Indexed OCR Text

Pages 1-20

التفسير الوسيط
للقرآن الكريم
،تفسیر.
◌ُنورة الشورى
لفضيلة
الدكتور محمد السيد طنطاوى
عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية
( الجزء الخامس والعشرون)
١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م

مطبعة السعادة
ميدان احمد ماهر - شارع الجداوى /١٢
ت ٩٠٧٣٧٩ مست ١١٩٩٧٠

﴿ رَبََّ تَقْبَلْ مِنَّا إنَّكَ أَنْتَ السِّيع العَلِيم﴾

بسم الله الرحمن الرحيمُـ
مقدمة
١ - سورة ((الشورى)) هى السورة الثانية والأربعون فى ترتيب
المصحف ، وكان نزولها بعد نزول سورة ((فصلت)). وعدد آياتها ثلاث
وخمسون آية .
وتسمى - أيضا - سورة ((حم عسق))، لافتتاحها بذلك.
والر أى الصحيح أن سورة «الشورى، من السور المسكية الخالصة.
وقيل هى مكية إلا أربع آيات منها تبدأ من قوله - تعالى -: (قل لا أسألكم
عليه أجرا إلا المودة في القربى ... »:
ولكن هذا القيل لا يعتمد على دليل صحيح ، بل الصحيح أن السورة
كلها مکیة .
٢ - وتبدأ سورة الشورة ببيان أن اقه - تعالى - قد أوحى إلى نبيه
- صلى الله عليه وسلم - كما أوحى إلى غيره من الأنبياء، وببيان مظاهر قدرته
- عز وجل -، وأنه - تعالى - قادر على أن يجعل الناس أمة واحدة ...
قال - تعالى -: ((ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة، ولكن يدخل من يشاء
فى رحمته، والظالمون مالهم م ولى ولا نصير، .
٣ - وبعد أن أفكر - سبحانه - على المشركين إشراكهم، وساق الأدلة
على بطلان هذا الشرك ، وأمر بالرجوع إلى حكم الله - تعالى- فيما
اختلفلف

-٦ -
بعد كل ذلك بين - سبحانه - أن الشريعة التى جاء بها الأنبياء واحدة فى
جوهرها، وأن تفرق الناس فى عقائدهم ، مرجعه إلى بغيهم وأهوائهم ...
قال - تعالى - : شرع لكم من الدين ما وصى به فوحا، والذى أوحينا
إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى, أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا
فيه، كبر على المشر كين ما تدنحوهم إليه ، الله يحتى إليه من يشاء ويهدى إليه
من ينيب ...
٤ - ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن مظاهر نعم الله - تعالى-
على عباده ، عن طريق ما أودع فيهم من عقول، وما أنزله لهم من شرائع ،
وما حباهم به من أرزاق ... ووبخت الكافرين على كفرهم مع كل هذه النعم
التى أنعم بها عليهم ، وبينت ما سيكونون عليه يوم القيامة من حسرة وندامة،
وما سيكون عليه المؤمنون الصادقون من فرح وحبور ...
قال - تعالى -: ((ترى الظالمين مشفقين مماكسبوا وهو واقع بهم، والذين
آمنوا وعملوا الصالحات فى روضات الجنات لهم مايشاءون عندربهم ، ذلك
هو الفضل الكبير . ذلك الذى يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات،
قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة فى القربى، ومن يقترف حسنة نزد له فيها
حسنا، إن اله غفور شكور ... ،
٥ - ثم واصلت السورة حديثها عن مظاهر قدرة الله - تعالى - وعن أو ان
نعمه على خلقه ، فتحدثت عن فضله - تعالى - فى قبوله لتوبة التائبين ، وعفوه
1
من سيئاتهم، وإجابته لدعائهم، وإنز اله الغيث عليهم من بعد قنوطهم ويأسهم،
وخلقه السموات والأرض وما فيهما من أجل مصلحة الناس ومنفعتهم ،
ورعايته لهم وهم فى سفنهم داخل البحر ...
قال - تعالى -: ( ومن آياته الجوار فی البحر کالأعلام . إن یھا یسک:

- ٧ -
الربح فيظللن رواكد على ظهره ، إذ فى ذلك لآيات لمكل مبار شكور.
أو يوبقهن بما كسبوا ويمف عن كثير ... )).
٦ - ثم بين - سبحانه - صفات المؤمنين الصادقين، وأثنى عليهم ثناء
عاطرا ، يحمل العقلاء على الاقتداء بهم، وعلى التحلى بصفاتهم ...
قال - سبحانه - : والذين يجتفبون كبائر الإثم والفواحش ، وإذا
ماغضبوا هم يغفرون . والذين استجابوا لربهم، وأقاموا الصلاة، وأمرهم
شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون . والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون .
وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين.
ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ماعليهم من سبيل .
٧- وكمادة القرآن فى المقارنة بين عاقبة الأخيار وعاقبة الأخبار، أتبع
القرآن هذه الصفات الكريمة للمؤمنين ، ببيان الأحوال السيئة التى سيكون
عليها الظالمون يوم القيامة ، ودعتهم إلى الدخول فى الدين الحق من قبل
فوات الأوان ....
قال - تعالى -: ((استجيبوا لربكم من قبل أن يأتى يوم لامرد له من الله،
ما لكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير ....
٨ - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان جانب من مظاهر فضله
على رسوله - صلى الله عليه وسلم .. فقال:
. وكذلك أوحينا إلينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب
ولا الإيمان، ولكن جعلناه نورا تهدى به من نشاء من عبادنا، وإنك لتهدى
إلى صراط مستقيم. صراط الله الذى له ما فى السموات وما في الأرض،
ألا إلى الله تصير الأمور)).
٩- ومن هذا العرض الإجمالى لآيات سورة الشورى، نراها زاخرة

- ٨ -
بالحديث عن الأدلة على وحدانية الله - تعالی .. وقدر ته، وعلى صدق الرسول
- صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن هذا القرآن من عند
الله - تعالى - .
كما يراها زاخرة - أيضا .. بالحديث عن نعم الله على عباده، وعن حسن
عاقبة المؤمنين، وسوء عاقبة المكذبين، وعن مشاهد يوم القيامة وما فيه من
أهوال، وعن شبهات المشركين والرد عليها بما يدحضنها ....
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟
كـ
المؤلف
د. محمد سيد طنطاوى
١٩٨٥/١٠/١١

٩٠
الجزء الخامس والعشرون
التفسير
قال الله - تعالى -: ((حم (١) عسق (٢) كذلكَ يُوحِى إليكَ وإلَى
والذينَ مِنْ قَبَلِكَ اللهُ العزِيزُ الحَكِيمُ (٣) لهُ ما فى السَّمواتِ وما فى
الأرضِ وهُو العِلِىُّ العظيمُ (٤) تكادُ السَّمواتُ يتفَطَّرْنَ من فوقيِنَّ،
والملائكةُ يُسَبْعُونَ بحمدِ ربِّهم، ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِى الْأَرْضِ،
أَ إِنَّ اللهَ هُو الغفورُ الرحيمُ (٥) والذينَ اتخذُوا من دُونِهِ أولياء اللهُ
حفيظٌ عليهم، وما أنتَ عَلَيهم وكيلٍ (٦))).
سسورة ((الشورى ، من السور التى افتتحت ببعض حروف التهجى. وقد
سبق أن ذكرنا أن أقرب الأقوال إلى الصواب فى المقصود بهذه الحروف،
أنها وردت فى افتتاح بعض السور على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين
تحداهم القرآن .
فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عندالله:
هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم،
ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها
حروفكم . فإن کنتم فى شك فى انه منزل من عند الله، فها توا مثله أو عشر
سور من مثله، أو سورة من مثله .. فعجزوا وانقلبوا خاسرين، وثبت أن
هذا القرآن من عند الله - تعالى -.
وقد ذكر بعض المفسرين عند تفسيره لهذه السورة آ ثارا واهية ، رأيتا
أن نذكر بعضها التنبيه على سقوطها ...
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: وقد روى الإمام ابن جرير ها هنا أنرا
غريبا عجيبا منكرا، فقال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال له - وعنده حذيفة

