الذاريات
والمراد بالحاملات: السحب التى تحمل الأمطار الثقيلة، فتسير بها من
مكان إلى آخر .
والوقر - بكسر الواو - كالحمل وزنا ومعنى. وهو مفعول به.
أى : فالسحب الحاملات للأمطار الثقيلة، وللمياه الغزيرة ، التى تنزل على
الأرض اليابسة، فتحولها - بقدرة الله - تعالى -، إلى أرض خضراء.
١
وهذا الوصف للسحاب بأنه يحمل الأمطار الثقيلة ، قد جاء ما يؤيده من
الآيات القرآنية، ومن ذلك قوله - تعالى -: ((وهو الذى يرسل الرياح بشرا
بين بدى رحمته، حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ... ))(٤).
وقوله - سبحانه -: (( هو الذى يريكم البرق خوفا وطمعا وينشىء السحاب
الثقال ... .(٢).
والمراد بالجاريات: السفن التى تجرى فى البحر، فتنقل الناس وأمتعتهم
من بلد إلى بلد .
وقوله: ((يسرا)، صفة لمصدر محذوف بتقدير مضاف، أى: فالجاريات
بقدرة الله - تعالى- فى البحر جريا ذا يسر وسهولة، إلى حيث يسيرها ربانها.
ويصح أن يكون قوله («يسرا، حال. أى: فالجاريات فى حال كونها
ميرة مسخرا لها البحر .
ومن الآيات التى تشبه فى معناها هذه الآية قوله - تعالى -: «ومن آياته
الجوار فى البحر كالأعلام ،(٣) .
(١) سورة الأعراف الآية ٠٧
(٢) سورة الرعد الآية ١٢.
(٣) سورة الشورى الآية ٣٢.

٩
الجزء السادس والعشرون
والمراد : بالمقسمات فى قوله - سبحانه -: أمراء الملائكة، فإنهم يقسمون
أرزاق العباد وأمورهم وشئونهم ... على حسب ما يكلفهم الله - تعالى - به من
شئون مختلفة .
و«أمرا، مفعول به، الوصف الذى هو المقسمات. وهو مفرد أريدبه
الجمع، أى: المقسمات لأمور العباد بأمر الله - تعالى - وإرادته.
وهذا التفسير لتلك الألفاظ. قد ورد عن بعض الصحابة . فعن أبى
الطفيل أنه سمع عليا - رضى الله عنه - يقول وهو على منبر الكوفة - :
لاتسألونى عن آية فى كتاب الله. ولا عن سنة رسول الله. إلا أنبأتكم بذلك
فقام اليه ابن الكواء فقال: يا أمير المؤمنين . ما معنى قوله - تعالى -:
((والذاريات ذروا، قال: الريح. ((فالحاملات وقراء قال : السحاب.
((فالجاريات يسرا، قال: السفن ,فالمقسمات أمرا، قال الملائكة
وروى مثل هذا التفسير عن عمر بن الخطاب . وعن ابن عباس)) (١)
ومن العلماء من يرى أن هذه الألفاظ جميعها صفات للرياح
قال الإمام الرازى: هذه صفات أربع للرياح فالذاريات : هى الرياح
التى تنشىء السحاب أولا . والحاملات: هى الرياح المى تحمل السحب التى
هى بخار الماء ... والجاريات: هى الرياح التى تجرى بالسحب بعد حملها.
والمقسمات. هى الرياح التى تفرق الأمطار على الأقطار ... )(٢)
ومع جاهة رأى الأمام الرازى فى هذه المسألة. إلا أننا نؤثر عليه الرأى
السابق . لأنه ثابت عن بعض الصحابة. لأن كون هذه الألفاظ الأربعة
لها معان مختلفة . أدل على قدرة الله - تعالى - وعلى فضله على عباده ...
