Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ الجزء الرابع والعشرون ولم نره فى الأرض ، فيبقى أن يكون فى السماء، والسماء لا يتوصل إليها إلا بسلم .. ، (١). ثم بين، سبحانه - أن مكر فرعون هذا مصيره إلى الخسران فقال : « وكذلك زين لفرعون سوء عمله، وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا فى تباب )). والتباب: الهلاك والخسران، يقال: تب الله - تعالى - فلانا، أى : أهلكه. وتبت يدا فلان، أى: خسرتا ومنه قوله - سبحانه -: «قبت يدا أبي لهب وقب ٠ ٠،٠ أى: ومثل ذلك الزبين القبيح، زين لفرعون سوء عمله، فرآه حسنا، لفجوره وطغيانه، وصد عن سبيل الهدى والرشاد، لأنه استحب العمى على الهدى. وماكيد فرعون ومكره وتلبيسه واحتياله فى إبطال الحق ، إلا فى هلاك وحسبران وانقطاع . ثم حكى القرآن الكريم أن الرجل المؤمن قد تابع حديثه ونصائحه لقومه. بعد أن استمع إلى ما قاله فرعون من باطل وغرور فقال: ((وقال الذى آمن يا قوم اتبعون .. ، أى: فيما أنصحكم به، وأرشدكم إليه. ,(أهدكم سبيل الرشاد، أى: أتبعونى فيما نصحتكم به، فإن فى اتباعكم لى هدايتكم إلى الطريق الذى كله صلاح وسعادة وسداد. أما اتباعكم لفرعون فيؤدى بكم إلى طريق الغى والضلال. (( يا قوم إنما هذه الدنيا متاع .. ، أى: هذه الدنيا متاع زائل مهما طالت أيامه ... ((وإن الآخرة)، وحدها ((هى دار القرار، أى: هى الدار التى فيها البفاء والدوام والخلود . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ٤ ص١٦ ٣٨٢ سورة غافر (( من عمل سيئة، فى هذه الدنيا , فلا يجزى، فى الآخرة، إلا مثلها، كرما من الله - تعالى - وعدلا. ((ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن، بانه - تعالى - إيمانا حقا . (( فأولئك، المؤمنون الصادقون ((يدخلون الجنة برزقون فيها بغير حساب)) أى: يرزقون فيها رزقا واسعا هنيئا، لا يعلم قدره إلا انه - تعالى - ، ولا يحاسبهم عليهم محاسب، تفضل - سبحانه - على عباده. أن يضاعف لهم الحسنات دون السيئات . ثم أستنكر موقف قومه منه فقال: ((ويا قوم مالى أدعوكم إلى النجاة» من العذاب الدنيوى والأخروى، بأن آمركم بأن بالإيمان والعمل الصالح ، وأنها كم عن قتل رجل يقول ربى الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم ، وهو موسى - عليه السلام -. وأنتم «قدعوتنى إلى النار، أى: تدعونى لما يوصل إلى النار وهو عبادة غير الله - تعالى -، والموافقة على قتل الصالحين أو إيذائهم .. قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: لم کرر نداه قومه؟ ولم بهاء بالواوفى النداء الثالث دون الثانى ؟ قلت: أما تكرير النداء ففيه زيادة تنبيه لهم، وإيقاظ عن سنة الفكلة، وفيه: أنهم قومه وعشيرته ... ونصيحتهم عليه واجبة، فهو يتحزن هم، وبتأطف بهم، ويستدعى بذلك أن لا يتهموه، فإن سرورهم سروره ، وغمهم غمه، وينزلوا على تنصيحه لهم، كما كرد إبراهيم - عليه السلام - فى نصيحة أبيه قوله: (( يا أبت )) - فى سورة مريم -. وأما المجىء بالواو العاطفة، فلأن الثانى داخل على كلام هو بيان للعمل، ٣٨٣ الجزء الرابع والعشرون وتفسير له فأعطى الداخل عليه حكمه فى امتناع دخول الواو ، وأما الثالث: فداخل على كلام ليس بتلك المثابة ، (١) . وقوله: «تدعوننى لأ كفر باقه وأشرك به ما ليس لى به علم ... ، بدل من قوله: (( وتدعو فنى إلى النار ، و تفسير وبيان له . أى: أنا أدعوكم إلى النجاة من النار، وأتم تدعونى إلى الإشراك بالله - تعالى- وإلى الكفر به، مع أنى أعلم علم اليقين أنه - سبحانه - لاشريك)، لا فى ذاته ولا فى صفاته . وقوله:، وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار، بيان الفرق الشاسع بين دعوته لهم ودءو تهم له فهم يدعونه إلى الشرك والكفر، وإلى عبادة آلهة قد قام الدليل القاطع على بطلانها، وهو يدعوهم إلى عبادة الله - تعالى - وحمده، الغالب لكل ما سواه، الواسع المغفرة لمن قاب إليه بعد أن عصاه. ثم يؤكدلهم بصورة لا تقبل الشك أو الترددأن ما يطلبونه منه هو الباطل وأن ما