Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
الجزء الخامس والعشرون
الأمينُ وَأْتُم فيها خالِدُونَ (٧١) وتلكَ الجِنَّةُ التى أور شُوهاً بما كنتُم
تعملونَ (٧٢) لُكُم فيها فاكهةٌ كثيرةٌ منهاَ تأكُلُونَ (٧٣) إنَّ المجرمينَ
فى عَذَابٍ جَهَُّ خالِدُونَ (٧٤) لا يفَتَُّ عنهم ومُ فِيهِ مُبِسُونَ (٧٥)
وما ظَلمنَمُ ولكِنْ كانوا ◌ُمُ الظالِنَ (٧٦) ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ
عَلَيْناَ ربُّكَ قالَ إِنكُم مَاكَثُونَ (٧٧) لقَدْ جِئْنَاكَم بالحقْ ولكنَّ
أكثركم الحقُّ كارهُونَ (٧٨) أَمْ أبرَمُوا أَمْراً فإنْا مُبرمُونَ (٧٩)
أم يَخْسِبون أنَّا لا نَسْمَع سِرْهُ وَجواهُ، بَى وَرَسُلُنَاَ لدَيهم
يكتبُونَ (٨٠))).
وقوله - تعالى -: «الأخلاء، جمع خليل بمعنى صديق، وسمى الأصدقاء
أخلاء، لأن المودة التى بينهم تحللت قلوبهم وإختلطت بنفوسهم.
أى : الأصدقاء فى الدنيا، يصير بعضهم لبعض يوم القيامة أعداء، لأنهم
كانوا يجتمعون على الشرور والآنام فى الدنيا، وكانوا يتواصون بالبقاء على
الكفر والفسوق والعصيان. فما جاء يوم القيامة، والكثفت الحقائق ...
انقلبت صداقتهم إلى عداوة .
(إلا المتقين)) فإن صداقتهم فى الدنيا تنفعهم فى الآخرة، لأنهم أقاموها
على الإيمان والعمل الصالح والطاعة لله رب العالمين .
فالآية الكريمة إنذار الكافرين الذين كانت صداقاتهم فى الدنيا تقوم على
محاربة الحق، ومناصرة الباطل ... ويدارة عظيمة للمتقين الذين بنوصداقتهم
فى الدنيا على طاعة الله - تعالى - وفصرة دينه. والعمل بشريعته ،
ثم بشر الله - تعالى - عباده بحملة من البشارات الكريمة ,فقال - تعالى -

١٢٢
سورة الزخرف
,( باعباد لاخوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون. الذين آمنوا بآياتنا وكانوا
مسلمين. ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون)).
والخوف معناه: توقع مايخشاه ويغتم له الإنسان فى المستقبل. والمزن
معناه: غم يلحق الإنسان من أجل شىء مضر:
وقوله: (( تحبرون، أى: تفرحون وتسرون سرورا عظيما يظهر حباره
- بفتح الحاء وكسرها .. أى: أثره الحسن على وجوهكم وأفتدتكم. فهو
من الخبر - بفتح الحاء والباء - بمعنى الأثر. ويضح أن يكون من الحبر .
بسكون الباء - بمعنى الزينة وحسن الهيئة .
وبهذا نرى الآيات الكريمة قد نفت عنهم الخوف والحزن، وفتحت لهم
أبواب الجنة، وأعلمتهم بأنهم سيكونون هم وأزواجهم فى سرور
دائم .
أى: يقول الله - تعالى - لعباده المؤمنين يوم القيامة: يا عباد الذين
شرفتكم بالإضافة إلى ذاتى ، لا خوف عليكم اليوم من أمر المستقبل، ولا
أنتم تحزنون على أمر مضى .
وقوله: ((الذين آمنوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وعلى صدق نبينا
- صلى الله عليه وسلم -. وكانوا فى الدنيا مخلصين وجوههم لنا ، وجاعلين
أنفسهم سالمة لطاعتنا ...
, ادخلوا الجنة أقتم وأزواجكم، أى: ونساؤكم المؤمنات (( تحبرون، أى:
تسرون وتتلذون بتلك النعم التى أنعم بها - سبحانه - عليكم.
فالمراد بأزواجهم هنا: نساؤهم، لأن فى هذه الصحبة تلذذا أكثر، وتعما
أكبر .