وقد تركنا أقوالا ظاهرة الضعف والسقوط. كقول بعضهم. الذاريات
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٩١
(٢) راجع تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٦٢٨

١٠
سورة الذاريات
هن النساء، فإنهن يذرين الأولاد بمعنى أنهن يأتين بالأولاد بعضهم فى إأو
بعض ، كما تنفل الرياح الشىء من مكان إلى مكان .
قال الآلوسى: ثم إذا حملت هذه الصفات على أمور مختلفة متغايرة بالذات
كما هو الرأى المعول عليه - فالفاء للترتيب فى الأقسام ذكرا ورتبة، باعتبار
تفاوت مراتبها فى الدلالة على كمال قدرته - عز وجل - وهذا التفاوت إما
على الترقى أو التنزل، لما فى كل منها من الصفات التى تجعلها أعلى من وجه وأدنى
من آخر . .
وإن حملت على واحد وهو الرياح، فهى لترقيب الأفعال والصفات،
إذ الريح تذرو الأبخرة إلى الجو أولا، حتى تنعقد سحابا، فتحمله ثانيا،
وتجرى به ثالثا ناشرة وسائقة له إلى حيث أمرها الله - تعالى - ثم تقسم
أمطاره» (١).
وقوله: ((إنما توعدون الصادق)) جواب القسم. و((ما)، موصولة والعائد .
محذوف، والوصف بمعنى المصدر. أى: وحق هذه الأشياء التى ذكرتها لكم
إن الذى توعدونه من الجزاء والحساب والبعث . لصدق لا يحوم حوله.
كذب أو شك ...
ويجوز أن تكون ((ما، مصدرية. أى: إن الوعد بالبحث والجزاء
والحساب اصادق .
وقوله: (( وإن الدين لواقع)، تأكيد وتقرير لما قبله. أى: وإن الجزاء
على الأعمال لواقع وقوعا لاريب فيه .فالمراد بالدین هنا : الجزاء، کما فى قوله
- سبحانه - (( يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ... ))
ومنه قولهم: ( كما ندين ندان، أى: كما تعمل تجازى. ومعنى وقوعه :
حصوله .
(١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ٣

١١
الجزء السادس والعشرون
ثم أقسم - سبحانه - قسما آخر بالسماء ذات الحيك فقال: (( والسماء ذات
الحبك. إنكم لفى قول مختلف. يؤفك عنه من أنك)).
والحبك: جمع حبيكة، كطريقة ـ وزنا ومعنى -، أو جمع حبـك- كمثل.
ومثال ـ، والحبيكة والحباك: الطريقة فى الرمل ومايشبهه. أى: وحق السماء
ذات الطرق المتعددة ، والتى لا ترونها بأعينكم لبعدها عنكم ...
ويرى بعضهم أن معنى ذات الحبك: ذات الخلق الحسن المحكم ... أو
ذات الزينة والجمال ..
قال القرطى: وفى الحيك أقوال، الأول: قال ابن عباس .. ذات الخلق
الحسن المستوى يقال: حَبّك فلان الثوب يحبكه - بكسر الباء - إذا أجاد
نسجه .
الثانى : ذات الزينة .. الثالث: ذات النجوم .. الرابع: ذات الطرائق ..
ولكنها تبعد من العباد فلا يرونها ...
الخامس : ذات الشدة .... (4).
وقوله: ((إنكم لفى قول مختلف)) جواب القسم. وقوله , يؤفك عنه))
من الأفك - بفتح الهمزة وسكون الفاء - بمعنى الصرف للشىء عن وجهه الذى
يجب أن يكون عليه .
والضمير فى ((عنه)) يعود إلى النبى - صلى الله عليه وسلم -، أو إلى القرآن
الكريم.
فيكون المعنى : وحق السماء ذات الطرق المتعددة، وذات الهيئة البديعة.
