Indexed OCR Text
Pages 301-320
٨٥ الجزء السادس والعشرون قال الإمام ابن كثير: وقوله: ((فاعلم أنه لا إله إلا الله .. ، هذا إخبار بأنه لا إله إلا الله، ولا يتأتى كونه آمرا بعلم ذلك، ولهذا عطف عليه بقوله: ((واستغفر لذنبك والمؤمنين والمؤمنات)). وفى الصحيح أن رسول أقه - صلى الله عليه وسلم - كان يقول:« اللهم أغفرلى خطيئتي وجهلى، وإسرافى فى أمرى، وما أنت أعلم به منى . اللهم اغفر لى مزلى وجدى، وخطىء وعمدى ، وكل ذلك عندى». وفى الصحيح أنه كان يقول فى آخر الصلاة: «اللهم اغفرلى ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت إلهى لا إله إلا أنت،. وفى الصحيح أنه قال: ((يأيها الناس، قوبوا إلى ربكم فإنى أستغفر الله وأتوب إليه فى اليوم أكثر من سبعين مرة ،(١) ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة: وجوب المداومة على استغفار الله - تعالى - والتوبة إليه قوبة صادقة نصوحا ... لأنه إذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو الذى غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر - قد أمره - سبحانه - بالاستغفار، فأولى بغيره أن يواظب على ذلك، لأن الاستغفار بجانب أنه ذكر له. تعالى -، فهو - أيضا - شكر له - سبحانه - على نعمه. وقد توسع الإمام الآلوسى فى الحديث عن معنى قوله - تعالى « و أستغفر اذنبك ٠٠.، فارجع إليه إن شئت(٢) ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حال المنافقين عندما يدعون إلى القتال فى (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٩٨. (٢) راجع تفسير الآلوسى = ٢٦ من ص ٠٥ إلى ص ٦٦ ٨٦ سورة. محمد سبيل الله، وكيف أنهم يستولى عليهم الذعر والهلع عند مواجهة هذا التكليف، وكيف سيكون مصيرهم إذا ما استمروا على هذا النفاق .... فقال - تعالى -: ((ويَقُولُ الذِينَ آمَنُوا لوْلاَ تُزَّتْ سُورَةٌ، فَإِذَا أُنزِلتْ سُورَةٌ محكّمةٌ وَذُ كرَ فيها القتالُ، رأيتَ الذينَ فى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنَظرونَ إليكَ نظَر المنْشِئِّ عليهِ من الموتِ فَأَوْلَى لَهُم (٢٠) طَاعَةٌ وَقَولٌ مَعْرُوفٌ ، فَإِذَا عِزَمَ الْأَمْرَ فَلَوْ سَدَقُوا اللهَ لكانَ خيراً لهُم (٢١) فهلْ عَسَّمَ إنْ تولّيْمِ أنْ تُفْسِدُوا فى الأرْضِ وتُقُعطّوا أرْ حَمُكُم(٢٢) أولئِكَ الذينَ لَنَّهم اللهُ فَأَصْمَّهُمْ وَأْمَى أَبْصَارمُ (٢٣) أَفلا يَتَدبَرُونَ القرآنَ أمْ عَلَى قُلُوبٍ أَفْقَلها (٢٤) » . قال الإمام الرازى ما ملخصه: لما بين الله حال المنافق والكافر ، والمهتدى المؤمن عند استماع الآيات العلمية، من التوحيد والحشر وغيرهما ... أقبع ذلك ببيان حالهم فى الآيات العملية . فإن المؤمن كان ينتظر ورودها، ويطلب تنزيلها، وإذا تأخر عنه التكليف كان يقول: هلا أمرت بشىء من العبادة. والمنافق كان إذا نزلت الآية أو السورة وفيها تكاليف كره ذلك .. فذكر - سبحانه - تباين حال الفريقين فى العلم والعمل. فالمنافق لايفهم العلم ولا يريد العمل، والمؤمن يعلم ويحب العمل ... (١) فقوله - تعالى: ((ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة .... حكاية لتطلع المؤمنين الصادقين إلى نزول القرآن، وتشوقهم إلى الاستماع إليه، والعمل بأحكامه .. ٠ (١) تفسير الفخر الرازى = ٧ ص ٥٢١ ٨٧ الجزء السادس والعشرون أى: ويقول الذين آمنوا إيمانا حقا، لرسولهم - صلى الله عليه وسلم -: يارسول الله هلا نزلت سورة جديدة من هذا القرآن الكريم، الذى نحبه ونحب العمل بما فيه من هدايات وآداب وأحكام وجهاد فى سبيل الله - عز وجل - . قوله :. فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال، رأيت الذين فى قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المنشى عليه من الموت ... » بيان لموقف المنافقين