١٢٣
الجزء الخامس والعشرون
والإضافة فى قوله « أزواجكم، للاختصاص التام، فتخرج الأزواج
غير المؤمنات .
ومنهم من يرى أن المراد بقوله، وأزواجكم)): نظراؤكم وأشباهكم فى
الطاعة لله - تعالى - .
أى: ادخلوا الجنة أنتم وأشباهكم فى الإيمان والطاعة ، دخولا تنالون
معه الفرح الدائم، والسرور الذى لا انقطاع له .
وشبه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((إن أصحاب الجنة اليوم فى شغل فاكهون.
م وأزواجهم فى ظلال على الأرائك متكئون)).
ثم بين - سبحانه - مظاهر أخرى لتكريمه لهؤلاء العباد فقال: ، يطاف
عليهم بصحاف من ذهب وأكواب ...
والصحاف: جمع صفحة. وهى الآنية الواسعة الكبيرة التى توضع
فيها الأطعمة .
والأكواب: جمع كوب وهو ما يوضع فيه الشراب.
وفى الكلام حذف يعرف من السياق ، والتقدير: يقال لهم: ادخلوا الجنة
أتم وأزواجكم تحبرون. فإذا مادخلوها واستقروافيها، بطاف عليهم بأطعمة
وأشربة فى أوان من ذهب .
ولم تذكر الأطعمة والأشربة للعلم بها ، إذ لامعنى الطواف بالصحاف
والأكواب وهى فارغة ..
:
« وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، أى: وفى الجنة التى دخلوها كل
كل ما تشتهيه الأنفس من أنواع المشهيات ، وكل ما تتلذذ به الأعين وتسر
رؤيته.
((وأتم، أيها المؤمنون ((فيها خالدون، خلودا أبدياً لا نهاية له.

١٢٤
سورة الزخرف
ثم ختم - سبحانه - هذا التكريم لعباده بقوله: ((وتلك الجنة التى أور تتموما
بما كنتم تعملون، لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون)).
واسم الإشارة, تلك، مبتدأ وخبره, الجنة، وما بعدهما صفة الجنة .. ،
وفى الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب على سبيل التشريف .
وقال - سبحانه - «وتلك، بالإفراد. للاشعار بأن الخطاب لكل واحد
من أهل الجنة ، على سبيل العناية به ، والإعلاء من شأنه.
أى : ويقال لهم يوم القيامة على سبيل الشريف: وهذه الجنة التى
أور ثتمرها سبب أعمالكم الصالحة فى الدنيا، ولكم فيها فاكهة كثيرة، وثمار
شهية لذيدة ، منها تأكلون أكلا منيثا مرينا .
: عبر بقوله - تعالى - ((أور تتموها، للاشعار بأنها قد صارت إليهم بفضل
الله وكرمه ، كما يصير الميران إلى الوارث .
وقوله « بما كنتم تعملون، بيان للأسباب التى أوصلتهم إلى هذه المنازل
العالية، فإن أعمالهم الطيبة التى تقبلها الله - تعالى - منهم ، جعلتهم - بفضله
وإحسانه - فى أعلى الدرجات وأسماها.
وتمادة القرآن الكريم فى المقارنة بين الأخيار والأشرار، جاء الحديث
عن سوء عاقبة الكافرين، بعد الحديث عن حسن عاقبة المؤمنين، فقال
- تعالى -: ((إن المجرمين فى عذاب جهنم خالدون)).
أى: إن الكافرين بالحق ، الراسخين فى الإجرام ، الكاملين فيه ،
سيكونون يوم القيامة، فى عذاب جهنم خالدين فيه خلودا أبديا .
(( لا يفتر عنهم، أى: لا يخفف عنهم العذاب، فقوله ( يفتر، مأخوذ.
من الفتور بمعق الهدوء والسكون . يقال: فترت الحمى إذا خفت حدثها .
وفتر المرض إذا سكن قليلا .
.. ؟ فيه مبلسون أى : وهم فى هذا العذاب فى أقصى درجات الحزن