المحكمة الجميلة ... إنكم - أيها المشركون - ((لفى قول مختلف)) أى: متناقض
(١) راجع تفسير القرطى ح١٧ ص ٠٣١

١٢
سورة الذاريات
متخالف، فكم من يقول عن القرآن إنه أساطير الأولين، ومنكم من يقول
عن الرسول - صلى الله عليه وسلم إنه ساحر أو مجنون ...
والحق أنه يصرف عن الإيمان بهذا القرآن الذى جاء به الرسول - صلى
القه عليه وسلم - من صرفه الله - تعالى - عنه، بسبب إيثاره الغى على الرشد ،
والضلالة على الهداية ، والكفر على الإيمان .
والتعبير بقوله: (( من أفك، الإشعار بأن هذا الشقى الذى آثر الكفر
على الإيمان، قد صرف عن الرشاد وعن الخير صرفا، ليس هناك ماهو أشد
منه فى سوء العاقبة ...
فهذا التعبير شبيه فى التهويل بقوله - تعالى - ((فنشيهم من اليم ماغشيهم)).
قال الجمل: ((يؤفك، يصرف (( عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
والقرآن. أى: عن الإيمان به، من أفك، أى: من صرف عن الهداية فى علم
الله - تعالى - .
وقيل : "ضمير للقول المذكور. أى: يرقد أى: يصرف عن هذا القول
"من صرف عنه فى علم الله - تعالى - وهم المؤمنون .. )، (١).
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة المكذبين فقال:« قتل الخراصون. الذين هم
فى غمرة ساهون. يسألون أيان يوم الدين .. يومهم على النار يفتنون ..
والخراصون: جمع خراص. وأصل الخرص: الظن والتخمين . ومنه
الخارص الذى يخرص النخلة ليقدر ما عليها من ثمر. والمراد به هنا: الكذب،
لأنه ينشأ غالبا عن هذا الخرص والمراد بالآية الدعاء عليهم باللعن والطرد من
رحمة الله - تعالى - .
أى: لعن وطرد من رحمة الله - تعالى - هؤلاء الكذابون، الذين قالوا
فى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ماهو منزه عنه .. والذين م ,فى غمرة
(١) تفسير الجلالين وحاشيته جـ ٤ ص ٢٠٢.

١٣
الجزء السادس والعشرون
ساهون)، أى: فى جهالة تغمرهم كما يغمر الماء الأرض، فهم ساهون وغافلون.
عن كل خير .
فالغمرة: ما يغمر الشىء ويستره ويغطيه، ومنه قولهم نهر غمر ، أى :
یغمر من دخله .
والمراد : أنهم فى جهالة غامرة لقلوبهم ، وفى غفلة قامة عما ينفعهم ..
وهذا التعبير فيه مافيه من تصوير ماهم عليه من جهالة وغفلة ، حيث
يصورم - سبحانه - وكأن ذلك قد أحاط بهم وغمرهم حتى لكأنهم لا يحمون
بشىء ما حولهم.
م
ثم بين - سبحانه - ما كانوا عليه من سوء أدب فقال: « يسألون أيان
يوم الدين ».
و((أيان، بمعنى متى. أى: يسألون سؤال استهزاء واستخفاف فيقولون:
متى يكون هذا البعث الذى تحدثنا عنه يا محمد، ومتى يأتى يوم الجزاء والحساب
الذی هددنا به ؟
وهنا يأتيهم الجواب الذى يردعهم ويبين لهم سوء مصيرهم ، فيقول
- سبحانه -: (( يومهم على النار يفتنون)) أى: يقع هذا اليوم الذى تسألون
عنه وهو يوم البعث والحساب والجزاء ... يوم تحرقون بالنار - أيها
الكافرون - ، وتعذبون فيها عذاب أليما ...
و((يفتنون)) مأخوذ من الفتن بمعنى الاختبار والامتحان ، يقال: فتفت
الذهب بالنار، إذا أذبته لتظهر جودته من غيرها. والمراد به هنا :
الإحراق بالنار .
وعدى ((يفتنون)) بعلى، لتضمنه معنى يعرضون، أو على بمعنى فى .