يطلبه منهم هو الحق فيقول: « لاجرم أن ما تدعوننى إليه، ليس له دعوة فى الدنيا ولا فى الآخرة .... وجرم : فعل ماض بمعنى حق وثبت ووجب. وقد وردت هذه الكلمة فى القرآن فى خمسة مواضع، وفى كل موضع جاءت متلوة بإن واسمها. وجمهور النحاة على أنها مركبة من ((لا)) و(جرم، تركيب خمسة عشر. ومعناها بعد هذا التركيب معنى الفعل حق وثبت، والجملة بعدها هى الفاعل لهذا الفعل ... ومن النحاة من يرى أن ((لا، نافية للجنس، و«جرم، إسمها ، وما بعدها خبرها . (١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٠١٦٨ ٣٨٤ سورة غافر أى: حق وثبت لدى بما لا يقبل الشك، أن آلهتكم التى تدعو فنى لعبادتها آلهة باطلة ، لا وزن لها ولاقيمة لا فى الدنيا ولا فى الآخرة ... ((وأن مردنا، جميعا (( إلى الله)) - تعالى - وحده ،وأن المسرفين) أى: المستكثرين من المعاصى فى الدنيا , هم أصحاب النار، فى الآخرة . ثم نصح نصائحه الحكيمة الغالية بقوله: ((فستذكرون)) ياقوم, ما أقول لیکم، من حق وصدق. , وأفوض أمري إلى الله، - تعالى - وحده لكى يعصمنى من كل سوء . (((إن الله، ـ تعالى ــ ((بصير بالعباد)، لا يخفى عليه شيء من أقوالهم أو أفعالهم ، وسيجازى يوم القيامة كل نفس بما كسبت . وقوله - تعالى -: « فرقاه اله سيئات ما كسبوا ... ، بيان للعاقبة الطيبة التى أكرمه الله - سبحانه - بها بعد مدوعه بكلمة الحق أمام فرعون وجنده . أى: فكانت نتيجة إيمان هذا الرجل، وجهره بكلمة الحق، ونصحه لقومه، أن وقاه الله - تعالى - ما أراده الظالمون به من أذى وعدوان ومن مکرسی . ... (( وحاق بآل فرعون)) أى: ونزل وأحاط بفرعون وقومه «سوء العذاب» بأن أغرقهم الله - تعالى فى اليم ، وجعلهم عبرة لمن يعتبر. ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم بعد موتهم، وعند قيام الساعة ، فقال : ((النار يعرضون عليها غدوا وعشيا. ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب .. والغدو: أول النهار. والعشى: آخره، وجملة: ((النار يعرضون عليها .. )) بدل من قوله - تعالى - ((سوء العذاب». ٣٨٥ الجزء الرابع والعشرون بعرض أرواح فرعون وملئه على النار بعدمونهم وهم فى قبورهم فى الصباح والمساء، (( يوم تقوم الساعة، يقال لملائكة العذاب: «أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ، وهو عذاب جهنم وبئس المصير مصيرهم . قال القرطبى: «والجمهور على أن هذا العرض فى البرزخ. واحتج بعضه أهل العلم فى تثبيت عذاب القبر بقوله - تعالى -: ((والنار يعرضون عليها غدوا - وعشيا، مادامت الدنيا ... ٠ قال مجاهد وغيره: هذه الآية تدل على عذاب القبر فى الدنيا ألاتراه يقول - سبحانه- عن عذاب الآخرة:, أدخلوا آل فرعون أشد العذاب». وفى الحديث عن ابن مسعود: إن أرواح آل فرعون ومن كانمثلملهمن الكفار، تعرض على النار بالغداة والعشي، فيقال: هذه داركم .. ،(١). هذا، والمتأمل فى هذه الآية الكريمة، يرى أن القرآن قد ساق على لسان مؤمن آل فرعون، أسمى الأساليب وأحكمها فى الدعوة إلى الحق ، فقد بدأ نصحه بنهى قومه عن قتل موسى - عليه السلام -، ثم ذكر هم بنعم الله عليهم، وبسوء عاقبة الظالمين ، وبأن نعيم الدنيا زائل ، أما نعيم الآخرة فاق ، وبأن ما يدعوهم إليه هو الحق، وبأن ما يدعونه إليه هو الباطل. ثم ختم تلك النصائح الغالية بتفويض أمره إلى الله فقال: فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد، فكانت نتيجة هذا التفويض، أن وقاه الله - تعالى - من سوء مكر أعدائه، ونجساه من ثرورم، وأن جعل مكرم السيء یحیق بهم ثم حكى - سبحانه - جانيا مما يدور بين أهل النار من مجادلات، وكيف أن كل فريق منهم يطلب من الملائكة تخفيف العذاب عنه، ولكن لا يجابون (١) راجع تفسير القرطبي جو ص ٣١٨ ( ٢٥ - فافر ) ٣٨٦ سورة غافر إلى طلبهم ، ولا تقبل معذرتهم، وأن سنة الله قد اقتضت أن ينصر عباده الصالحين فى الدنيا والآخرة ، قال - تعالى -: ((وإذْ يَتَحاجُونَ فى النَّارِ فيقولُ الضُّعَفاء للذينَ استَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لكُم