١٢٥
الجزء الخامس والعشرون
الكلام سكونا
والذلة واليأس يقال: أبلس فلان إبلاما، إذا سكت عن
مصحوبا بالحزن وانقطاع الحجة .
ثم بين - سبحانه - أن ما نزل بهؤلاء المجرمين من عذاب كان بسبب كفرم
فقال - تعالى -: ( وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ).
أى: نحن ما ظلمنا هؤلاء الكافرين بإنزال هذا العذاب المهين الدائم بهم،
ولكن هم الذين ظلموا أنفسهم، بإستحبابهم العمى على الهدى، وإيثارهم الغى
على الرشد .
ثم حكى - سبحانه - بعض أقوالهم بعد نزول العذاب بهم فقال: «وقادوا
* يا مالك ليقض علينا ربك ... ،
والمراد بذلك سؤال مانك خازن النار. واللام فى قوله، ليقض)) لام
الدعاء .
٠
أى: وبعد أن طال العذاب على هؤلاء الكافرين ، فادوا فى ذلة واستجداء
قائلين لخازن النار ، يا مالك أدع لنا ربك كى يقضى علينا، بأن يميتنا حتى
نستريح من هذا العذاب .
فالمراد بالقضاء هنا: الإهلاك والإماتة، ومنه قوله - تعالى -: «فوكزه
موسى فقضى عليه ... ، أى : فأهلكه .
وفى هذا النداء مافيه من الكرب والضيق، حتى إنهم ليتمنون الموت لمكى
يستربحوا مما هم فيه من عذاب .
وهنا يجيتهم الرد الذى يزيدهم غما على غمهم؛ وهو قوله - تعالى -: ((قال
إنكم ما كثون، أى : قال مالك فى الرد عليهم: إنكم ما كثون فيها بدون موت
يريحكم من عذابها، وبدون حياة تجدون معها الراحة والأمان .
وقوله - سبحانه -: «لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون»
تأكيد منه - تعالى - وتقرير أرد مالك عليهم ، ومبين لسبب مكثهم فيها .

١٢٦
سورة الزخرف
أى: لقد جئناكم ـ أيها الكافرون - بالحق عنى السنة رسلنا، الذين لم يتركوا
وسيلة من الوسائل إلا وسلكوها معكم فى الارشاد إلى طريق الهدى، ولكن
أكثركم كان كارها الحق والهدى، معرضا عنهما إعراضنا كلليا، مصرا على
على كفره وشركة .
وعبر - سبحانه - بالأكثر، لأن قلة منهم لم تكن كارهة للحق، ولكنها
كانت منقادة لأمر سادتها وكبرائها .. أما الذين كانوا يعرفون الحق ولكن
يكرهونه، فهم الزعماء والكبراء، لأنهم يرون فى أتباعه إنتقاصا من شهواتهم
وقصادما مع أهوائهم.
ثم وبخهم - سبحانه - على مكرهم، وبين أنه مكر بائر خائب فقال: «أم
أبرموا أمرا فإنما مبرمون»
و((أم، هنا منقطعة بمعنى بل والهمزة، والجملة الكريمة كلام مستأنف
موق لتأنيب المشركين على مادبروه من كيد للرسول - صلى الله عليه وسلم -
والمؤمنين . والأبرام: الانقان للشىء والإحكام له، وأصله الفتل المحكم .
يقال: أبرم فلان الحبل ، إذا أنقن فتله .
أى: بل أحكموا كيدهم للنبى - صلى الله عليه وسلم - ولأصحا به؟ إن كانوا
يظنون ذلك فقد خاب ظنهم ، لأن مكرنا أعظم من مكرم ، وكبدنا يزهق
کیدم .
فالمقصود بالآية الكريمة الانتقال من عدم إجابة نداتهم ، إلى تأنيبهم على
ما كان منهم فى الدنيامن مكر بالحق وأهله، وكيف أن هذا المكر السىء كانت
نتيجته الخسران لهم .
وقوله - سبحانه -.. أم يحسبون أنا لانسمع سرهم ونجواهم ....
توبيخ آخر لهم على جهاهم وإنطماس بصائرهم
والمراد بالسر هنا: حديثهم مع أنفسهم. والمراد بنجواهم: ما تكلم به
بعضهم مع بعض دون أن يطلعوا عليه أحدا غيرهم