من الجهاد فى سبيل الله، وتصوير بديع لما انطوت عليه نفوسهم من جبن خالع . والمراد بقوله محكمة: أى: واضحة المعانى فيما سيقت له من الأمر بالجهاد فى سبيل الله، بحيث لا يوجد مجال لتأويل معناها على الوجه الذى سيقت له. أى: هذا هو حال المؤمنين بالنسبة لحبهم للقرآن الكريم، أما حال المنافقين فإنك تراهم إذا ما أنزلت سورة فاصلة بينة تأمر أمرا صريحا بالقتال لإعلاء كلمة الله تراهم ينظرون إليك كنظر من حضره الموت فمار بصره شاخصا لا يتحرك من شدة الخوف والفزع . والمقصود أنهم يوحمن أبصارهم نحو النبي - صلى الله عليه وسلم - بحدة ولع، لشدة كراهتهم للقتال معه، إذ فى هذا القتال عز للإسلام ، ونصر للمؤمنين ، والمنافقون يبغضون ذلك فالآية الكريمة ترسم صورة خالدة بليغة لكل نفس لثيمة خوارة ،مبتوتة عن الإيمانه ، وعن الفطرة السليمة ، متجردة عن الحياء الذى يستر مخازبها .. وقوله - تعالى - (( فأولى لهم)) تهديد ووعيدلهم على جمنهم وخبث طویتهم . وقوله (( أولى، يرى بعضهم أنه فعل ماضر بمعنى قارب، وفاعله ضمير يعود إلى الموت، أى: قاربهم ما يهلكهم وهو الموت الذى ير تعدون منه .. ٨٨ سورة عمد ويرى آخرون أن قوله «أولى، اسم تفضيل بمعنى أحق وأجدر، وأنه خبر لمبتدأ محذوف. واللام بمعنى الباء ، أى : فالعقاب والهلاك أولى بهم وأحق وأجدر. ويكون قوله - تعالى -بعد ذلك ((طاعة وقول معروف ،كلام مستأنف والخير محذوف . أى: طاعة وقول معروف منكم لرسول الله- صلى الله عليه وسلم - خير لكم من هذا السلوك الذميم . ٠ ويضع أن يكون قوله - سبحانه - ((أولى)) مبتدأ. وقوله , لهم، متعلق = به. والخبر قوله «طاعة)). واللام فى «لهم، أيضا. بمعنى الباء. ويكون المعنى: أولى هؤلاء المنافقين من أن ينظروا إليك نظر المغشى عليه من الموت، الطاعة التامة لك، والقول المعروف أمامك ... لأن ذلك يحملهم متى أخلصوا قلوبهم لله - تعالى - على الإقلاع عن النفاق. ولعل هذا القول الأخير هو أقرب الأقوال إلى سياق الآيات، لأن فيه إرشادا لهم إلى ما يحميهم من تلك الأخلاق المرذولة التى على رأسها الخداع والجبن والخور .. ٠ وقوله: ((فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم ، متعلق بماقبله. أى: أولى لهم الطاعة والقول المعروف، وأولى لهم وأجدر بهم إذا جد الجد ، ووجب القتال ، أن يخلصوا فته - تعالى - نياتهم، فإنهم لو صدقوا الله فى إيمانهم ، لكان صدقهم خيرا لهم ، من تلك المسالك الخبيثة التى ملكوها مع نبيهم - صلى الله عليه وسلم -. قال الشوكانى: قوله ((فإذا عزم الأمر، عزم الأمر أى جد الأمر والقتال ووجب و فرض . وأسند العزم إلى الأمر وهو لأصحابه على سبيل المجاز. وجواب, إذا، ٨٩ الجزء السادس والعشرون قيل هو ((فلوصدقوا الله)) وقيل محذوف والتقدير: كرهوه أى: إذا جدّ الأمر ولزم القتال خالفوا وتخلفوا ... ،(١) . ثم بين - سبحانه - ماهو متوقع منهم، ووجه الخطاب إليهم على سبيل الإلتفات ليكون أز جرلهم، فقال: فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الأرض وتقطعوا أرحامكم . . قال الفخر الرازى ما ملخصه : وهذه الآية فيها إشارة إلى فسادة ول قالوه، وهو أنهم كانوا يقولون : كيف نقاقل العرب وهم من ذوى أرحامنا وقبائلنا . والاستفهام للتقرير المؤكد. وعسى للتوقع، وفى قوله «إن،و ليتم، وجهان: أحدهما: أنه من الولاية . يعنى: فهل يتوقع منكم - أيها المنافقون - إن أخذتم الولاية وساد الناس بأمركم ، إلا الإفساد فى الأرض وقطع الأرعام؟ وثانيهما: أن من التولى بمعنى الإعراض وهذا أنسب -، أى: إن كنتم تتركون القتال)، وتقولون فيه الإفساد وقطع الأرحام، المكون الكفار أقاربنا، فإن فى هذه الحالة لا يتوقع منكم إلا الإفساد وقطع الأرحام كما كان حالكم فى الجاهلية .... (٢) وعلى كلا القولين فالمقصود من الآية توبيخهم على جبنهم وكرامتهم لما يأمرهم به النبى - صلى الله عليه وسلم - من الجهاد فى سبيل الله - تعالى-، وتقريعهم على أعذارهم الباطلة ، ببيان أنهم لو أعرضوا عن القتال وخالفوا تعاليم الإسلام فلن يكون منهم إلا الإفساد وقطع الأرحام ، وكذلك سيكون حالهم لو تولوا أمور الناس ، وكانوا حكاما لهم . وقوله: ((أن تفسدوا .. )) خبر عسى، وقوله: «إن توليتم .. ، جملة معترضة، وجواب ((إن)، محذوف لدلالة قوله: «فهل عسيتم ... ، عليه. (١) تفسير الشو کانی ج ہ ص ٣٨ (٢) تفسير الفخر الرازى ح ٧ ص ٥٢٢ ٩٠ سورة محمد أى: ما يتوقع منكم إلا الإفساد وقطع الأرحام، إن أعرضتم عن تعالي الإسلام، أو إن توليتم أمور الناس ، فاحذروا أن يكون منكم هذا التولى الذى سيفضى بكم إلى سوء المصير، الذى بينه - سبحانه - فى قوله: «أولتك لعنهم الله .. ، أى: طردهم من رحمته، فأصمهم وأعمى أبصارهم، بأن جعلهم. بسبب إعراضهم عن الحق - كالهم الذين لا يسمعون، وكالعمى الذين لا يبصرون، لأنهم حين عطلوا أسماعهم وأبصارهم عن التدبر والتفكر ، صاروا بمنزلة الفاقدين لتلك الحواس . ثم ساق - سبحانه ما يدعوا إلى التعجيب من حالهم فقال : «أفلا يتدبرون القرآن ... ، والفاء للعطف على جملة محذوفة، والاستفهام الإنكار والزجر. أى: أيعرضون عن كتاب الله - تعالى فلا يتدبرونه مع أنه زاخر بالمواعظ والزواجر والأوامر والنواهى ... « أم على قلوب أقفالها، أى: بل على قلوب هؤلاء المنافقين أقفالها التى حالت بينهم وبين التدبر والتفكر .. والأقفال : جمع قفل - بضم فسكون، وهو الآلة التى تقفل بها الأبواب وما يشبها. والمراد: التسجيل عليهم بأن قلوبهم مغلقة، لا يدخلها الإيمان، ولا يخرج منها الكفر والنفاق . قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم نكرت. القلوب وأضيفت الأقفال إليها ؟ قلت: أما التفكير ففيه وجهان: أن يراد على قلوب قاسية مبهم أمرها فى ذلك. أو يراد على بعض القلوب وهى قلوب المنافقين . وأما إضافة الأقفال ، فلأنه يريد الأقفال المختصة بها ، وهى أقفال الكفر التى استغلقت فلا تنفتح،(١) (١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٠٣٢٦ ٩١ ٠ الجزء السادس والعشرون . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «أفلا يتدبرون القرآن، ولو كل من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية وأمثالها ، وجوب التدبر والتفكر فى آيات القرآن الكريم، والعمل بما فيها من هدايات وإرشادات، وأوامر ونواه، وآداب وأحكام، لأن عدم الامتثال لذلك يؤدى إلى قسوة القلوب، وضلال النفوس، كماهو الحال فى المنافقين والكافر بن . ٠٠٠ ثم تواصل السورة حديثها عن المنافقين ،فتصفح عن الأسباب الىحملتهم على هذا النفاق، وتصور أحوالهم السيئة عندما تتوقام الملائكة ، وتهددهم بفضح رذائلهم ، وهتك أسرارهم ... قال - تعالى : ( إِنَّ الذينَ ارتدُّوا عَلَى أدْبَرِمٍ مِنْ بَعدِ ما تَبَيَّزَ لهم الحَدَّى، الشّيطانُ سوََّ لهم وأمْلَى لهم (٢٥) ذلكَ بأنَّهمَ قَالُوالَّذِينَ كَرِموا ما نَزَّلَ الهُ سَنطِيمِكُم فى بَعضِ الأمرِ، واللهُ يعلَم إِسْرَارٌ (٢٦) فَكَيفَ إذَا توفّتْهم الملائِكَةُ يَضْرِبونَ وجُوهَهم وأُدْبَرَم (٢٧) ذلِكَ بأَنَهم الَّبَعوا ما أَسْخَطِ اللّهَ وَكَرِمُوا رِضْوانَه فَأَحَبَطَ أعمالهُم (٢٨) أمْ حسيبَ الذينَ فِى قُلُوبِهِم مَرضٌَ أنْ أَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْفَهم (٢٩) ولو نَشَاءَ لْأَرَيْناَ كَهم فَرِفَتَهُم بِسيمامٌ وَلَتَعرِفَنَّهَمَ فى أَحْنِ القَولِ، واهُ يعلمُ أعْمَلِكُمْ (٣٠) ولَنَبْلُونَكُمْ حتى نعلم الجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابرينّ ونَبْلُو أَخبارَ كُمْ (٣١))). والمراد بارتدادهم على أدبارهم: رجوعهم إلى ما كانوا عليه من كفر وضلال .. ٩٢ سورة محمد أى: إن الذين رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والضلال، وم المنافقون، الذين يتظاهرون بالإسلام ويخفون الكفر . وقوله ((من بعد ما تبين لهم الهدى)) ذم لهم على هذا الارتداء ، لأنهم لم يعودوا إلى الكفر عن جهالة، وإنما عادوا إليه من بعد أن شاهدوا الدلائل الظاهرة، والبراهين الساطعه على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صادق فيما يبلغه عن ربه ، وعلى أن الإسلام هو الدين الحق. وقوله: « الشيطان سول لهم وأملى لهم، جملة من مبتدأ وخبر، وهى خبر ((إن)) فى قوله سبحانه: ((إن الذين ارتدوا ... )) وقوله: (( سول، من التسوبل بمعنى التتزيين والقسهيل. يقال: سولت لفلان نفسه هذا الفعل، أى: زينته وحسنته له ، وصورته له فى صورة الشىء الحسن مع أنه قبيح . :. وقوله: ((وأملى، من الإملاء وهو الإبقاء ملاوة الدهر، أى: زمنا منه أى: الشيطان زين لهؤلاء المنافقين سو. أعمالهم ، ومدلهم فى الأمانى الباطلة . والآمال الفاسدة . وأسباب الغواية والضلال .. وأسند سبحانه هذا التسويل والإملاء إلى الشيطان، مع أن الخالق لذلك هو الله تعالى. لأن الشيطان هو السبب فى هذا الضلال والخسران. ثم بين سبحانه أسباب هذا الارتداء فقال: «ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا . ما نزل الله سنطيعكم فى بعض الأمر ... ، أى: ذلك الارتداء عن الحق والتردى فى الباطل . بسبب أن هؤلاء المنافقين قالوا للذين كرهوا مانزل الله من الهدى على نبيه صلى الله عليه وسلم وثم اليهود ومن على شاكلتهم قالوا لهم: « سنطيعكم فى بعض الأمر، أى: سنطيعكم فى بعض أموركم وأحولكم التى على رأسها : العداوة لهذا الرسول صلى الله عليه وسلم ولما جاء به من عند ربه. ٩٣ الجزء السادس والعشرون كما قال - تعالى - حكاية عنهم فى آية أخرى: ألم تر إلى الذين نافقو ايقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب، لمن أخرجتم لنخرجن معكم، ولا نطيع فيكم أحدا أبدا، وإن قوتلتم لتنصرفكم، والله يشهد إنهم لكاذبون ... (١) وقوله - سبحانه -: ((واقه يعلم إسرارهم، تمديد لهم على هذا الدس والكيد والتآمر على الإسلام وأتباعه. أى: والله - تعالى - يعلم ما يسرونه من أقوال سيئة، ومن أفعال قبيحة، وسيعاقبهم على ذلك عقابا شديدا . وكلمة (( إسرارهم) - بكسر الهمزة - مصدر أسررت إسرارا، بمعنى كتمت الشىء وأخفيته. وقر أبعض القراء السبعة , أسرارهم . - بفتح الهمزة - جمع سر. أى : يعلم الأشياء التى يمرونها ويخفونها. ثم بين - سبحانه - حالهم عندما تقبض الملائكة أرواحهم فقال:« فكيف إذا توفتهم الملائكة بضربون وجوههم وأدبارهم،. والفاء لترتيب ما بعدها على ماقبلها، والاستفهام للاستعظام والتهويل، و ((فكيف)) منصوب بفعل محذوف هو العامل فى الظرف (( إذا). والمراد بوجوههم: كل ما أقبل منهم ، وبأدبارهم : كل ما أدبر من أجسامهم . أی : هؤلاء الذين ارتدوا علی أدبارهم ،وقالوا ماقالوا من کفر وضلال، كيف يكون حالهم إذا توفتهم الملائكته وقبضت أرواحهم ؟لاشك أن حالهم سيكون أسوأ حال وأقبحه، لأن ملائكة الموت يضربون عند قبض أرواحهم وجوه هؤلاء المنافقين وأدبارهم ، ضربا أنما موجعا ... وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة (١) سورة الحشر . الآية ١١ ٩٤ سورة محمد يضربون وجوههم وأدبارهم «وذوقوا عذاب الحريق،(١). واسم الإشارة فى قوله: «ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه)، يعود إلى توفى الملائمكه لهم، وقبضهم لأرواح هؤلاء المنافقين. أى: ذلك الضرب الأليم لهم من الملائكة عند قبضهم لأرواحهم، بسبب أن هؤلاء المنافقين قد اتبعوا ما يغضب الله - تعالى - من الكفر والمعاصى، وبسبب أهم كرهوا ما يرضيه من الإيمان والطاعة .. (((فأحبط، - سبحانه -: ((أعمالهم، بأن أبطلها