Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ الجزء الرابع والعشرون والقبضة : المرة من القبض وتطلق على المقدار المقبوض بالكف . ومطويات أى: مجموعات تحت قدرته وملكه، كما يجمع الكتاب المطوى ، والجملة الكريمة حال من لفظ الجلالة، فيكون المعنى: إن هؤلاء المشركين لم يعظموا الله حق تعظيمه ، حيث أشركوا معه فى العبادة آلهة أخرى هى من مخلوقاته ، والحال أنه - سبحانه - هو المتولى لإبقاء السموات والأرض على حالهما فى الدنيا، وهو المتولى لتبديلهما أو إزالتهما فى الآخرة. فالأرض كلها مع عظمها وكثافتها تكون يوم القيامة فى قبضته وتحت قدرته، كالشىء الذى يقبض عليه القابض ، والسموات كذلك مع ضخامتها وانساعها ، تكون مطويات بيمينه وتحت قدرته وتصرفه، كما يطوى الواحد منا الشىء الهين القليل بيمينه، ومادام الأمر كذلك فكيف يشركون معه غيره فى العبادة ؟ فالمقصود من الآية الكريمة بيان وحدانيته وعظمته وقدرته - سبحانه - وبيان ما عليه المشركون من جهالة وانطماس بصيرة حين أشركوا معه فى العبادة غيره . قال صاحب الكشاف: ((والغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بحملته ومجموعه، تصوير عظمته، والتوقيف على كمنه جلاله لا غير ، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز .... (١) . وقال الآلوسي: ((والكلام فى هذه الآية عند كثير من الخلف، تمثيل لحال عظمته - تعالى - ونفاذ قدرته ... بحال من يكون له قبضة فيها الأرض جميعا، ويمين بها يطوى السموات . أو بحال من يكون له قبضة فيها الأرض والسموات ، ويمين بها يطوى السموات ... والسلف يقولون: إن الكلام هنا تنبيه على مزيد جلالته - تعالى -... إلا أنهم لا يقولون إن القبض بجاز عن الملك أو التصرف ، ولا اليمين بجاز (١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٠١٤٣ (٢١ - الزمر) ٣٢٢ سورة الزمر عن القدرة بل ينزهون الله - تعالى - عن الأعضاء والجوارح، ويؤمنون بما نسبه - تعالى - إلى ذاته بالمعنى اللائق به الذى أراده - سبحانه - وكذا يفعلون فى الأخبار الواردة فى هذا المقام . فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: جاء حبر من الأحبار إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد، إنا نجد الله يحمل السموات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع فيقول: أنا الملك . فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ هذه الآية ... ،(١). وقدم - سبحانه - الأرض على السموات لمباشرتها لها، ومعرفتهم بحقيقتها . وخص يوم القيامة بالذكر ، وإن كانت قدرته عامة وشاملة الدار الدنيا - أيضا - لأن الدعاوى تنقطع فى ذلك اليوم. كما قال - تعالى - ,والأمر يومئذ قه )). روى الشيخان عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول: (( يطوى الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول أنا الملك، أين الجبارون، أين المتكبرون، أين ملوك الأرض». وقوله - تعالى -: ((سبحانه وتعالى عما يشركون) تنزيه له - تعالى - عما افتراء المفترون . أى: تنزه وتقدس الله - تعالى - عن شرك المشركين، وعن ضلال الضالين . (١) راجع تفسير الآلوسي : ٢٤ س ٠٢٦ ٣٢٣ الجزء الرابع والعشرون ثم بين - سبحانه - حال الناس عند النفخة الأولى والثانية فقال: ((ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ... ». والصور : إسم للقرن الذى ينفخ فيه إسرافيل بأمراقه - تعالى -وحقيقته لا يعلما إلا هو - سبحانه - وقوله («فصعق)) من الصعق بمعنى الموت أو بمعنى الصوت الشديد الذى يجعل الإنسان فى حالة ذهول شديد حتى لكانه قد فارق الحياة ... 