١٢٧
الجزء الخامس والمشرون
أى: بل أيظن هؤلاء الجاهلون أننا لا نعلم ما يتحدثون به مع أنفسهم.
وما يتحدثون به مع غيرهم فى خفية وإستنار
وقوله - سبحانه -: (( بلى ورسلنا لديهم يكتبون، أى: إذا كانوايظنون
ذلك فقد خابوا وخسرا، فإننا نعلم سرهم ونجواهم ، ورسلنا الذين يحفظون
عليهم أعمالهم ، ملازمون لهم، ويسجلون عليهم كل صغيرة وكبيرة
وبعد هذا التهديد والوعيد لأولئك الكافرين ... تأخذ السورة الكريمة
فى تلقين الرسول - صلى الله عليه وسلم - الحجة التى يجابهم بها وفى تسليته عما
أصابه منهم ؛ وفى الثناء على الله - تعالى - بما هو أهله من نمجيد وتعظيم، ثم
تختتم بهذا لنداء الخاشع من الرسول - صلى الله عليه وسلم - لخالقه - عز وجل
فتقول :
((قُلْ إِنْ كانَ الرَّحِمن ولدٌ فَأَنَ أوَّلُ العَبدِينَ (٨١) سُبحانَ ربُ
السَّواتٍ والأرضِ، ربِّ العَرْشِ عمَّ يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْمُ يخوضنُوا
ويلعبُوا حتى يلاَقُوا يومَهُم الذى يوعَ دُونَ (٨٣) وهو الذى فى السَّماء
إلهٌ وفى الأرْضِ إِلهٌ وهو الحكيمُ العايمُ (٨٤) وتبارَكَ الذى لهُ مُلْكُ
السَّمواتِ والأرضِ وما يَبْتَهما، وعِدَهُ علّمُ السَّاعَةِ وإليهِ
تُرْجَعُونَ (٨٥) ولا يملكُ الذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاءةَ إلاَّ من شهد
بالحقِّ وهُمُ يَعَونَ (٨٦) ولئنْ سأَلُهم من خَلَقَهم ليقولُنَّاللهُ فَأَنَّى
يؤفُكُونَ (٧٨) وفيله يا ربِّ إن هؤلاء قومٌ لا يؤمِنُونَ (٨٨) فاضْفَح
عَنهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوفَ يُعْلَمُونَ (٨٩)).
و((إن، فى قوله - تعالى -،قل إن كان المرحمن ولد ٠٠٠٠ يرى بعضهم
أنها شرطية، وأن الكلام مسوق على سبيل الفرض والتقدير.

١٣٨
سورة الزخرف
والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - ردا على هؤلاء المكافرين الذين
نسبوا الولد إلى الله - تعالى -، قل لهم: إن كان للرحمن ولد - على سبيل
الفرض والتقدير - فأنا أول العابدين لهذا الولد، ولكن هذا الفرص قد
ثبتت استحالته يقينا لا شك معه، فما أدى إليه ، وما ترتب عليه من نسبتكم
الولد إلى الله - تعالى - حال - أيضا -، وإذا فأنا لا أعبد إلا الله - تعالى -
وحده، وأنزهه - سبحانه - عن الولد أو الشريك.
ومن الآيات الكريمة التى نفت عن الله- عز وجل - الولد، قوله
- تعالى: (« بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد، ولم تكن له
صاحبة، وخلق كل شىء وهو بكل شىء عليم، (١).
وقوله - عز وجل -: ((وقالوا اتخذ الرحمن ولدا. لقد جئتم شيئا إدا
تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا . أن دعوا
للرحمن ولدا. وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا)،(٢).
ومن المفسرين الذين رجحوا أن تكون ((إن، هنا شرطية، الإمام ابن
جریر، فقد قال بعد أن ذ کر بعض الأقوال فى ذلك: «وأولی الأقوال عندنا
بالصواب فى ذلك، قول من قال: معنى (( إن الشرط الذى يقتضى الجزاء.
ومعنى الكلام: قل يا محمد لمشركى قومك، الزاعمين أن الملائكة بنات اللّه،
إن كان الرحمن ولد - على سبيل الفرض - فأنا أول العابدين، ولكنه لا ولد
له فأنا أعبده لأنه لا ینبغی أن یکون له ولد .
وإذا وجه الكلام إلى ما قلنا من هذا الوجه ، لم يكن على وجه الشك ،
ولكن على الإلضاف فى الكلام، وحسن الخطاب ، كما قال - رجل ثناؤه.
(١) سورة البقرة الآية ١١٧
(٢) سورة مريم الآيات من ٨٨ - ٩٢