٠١٠
سورة الشورى
ابن اليمان - أخبرنى عن تفسير قول الله - تعالى -: (( حم عسق)). فأطرق
ابن عباس ثم أعرض عنه ....
فقال حذيفة للرجل: أنا أنبتك بها ، قد عرفت لم كرمها ؟ نزلت فى رجل
من أهل بيته يقالله : «عبد الإله، أو عبداقه، ينزل على نهر من أنهار الشرق،
تبنى عليه مدينتان ((يشق النهر بينهما شقا. فإذا أذن أنه فى زوال ملكهم ..
بعث الله على إحداهما نارا ليلا .. ثم يخف الله - تعالى - بالأخرى فذلك.
قوله ( حم . عسق)).
يعنى: عزيمة من الله وفتنة وقضاء حمَّ(( حم))، وعين، يعنى عدلا منه،
وسين: يعنى سيكون. وق، يعنى: واقع بهاتين المدينتين ... ،(١)
والكاف فى قوله - تعالى -: ((كذلك)، بمعنى مثل، واسم الإشارة يعود
إلى ما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة من عقائد وأحكام وآداب ...
أى: مثل ما فى هذه السورة الكريمة من دعوة إلى وحدانية الله، وإلى
مكارم الأخلاق ، أوحى الله به إليك وإلى الرسل من قبلك، لتبلغوه للناس
كى يعتبروا ويتعظوا ..
قال الألوسى ما ملخصه: قوله - تعالى -: «كذلك يوحى إليك وإلى
الذين من قبلك .. ، كلام مستأنف، وأرد لتحقيق أن مضمون السورة ،
موافق لما فى تضاعيف الكتب المنزلة ، على سائر الرسل المتقدمين فى الدعوة.
إلى التوحيد والإرشاد إلى الحق ..
والكاف مفعول «يوحى)، أى: يوحى مثل ما فى هذه السورة
من المعانى ..
وجىء بقوله: (( يوحى) بدل(( أوحى، للدلالة على استمراره فى الماضى،
وأن إيحاء مثله، عادته - تعالى -..
(١) راجع تفسير ابن كثير حـ ٧ صـ ١٧٧

١١
الجزء الخامس والعشرون
و ((العزيز الحكيم، صفتان له - عز وجل -،(١)
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -« إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح
والنبيين من بعده، وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب
والأسباط وعيسى وأبوب ويوفس وهارون وسليمان وآتينا داودزبورا ... (٢)
ثم ذكر - سبحانه - صفات أخرى لذاته فقال: «له ما فى السموات ومافى
الأرض وهو العلى العظيم ، .
أى: لقد أوحى الله - تعالى - إليك - أيها الرسول الكريم - هذا القرآن
كما أوحى إلى الرسل من قبلك بما شاء من وحى، وهو - سبحانه - العزيز
الذى لا يغلبه غالب، الحكيم فى كل أقواله وأفعاله ، والذى له جميع ما فى
السموات وما فى الأرض خلقا وملمكا وقصرفا .. وهو - سبحانه ـ ((العلى،
أى: المتعالى عن الأشباه والأنداد والأمثال والأضداد ..
· العظيم ، أى : فى ذاته وفى صفاته ، وفى أفعاله ..
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر على شأنه، وكمال عظمته وجلاله
فقال: (( تكاد السموات يتفطرن من فوقهن .. ))
والفعل (( تكاد، مضارع ,كاد، الذى هو من أفعال المقاربة. وقوله
(( يتفطرن، أى: يتشققن. والضمير فى قوله - تعالى -: ((من فوقهن))
بعود إلى السموات ، باعتبار أن كل سماء تتفطر فوق التى تليها .
وهذا التفطر سببه الخشية من الله - تعالى -، والخوف من جلاله وعظمته
فيكون المعنى: تكاد السموات يتشققن فيسقطن مع عظمهن ((من فوقهن،
أى: من أعلاهن، خشية ورهبة من عظمته - عز وجل - ، كما قال - تعالى -
ولله يسجد مافى السموات ومافي الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٥ ص ١١.
(٣) سورة النساء الآية ١٦٣