تَبْعاً، فَلْ أنْتُم مِعْنُونَ عنَّا نَضِيباً من النَّارِ (٤٧) وقالَ الذِينَ استكْبَرُوا إِنَّا كُلِّ فيها، إنَّ اللهَ قد حكم بيْنَ العِبادِ (٤٨) وقال الذين فى النَّارِ لخزنةٍ جَهَّم، ادْعُوا رَبَّكُم يُخْفِّفْ عِنَّا يَوْماً من العذاب (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَانِيكُمْ رسْلَكُمْ بالبُبْتَتِ، فَلُوا: بَلَى، قَالُوا: فادْعُوا، وما دماء الكافرِينَ إلاَّ فى ضَلَالٍ (٥٠) إِذَا لَنَنْصُر رسلنا والذينَ آمنُوا. فى الحياةِ الدُّنياً ويَوْمَ يقومُ الأشهادُ (٥١) يومَ لا يَنْفَعُ الظالمينَ معذِرَتهم وَلَهُمُ الَّعْنَة ولهمْ سُوءِ الدّارِ (٥٢) ولقَدْ آتَيْنْآَ مُوسى الهُدَى وَأَوْرَتْنَاَ بِى إسرائيلَ الكتابَ (٥٣) هُدّى وَذِكْرَى لأولى الألبابِ (٥٤) فاصِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حقٌّ، وَاسْتَغْفِرْ لذلِْكَ، وسبَّحْ بحمدٍ رَبُّكَ بالعَشِئِّ وَالإِبْكار (٥٥))). و((إذ، فى قوله - تعالى -: ((وإذا يتحاجون فى الدار، متعلق بمعذوں تقديره: أذكر أى: وأذكر - أيها الرحدول الكريم - لقومك ليثبروا ويتعظوا، وقت أن يتخاصم أهل النار فيما بينهم. ,فيقول الضعفاء، منهم للذين استكبروا، فى الدنيا وكانوا رؤساءواه. ((إنا كنا لكم تبعا، أى إنا كنا فى الدنيا تابعين لهم، ومنقادين تهوا} ومسخرين لخدمتكم ... والإستفهام فى قوله - تعالى -: «قهل أثم مغنون : عنا نصيبا من النار، للطلب المصحوب بالرجاء والاستجداء ... أى : هذا هو حالنا أمامكم، وقد كنا فى الدنيا منقادين لكم إنقياد المدير مني ٣٨٧ الجزء الرابع والعشرون لسيده، فادفعوا عنا شيئا من هذا العذاب المهين الذى نزل بنا ؛ فطالما دافعنا عنكم فى الدنيا وسرنا وراءكم بدون تفكير أو معارضة . وقوله (( نصيبا)) منصوب بفعل مقدر يدل عليه قوله (( مغنون، أى: فهل أنتم تدفعون عنا جزءا من العذاب الذى نحن فيه ، وتحملون عنا نصيبا منه . ٠٠ وهنا يرد عليهم المستكرون، بضيق وملل، ويحكى القرآن ذلك فيقول ((قال الذين إستكبروا، أى للضعفاء. «إنا كل فيها، أى: أنا نحن وأنتم جميعا فى جهنم، فكيف ندفع عنكم شيئا من العذاب ، وإننا لو كانت عندنا القدرة على دفع شىء من العذاب، لدفعناء عن أنفسنا . ولفظ «كل، مبتدأ، وفيها متعلق بمحذوف خبر، والجملة من المبتدأ والخبر ، خبر إن . وجملة:« إن الله قد حكم بين العباد، من جملة الرد، أى: إن الله - تعالى - قد حكم بين العبادل بحكمه العادل ، فجعل للمؤمنين الجنة، وجعل للكافرين النار، وقدر لكل منا ومنكم عذابا لا تغى فيه نفس عن نفس شيئا . وبعد أن يفس الكل من نصرة بعضهم لبعض، اتجهوا جميعا نحو خزنة جهنم لعلهم يشفعون لهم عند ربهم، ويحكى تقر آن ذلك فيقول: وقال الذين فى النار، لخزنة جهنم، وهم الملائكة المكلفون بتعذيب الكافرين. قالوا لهم: ((أدعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب، أى: ادعوا ربكم أن يخفف عنا يوما واحدا من الأيام الكثيرة التى ينزل علينا المذاب فيها بدون إنقطاع، لعلنا فى هذا اليوم نستطيع أن نلتقط أنفاسنا التى مزقها الكذاب دائم . ٣٨٨ سورة غافر وهنا يرد عليهم خزنة جهنم بقولهم: « أولم تك تأتیکم رسلكم بالبينات» أى: قالوا لهم على سبيل التوبيخ والتأنيب: أو لم تك رسلكم فى الدنيا تنذرك بسوء مصير الكافرين، وتأنيكم بالمعجزات الواضحات الدالة على صدقهم. ((قالوا بلى، أى: قال الكافرون لخزنة جهنم: بلى أنونا بكل ذلك فكذبنام . وهنا رد عليهم الخزقة بقولهم : ما دام الأمر كماذكرثم من أن الرسل قد. نصحوكم ولكنكم أعرضتم عنهم «فادعوا، ماشئتم فإن الدماء والطلب والرجاء لن ينفعكم شيئا. (( وما دعاء الكافرين إلا فى ضلال، أى: وما دعاء الكافرين وتضرعهم إلا فى ضياع وخسران . ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف فقال: (إنا لتنصر وسلنا ، والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد)). والأشهاد: جمع شاهد، وعلى رأسهم الأنبياء الذين يشهدون على أمهم يوم القيامة بأنهم قد بلغوهم دعوة الله، والملائكة الذين يشهدون الرسل بالتبليغ ، وللمؤمنين بالإيمان وللكافرين بالكفر وكل من يقوم يوم القيامة للشهادة على غيره يكون من الأشهاد". أى: لقد اقتضت سنتنا التى لا تتخلف أن ننصر رسلنا والمؤمنين فى . الدنيا بالحجة الدامغة التى تزهق بال أعدائهم ، وبالتغلب عليهم، وبالانتقام. منهم ... وأن تنصرم فى الآخرة كذلك بأن نجعل لهم الجنة ، والنار لأعدائهم. قال صاحب الكشاف: (قوله: ((فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. أى: فى الدنيا والآخرة، يعنى أنه ينصرم فى الدارين جميعا بالحجة والظفر ٣٨٩ الجزء الرابع والعشرون على أعدائهم، وإن غلبوا فى الدنيا فى بعض الأحابين امتحانا من الله، فالعاقبة لهم، ويقيح اللّه من يقتص من أعدائهم ولو بعد حين)) (١) ... وما ذكره صاحب الكشاف فإننا نراه واقعا فى سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفى سيرة أتباعه فلقد هاجر النبى - صلى الله عليه وسلم - من مكا وليس معه سوى أبى بكر الصديق ، وعاد إليها بعد ثمان سنوات فاتحا غازيا ظافرا، ومن حوله الآلاف من أصحابه . والمؤمنون قد يغلبون - أحيانا - ويعتدى عليهم ... ولكن العاقبة لابد أن تكون لهم، متى داوموا على التمسك بما يقتضيه إيمانهم من الثبات على الحق ، ومن العمل الصالح ... وعبر - سبحانه - عن يوم القيامة، بيوم بقوم الأشهاد، للاشعار بأن قصر الرسل والمؤمنين فى هذا اليوم سيكون نصرامشهودا معلومامن الأولين والآخرين، لا ينكره مذكر: ولا ينازع فيه منازع. : وقوله: (( يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ... ، أى: وننصرهم يوم القيامة يوم يقدم الظالمون أعذارهم لكى نعفو عنهم ، فلا يقبل منهم عذر واحد، لأنها أعذار ساقطة. وجاءت فى غير وقتها . ولا منافاة بين هذه الآية وبين قوله - تعالى -: ((ولا يؤذن لهم فيتعذرون» لأن المقصود منهما واحد، وهو أنهم ليس لهم عذر مقبول حتى يلتفت إليهم، وإنما عذرهم مرفوض رفضا تاما .. (((ولهم اللعنة، من انه - تعالى - ومن عباده المؤمنين ((ولهم ، - أيضا - ((سوء الدار)) وهى جهنم وسوؤها ما يسوء فيها من العذاب فالإضافة من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، أى: ولهم الدار السودى. (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص١٧٢. ٣٩٠ سورة غافر وفى هاتين الآيتين ما فيه من البشارة السارة العظيمة للمؤمنين ومن الإهانة التى ليس بعدها إهانة للكافرين . ثم ساق - سبحانه - مثالا من نصره لرسله واعباده المؤمنين، فقال - تعالى -: (ولقد آتينا موسى الهدى وأووثنا بنى إسرائيل الكتاب. هدى وذکری لأولى الألباب .. أى: واقه لقد آتينا عبدنا ونبيناموسى ما يهتدى به من المعجزات والصحف والشرائع، وأورثنا من بعده قومه بنى إسرائيل الكتاب وهو التوراة، لكى ينتفعون بإرشاداته وأحكامه وتوجيهاته . وفعلنا ما فعلنا من أجل أن يكون ذلك الكتاب هداية وذكرى لأصحاب العقول السليمة فقوله - تعالى - «هدى وذكرى، مفعول لأجله، أو هم !. مصدران فى موضع الحال، أى : وأورثنا بنى إسرائيل الكتاب ، حالة كونه هادياومذ كرا لأولى الألباب، لأنهم هم الذين ينتفعون بالهدابات، وهم الذين يتذ كرون ويعتبرون دون غيرهم . ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة بأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بالصبر على أذى أعدائه، فقال: ((فاصبر إن وعد الله حق .. ، أى: إذا كان الأمر كماذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - من أنناسننصر وصلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد ... فاصبر على ما أصابك من أعدائك، فإن ما وعدك اقه - تعالى - بهمن النصر ثابت لاشك فيه، وحق لا باطل معه . (( واستغفر لذنبك، فإن استغفارك هذا وأنت المعصوم من كل ما يغضبنا - يجعل أمتلك تقتدى بك فى ذلك ، وتسير على نهجك فى الإ كثار من فعل الطاعات . :٠ ١ ٣٩ الجزء الرابع والعشرون وسبح بحمد ربك بالمشي والإبكار، أى: ويجانب استغفارك من الذنوب ، أكثر من تسبيح ربك