١٢٩
الجزء الخامس والعشرون
((وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين)،(١).
وقال الإمام ابن كثير: يقول - تعالى -: ((قل)) يا محمد (( إن كانالرحمن
ولد فأنا أول العابدين».
أى: لو فرض هذا لعبدته على ذلك ، لأنى عبد من عبيده، مطيع لجميع
ما أمرنی به، لیس عندی استكبار ولا إباء عن عبادته، فلو فرض کانهذا،
ولكن هذا ممتنع فى حقه - تعالى -، والشرط. لا يلزم منه الوقوع
ولا الجواز - أيضا - كما قال - تعالى -: لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى
ما يخلق ما يشاء، سبحانه هو الله الواحد القهار)) (٢).
وقال صاحب الكشاف - رحمه الله -: قوله - تعالى -: ((قل إن كان
للرحمن ولد .. ، وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح .. «فأنا أول العابدين، أى:
فأنا أول من يعظم ذلك الولد، وأسبقكم إلى طاعته ..
وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض، وهو المبالغة فى نفى
الولد ، والإطناب فيه .. وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد، وهى محال
فى نفسها، فكان المعلق بها محالا مثلها ... ،(٣)
ويرى بعض العلماء أن (( إن) فى الآية نافية بمعنى ما، فيكون المعنى :
قل - أيها الرسول - لهؤلاء الكافرين: ما كان للرحمن من ولد، وما صح
وما أمكن ذلك ، فهو مستحيل عقلا وشرعا ... وما دام الأمر كذلك ،
فأنا أول العابدين لله - تعالى -، المنزهين له عن الولد والشريك وغيرهما .
قال الإمام القرطبى: قوله - تعالى -: ( قل إن كان للرحمن ولد .. ))
(١) راجع تفسير ابن جرير جـ ٢٥ ص ٦١
(٢) تفسير ابن كثير - ٠٢٢٨٠٠٧
(٢) تفسير الكثاف ــ ٤ صـ ٢٦٥
( ٩ - سورة الزخرف )

١٣٠
سورة الزخرى
اختلف فى معناه، فقال ابن عباس والحسن والسدى : المعنى: ما كان للرحمن
ولد. (( إن، بمعنى ما، ويكون الكلام على هذا تاما، ثم تبتدى بقوله- تعالى-
((فأما أول العابدين» ...
وقيل المعنى: قل يا محمد، إن ثبت له ولد، فأنا أول من يعبد ولده
ولكن يستحيل أن يكون له ولد. وهو كما تقول لمن تناظره: إن ثبت ما قلت
بالدليل، فأنا أول من يعتقده. وهذا مبالغة فى الاستبعاد، أى: لا سبيل إلى
اعتقاده ...
و((إن) على هذا الشرط، وهو الأجود .....
وقيل إن معنى ((العابدين) الآنفين. وقال بعض العلماء: لو كان كذلك
لمكان العبدين ... بغير ألف، يقال: عبد بكسر الباء - يعبد عبدا - بفتحها.
إذا أنف وغضب فهو عبد، والاسم العبدة، مثل الأنفة ... )(١).
ويبدو لنا أن أن الرأيين يؤديان إلى نفى أن يكون لله - تعالى - ولد وإن
كان الرأى الأول - وهو أن حرف ((إن، للشرط - هو المتبادر من معنى
الآية. وعليه جمهور المفسرين .
ثم نزه -عز وجل - ذاته عن أقوال المفترين فقال: «سبحان رب السموات
والأرض، رب العرش عما يصفون».
وسبحان: اسم مصدر بمعنى التنزيه والتقديس ، منصوب على أنه مفعول
مطلق بفعل محذوف . أى: سبحت الله - تعالى - تسبيحا، ونزهته تنزيها، عن
أن يكون له ولد أو شريك، فهو - عز وجل - رب السموات. ورب الأرض
رب العرش العظيم ، وهو المتعالى عن كل ما وصفه الكافرون والفاسقون}
من صفات لاتليق بجلاله .
وجاء هذا التنزيه والتقديس بلفظ ((سبحان))، لا بلفظ الفعل سبح أو
(١) تفسير القرطبي = ١٦ ص ١٢٠.
i