وقوله : ((ذوقوا فتنتكم ... ، مقول لقول محذوف ...

هــد
١٤
سورة الذاريات
أى: هذا اليوم الذى يسألون عنه واقع يوم الجزاء ... يوم يقال لهم
وثم يعرضون على النار : ذوقوا العذاب المعد لكم، أو ذوقوا سوء عاقبة
کفرکم ...
(( هذا، العذاب المهين، هو ((الذى كنتم به تستعجلون)) فى الدنيا، وتقولون
- على سبيل الاستهزاء والإنكار - للنبى - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه:
(( متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ..
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أكدت بأقوى الأساليب وأحكها ، أن
يوم البعث والجزاء والحساب حق ، وأن المكذبين بذلك سيذوقون أشد
العذاب ...
وكعادة "قرآن الكريم فى قرن الترغيب بالترهيب أو العكس، جاءالحديث
عن حسن عاقبة المتقين، بعد الحديث عن سوء مصير المكذبين، فقال- سبحانه -:
((إِنَّ المَتَّقِينَ فى جنَّاتٍ وعُيونٍ (١٥) آخذِينَ ما آتاهُ ربُّهم، إنهم
كانوا قبلَ ذلكَ مُحسِنِينَ (١٦) كانوا قليلاً مِنَ الَّيلِ ما يَهْجَعونَ (١٧)
وبالأسْدار ثم يَسْتغفرونَ (١٨) وفى أَمْو الهِمْ حقّللسَّائِل والمحرُوم (١٩)
وفى الأرْضِ آياتٌ للمُوقِنَّ (٢٠) وفى أَنفُسِكُمْ أَفْلاَ تُبْصِرُونَ (٢١)
وفى السَّاءِ رِزْقَكُم وما تُوعَدُونَ (٢٢) فَوربُ السَّماءِ والْأرْضِ إِنَّهُ
لحقّ مِثلَ مَا أَنْكُمْ تَنْطِقون (٢٣)».
والمعنى: ((إن المتقين، وهم الذين صافوا أنفسهم عن كل مالا يرضى
انه - تعالى -.
(((فى جنات وعيون)، أى: مستقرين فى جنات وبساتين فيها عيون
عظيمة، لايبلغ وصفها الواصفون .

١٥
الجزء السادس والعشرون
(آخذين ما آتاهم ربهم، أى: هم منعمون فى الجنات وما اشتملت عليه
من عيون جارية وحالة كونهم آخذين وقابلين لما أعطاهم ربهم من فضله
إحسانه ...
وقوله: ((إنهم كانوا قبل ذلك محسنين، بمثابة التحليل لما قبله. أى: م
فى هذا الخير العميم من ربهم. لأنهم كانوا قبل ذلك - أى: فى الدنيا - محسنين
. لأعمالهم، ومؤدين لكل ما أمرهم به - سبحانه - بإتقان وإخلاص.
ثم بين - سبحانه - مظاهر إحسانهم فقال:«كانوا قليلا من الليل
ما يهجعون، أى كانوا ينامون من الليل وقتا قليلا، أما أكثره فكانوا بقضونه
فى العبادة والطاعة .
والهجوع: النوم ليلا، وقيده بعضهم بالقوم القليل، إذ الهجعة هى النومة
الخفيفة، تقول: أتيت فلانا بعد هجعة، أى بعد قومة قليلة .
عن الحسن قال: كانوا لا يتاءون من الليل إلا أقله ، كابدوا قيام الميل
ثم مدحهم - سبحانه - بصفة أخرى فقال: ((وبالأسحارهم يستغفرون)
والأسحار جمع سحر ، وهو الجزء الأخير من الليل .
أى: وكانوافى أوقات الأسحار يرفعون أكف الضراعة إلى الله - تعالى-
يستغفرونه ما فرط منهم من ذنوب، ويلتمسون منه - تعالى - قبول توبتهم
وغسل حوتهم .