2 أى: ونفخ فى الصور بأر الله - تعالى - النفخة الأولى، فخر ميتا كل من كان حيا فى السموات أو فى الأرض . , إلا من شاء الله، له الحياة من أهلهما قالوا: والمستثنى من الصعق جبريل وإسرافيل وميكائيل. ولم يرد حديث صحيح يعتمد عليه فى تعيين من إستثناء الله - تعالى - من ذلك، فالأولى تفويض من إستثناء الله من الصعق إلى علمه - عز وجل - . (( ثم نفخ فيه أخرى، أى ثم نفخ فى الصور نفخة أخرى، وهى النفخة الثانية التى يكون بعدها البعث والنشور . (فإذا هم قيام ينظرون، أى: فإذا بهؤلاء الذين صعقو ابعد النفخة الأولى قيام من قبورهم ، بنظرون حولهم بدهشة وحيرة ماذاسيفعل بهم أوينتظرون على أى حال سيكون مصيرهم . فالآية الكريمة تفيد أن النفخ فى الصور يكون مرتين: المرة الأولى يكون بعدها الصعق والموت لجميع الأحياء، والنفخة الثانية يكون بعدها البعث والنشور وإعادة الحياة إليهم مرة أخرى. والمراد بالأرض فى قوله - تعالى - بعد ذلك:وأشرقت الأرض بنور بها .... أرض المحشر . وأصل الإشراق: الإضاءة . يقال: أشرقت الشمس إذا أضاءت، وشرقت : إذا طلعت . ٣٢٤ سورة الزمر قال ابن كثير: ((وقوله: «وأشرقت الأرض بنور ربها، أى: أضاءت - الأرض - يوم القيامة، إذا تجلى الحق - تبارك وتعالى - الخلائق الفصل القضاء،(١). والمراد بالكتاب فى قوله- تعالى -«ووضع الكتاب، صحائف الأعمال التى تكون فى أيدى أصحابها . فالمراد بالكتاب جنسه أى: أعطى كل واحد كتابه إما بيمينه وإما بشماله . وقيل المراد بالكتاب هنا: اللوح المحفوظ الذى فيه أعمال الخلق. ((وجىء بالنبيين والشهداء، أى: وبعد أن أعطى كل إنسان صحف أعماله، جىء بالنبيين لكى يشهدوا على أمهم أنهم بلغوهم ما كلفهم الله بتبليغه إليهم، وجىء بالشهداء وهم الملائكة الذين يسجلون على الناس أعمالهم من خير وشر، كما قال - تعالى - ,وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد). وقيل المراد بهم : من استشهدوا فى سبيل الله . ثم بين - سبحانه - مظاهر عدالته فى جمل حكيمة فقال: «وقضى بينهم بالحق، أى: وقضى - سبحانه - بين الجميع بقضائه العادل ((وهم لا يظلمون)) أى : نوع من الظلم. ((( ووفيت كل نفس ما عملت)) من خير أو شر ((وهو أعلم بما يفعلون)) أى: وهو - سبحانه - عليم بما يفعلونه من طاعة أو معصية، لا يخفى عليه شيء من أحوال خلقه، بل هو - تعالى - يعلم السر وأخفى . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بيان مصير الكافرين، وبيان مصير المتقين، وبيان ما يقوله المتقون عندما يرون النعيم المقيم الذى أعده -سبحانه- لهم ، فقال - تعالى -: (١) تفسير ابن كثيرج ٧ ص ٠١٠٨ ٣٢٥ الجزء الرابع والعشرون ((وسيقَ الذينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زمراً، حتَّى إذا جاءوهاَ فُتِحِتْ أبَوَابُهَاَ وقالَ لهُمْ خِزَتُهَا أَلم يأتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُم ◌ِثْلُونَ عليكُمْ آيَاتِ ربكم ويُنذرُونَكُمْ لِقَاءِ يومِكُم هذا، قالُوا بِلَى ولكِنْ حَقَّتْ كلُ العَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قيلَ ادخَلُوا أبوابَ جهَّ خالِدِينَ فيها فِبْسَ مِثْوَى المتكْبِرِينَ (٧٢) وسيقَ الذينَ اتقوا ربهم إلى الجنَِّزُ مُراً حتَّى إِذا جاءوهاً وفُتِحَت أبوابها وقالَ لَهُمْ خَزَتَتَهَا سلامٌ عليكُمْ طِتٌ فادْخُلُوهَاَ خالدِينَ (٧٣) وقالُوا الحمدُ فُه الذى صَدَقَناَ وعْدَه، وأَوْرَتَناَ الأرْضَ نتبوَّأُ من الجنةِ حيثُ نشَاءِ فَنِعْمَ أجرُ العامِلِينَ (٧٤) وتّرَى الملائكةَ حافٍّ مِنْ حوْلِ العَرشِ يُسبَّعُونَ بَحَمَّدٍ رِبْهُم وُضِىَ بِيْنَهم بالحقِّ، وقيلَ الحمدُ قُهِ رَبٌّ العَالَمِينَ (٧٥))). وقوله - تعالى - ((وسيق ... )) من السوق بمعنى الدفع، والمراد به هنا الدفع بعنف مع الإهانة و((زمرا)) أى: جماعات متفرقة بعضها فى إثر بعضر. جمع زمرة وهى الجماعة القليلة، أى: وسيق الذين كفروا إلى نار جهنم جماعات جماعات ، وأفراجا أفواجا ... ((حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها، لتستقبلهم بحرها وسعيرها، وكأنها قبل مجيئهم إليها كانت مغلقة كما تغلق أبواب السجون، فلا تفتح إلا لمن ثم أهل لها بسبب جرائمهم . , وقال لهم خزنتها. على سبيل الزجر والتأنيب (( ألم يأتكم رسل منكم)) أی : من جنسکم تفهمون عنهم ما يقولونه لكم. وهؤلاء الرسل (يتلون عليكم آيات ربكم، المنزلة لمنفعتكم ((وينذرونكم لقاء يومكم هذا، أى: ويخوفوفكم من أهوال يومكم هذا وهو يوم القيامة. ٣٢٦ سورة الزمر ((قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين)) أى: قالوا فى جوابهم على سائليهم : بلى قد أنانا الرسل وبلغونارسالة الله، ولكننا لم نطعمهم، لحقت كلمة العذاب علينا، ووجبت علينا كلمة الله التى قال فيها: «لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين » . وهنا رد عليهم السائلون بقولهم: ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها، خلودا أبدياً .فبئس مثوى المتكبربن)) أى: فيفس المكان المعد المتكبرين جرهم. وبعد هذا البيان المرعب لمصير الكافرين، جاء البيان الذي يشرح الصدور بالنسبة لحال المتقين فقال - تعالى -: ((وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا، أى : جماعات .. قال الآلوسي : أى: جماعات مرتبة حسب ترقب طبقاتهم فى الفضل . وفى صحيح مسلم وغيره عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: دأول زمرة تدخل الجنة من أمتى على صورة القمر ليلة البدر .. )). والمراد بالسوق هنا: الحث على المسير. الإسراع إلى الإكرام بخلافه فيما تقدم فإنه لإهانة الكفرة، وتعجيلهم إلى العقاب والآلام ، واختبر المشاكلة ... » (١). ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء المتقين من نعيم مقيم فقال: «حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين)). والواو فى قوله ((وفتحت، للحال، والحملة حالية بتقدير قد، وجواب ((إذا) مقدر بعد قوله (( خالدين)). أى: حتى إذا جاءوها، وقد فتحت أبوابها على سبيل التكريم لهم، وقال لهم خزنتها بفرح وحبور: سلام عليكم من جميع المكاره ، طبتم من دنس . (١) تفسير الآلوسى + ٢٤ ص ٢٣ ٣٢٧ الجزء الرابع والعشرون المعاصى ((فادخلوها خالدين)، أى: حتى إذا جاءوها وقالوا لهم ذلك سعدوا وابتهجوا . قال صاحب الكشاف ما ملخصه: « وحتى هنا هى التى تحكى بعدها الجمل. والجملة المحكية بعدها هى الشرطية، إلا أن جزاءها محذوف لأنه صفته ثواب أهل الجنة، فدل بحذفه على أنه شىء لا يحيط به الوصف، وحق موقعه ما بعد ((خالدين). وقيل: حتى إذا جاءوها، جاءوها وفتحت أبوابها. أى: مع فتح أبوابها ... ، (١). ثم بين - سبحانه - ما يقوله المتقون عند دخولهم الجنة على سبيل الشكرته - تعالى - فقال: ((وقالوا الحمد لله الذى صدقنا وعده، بأن بعثنا من مرقدنا، ومنحنا المزيد من عطائه ونعمه ((وأورثنا الأرض، أى: أرض الجنة التى استقروا فيها . «تقبوأ من الجنة حيث نشاء، أى: ينزل كل واحد منا من جنته الواسعة حيث يريد، دون أن يزاحمه فيها مزاحم، أو ينازعه منازع ... ((فنعم أجر العاملين، الجنة التى منحها - سبحانه - لعباده المتقين. ((وترى الملائكة حافين من حول العرش .. ، أى: محدقين محيطين