١٣١
الجزء الخامس العشرون
يسبح، لأن النقص الذى أرادوا إلصاقه به شنيع ، فكان من المناسب أن
ۇنى بأقوى لفظ فى التنزيه والتقديس .
و((ما، فى قوله: ( عما يصفون)، مصدرية، أى: عن وصفهم الله الولد .
ويصح أن تكون موصولة والعائد محذوف . أى : عن الذى يصفونه به .
وفى إضافة رب إلى العرش ، مع أنه أعظم الأجرام، تنبيه على أن جميع
المخلوقات تحت ملكوته وربوبيته، فكيف يتخذ من خلقه ولدا ؟!
والفاء فى قوله - تعالى-، (فذرهم يخوضوا ويلعبوا ... ) للافصاح عن
شرط مقدر ...
أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - فازك هؤلاء
الكافرين يخوضون فى باطلهم ، وينهمكون فى لعبهم، ..
((حتى يلاقوا يومهم الذى يوعدون)) وهو يوم القيامة، الذى سنحاسبهم
فيه حسابا عسيرا، ونعاقبهم بالعقوبة التى يستحقونها ...
فالآية الكريمة تسلية للرسول - صلى أقله عليه وسلم - عما لحقه منهم من
أذى ، وتهديد لأولئك الكافرين على أقوالهم الباطلة ، وأفعالهم الشنيعة .
ثم أكد - سبحانه - أنه هو الإله الحق، وأن كل ماعداه باطل، فقال :
((وهو الذى فى السماء إله، وفى الأرض إله، وهو الحكيم العليم)).
والجار والمجرور فى قوله (( فى السماء وفى الأرض)) متعلق بلفظ («إله)»،
لأنه بمعنى معبود أو بمعنى: مستحق للعبادة، وهذا اللفظ الكريم خبر مبتدأ.
محذوف ، أى : هو إله ..
. "والجار والمجرور فى قوله ((فى السماء وفى الأرض)) متعلق بلفظ« إله»،
لأنه بمعنى معيود أو بمعنى: مستحق للعبادة، وهذا اللفظ الكريم خبر لمبتدأ
محذوف، أى هو إله ...
أى: وهو - سبحانه - وحده المعبود بحق فى الأرض، لا إله غيره، ولا

١٣٢
سورة الزخرف
رب سواه، وهو - عز وجل - ((الحكيم، فى كل أقواله وأفعاله «العليم، بكل
شىء فى هذا الوجود .
الآية الكريمة تدل على أن المستحق للعبادة من أهل السماء ومن أهل
الأرض، هو اقه - تعالى -: وكل معبود سواء فهو باطل .
قال الجمل ما ملخصه: قوله - سبحانه -: ((وهو الذى فى السماء إله ....
الجار والمجرور متعلق بلفظ إله ، لأنه بمعنى معبود فى السماء ومعبود فى
الأرض ...
وبما تقرر من أن المراد بإله: معبود ، اندفع ما قيل من أن هذا يقتضى
تعدد الآلهة ، لأن النكرة إذا أعيدت فكرة تعددت، كقولك: أنت
طالق وطالق .
١
وإيضاح هذا الإندفاع ، أن الإله بمعنى المعبود، وهو - تعالى - معبود
فيهما، والمغايرة إنما هى بين معبوديته فى السماء، ومعبوديته فى الأرض، لأن
المعبودية من الأمور الإضافية فيمكفى التغاير فيها من أحد الطرفين . فإذا كان
العابد فى السماء غير العابد فى الأرض ، صدق أن معبوديته فى السماء غير
معبوديته فى الأرض مع أن المعبود واحد. وفيه دلالة على اختصاصه - تعالى.
باستحقاق الألومية، فإن التقديم يدل على الاختصاص،(١).
وقوله - تعالى -: ((وتبارك الذى له ملك السموات والأرض ومابينهما ...
ثناء منه - سبحانه - على ذاته بما هو أهله .
ولفظ (( تبارك)) فعل ماض. أى تعالى الله وتعظيم ، وزاد خيره وكثر
إتمامه، وهو مأخوذ من البركة - بفتح الراء - بمعنى الكثرة من كل خير ...
(١) حاشية الجمل على الجلالين حـ ٤ ص ١٨