ومن تنزيه عن كل ما لا يليق به عند حلول الليل، وعند تباكير الصباح، فإن هذا الاستغفار وذلك التسبيح ، خيرزاد الوصول إلى السعادة والفوز فى الدنيا والآخرة. قال الإمام الرازى ما ملخصه: «واعلم أن مجامع الطاعات عصور: فى قدين: التوبة عمالا ينبغى، والاشتغال بما لا ينبغى، والأول مقدم على الثانى بحسب الرقبة الذاتية ، فوجب أن يكون مقدما عليه فى الذكر .. أما التربة عما لا يفبغى ، فتراها فى قوله - تعالى -: «واستغفر لذنبك .. وأما الاشتغال بما لا ينبغى، فتراء فى قوله - تعالى-«وسبح بحمد ربك بالعشى والإبكار» . والتسبيح عبارةعن تنزيه الله - تعالى- عن كل ما يليقبه والعشى والإبكار، قبل صلاة العصر وصلاة الفجر، وقبل : الإبكار عبارة عن أول النهار إلى النصف، والمشى عبارة عن النصف إلى آخر النهار، فيدخل فيه كل الأوقات، وبالجملة فالمراد منه المواظبة على ذكر الله، وأن لا يفتر اللسان عنه .. )(١) ثم تعود السورة الكريمة مرة أخرى إلى توبيخ الذين يجادلور فى آيات اله بغير حجة أو برهان، وتبين الأسباب التى حملتهم على ذلك، وترش إلى العلاج من شردرهم ، وتنفى المساواة بين الكافر والمؤمن ، وتدعو المؤمير إلى الإكثار من التضرع إلى الله - تعالى - فتقول: (( إِنَّ الذِينَ يُجَدِلُونَ فى آيَاتِ اللهِ بَغَيْرِ سلطانٍ أَقَامُ ، إن فى صُدورهم إلاَّ كِبْرُ ما هُ بِبَلِغِيه إلاّ بإذْنِ الهِ، إنَّه هوَ السَّيعُ البَصِير (٥٦) لحقُ السَّواتِ وَالأرضِ أ كبَرُ من خَلْقِ النَّاس ولكنَّ (١) تفسير الفخر الرازى ج ٧ ص ٣٢١ ٢٩٢ سورة غافر أَكثرَ النَّاسِ لا يَعلَمُونَ (٥٧) وما يَستَوِى الْأُمْعَى وَالبصيرُ والذينَ آمنُوا وَعملُوا الصالحاتِ ولا المسِىءٍ، قليلاً ما تتذَكَّرُونَ (٥٨) إِنَّ الساعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فيها، ولكنَّ أكثرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (٥٩) وَقال ربّكُم ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لِكُم، إنّالذينَ بِسْتَكْبِرُونَ عن عِبَدَتَى سَيد خُلُونَ جَهَنَّم داخِرِينَ (٦٠))). والمراد بالجادلة فى قوله - تعالى -: ((إن الذين يجادلون فى آيات الله بغير سلطان أتاهم ... ، المجادلة بالباطل بدون حجة أو دليل ، أما المجادلة لإحقاق الحق والكشف عنه .. فهى محمودة، لأنها تهدى إلى الخير والصلاح .. قال صاحب الكشاف: ،فأما الجدال فى آيات الله، لإيضاح ملتبسها، وحل مشكلها ، ومقاومة أهل العلم فى استنباط معانيها ورد أهل الزيغ عنها، فأعظم جهاد فى سبيل اقه .. ،(١) وجملة (( إن فى صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه، خبر إن، والكبر بمعنى التكبر والتعالى والتعاظم على الغير . والمعنى: إن الذين يجادلون فى آيات الله - تعالى - الدالة على وحدانيته وصدق رسله، وليس عندهم دليل أو برهان على صحة دعواهم ... هؤلاء المجادلون بالباطل ماحملهم على ذلك إلا التكبر والتعاظم والتطلع إلى الرياسة وإلى أن تكون النبوة فيهم أو فيمن يميلون إليهم ... وهم جميعا لن يصلوا إلى شىء من ذلك، وأن يبلغوا ما تتوق إليه نفوسهم المريضة، لأن العطاء والمنع بيد الله - تعالى - وحده. (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص٠١٥٠ ٣٩٣ الجزء الرابع والعشرون وصدق الله إذ يقول: (( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا مسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم،(١). فالآية الكريمة تبين أن على رأس الأسباب التى حملت هؤلاء المجادلين بالباطل على جدالهم، هو حبهم للتكبر والتعالى ... قال الآلومى: قوله: « بغير سلطان أقام ... أى: بغير حجة فى ذلك أتتهم من جهته - تعالى - وتقييد المجادلة بذلك مع استحالة إتيان الحجة ، للإيذان بأن المتكلم فى أمر الدين ، لابد من استناده إلى حجة واضحة وبرهان مبين ، وهذا عام فى كل مجادل مبطل ... وقوله: ((ماهم يبالغيه، صفة لقوله (( كبر، أى ماهم يبالغى موجب الكبر ومقتضيه، وهو متعلق إرادتهم من دفع الآيات أو من الرياسة أو النبوة .. ،(٢). وقوله - سبحانه -، فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير، إرشاد منه - تعالى - إلى ما قى من شرور هؤلاء المجادلين بالباطل. أى: هذا هو حال المجادلين بالباطل وهذا هو الدافع إلى جدالهم ، وما دام هذا هو حالهم، فالتجىء إلى الله - تعالى - أيها الرسول الكريم - لكى يحفظك من شرورهم وكيدهم، إنه - تعالى - هو السميع لكل شىء، البصير بما ظهر وخفى من شئون عباده. ثم يبين - سبحانه - للناس عن طريق المشاهدة صغر حجمهم بالنسبة إلى بعض خلقه - تعالى - فيقول: «لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون)). (١) - ورة فاطر . الآية ٢ (٢) تفسير الألوسى = ٢٤ ص٠٧٨ ٣٩٤ سورة غافر أى: لخلق السموات والأرض إبتداء وبدون مثال سابق، أكبر وأعظم من خلق الناس ، ومما لا شك فيه أن من قدر على خلق الأعظم، فهو على خاى ما هو أقل منه أقدر وأقدر ، ولكن أكثر الناس لاستيلاء الغفلة والهوى عليهم، لا يعلمون هذه الحقيقة الجلية. وقوله - تعالى - ,أكبر من الناس، إنما هو من باب تقريب الأشياء إلى الفهم، فمن المعروف بين الناس أن معالجة الشىء الكبير أشدمن معالجة الشىء الصغير، وإن كان الأمر بالنسبة إلى الله - تعالى - لا تفاوت بين خلق الكبير وخلق الصغير، إذ كل شىء خاضع لإرادته، كما قال - سبحانه -«إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون،· قال صاحب الكشاف : (فإن قلت: كيف اتصل قوله: «لخلق السموات والأرض .. ، بما قبله ؟ قلت: إن مجادلتهم فى آيات الله كاءت مشتملة على إن كار البعث، وهو أصل المجادلة ومدارها. لحمجوا بخلز السموات والأرض، لأنهم كانوامقربن بأن الله خالقهما، وبأنهما خلق عظيم لا يقادر قدره وخلق الناس بالقياس إلى خلفهما شىء قليل، فمن قدر على خلقهما مع عظمهما، كان على خلق الإنسان مع ضالته أقدر . .. (١). وقوله - تعالى -: ((وما يستوى الأعمى والبصير، والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسىء .. ، ففى لعدم المساراة بين الأخيار والأشرار . والمتقين والفجار .. أى: كا أنه لا يصح فى عرف أى عاقل المساواة بين الأعمى والبصير، كذلك لا تصح المساواة بين المؤمنین الذین قدموا فیدنیام العمل ٦صالح، و بین السكافرين والفاسقين الذين لطخوا حياتهم بالعمل السىء، والفعل القبيح .. (١) تفسير الكشاف جـ٤ ص١٧٤ . ٣٩٥ الجزء الرابع والعشرون ولفظ ((قليلا، فى قوله - تعالى -: ((قليلا ما تتذكرون)) مفعول مطلق، وهو صفة لموصوف محذوف، و((ما ، مزيدة للتأكيد. أى. نذكرا قليلا تتذكرون . ثم أكد - سبحانه - مجىء الساعة فى الوقت الذى يختاره - تعالى -فقال: (( إن الساعة لآتية لا ريب فيها، أى: لا ريب ولا شك فى مجيئها فى الوقت الذى يشاؤه - عز وجل - ،ولكن أكثر الناس لا يؤمنون، بذلك لغفلتهم وقصور نظرهم ، واستحواذ الشيطان عليهم .. ثم أمر - سبحانه - عباده المؤمنين أن يكثروا من التضرع إليه بالدعاء فقال : « وقال ربكم ادعوني أستجب لكم . ... أى: وقال ربكم - أيها المؤمنون - تضرعوا إلى بالدعاء، وتقربوا إلى بالطاعات، أستجب لكم ، ولا أخيب لكم رجاء. ولا تغافى بين تفسير الدعاء هنا بالسؤال والتضرع إلى الله - تعالى-، وين تفسيره بالعبادة، لأن الدعا هو لون من العبادة، بل هو مخها كما جاء فى الحديث الشريف. والإنسان الذى القوم فى دعائه الآداب والشروط المطلوبة، كاندعاؤه جديراً بالإجابة، فقد حكى لنا القرآن الكريم فى آيات كثيرة، أن الأنبياء والصالحين، عندما دعوا الله - تعالى - أجاب لهم دعاءهم. ومن ذلك قوله - تعالى -: وفوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له ، فنجيناه وأهله من الكرب العظيم ،()). ثم بين - سبحانه - سود عاقبة الذين يتكبرون عن طاعة الله وعن دعائه فقال: (( إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين)، أى: (١) لمعرفة آداب الدعاء وشروطه وفضله .. راجع كتابنا والدعاءى مطبع مجمع البحوث الإسلامية . ٣٩٦ سورة غافر إن الذين يستكبرون عن طاعن، وعن التقرب إلى بما يرضين، سيدخلون يوم القيامة نار