قال الامام الرازى ما ملخصه: وفى الآية إشارة إلى أنهم يتهجدون،
ثم یریدون أن یکون علهم أكثر من ذلك ، وأخلص منه ، ويستغفرون من
التقصير ، وهذه سيرة الكريم : بأنى بأبلغ وجوه الكرم ويستقله، ويتعذر
من التقصير . والنشيم يأتى بالقليل وبستكثره. وفيه وجه آخر ألطف منه :
وهو أنه - تعالى - لما بين أنهم يهجعون قليلا، والهجوع مقتضى الطبع ، قال
(((يستغفرون)) أى: من ذلك القدر من النوم القليل.

١٦
سورة الذاريات
ومدحهم الهجوع ولم يمدحهم بكثرة السهر ... للاشارة إلى ان نومهم
عبادة، حيث مدحهم بمكونهم ماجعين قليلا ، وذلك الهجوع أورثهم
الاشتغال بعبادة أخرى، وهو الاستغفار. فى وجوه الأسحار ومنعهم من
الإعجاب بأنفسهم ومن الإستكبار ... ، (١)
ثم مدحهم - سبحانه - للمرة الثالثة فقال: «وفى أموالهم حق للسائل
والمحروم، .
والسائل: هو من يسأل غيره العون والمساعدة. والمحروم: هو المتعفف
عن السؤال مع أنه لا مال له لحرمان أصابه . بسبب مصيبة نزلت به. أو فقر
كان فيه .. أو ما يشبه ذلك .
قال ابن جرير بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى المراد من المحروم هنا :
والصواب من القول فى ذلك عندى: أنه الذى قد حرم الرزق واحتاج. وقد
بكون ذلك بذهاب ما له ونمره. فصار ممن حرمه الله ذلك . وقد يكون من
تعففه وتركه المسألة. وقد يكون بأنه لاسهم له فى الغنيمة لغيبته عن الواقعة (٢)
أى: أنهم بجانب قيامهم الليل طاعة لله - تعالى - وإستغفارا لذنوبهم ..
يوجبون على أنفسهم فى أموالهم حقا للسائل والمحروم . تقربا إلى الله
- سبحانه - بمقتضى ما جبلوا عليه من كرم وسخاء.
فالمراد بالحق هنا : ما يقدمونه من أموال للمحتاجين على سبيل التطوع
وليس المراد به الزكاة المفروضة. لأن السورة مكية والزكاة إنما فرضت فى
السنة الثانية من الهجرة.
قال الآلومى: ( وفى أموالهم حق ... )) هو غير الزكاة كما قال ابن عباس
ومجاهد وغير هما ...
وقال منذر بن سعيد: هذا الحق هو الزكاة المفروضة. وتعقب بأر السورة
(١) راجع تفسير الفخر الرازى = ٧ ص ٦٣٥
(٢) تفسير ابن جرير ٢٦ ص ١٢٦

١٧
الجزء السادس والعشرون
مكية . وفرض الزكاة المدينة. وقيل: أصل فريضة الزكاة كان بمكة والذى
كان بالمدينة . القدر المعروف اليوم ... والجمهور على الأول)) (١).
والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يرى أن هؤلاء المتقين، قد مدحهم الله
- تعالى - هذا المدح العظيم، لأنهم عرفوا حق الله عليهم ((أدوه بإحسان.
وإخلاص ، وعرفوا حق الناس عليهم فقدموه بكرم وسخاء.
ثم لفت - سبحانه - الأنظار إلى ما فى الأرض من دلائل على قدرته
ووحدانيته فقال: «وفى الأرض آيات الموقنين».
أى: وفى الأرض آيات عظيمة، وعبر وعظات بليغة، تدل على وحدانية
الله وقدرته، كصفوف النبات، والحيوانات، والمهاد، والجبال، والقفار،
والأنهار والبحار .