١٣٣
الجزء الخامس والعشرون
أو من البرك - بسكون الراء - بمعنى الثبوت والدوم ... وكل شىء ثبت
ودام مقد برك.
أى: وتعالى الله وتقدس، وثبت خبره. وزاد إنعامه . فهو - سبحانه -
الذى له ملك السموات والأرض ، وله ملك ما بينهما من مخلوقات أخرى
لا يملها أحد سواه.
((وعنده علم الساعة، أى: وعنده وحده لا عند غيره العلم التام بوقت
قيام الساعة .
فالمصدر وهو ((علم، مضاف لمفعوله وهو، الساعة)، والعالم بذلك هو انه
- تعالى -.
والمراد بالساعة: يوم القيامة، وسميت بذلك لسرعة قيامها ، كما قال
- تعالى -، «ولله غيب السموات والأرض، وما أمر الساعة إلا كلمح البصر
أو هو أقرب ... )).
, وإليه ترجعون ، أی: وإلیه وحده مرجعکے للحساب أو الجزاء،وليس
إلی احد سواء۔۔۔ وجل۔
ثم بين - سبحانه - أنه لا شفاعة لأحد إلا بإذنه، فقال . . ولا يملك الذين
يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) .
والمراد بالموصول فى قوله: ((ولا يملك الذين يدعون ... ، الأصنام
وغيرها مما عبد من دون الله - تعالى -، وهو فاعل، وجملة ((يدعون)) صلة
لامحل لها من الإعراب ، والعائد محذوف ..
والشفاعة من الشفع بمعنى الضم، لأن الشفيع ينضم إلى المشفوع له ،
فيصير شفعا بعد أن كان فردا .
والاستثناء فى قوله (( إلا ن شهد بالحق)) متصل، لأن المستثنى منه عام،
ثم استثنى منه الموحدون، كعيسى ابن مريم .

١٣٤
سورة الزخرف
والمعنى: ولا يملك المعبودون من دون الله - تعالى - الشفاعة لأحد من
الناس ، إلا من شهد بالحق منهم، وأخلص العبادة لله تعالى - وحده، كميبى
ابن مريم، وعزير، والملائكة، فهؤلاء يملكونها إذا أذن الله - سبحانه -
لهم بها .
ويجوز أن يكون الاستثناء منقطما، إذا كان المستثنى منه خاصا بالأصنام،
فيكون المعنى: ولا يملك الأصنام الشفاعة لأحد، لكن من شهد بالحق
وبوحدانية الله كعيسى ابن مريم وغيره، فإنه يملكها بإذن الله - تعالى -.
ويصح أن يكون المراد بقوله: (( إلا من شهد بالحق، المؤمن المشفوع
فيه. فيكون المعنى: ولا يملك أحد الشفاعة لأحد ، إلا لمن آمن بالله - تعالى-
وشهد الشهادة الحق وهو المؤمن ,فإنه نجوز الشفاعة له، أما الكافر فلا يملك
أحد أن يشفع له ، كما قال - تعالى -: ولا يشفعون إلا لمن أرقضى .. )،، -
وجملة («وهم يعلمون) حالية. أى: والحال أنهم يعدون علما يقينا، أنه
للمستحق للعبادة هو الله - تعالى -.
وقيد - سبحانه - الشهادة بقوله ((وهم يعلمون للاشعار بأن الشهادة بالحق
مع العلم بها هى المعتدة ، أما الشهادة بدون علم بالمشهود به فإنها لا تكون
كذلك .
وجمع - سبحانه - الضمير ((هم)، باعتبار معنى ((من))، وأفرده فى ضمير
((شهد، باعتبار لفظها.
ثم بين - سبحانه - ما كان عليه المشركون من تناقض بين أقوالهم وأفعالهم
فقال: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ، فأنى يؤفكون).
أى: والله لئن سألت - بامحمد - هؤلاء الكافرين عمن خلقهم وخلق من
يعبدونهم من دون الله، ليقولن الله هو الخالق لمكل المخلوقات.
وقوله: (( فأنى يؤفكون) استفهام قصد به التعجب من أحوالهم المتناقمة