جهنم حالة كونهم أذلاء صاغرين. فقوله: (( داخرين، من الدخور بمعنى الانقياد والخضوع. يقال: دخر فلان يدخر دخور إذا ذل ، مان . م هذا، وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث التى تتصل بموضوع الدعاء فارجع إليه إن شئت (١). وبعد أن بين - سبحانه - مصير الذين يستكبرون عن عبادته، أنبع ذلك بيان ألوان من النعم التى أنعم بها على عباده. كنعمة السماء والأرض، ونعمة خلق الإنسان ورزقه من الطيبات، ونعمة الليل والنهار .. فقال - تعالى -: ((القُهُ الذى جَعَلَ لَكُمْ الليلَ لتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبصراً، إنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ، ولكنَّ أكثرَ النَّاسِ لا يشكُرُونَ (٦١). ذلكُم الله رَبَّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ لا إلهَ إلاَّ هو فَأَنِى تُؤْفِيكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ الهِ يَحْحَدُونَ (٦٣) اللهُ الذى جَعَلَ لَكُمْ الْأرْضَ قَرَاراً، وَالسماء بناءِ، وصورَكُ فَأحْسنَ سُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ من الطيباتٍ ، ذلِكُم اللهُ ربِكُمْ، فتَبَارَك الله ربُّ العالمينَ (٦٤) هوّ الحىء لا إلَهَ إلاَّ هُوَ، فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ (٦٥) قُلْ إِنِى نُبِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذينَ تَدِمُونَ مِنْ دونِ الهِ لمَا جَمْنِىَ الَيَِّتُ مِنْ رَبِى، وَأُمرتُ أَنْ أُسْلمِ لَرَبِّ العالمينَ (٦٦) هوّ الذى خلقكُمْ منْ تَرَابٍ، ثم من نطفةٍ ثم من عَلَقَةٍ، ثم يُخرجِكُمْ (١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٠١٤٢ ٢٩٧ الجزء الرابع والعشرون طِفِلاً، ثم لتبْلُنُوا أَخْدَّلُ، ثم لِتَكُونُوا شُيوخاً، وَمِنْكم من يُتوفى من قبلُ، وَلِبْلُغُوا أَجْلاً مسئَى وَلَعَلَكُمْ تَنْقُلُونَ (٦٧) هوَ الذى يُحِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قضَى أَمراً فإِنما يَقولُ كُنْ فِيَكونُ (٦٨))). فقوله - تعالى -: «اللّه الذى جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مصراً .. بيان لنعمتى الليل والنهار اللتين أنعم بهما - سبحانه - على الناس. أى: أنه - تعالى - هو وحده الذى جعل لكم - أيها الناس - الليل لتسكنوا فيه، وتستريحوا من عناء العمل بالنهار وهيأه لهذه الاستراحة بأن جمله مظلما ساكنا ... وجعل لكم بقدرته وفضله النهار مبصراً، أى: جعله مضيئا سفراً، بحيث تبصرون فيه ما تريدون إبصاره من الأشياء المتنوعة. قال صاحب الكثاف: «قوله ((مبصرا، هو من الإسناد المجازى لأن الإبصار فى الحقيقة لأهل النهار . فإن قلت : لم قرن الليل بالمفعول له، والنهار بالحالى؟ وهلا كانا حالين أو مفعولا لهما، فيراعى حق المقابلة؟ قلت : هما متقابلان من حيث المعنى، لأن كل واحد منهما يؤدى مؤدى الآخر، ولأنه لوقال: لتبصروا فيه فأقت الفصاحة التى فى الإسناد المجازى، ولو قيل : ساكنا - والليل يجوز أن يوصف بالسكون على الحقيقة ، ألا ترى إلى قولهم: ليل سباج وساكن لا ريح فيه - إل نتميز الحقيقة من المجاز))(١). وقوله: (( إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون» بيان لموقف أكثر الناس من نعم الله - تعالى - عليهم . (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠١٧٦ ٣٩٨ سورة غافر أى: إن الله - تعالى - لصاحب فضل عظيم على الناس جميعا، ولكن أكثرهم لا يشكرونه على آلائه ونعمه، لغفلتهم وجهلهم واستيلاء الأهواء والشهوات عليهم . وقال - سبحانه - «لذو فضل، بالتفكير، الإشعار بأنه فضل لا تحيط به عبارة أو وصف . واسم الإشارة فى قوله - تعالى -: ((ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شىء ... )، يعود إلى من سبقت صفاته ونعمه وهو الله - عز وجل - . و((ذلكم، مبتدأ، وما بعده أخبار متعددة. أى : ذلكم الذى أعطا كم من النعم ما أعطا كم هو الله - تعالى - ربكم غلاق. كل شىء فى هذا الوجود، لا إله إلا هو فى هذا الكون .. وقوله - تعالى -: ( فأنى تؤفكون، تعجيب من أنصر أفهم - بعد هذه النعم - عن الحق إلى الباطل ، وعن الشكر ان إلى الكفران . أى : فكيف تنقلبون عن عبادته - سبحانه - إلى عبادة غيره، مع أنه - عز وجل - هو الخالق لكل شىء، وهو صاحب تلك النعم التى تتمتعون بها . وقوله - تعالى -: . كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون ، بيان لحال الذين وقفوا من نعم الله - تعالى - موقف الجحود والكفران. ويزفك هنا بمعنى القلب والصرف عن الشىء، من الأفك - بالفتح - مصدر أفك عن الشىء بمعنى صرفه عنه - وبابه ضرب - ومنه قوله - تعالى -: « قالوا أجئقنا لتأفكنا عن آلهتنا .. ، أى : لتصرفنا عن عبادتها. والمعنى: مثل ذلك الصرف العجيب من الحق إلى الباطل ، ينصرف وينقلب كل أولئك الذين انتكست عقولهم، والذين كانوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا مححدون ويكفرون. ٣٩٩ الجزء الرابع والعشرون ويعد أن بين - سبحانه - مظاهر نعمه عن طريق الزمان - الليل والنهار - أتبع ذلك ببيان نعمه عن طريق المكان - الأرض والسماء - فقال: «اللّه الذى جعل لكم الأرض قراراً، أى: جعل الأرض مكانا لاستقراركم عليها، والسعى فيها .. , والسماء بناء، أى: وجعل لكم السماء بمنزلة القبة المبنيه المضروبة فوق رءوسكم ، فانتم ترونها بأعينكم مرفوعة فوقکم بغير عمد .. قال الآلومى قوله: «ولما بناء، أى: قبة، ومنه أبنية العرب لقبابهم ٠ التى تضرب . وإطلاق ذلك على السماء على سبيل التشبيه، وهو تشبيه بليغ ، وفيه إشارة لكروبتها، وهذا يان افضله - تعالى - المتعلق بالمكان بعد بيان فضله المتعلق بالزمان ،(١). وقوله: «وصوركم فأحسن موركم، بيان لفضله - تعالى - المتعلق بذواتهم . أى: جعل لكم الأرض مستقرا، والسماء بناء، وصور أشكالكم فى أحسن تقويم، وأجمل هيئة، كما قال - تعالى -: «لقد خلقنا الإنسان فی أحسن تقويم ». , ورزقكم من الطيبات، أى: ورزقكم من الرزق الطيب الحلال المستلذ. . ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين، أى: ذلكم الذى أعطاكم تلك الدعم المتعلقة بزمانكم، ومكافكم، وذو تكم، ومطعمكم ومشربكم، هو الله ربكم الذعى قولاكم بتربيته ورعايته فى جميع أطوار حياتهكم . فتبارك الله - تعالى - وتعاظم فى ذاته وفى صفاته ، فهو رب العالمين ومالك أمرم. («هو الحى)، أى: هو- سبحانه - المنفرد بالحياة الدائمة الباقية .. (١) تفسير الألوسى : ٢٤ ص ٠٨٣ ٤٠٠ سورة غافر (( لا إله إلا هو، إذ لا موجود يدانيه لا فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله .. ,فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين، أى: فاعبدوه عبادة خالصة لوجهه الكريم، وأطيعوه طاعة لا مكان معها للتردد أو التكاسل ، حالة كونكم قائلين الحمد لله رب العالمين. قال ابن جرير:«كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال لا إله إلا انه، أن يتبعها بقوله: ((الحمد لله رب العالمين، عملا بهذه الآية: (!). ثم لقن الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - الرد الذى يوج به المشركين فقال: ((قل إنى نهيت أن أعبد الذى تدعون من دون الله لما جاءنى البينات من ربى ... ». أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين يطلبون منك مشار كتهم فى عبادة آلهتهم : قل لهم إنى نهيت من ربى وخالقي ومالك أمری عن عبادة غيره - تعالى -، والسبب فى ذلك أن كل الدلائل والبراهين الى أكرمنى - سبحانه - بها، تشهد وتصرح بأن المستحق للعبادة هو الله. - تعالى - وحده . فقوله: (( لما جاءنى البينات من ربى)) بيان السبب الذي من أجله نهاه وبه عن عبادة غيره، وهذه البينات تشمل دلائل التوحيد العقلية والنقلية . وقوله: ((وأمرت أن أسلم لرب العالمين)) أى: إنى بعد أن نهافی ربیعن عبادة غيره، أمرفى بأن أسلم وجهى إليه بالعبادة والطاعة، إذ هو وحده رب العالمين وماتك أمرم . ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته فى خلق الإنسان فى أطوار مختلفة، (١) تفسير ابن جرير : ٢٤ ص ٠٥٣