١٢
سورة الشورى
يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون)، ويصح أن يكون هذا التفطر
سببه، شدة الفرية التى افتراها المشركون على الله - تعالى - حيث زعموا أن
قه ولدا، كما قال - سبحانه -: ((وقالوا اتخذ الله ولدا لقد جئتم شيئا إدا.
تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا . أن دعوا
للرحمن ولدا . وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا .. ،
"قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم قال: ((من فوقون))؟ قلت: لأن
أعظم الآيات وأدلها على الجلال والعظمة: فوق السموات ، وهى: العرش،
والكرسى، وصفوف الملائكة، المرتجه بالقسبيح والتقديس حول العرش،
وما لا يعلم كنهه إلا الله - تعالى - من آثار ملكوته العظمى، فإذا قال :
((يتفطرن من فوقهن)): أى: يبتدىء الانفطار من جهتهمن الفوقانية. أولأن
كلمة الكفر جاءت من الذين تحت السموات ، فكان القياس أن يقال: من
تحتهن، من الجهة التى جاءت منها الكلمة .
ولكنه بولغ فى ذلك فجعلت مؤثرة فى جهة الفوق. كأنه قيل : يكدن
یتفطرون من الجهة التی فوقهن ، دع الجهة التى تحتهن ... )،(!)
و قوله - تعالى - : «والملائكة يسبحون بحمد ربهم ، مؤكد منا قبله من
بيان علو شأنه - عز وجل -، وسمو عظمته وجلاله .
أی: والملائکا ینزهون ربهم - تعالى - عن كل ما لا يليق بجلاله وكاله ،
خوفا منه - سبحانه -، ورهبة لذاته.
وقوله: ((ويستغفرون لمن فى الأرض، معطوف على «يسبحون)).
والمراد بمن فى الأرض: المؤمنون بصفة خاصة، لأنهم هم الذين يستحقون
ذلك، كما قال - تعالى - فى آية أخرى: «الذين يحملون العرش ومن حوله
يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به، ويستغفرون للذين آمنوا ... ،
(١) تفسير الكشاف حـ ٤ ص٠ ٢٠٩

١٣
الجزء الخامس والعشرون
أى: أن الملائكة يتنزهون الله - تعالى - عما لا يليق به. ويطلبون
للمؤمنين من أهل الأرض عفو الله - تعالى - ورحمته وغفر انه.
وقوله: « ألا إن الله هو الغفور الرحيم، تذييل قصد به الثناء على الله
- تعالى - بما هو أهله .
أى: ألا إن الله - تعالى - وحده، هو الواسع المغفرة والرحمة لمن يشاء
من عباده. لا يمنعه من ذلك مانع ، ولا يحاسبه على ما يفعل محاسب.
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة المشركين فقال: (والذين انخذوا من
دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بو كيل)).
أى: والذين اتخذوا من دون الله - تعالى - شفعاء وشركاء ليقربوم إليه
زلفى، الله - تعالى - وحده رقيب عليهم، وسيجازيهم بما يستحقون من عقاب
يوم القيامة، وما أنت - أيها الرسول الكريم - عليهم بحفيظ أو رقيب على
أعمالهم ، وإنما أقت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب.
ثم بين - سبحانه - الحكمة من إنزال هذا القرآن على الرسول - صلى الله
عليه وسلم -، كما بين أنواعا من الأدلة عن كمال قدرته، ووجوب إفراده
بالعبادة والخضوع، ووجوب التحاكم إلى شريعته عند الإختلاف والتنازع،
فقال - تعالى -:
(( وكذلكَ أَوْحَيْتًا إليكَ قرآناً عَرَ بّاً لتُنذِرَ أمَّ القُرَى ومَنْ حولها
وتُنذِرَ يومَ الجمعِ لا ريبَ فيهٍ، فريقٌ فى الجنةِوفريقٌ فى السَّيرِ (٧)
ولو شاء اللهُ لجعلَهم أمةً واحدةً ولكِنْ يدخِلُ من يشاء فى رَحْتِهِ،
والَّالِمُونَ مالْهُمْ من وَلِ ولاَ نصيرٍ (٨) أم اتَّخِذُوا من دُونِهِ أولياء
قَالُ هُو الولِىُّ وهو يُحِ المَوَتَّى وَهُو عَلَى كُلِّ شَىءٍ قديرٌ (٩) وما اختلفْتُمْ
فيهٍ من شَىءٍ حَكَمُهُ إلى اللهِ، ذلِكُم اللهُ رَبِى عليه توكلتُ وإليهٍ