وهذه الآيات والعبر لا ينتفع بها إلا الموقنون بأن المستحق للعبادة إنما
هو الله - عز وجل -.
ثم لفتة أخرى إلى النفس البشرية، قال - تعالى -: ((وفي أنفسكم أفلا
قبصرون ).
أى : وفى أنفسكم وذواتكم وخلقكم ... أفلا تبصرون إبصار تذكر
واعتبار ، فإن خلقكم من سلالة من طين، ثم جعلكم نطفة فعلقة فضغة، فخلقا.
آخر، ثم فى رعايتكم فى بطون أمهاتكم. ثم فى تدرجكم من حال إلى حال
ثم فى إختلاف ألسنتكم وألوانكم . ثم فى التركيب العجيب الدقيق لأجسادكم
وأعضائكم . ثم فى تفاوت عقولكم وأمهاتكم وإتجاهاتكم.
فى كل ذلك وغيره . عبرة للمعتبرين وعظة المتعلين .
ورحم الله صاحب الكشاف. فقد قال عند تفسيره هاتين الآيتين: ((وفى
الأرض آ یات ... » تدل على الصانع وقدر ته وحكمته و دبيره ، حيث مى
(١) تفسير الآلومى = ٢٧ ص ٩
( ٢ - سورة الذاريات )

١٨
سورة الذاريات
مدحوة كالبساط .... وفيها المسالك والفجاج المتقلبين فيها . والماشين فى
مناكبها ...
وهى مجزأة: فمن سهل وجبل، وبر وبحر ، وقطع متجاورات: من
صلبة ورخوة، وطيبة وسبخة ، وهى كالمطروقة تلقح بألوان النبات ...
وتسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض فى الأكل، وكلها موافقة
لحوانج سا كنيها ...
فى كل ذلك آيات , الموقنين، أى: الموحدين الذين سلكوا الطريق
السوى ... فازدادوا إيمانا على إيمانهم.
. وفى أنفسكم، فى حال ابتدائها وتنقلها من حال إلى حال، وفى بواطنها
وظواهرها، من عجائب الفطر، وبدائع الخلق، ما تتحير فيه الأذهان،
وحسبك بالقلوب، ومار كز فيها من العقول، وخصت به من أصناف المعانى،
وبالألسن والنطق ومخارج الحروف ، وما فى تركيبها وترتيبها ولطائفها: من
الآيات الدالة على حكمة المدير ... فتبارك الله أحسن الخالقين))(١).
ثم لفتة ثالثة للأنظار إلى الأسباب الظاهرة للرزق ، نراها فى قوله
- تعالى -: (( وفى السماء رزقكم وما توعدون)).
أى: أن أرزاقكم مقدرة مكتوبة عنده - سبحانه -، وهى تنزل إليكم من
جهة السماء ، عن طريق الأمطار التى تنزل على الأرض الجدباء ، فتنبت بإذن
الله من كل زوج بهيج ...
كما قال - تعالى -: ((هو الذى يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقًا)،(٢)
وقال - سبحانه -: ((يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه فى يوم
كان مقداره ألف سنة مما تعدون))(٢).
(١) راجع تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٠٣٩٩
(٢) سورة غافر الآية ٣؛ .
(٣) سورة السجدة الآية ..
۔۔

١٩
الجزء السادس والمشرون
قال القرطبی قوله: (( وفى السماء رزقكم)) الرزق منا ما ينزل من السماء
من مظر ينبت به الزرع، ويحى به الإنسان ... أى: وفى السماء سبب رزقكم
- سمى المطر سماء لأنه من السماء ينزل .
وقال سفيان الثورى: ((وفى السماء رزقكم)) أى: عند الله فى السماء
وزنكم))(١).
وقوله: ((وماتوعدون)) أى: وفى السماء محددة ومقدرة أرزاقكم،
وما توعدون به من ثواب أو عقاب ، ومن خير أو شر. ومن بعث وجزاء.