بالعرش مصطفين بحافته وجوانبه. جمع حاف وهو المحدق بالشىء. يقال: حففت بالشىء إذا أحطت به ، مأخوذ من الجفاف وهو الجانب للشىء. (((يسبحون بحمد ربهم، أى: يمجدون ربهم بكل خير، وينزهونه عن كل سوء . ((وقضى بينهم بالحق)، أى: وقضى - سبحانه - بين العباد بالحق الذى لا يحوم حوله باطل .. وقيل الحمد لله رب العالمين) على قضائه بالحق، وعلى جازاته الذين أساؤا بما عملوا ، ومجازاته الذين أحسنوا بالحسنى. (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠١٤٧ ٣٢٨ سورة الزمر وبعد: فإذا تفسير محرر لسورة ((الزمر)) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده. والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ كتبه الراجي عفو ربه محمد سيد طنطاوى القاهرة - مدينة نصر - صباح الثلاثاء ٢٧ من ذى الحجة سنة ٠١٤٠٠ الموافق ١٩٨٥/٩/١٢ م فهرس إجمالى لتفسير ((سورة الزمر)) رقم الآية الآية المفسرة رقم الصفحة ٢٤٥ ٢٥٠ ٢٥٥ المقدمة تنزيل الكتاب من الله ... ١ خلق السموات والأرض بالحق ... ٢٦١ ٢٦٠ ٨ ٠١ ١٧ ٢١ ٢٣ ٢٧ وإذا مس الإنسان ضر ... قل يا عباد الذين آمنوا ... والذين اجتنبوا الطاغوت ألم تر أن اله أزل من السماء ... اله نزل أحسن الحديث ... ولقد ضربنا للناس ... فى أعلم ممن كذب على الله ... ٣٢ ٣٨ ولئن سألهم من خلق ... ٤٥ وإذا ذكر الله وحده ... قل يا عبادي الذين أسرفوا ... ويوم القيامة ترى ... ٠٣ ٦٠ وسيق الذين كفروا ... ٧١ ٢٧١ ٢٧٥ ٢٧٩ ٢٨٤ ٢٨٩ ٢٩٣ ٢٩٩ ٣٠٨ ٣١٤ ٣٢٥ التفسير الوسيط. للقرآن الكريم تفسيرٌ 2 يُوج دكتوس محمد سيد طنطاوي مفتى جمهورية مصر العربية ( الجزء الرابع والعشرون) ١٤٠٨ ٥ - ١٩٨٨ م الطبعة الثانية حقوق الطبع محفوظة للمؤلف بسم الله الرحمن الرحيم ﴿رَبَّ تَقَبِّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَِّعُ العَلِيم) (( صدق الله العظيم)) إِلَّهِ الرَّحِْ الرَّحِيمُ مقدمة وتميد ١ - سورة ((غافر)) هى السورة الأربعون فى ترتيب المصحف، أما ترقيبها فى النزول ، فهى السورة التاسعة والخمسون من السور المكية ، وكان نزولها بعد سورة «الزمر». ويبدو - والله أعلم - أن الحواميم، كان نزولها على حسب ترتيبها فى المصحف، فقد ذكر صاحب الإتقان عند حديثه عن المكى والمدنى من القرآن ، وعن ترتيب السور على حسب النزول ... ذكر سورة الزمر، ثم غافر، ثم فصلت ، ثم الشورى، ثم الزخرف، ثم الدخان، ثم الجائية، ثم الأحقاف (١). ٢ - والمحققون من العلماء على أن سورة ((غافر، من السور المكية الخالصة، وقد حكى أبو حيان الإجماع على ذلك ، كما أن الإمام ابن كثير قال عنها بأنها مكية دون أن يستثنى منها شيئا . وقيل: كلها مكية إلا قوله - تعالى -: ((إن الذين يجادلون فى آيات الله بغير سلطان أتاهم، إن فى صدورهم إلا كبر مام يبالغيه ... الآية)). ولكن هذا القيل وغيره لم تنهض له حجة يعتمد عليها، فالرأى الصحيح أنها جميعها مكية . ٣ - وهذه السورة تسمى - أيضا - بسورة ((المؤمن)) لاشتمالها على قصة (١) راجع الإنقان فى علوم القرآن السيوطى ج١ ص ٢٧ - ٣٢٦ - مؤمن آل فرعون. كما تسمى بسورة ((الطول، لقوله - تعالى - فى أوائلها: ((غافر الذنب، وقابل التوب ، شديد العقاب، ذى الطول ... )). وعدد آياتها خمس وثمانون آية فى المصحف الكوفى والشامى ، وأربع وثمانون فى الحجازى، واثنتان وثمانون فى البصرى ... ٤ - وسورة ((غافر، هى أول السور السبعة التى تبدأ بقوله - تعالى - : (« حم، والتى يطلق عليها لفظ « الحواميم)). وقد ذكر الإمام ابن كثير جملة من الآثار فى فضل هذه السور ، منها: ماروى عن ابن مسعود أنه قال: ((آل حم)، ديباج القرآن .. ومنها ماروى عن ابن عباس أنه قال: ((إن لكل شىء لبابا، ولباب القرآن ,آل حم)) أو قال ((الحواميم))(١). ٥ - وقد افتتحت السورة الكريمة بالثناء على الله - تعالى-، وبتسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما لقيه من أذى المشركين ومن جدالهم، وببيان وظيفة الملائكة الذين يحملون عرشه - تعالى -، وأن منها الاستغفار للمؤمنين، والدعاء لهم بقولهم - كما حكى القرآن عنهم -: ((ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما، فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ، وفهم عذاب الجحيم. ربنا وأدخلهم جنات عدن التى وعدتهم ، ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم . وفهم السيئات ، ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته ، وذلك هو الفوز العظيم). ٦ - ثم دعا - سبحانه - عباده إلى إخلاص الطاعة له وذكرهم بأموال يوم القيامة، وأن الملك فى هذا اليوم إنما هو أقه - تعالى - وحده. قال - تعالى -: ((فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون) رفيع الدرجات ذو العرش باقى الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق. يومهم بارزون لا يخفى على الله منهم شىء، لمن الملك اليوم لله الواحد القهار. (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ١١٦ - ٣٣٧ - ٧ - وبعد أن وبخ - سبحانه - الغافظين على عدم إعتبارهم بسوء عاقبة من سبقهم من الكافرين ، أقبع ذلك بجانب من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وهامان وقارون، وحكى ما دار بين موسى - عليه السلام - وبين هؤلاء الطغاة من محاورات .. كما حكى ما وجهه الرجل المؤمن من آل فرعون إلى قومهمن نصائح حكيمة، منها قوله - كما حكى القرآن عنه -« وقال الذى آمن ياقوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب . مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ، وما الله يريد ظلما للعباد . ويا قوم إنى أخاف عليكم يوم التناد . يوم قولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم، ومن يضلل الله فما له من هاد. ٨ - وبعد أن ساق - سبحانه - تلك التوجيهات الحكيمة التى وجهها ذلك الرجل المؤمن الذى يكتم إيمانه إلى قومه .. أتبع ذلك بحكاية جانب من المحاورات التى تدور بين الضعفاء والمتكبرين بعد أن ألتقي بهم جميعا فى النار . .كما حكى - سبحانه - ما يقولونه لخزنة جهنم على سبيل الاستعطاف والتذال فقال: وقال الذين فى النار لخزفة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يومامن العذاب. قالوا أو لم تك تأتيكم وسلكم بالبينات قالوا بلى قالو انادعو او مادعاء الكافرين إلا فى ضلال ». ٩ - ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من نعمه على عباده، لكى يشكروه عليها، ومن تلك النعم: إيجاده الليل والنهار، وجعله الأرض قراراً والسماء بناء، وتصويره للناس فى أحسن تقويم، وتحليله لهم الطيبات ، وخلقه لهم فى أطوار متعددة. . قال - تعالى -: ، هو الذى خلقكم من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ٠ ٢٢ - غافر ) ١ - ٣٣٨ - ثم يخرجكم طفلا، ثم لتبلغوا أشدكم، ثم لتكونوا شيوخا، ومنكم من يتوفى من قبل ، ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون :. ٦٠٠ ١٠ - ثم إنتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن الذینیجادلون فیآیات الله بغير علم، فو بختهم على جهالاتهم وعنادهم، وهددتهم بسوء المصير، وأمرت النى - صلى الله عليه وسلم - أن يصبر على أذاهم، وذكرته بأحوال الرسل السابقين مع أقوامهم، وأنذرت