١٤
سورة الشورى
أَنِبُ (١٠) فاطِرُ السَّمواتِ والأرضِ، جَملَ لُم من أنفُسِكُم
أَزْوَاجاً ومِنّ الأنعامِ أزواجاً، يَذْرَوْكَمَ فيه، ليسَ كِثْلِهِ شىءُ وهُو
السميعُ البصيرُ (١١) لهُ مقاليدُ السَّمواتِ والْأرْضِ، يَبْسُطُ الرزقَ لمن
يشاء ويقدِرُ، إنّه بكلِّ شىءٍ عليمٌ (١٢))).
والمكاف فى قوله - تعالى -: ((وكذلك أوحينا إليك قرآنا عرببا ....
فى محل نصب على المصدرية، واسم الإشارة يعود إلى مصدر , أوحينا، ...
أى: ومثل ذلك الإيحاء البديع الواضح، أوحينا إليك - أيها الرسول
الكريم - قرآنا عربيا، لا لبس فيه ولا غموض.
وقوله - سبحانه ((لتنذر أم القرى ومن حولها،.، تعليل لهذا الإيحاء.
والمراد بأم القرى : أهلها .
وسميت مكة بأم القرى ، لأنها مكان أول بيت وضع للناس ، ولأنها قبلة
أهل القرى كلها ومحجهم ، ولأنها أعظم القرى شأنا وغيرها كالتبع لها ، كما يقبع
الفرع الأصل ، أى: أوحينا إليك هذا القرآن لتنذر به أهل أم القرى،
ولتنذر به - أيضا - من حولها من أهل القرى الأخرى .
وخص أهل أم القرى ومن حولها بالذكر فى الإنذار ، لأنهم أقرب الناس
إليه - صلى الله عليه وسلم - كما قال - تعالى - فى آية أخرى: (وأنذر عشيرتك
الأقربين » .
وليس معنى هذا التخصيص أن رسالته - صلى الله عليه وسلم - كانت إليهم
وحدهم ، لأن هناك آيات أخرى كثيرة قد صرحت بأن رسالته - صلى الله عليه
وسلم - كانت إلى الناس كافة ، ومن هذه الآيات :
قوله - تعالى -: ((قل بأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا .. ، وقوله
- سبحانه -: ((وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، وقوله - عزوجل -: ((وأوحى
إلى هذا القرآن لأ ذركم به ومن بلغ ....

١٥
الجزء الخامس والعشرون
فهذه الآيات وغيرها تنطق وتشهد بأن رسالته - صلى الله عليه وسلم -
كانت للناس جميعا، بل الإنس والجن، كمايشير إلى ذلك قوله - تعالى -: «وإذ
صرفنا إليك ففرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا،
فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين ... ،
وجملة ((وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه ... )) معطوفة على ما قبلها. والمراد
يوم الجمع: يوم القيامة، لأنه اليوم الذى يجتمع فيه الأولون والآخرون
بين يدى - تعالى - للحساب والجزاء، والثواب والعقاب.
أى: أوحينا إليك هذا القرآن لتنذر به أهل مكة ومن حولها، وتنذر
الناس جميعا وتخوفهم من أهوال يوم القيامة ، الذى يجتمع فيه
الخلائق للحساب .
وقوله (( لا ريب فيه)) كلام معترض لتقرير ما قبله وتأكيده، أو صلة
ليوم الجع.
وقوله: ((فريق فى الجنة وفريق في السعير، بيان للنتيجة التى ترتبت على
هذا الإنذار .
أى: بعد هذا الإنذار الذى أنذوته للناس - أيها الرسول الكريم -، هناك
فريق آمن بك وصدقك فكان مصيره إلى الجنة، وهناك فريق أعرض عنك
وكذبك ، فكان مصيره إلى النار .
و قوله - تعالى -, ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة، ولکن يدخل من يشاء
فی رحمته .. ، پیان لکال قدر ته - عز و جل ۔ ۔
أى: ولو شاء الله - تعالى- أن يجعل الناس أمة واحدة على الدين الحق
لجعلهم كذلك، لأن قدرته لا يعجزها شىء، ولكنه - سبحانه - لم بدأ ذلك
ليتميز الخبيث من الطيب، والمهتدى من الضال ..
أما المهتدون فهم اهل رحمته ورضوانه ، وأما الضالون فهم أهل عذابه

١٦
سورة الشورى
وغضبه فقوله - تعالى -, ولكن يدخل من يشاء فى رحمته)) بيان لمن عرفوا
الدين الحق وأنبعوه وقوله - سبحانه -: ((والظالمون مالهم من ولى ولا نصير))
بيان لمن استحبوا العمى على الهدى .
قال الألوسى ما ملخصه: ((ولكن يدخل من يشاء فى رحمته .... ، أى:
أنه - تعالى - يدخل فى رحمته من يشاء أن يدخله فيها، ويدخل فى عذابه من
يشاء أن يدخله فيه، ولا ريب فى أن مشيئته - تعالى - لكل من الإدخالين،
تابعة لاستحقاق كل فريق لعمله .
وقال: ((والظالمون مالهم من ولى ولا نصير، ولم يقل ويدخل من يشاء
فى عذابه ، الإبذان بأن الإدخال فى العذاب ، بسبب سوء اختيار الداخلين
فيه ... ،(١).
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها.
ولكن حق القول منى لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين))(٢).
وقوله - سبحانه -: (( ولو شاء اللّه لجمعهم على الهدى .. )(٣).
ثم أنكر - سبحانه - على أولئك الجاهلين اتخاذه آلهة من دونه فقال:
« أم أنخذوا من دونه أولياء، فالله هو الولى، وهو يحمى المونى، وهو على
كل شىء قدير )».
فأم بمعنى بل وهمزة الاستفهام الإنكارى ، وهى لإفكار وقوع الشرك
منهم ونفيه بأبلغ وجه .
أى: أن مافعله هؤلاء المشركون من اتخاذهم آلهة من دونه - تعالى - شىء
منكر بلغ النهاية فى قبحه وفساده ...
(١) تفسير الآلوسي = ٢٥ ص ١٤
(٢) سورة السجدة الآية ١٣
(٣) سورة الأنعام الآية ٣٥

١٧
الجزء الخامس والعشرون
قال صاحب الكشاف: معنى الهمزة فى ((أم) الإنكار. وقوله , فاقه
هو الولى، أى: هو الذى يجب أن يتولى وحده، ويعتقد أنه المولى والسيد،
فالفاء فى قوله (( فاقه هو المولى)) جواب شرط مقدر، كأنه قيل بعد إنكار
كل ولى سواه. أى: إن أرادوا وليا بحق، فالله هو الولى بالحق، لا ولى
سواه ... (١).
(وهو يحمي الموتى، أى: وهو - سبحانه - الذى فى قدرته إعادة الحياة
إلى الموتى بعد موتهم .
(((وهو على كل شيء قدير، أى: وهو - تعالى - وحده الذى لا يعجز
قدرته شىء ، وما دام الأمر كذلك . فكيف اتخذ أولئك الجاهلون أو ليا.
من دونه .
ثم وجه - سبحانه - أمره إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم -، بأن يرشد
المؤمنين إلى وجوب تحاكمهم إلى شريعته - تعالى - إذا ماداب خلاف بينهم،
أو بينهم وبين أعدائهم، فقال: (( وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله)).
أى : عليكم - أيها المؤمنون - إذا ما اختلفتم فى أمر من الأمور ،
أن تحتكموا فيه إلى شريعة الله - عز وجل -، وأن تقبلوا عن إذعان وطاعة
حکمه - تعالى - .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ( فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله
والرسول إن كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر ، ذلك خير وأحسن
تأويلا .... !)
وإسم الإشارة فى قوله - سبحانه -: ((ذلكم الله ربى عليه توكلت وإليه
(١) تفسير الكشاف حـ ٤ ص ٢١١
(٢) سورة النساء الآية ٥٩
( ٢ - سورة الشورى)

١٨
سورة الشورى
أنيب ، يعود إلى الله - تعالى - الذى يجب أن يكون التحاكم اليه وحده عند
الإختلاف .
أى: ذلك الحاكم العادل الذى لا حاكم بحق سواه ((ربى، وغالقى
ورازقى ٠٠٠ , عليه، وحده ,أو كلت)) واعتمدت فى جميع شئونى ,واليه
أنیب ، أى : واليه وحده أرجع فى كل أموری
(( فاطر السموات والأرض، أى هو خالقهما وموجدهما على غير مثال
سابق، من فطر الشىء إذا ابتدعه واخترعه دون أن يسبق إلى ذلك
(( جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواحا.، أى: جعل لكم
- سبحانه - بقدرته من جنس أنفسكم أزواجا، أى : نساء تجمع بينكم وبينهن
المودة والرحمة، كما قال - تعالى -: ((ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا
لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة. ،
وقوله - سبحانه -: ((ومن الأنعام أزواجا)، معطوف على ما قبله . أى:
كما خلق لكم من أنفسكم أزواجا، خلق - أيضا - للأنعام من جنسها إنانا،
ليحصل التوالد والتناسل والتعمير لهذا الكون .
وقوله - تعالى - ((يذرؤكم فيه)) بيان للحكمة من هذا الجعل والخلق
للأزواج .
والذرأ: التكاثر والبث. يقال: ذرأ فلان الشىء، إذا بثه وكثره.
والضمير المنصوب فى قوله (( يذرؤكم)، يعود إلى المخاطبين وإلى الأنعام،
على سبيل التغليب للعقلاء على غيرم
والضمير فى قوله (( فيه)) يعود إلى التزاوج بين الذكوروالإناث المفهوم
من قوله - تعالى -: ((جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا)).
أى: يكثركم وينميكم بسبب هذا التزاوج الذى يحصل بين ذكوركم وإنائكم