١٣٥
الجزء الخامس والعشرون
أى : مادمتم قد اعترفتم بأن الخالق لكم ولغيركم هو الله، فكيف انصر فتم عن
عبادة الله إلى عبادة غير .. وكيف أشر كتم معه غيره فى ذلك مع اعترافكم.
بأنه - سبحانه - هو الخالق لكل شىء
يقال : أفك فلان فلانا بأفك إفكا - من باب طرب وعلم - إذا صرفه
وقلبه عن الشىء. وسميت قرى قوم لوط بالمؤتفكات لأن جبريل جعل عاليها إ
صافلها بأمر أنه - تعالى -.
ثم حكى - سبحانه - ما تضرع به الرسول - صلى الله عيه وسلم - إلى ربه
فقال : ، قيله يارب إن هؤلاء قوم لايؤمنون ... )).
والقيل، والقال ، والقول ... كلها مصادر بمعنى واحد . والضمير يعود
إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقراءة الجمهور بفتح اللام وضم الهاء، على
أنه معطوف على قوله - تعالى قبل ذلك: ((مرهم ونجواهم)) ويكون مقول
القول: «يارب إن هؤلاء قوم لا يعلمون)).
والمعنى: أيبحسب هؤلاء الكافرون الجاهلون ، أننا لا نسمع سرم ونجوام،
ولا نسمع تضرع رسولنا إلینا بقوله: «يارب إن هؤلاء قوم لا یؤمنون،؟
إن كانوا يحبون ذلك الحسبان، فقد كذبوا وخسروا، لأننا نعلم ذلك
وغيره علما تاما. ويصح أن يكون قوله - تعالى - ((وقيله، منصوبا بفعل
محذوف والتقدير : ويعلم قيله يارب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون ...
وقرأ عاصم وحمزة ((وقيله)) بكسر اللام والهاء، عطفا على الساعة أى:
وعنده - سبحانه - علم الساعة ، وعلم قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - يارب
إن هؤلاء المشر کین قوم لا يؤمنون ..
والتعبير بالنداء بلفظ الرب، يشعر بالقرب، ويوحى بالإجابة ، ويفيد
كمال التضرع ...
كما أن التعبير بقوله « قوم، يشير إلى أن كفرهم كان كفرا جماعيا،
لاكفرا فرديا .

١٣٦
سورة الزخرف
وقوله - تعالى - فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون)) إرشاهو تسلية
من الله - تعالى - لنبيه. أى: فأعرض عنهم ,ولا تطمع فى إيمانهم لشدة
كفرهم، « وقل سلام، أى: وقل لهم: أمرى وشأتى الآن مالمتكم
ومشار كتكم ... (( فسوف يعلمون)، سوء عاقبة كفرهم وإصرارهم على باطلهم.
وبعد: فهذا تفسير لسورة ((الزخرف)) نسأل الله - تعالى - أن يجعله
خالصا لوجهه ، وقافما لعباده.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
کتبه الراجی عفو ربه
القاهرة - مدينة نصر
د. محمد سيدطنطاوى
صباح الجمعة ٢٥ من صفر سنة ١٤٠٦ هـ
١٩٨٠/١١/٨ م

التفسير الوسيط
للقرآن الكريم
تفسير
سُورةِ الدّخَانُ
لفضيلة
الدكتور محمد السيد طنطاوى
الأستاذ بجامعة الأزهر
( الجزء الخامس والعشرون)
١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م

﴿ رَبَّ تَقَبَلْ مِنَّا إنَّكَ أَنْتَ السَِّيع العَلِيمِ﴾