و((ما) فى محل رفع عطف على قوله ((رزقكم)) أى: وفى السماء.
رزقكم وفيها الذى توعدونه من ثواب على الطاعة، ومن عقاب على المعصية .
فالآية الكريمة وإن كانت تلفت الأنظار إلى أسباب الرزق وإلى مباشرة
هذه الأسباب، إلا أنها تذكر المؤمن أن يكون اعتماده على خالق الأسباب،
وأن يراقبه ويطيعه فى السر والعلن، لأنه - سبحانه - هو صاحب الخلق
والأمر ...
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بهذا القسم فقال: «فورب السماء
والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون)).
والضمير فى قوله ((إنه)) يعود إلى ماسبق الإخبار عنه من أمر البعث
والحساب والجزاء والرزق ... وغير ذلك مما يدل على صدق الرسول - صلى
الله عليه وسلم - فيما أخبر به عن ربه .
ولفظ ((مثل)) منصوب بنزع الخافض، و((ما)) مزيدة للتأكيد أى :
فوحق رب السماء والأرض، إن جميع ماذكرناه لكم فى هذه السورة، أو
فى هذا القرآن، لحق ثابت لامرية فيه، كمثل فطفكم الذى تنطقونه بالسنتكم.
دون أن تشكوا فى كونه قد صدر عنكم لا عن غيركم .
(١) تفسير القرطى = ١٧ ص ٠٤١
٠

٢٠
سورة الذاريات
فالمقصود بالآية الكريمة، تأكيد صدق ما أخبر به اله - تعالى - عباده فى
هذه السورة وغيرها لأن نطقهم بألسنتهم حقيقة لا يجادل فيها مجادل، و كذلك.
ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من عند ربه، وما تلاه عليهم فى هذه
السورة وغيرها ، حق ثابت لا ريب فيه ...
-
وهكذا نرى هذه الآيات قد بشرت المتقين بألوان من البشارات ، ثم
لفتت عقول الناس إلى ما فى الأرض وإلى ما أنفسهم وإلى ما فى السماء من
عظات وعبر .
-
٥٠٠
٠
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن قصص بعض الأنبياء السابقين.
فبدأت بجانب من قصة إبراهيم - عليه السلام - مع الملائكة الذين جاءوا
لبشارته بابنه إسحاق ، فقال - تعالى -:
((هلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيفٍ إبراهيمَ المكرَمِينَ (٢٤) إذْ دَخَلُوا .
عليهٍ فَقَالُوا سَلاَمَاً، قالَ سلامٌ قومٌ مُنكَرونَ (٢٥) فَرَاغَ إلى أهْلِهِ
بجاء بِعِجْلٍ سمينٍ (٢٦) فقرَّبُهُ إِلَيهِم قالَ ألاَ تَأكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَس مِنهم
:
خِيفةً قَالُوا لا تَخَفْ وبشروهُ بِثُلاَمٍ عَلِيمٍ (٢٨) فأُقبَلتْ امْرَأْتُهُ فى
صَرَّةٍ فَصِكَّتْ وَجْها وقالتْ مَجوزٌ عِقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلكِ قَالَ
رَبُّكِ إِنَّهُ هُو الحَكِيمُ العَليمُ (٣٠) قالَ (١) فماَ خَطْبِكُمْ آيُها.
المُرسِلُونَ (٢١) قَالُوا إِنَّ أُرسِلْنَا إِلى قَومٍ مُجرِمِينَ (٣٢) لِنُرسِلَ عَلَيْهِمْ
حِجارةٌ مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ للمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنَاَ
مَنْ كَانَ فيهاَ مِنَ المُؤْمِنِينَ (٣٥) فماَ وَجَدْنا فيهاَ غيرَ بَيْتٍ من
لُسلمينَ (٣٦) وتَركئاً فيها آية للذينَ يُخَفَونَ العذاب الأليمَ (٣٧)».
(١) أول الجزء السابع والعشرين.