ولم يقبلها منهم، لأنها لم تصدر عن قلب سليم . ثم مددهم - سبحانه - بكثف أستارهم، وفضح أسرارهم فقال:« أم حسب الذين فى قلوبهم مرض، أن لن يخرج الله أضغانهم)). و ((أم، منقطعة بمعنى بل والهمزة، والاستفهام للتقريع والتوبيخ، و ((أن، مخففة من الثقيلة، وأسمها ضمير الشأن محذوف، والجملة بعدها خبرها، وأن وصلتها سادة مسد مفعولى حسب. والأضغان: جمع ضغن، وهو الحقد الشديد . يقال: ضغن صدر فلان ضغنا، - بزنة تعب -، إذا اشتد حقده وغيظه، والاسم الضغى . بمعنى الالتواء والاعوجاج الذى يكون فى كل شىء. ويقال: تضاغن القوم، إذا انطوت قلوبهم على البغض والحقد . أى: بل أحسب هؤلاء المنافقون الذين امتلأت قلوبهم بمرض الكفر والضلال، أن الله - تعالى - غير قادر على إظهار أحقادهم الشديد لرسوله. صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين؟ إن حسبانهم هذا هولون من جهالاتهم ومن غباوتهم وانطاس بصائرهم، (١) سورة الأنفال الآية .. ٩٥ الجزء السادس والمشرون لأن الله - تعالى - لا يخفى عليه شيء، ولا يعجزه شىء فى الأرض ولا فى السماء . ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر قدرته فقال: ((ولو نشاء لأرينا كهم ، فلعرفتم بسيماهم ، ولتعرفتهم فى لحن القول. » والمراد بالإراءة هنا: التعريف والعلم الذى يقوم مقام الرؤية بالبصر، كما فى قولهم : سأريك يا فلان ما أصنع بك . أى : سأعلك بذلك . والفاء فى قوله: «فلعرفتهم بسيماهم، لتر تيب المعرفة على الإراءة. والمراد بسيماهم: علاماتهم. يقال سوم فلان فرسه تسويما ، إذا جعل له علامة يتميزبها. وكررت اللام فى قوله: « فلعرفتهم، للتأكيد. ولحن القول: أسلوب من أساليبه المائلة عن الطريق المعروفة. كأن يقول القائل قولا يترك فيه التصريح إلى التعريض والإبهام. يقال: لحنتت لفلان ألحن لحنا ، إذا قلت له قولا يفهمه عنك ويخفى على غيره. قال الجمل: واللحن يقال على معنيين: أحدهما: الكتابة بالكلام حتى. لا يفهمه غير مخاطبك ـ ومنه قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لبعض أصحابه فى غزوة الأحزاب: (وإن وجد تموم» ،أى: بنى قريظة - على الغدر فالحنوالى لحنا أعرفه .. والثانى: صرف الكلام من الإعراب إلى الخطأ - أى: من النطق السليم إلى النطق الخطأ .. ويقال من الأول: لحنت - بفتح الحاء - ألحن فأنا لاحن .. ويقال من ٩٦ سورة محمد الثانى: لحن - بكسر الحاء إذا لم ينطق نطقا سليما - فهو لحن .. ،(١) والمعنى: ولو نشاء إعلامك وتعريفك - أيها الرسول الكريم - بهؤلاء المنافقين وبذواتهم وأشخاصهم لفعلنا، لأن قدرتنا لا يجزها شىء «فلعرفتهم بسيماهم، أى: بعلاماتهم الخاصة بهم، والتى يتميزون بها عن غير ثم .. ((ولتعرفهم)) - أيضا - (( فى لحن القول، أى: ولتعرفنهم بسبب أقوالهم المائلة عن الأساليب المعروفة فى الكلام ، حيث يتخاطبون فيما بينهم بمخاطبات لا يقصدون ظاهرها، وإنما يقصدون أشياء أخرى فيها الإساءة إليك وإلى أتباعك . قال الإمام ابن كثير: قوله - تعالى -: ((ولو نشاء لأريناكهم فظعرفتهم بسيماهم، يقول - تعالى -: ولو نشاء يا محمد لأربناك أشخاصهم ، فعرفتهم عيانا، ولكن لم يفعل - سبحانه - ذلك فى جميع المنافقين، سترا منه على خلقه ... , ولتعرفهم فى لحن القول، أى: فيما يبدون من كلامهم الدال على مقاصدهم .. كما قال عثمان - رضى الله عنه -: « ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه ، وفلتات لسانه ،. وفى الحديث: ((ما أسر أحد سريرة إلا كساه الله جلبابها» .. وعن أبى مسعود عقبة بن عمرو قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبة حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن منكم منافقين، فمن سميت فليقم . ثم قل : قم يافلان . قم يا فلان - حتی سمی ستة وثلاثين رجلا - ثم قال: إن فيكم ـ او منكم - فاتقوا الله،(٢) ، (١) خاشية الجمل على الجلالين - ٤ صـ ١٥٣ (٢) تفسير ابن كثير ص ٧ ص ٢٠٤ ٩٧ الجزء السادس والمشرون وقوله - سبحانه -: ((والله يعلم أعمالكم) بيان لعلمه الشامل - سبحانه - وتهديد لمن يحترح السيئات، أى: والله - تعالى - يعلم أعمالكم علما تاما كاملا، وسيجازيكم عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب . ثم بين - سبحانه - سنة من سننه فى خلقه فقال: ((ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم،. أى: ولتعاملنكم - أيها الناس - معاملة المختبر لكم بالتكاليف الشرعية المتنوعة ، حتى بنين ونظهر للكم المجاهدين منكم من غيرهم، والصابرين منكم وغير الصابرين ((ونبلو أخباركم، أى: ونظهر أخباركم حتى يتميز الحسن منها من القبيح . نا المراد بقوله: ((حتى نعلم المجاهدين .. ، إظهار هذا العلم للناس، حتى يتميز قوى الإيمان من ضعيفه، وصحيح العقيدة من سقيمها. وإلى هنا نجد الآيات الكريمة قد هددت المنافقين تهديداً شديدا ، ووجتهم على مسالكهم الذميمة ، وفضحتهم على رءوس الأشهاد ، وحذرت المؤمنين من شرورهم . ٠٠٠ ٥ ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالدعوة إلى صلاح الأعمال، وبتهد ید الكافرين بالعذاب الشديد، وبتبشير المؤمنين بالثواب الجزيل، وبدعوتهم إلى الإكثار من الإنفاق فى سبيله ... فقال : - تعالى -: ((إنَّ الذينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عن سبيلِ اللهِ وشَقُوا الرسُولَ مِنْ بَعدِ ما تَبَينَ لهم الْحُدَى ان يَضْروا اللهَ شيئًا وسَيُحبطُ أصمالهُم (٣٢) بأيّها الذينَ آمنُوا أَطِيعُوا الله وأَطِيعُوا الرَسُولَ ولا تُبطِلُوا ( ٧ - سورة محمد) ٩٨ سورة محمد أعمالُكُم (٣٣) إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عن سبيلِ القَّهِ ثم ماتُوا ومُ كفارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ الهُ لهم (٣٤) فلا تِهِنُوا وَتَدْعُوا إلى السَّلْم وَأَنتُم الْأَعْلوْنَ واللهُ معَكُمْ وَلَنْ يَتركُ أعْمَلِكُمْ (٣٥) إِنَّمَا الحياةُ الدُّنْيَاَ لِعِبٌّ ولهوٌ وإنْ تؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يؤْيَكُمْ أَجُـورَلُ ولا يَنْألُكُم أَموَالِكُم (٣٦) إن يسألُكُموهاَ فَيُحْفكُم ◌َتَبخلوا ويخرِجْ أَضْفَنَكُمْ (٣٧) ها أَثُم مؤْلاَء تُدعَونَ لِتُنفِقُوا فى سبيلِ القُهِ فَنكَ مَنْ يَبْخِلُ، ومن يَبَخلْ فإنَما يَبْخَل عن نَفْسِهِ، وَاللهُ الغَنِىِّ وَأَنتُم الفُقْرَاء، وإِنْ تَتَوَّلَّوا يَسْقبدِلْ قوماً غَيَرِيكُ، ثمَ لا يُكُونُوا أَثَلَكُمْ (٣٨))). والمراد بالذين كفروا فى قوله:(- تعالى -: « إن الذين كفروا وعدوا عن سبيل الله ... ، جميع الكافرين، كشركى قريش، والمنافقين ، وأهل الكتاب . أى: إن الذين كفروا بكل ما يجب الإيمان به، «وصدواء غيرهم عن الإيمان بالحق، و((سبيل الله، الواضح المستقيم .. (( وشاقوا الرسول، أى: عادوه وخالفوه وآذوه. وأصل المشاقة: أن قصير فى شق وجانب وعدوك فى شق وجانب آخر ، والمراد بها هنا: العداوة والبغضاء . وقوله: (( من بعد ما تبين لهم ، ذم وتجهيل لهم، حيث حاربوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بعد أن ظهر لهم أنه على الحق، وأنه صادق فيما يبلغه عن ربه . وقوله: (( لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم، بيان الآثار السيئة التى ترتبت على هذا الصدود والعداوة . أى : هؤلاء الذين كفروا، وصدوا غيرهم عن سبيل الله ، وحاربوا ٩٩ الجزء السادس والعشرون رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، هؤلاء لن يضروا الله - تعالى - شيئا بسبب كفرهم وضلالهم، وسيبطل - سبحانه - أعمالهم التى عملوما فى الدنيا، وظنوها نافعة لهم ، كإطعام الطعام، وصلة الأرحام .. لأن هذه الأعمال قد صدرت من نفس كافرة ولن يقبل - سبحانه - عملا من تلك النفوس، كما قال - تعالى -: («وقدمنا إلى ما عملوا من عمل تجعلنا. عباء منثورا) . وكما قال - سبحانه -: ((إنما يتقيل الله من المتقين)). ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين ، أمرهم فيه بالمداومة على طاعته ومراقبته فقال: ((يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا قبطلوا أعمالكم، . أى: با من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان، أطيعوا الله - تعالى فى كل ما أمركم به، وأطيعوا رسوله - صلى الله عليه وسلم -- ولا تبطلوا ثواب أعمالكم. بسبب ارتكابكم للمعاص، التى على رأسها النفاق والشقاق ، والمن والرياء، وما يشبه ذلك من ألوان السيئات . عن أبي العالية قال: كان أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - يظنون أنه لا يضر مع « لا إله إلا الله، ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، فتزات هذه الآية. فوا أن يبطل الذقب العمل)). ورى نافع عن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - يرى أنه ليس شىء من الحسنات إلا مقبول حتى نزلت هذه الآية. فقلنا: ما هذا الذى يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكباز الموجبات والفواحش. "حتى نزل قوله - تعالى -: ((إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر مادون ذلك لمن يشاء،. فلما نزلت كففنا من القول فى ذلك . فكنا فخاف على من أصحاب المكبائر عـ ١٠٠ سورة محمد والفواحش، ونرجو لمن لم يصبها( ١)، ثم بين - سبحانه - سوء مصير الذين استمروا على كفرهم حتى ماتوا عليه فقال: (( إن الذين كفروا)) بالله - تعالى -، وبكل ما يجب الإيمان به. « وصدوا عن سبيل الله، أى: ومنعوا غيرهم عن الطريق التى توصلهم. إلى طاعة الله ورضاه . ((ثم ماتوا، جميعا ((وهم كفار)) دون أن يقلعوا عن كفرم . ((فلن يغفر الله لهم، شيئا من ذنوبهم، لأن استمرارهم على الكفر حال بينهم وبين المغفرة . ومن الآيات الكثيرة التى تشبه هذه الآية فى معناها قوله - تعالى - : إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار، فلى يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به، أولئك لهم عذاب أليم ومالهم من ناصرين)). والفاء فى قوله: ((فلاتهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون.، فصيحة والخطاب للمؤمنين على سبيل التبشير والتثبيت والحض على مجاهدة المشركين. أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن الله - تعالى - لن يغفر للكافرين .. ((فلا تهنوا، أى: فلا تضعفوا - أيها المؤمنون - أمامهم، ولا تخافوا من قتالهم .. من الوهن بمعنى الضعف وفعله وهن بمعنى ضعف ، ومنه قوله - تعالى -: ((وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير ، فما وهنوا لما أصابوا فى سبيل الله .. )). وقوله: (( وتدعوا إلى السلم، معطوف على ((تهنوا، داخل فى حيز النهى. أى فلا تضعفوا عن قتال الكافرين، ولا تدعوهم إلى الصلح والمسالمة على سبيل الخوف منهم، وإظهار العجز أمامهم، فإن ذلك نوع من إعطاء الدفيّة التى تأباها تعاليم دينكم. (١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٠٣٠٥ ١٠١ الجزء السادس والعشرون وقوله: ((وأنتم الأعلون، والقله معكم، ولن يتراكم أعمالكم، جمل حالية . أى: لا تضعفوا ولا تستكينوا لأعدائكم والحال أنكم أنتم الأعلون، أى: الأكثر قهرا وغلبة لأعدائكم، والله - تعالى - معكم بعونه ونصره ونايده . ((ولن يتركم أعمالكم، أى: ولن ينقصكم شيئا من أجور أعمالكم. يقال: وترت فلانا حقه - من باب وعد -، إذا فقصته حقه ولم تعطه له كاملا . وترت الرجل : إذا قتلت له قتيلا، أو سلبت منه ماله . قالوا: ومحل النهى عن الدعوة إلى صلح الكفار ومسالمتهم، إذا كان هذا