١٩
الجزء الخامس والعشرون
حيث يتناسل أحيانا - بين الذكر الواحد والأفى الواحدة، عدد كبير
من الأولاد .
وقال - سبحانه - «يذرؤكم فيه)، ولم يقل يدرؤكم به أى : بسببه، للأشعار
بأن هذا التزاوج قد صار مثل المنبع والأصل للبث والتكثير
قال - تعالى -: ((يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة
وخلق منها زوجها ، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء.))
قال بعض العلماء: فإن قيل: ما وجه إفراد الضمير المجرور فى قوله
(( يذرؤكم فيه، مع أنه على ما ذكرتم، يعود إلى الذكوروالامات من الآدميين
والأنعام؟
فالجواب: أن من أساليب اللغة العربية التى نزل بها القرآن، رجوع الضمير
بصيغة الافراد إلى المثنى أو الجمع بإعتبار ما ذكر.
ومنه قوله - تعالى -: ((قل أرأيتم إن أخذ اللّه سمعكم وأبصاركم وختم
على قلوبكم، من إله غير الله بأنيكم به، أى: يأتيكم بما ذكر من سمعكم
وأبصاركم وقلوبكم ، (١)
ثم نزه - سبحانه - ذاته عن الشبيه أو النظير ... فقال ليس كمثله شىء))
أى: ليس شيء مثله - تعالى - لافى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله،
فالكاف مزيده فى خبر « ليس، و شىء، اسمها أى: ليس شىء مثله :
أو أن المكاف أصلية. فيكون المعنى: ليس مثله - تعالى - أحد لا فى
الذات ولا فى الصفات ولا فى الأفعال .
وذلك كفول العرب: مثلك لا يبخل، يعنون: أنت لا تبخل على سبيل
الكاية، قصدا إلى المبالغة فى فى البخل عن المخاطب بنفيه عن مثله ، فيثبت
انتفاؤه عنه بدليله .
(١) تفسير أضواء البيان حـ ٧ ص ١٧٥

٢٠
سورة الشورى
والمقصود من الجملة الكريمة على كل تفسير: تنزيهه .. تعالى .. عن مشابهة
خلقه فى الذات أو الصفات أو الأفعال .
قال صاحب الكشاف: قالوا: مثلك لا يبخل ، فنفوا البخل عن مثله،
وهم يريدون نفيه عن ذاته ، قصدوا المبالغة فى ذلك فسلكوا به طريق
الكتابة، لأنهم إذا نفوه عمن يسد مسده، وعمن هو على أخص أو صافه ، فقد
نفوه عنه .
ونظيره قولك للعربى: العرب لا تخفر الذمم، كان أبلغ من قولك :
أنت لا تخفر ... )،(١)
وقوله - تعالى -: ((وهو السميع البصير)) أى: وهو - سبحانه - السميع
لكل أقوال خلقه، البصير بما يسرونه وما يعلنونه من أفعال .
(((له مقاليد السموات والأرض ... ، أى: له وحده مفاتيح خزائهما،
وله وحده - أيضا - ملك هذه الخزائن ، لأن ملك مفاتيحها يستلزم ملكها .
والمقاليد: جمع مقلاد أو إقليد وهو المفتاح.
(((يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، أى: هو - سبحانه - الذى يوسع الرزق
لمن يشاء أن يوسعه له، ويضيقه على من يشاء أن يضيقه عليه .
: ((إنه)) - تعالى -،بكل شىء عليم)) لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا
فى السماء.
وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد أقامت أوضح الأدلة وأقواها، على
وحدانية الله - تعالى - وكمال قدرته .
٠٠٠
ثم أكد - سبحانه - الحقيقة التى افتتحت بها السورة الكريمة، وهى
وحدة الأديان فى جوهرها وأصولها، وبين الأسباب التى أدت إلى اختلاف
(١) تفسير الكفاف - ٤ ٥ـ ٢١٢
٠٠