الصلح أو تلك المسالمة تؤدى إلى إذلاز المسلمين أو إظهار هم بمظهر الضعيف القابل لشروط أعدائه .. أما إذا كانت الدعوة إلى السلم لا تضر بمصلحة المسلمين فلا بأس من قبولها، عملا بقوله - تعالى - ((: وإن جنحوا السلم فاجتح لها وتوكل على الله ... ، ثم بين - سبحانه ما يدل على هوأن هذه الدنيا فقال: (( إنما الحياة الدنيا کرب وهو ، . قال الجل : يعنى كيف تمتعكم الدنيا عن طلب الآخرة، وقد علمتم أن الدنيا كلها لعب ولهو، إلا ما كان منها فى عبادة الله - تعالى - وطاعته. واللعب : ما يشغل الإنسان فيه منفعة فى الحال أو المآل إذا استعمله الإنسان ولم ينتبه لأشغاله المهمة فهو اللعب، وإن أشغله عن مهمات نفسه فهو اللهو ،(١) . (((وإن تؤمنوا، إيمانا حقا,وتتقوا، الله - تعالى - «يؤتكم أجوركم، (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٤ ص ٠١٥٥ ١٠٢ سورة محمد كاملة غير منقوصة .. ولا يسألكم أموالكم، أى: ولا يأمركم سبحانه أن تخرجوا جميع أموالكم على سبيل دفعها فى الزكاة المفروضة، أو في صدقة. التطوع، فالسؤال بمعنى الأمر والتكليف ويصح أن يكون المعنى: ولا يسألكم وسولكم - صلى الله عليه وسلم - شيئا من أموالكم، على سبيل الأجر له على تبليغ دعوة ربه، كما قال - تعالى -: ((قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ». فالضمير على المعنى الأول يعود إلى الله تعالى، وعلى الثانى يعود إلى الرسول - صلى اله عليه وسلم - ثم أشار - سبحانه - إلى جانب من حكمته فى تشريعاته فقال: « إن بسألكوما فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغائكم. وقوله («يحفكم، من الإحفاء بمعنى الإلحاف، وهو المبالغة فى الطلب. يقال: أحفاه فى المسألة، إذا ألح عليه فى ضلها إلحاحا شديدا، ومنه قوله - تعالى -: ((لا يسألون الناس إلحافا ... ، وأصله من أحفيت البعير، إذا أرهقته فى المشى حتى انبرى ورق خفه . أى: إن يكلفكم بإخراج جميع أموالكم، ويبالغ فى طلب ذلك منكم، تبخلوا بها فلا تعطوها، وبذلك (( يخرج أضغافكم، أى: يظهر أحقادكم وكراهيتكم لهذا التكليف، لأن حبكم الجم للمال يجعلكم تكرهون كل تشريع بأمركم بإخراج جميع أموالكم. فقوله (( فيحفكم)) عطف على فعل الشرط، وقوله ((تبخلوا)) جواب الشرط، وقوله: «ويخرج أضغافكم، معطوف على هذا الجواب. ثم تختتم السورة الكريمة بالدعوة إلى الإنفاق فى سبيل الله فقال: ((ما أنتم هؤلاء» - أيها المؤمنون - ((تدعون لتنفقوا فى سبيل انه، أى: فى وجوه الخير التى على رأسها الجهاد فى سبيل إعلاء كلمة الله، ونصرة دينه. ((فمنكم من يبخل، أى: فنكم - أيها المخاطبون - من يبخل بماله عن ١٠٣ الجزء السادس والعشرون الإنفاق فى وجوه الخير ((ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه، أى: ومن يبخل فإنما يبخل عن داعى نفسه لا عن داعى ربه. أو، فإنما يبخل على نفسه. يقال: بخل عليه وعنه - كفرح وكرم - بمعنى، لأن البخل فيه معنى المنع والإمساك ومعنى التضييق على من منع عنه المعروف. فعدى بلفظ ((عن)) نظرا للمعنى الأول، وبلفظ « على، نظرا للمعنى الثانى. (((والله - تعالى -«هو الغنى وأنتم الفقراء، إليه، لاحتياجكم إلى عونه احتياجا قاما, وإن تتولوا، أى: وإن تعرضوا عن هذا الإرشاد الحكيم. ((يستبدل قوما غيركم، أى: يخلق بدلكم قوما آخرين. ( ثم لا يكونوا أمثالكم، أى: ثم لا يكونوا أمثالكم فى الإعراض عن الخير، وفى البخل بما آتاه الله من فضله . والمتأمل فى هذه الآية يراها قد اشتملت على أسمى ألوان الدعوة إلى الإيمان والسخاء، والنهى عن الجحود والبخل . وبعد فهذا تفسير وسيط لسورة محمد - صلى الله عليه وسلم - نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.؟ كتبه الراجي عفو ربه محمد سيد طنطاوى القاهرة - مدينة نصر ١٤٠٦/٢/٦م مساء الأربعاء ١٩٨٥/١٢/١٨ م