مشركى مكا بأن مصيرهم سيكون كمصير المشركين من قبلهم ، إذ ما إستمروا فى طغيانهم وكفرهم، وأنهم لن ينفعهم الإيمان عند حلول العذاب بهم . قال - تعالى -: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا باله وحده، وكفرنا بما كنا" به مشر كين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا، سنة الله التى قد خلت فى عباده وخسر هنالك الكافرون ،. ١١ - هذا، والمتدبر فى سورة ((غافر، بعد هذا العرض المجمل لآياتها يراها قد أقامت أنصع الأدلة وأقواها على وحدانية الله - تعالى - وقدرته كما يراها قدساقت ألوانا من القسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما لحقه من قومه، تارة عن طريق قصص الأنبياء السابقين مع أقوامهم ، وتازة من طريق التصريح بأن العاقبة ستكون له ولأتباعه، كمافى قوله - تعالى -: (((إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأقتبائ)). كما يراها قد فصلت الحديث عن تكريم الله - تعالى - لعباده المؤمنين، قارة عن طريق إستغفار الملائكة لهم، وتضرعهم إلى خالقهم أن يبعد الذين آمنوا عن عذاب الجحيم . قال - تعالى -: ((الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم، ويؤمنون به، ويستغفرون للذين آمنوا، ربها وسعت كل شىء رحمة وحناً، فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم . . - ٣٣٩ - وتارة عن طريق وعدم بإجابة دعائهم، كما فى قوله - تعالى -: (وقال ربكم أدعونى أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين،. كايرماقد إهتمت بالحديث عن مصارع الغابرين، بأسلوب يغرس الخوف فى القلوب ، ويبعث على التأمل والتدبر. کافی قوله - تعالى -: «كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم، وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ، فأخذتهم، فكيف كان عقاب، . وكمافى قوله - تعالى -: ((أو لم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارافى الأرض فأخذهم الله بذنوبهم، وما کان ھم من الله من راق. كما يراها قبل كل ذلك وبعد كل ذلك لها أسلوبها البليغ المؤثر فى إحقاق الحق وإبطال الباطل ، وفى تثبيت المؤمن وزلزلة الكافر ، وفى تعليم الدعاة كيف يخاطبون غيرهم بأسلوب مؤثر حكيم، تراه متمثلا فى تلك النصائح الغالية التى وجها مؤمن آل فرعون إلى قومه، والتى حكاها القرآن فى قوله , وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، أتقتلون رجلا أن يقول ربى انه ، وقد جاءکم بالپینات من ربكم ، وإن یك كاذبا فعلیه کذبه ، وإن يك صادقا يصيبكم بعض الذى يعدكم، إن الله لايهدى من هو مسرف كذب .. )). نسأل الله - تعالى - أن ينفعنا بتوجيهات القرآن الكريم، وصلى الله على د . محمد سيد طنطاوى سيدنا محمد وعلى آله و محبه وسلم القاهرة - مدينة نصر ١٩٨٥/٩/١٣ م مساء الجمعة: ٣٨° من فى الحجة سنة ١٤٠٥هـ ٣٤٠ سورة غافر التفسير قال الله - تعالى -: ((حَم (١) تَنزِيلُ الكتاب من اللهِ العزيز. العليمِ (٢) غَفِرِ الذّنْبٍ، وَقَبِلِ التّوْبِ، شدِيدُ العقاب ، ذِى الطّول لا إِلَّهَ إِلا هُر ، إليه المصيرُ (٣) ما يجَدِلُ فى آياتِ اللهِ إلَّ الذينَّ كَفَرُوا، فلا يغررْكَ تقلُّيُهم فى البِلاَّهِ (٤) كذَّبَتْ قِلَهْم قومُ نوحٍ والأحزَّابُ من بَعدهِمْ، وَمَتْ كُلُّ أَمَّةٍ بِرَسُولِم ◌َأْخَذُوهُ، وجادَلُوا بِالْبَاطِلِ لْيُدْحِضوا به الحقَّ، فَأَخَذّتهم، فكيف كانَ عقابٍ (٥) وَكَذَلِكَ حقّتْ كَلهُ ربِّكَ عَلَى الذينَ كَفَرُوا أَنَّهم أصحابُ النار (٦))). سورة ((غافر، من السور التى افتتحت ببعض الحروف المقطعة، وهو قوله - تعالى - : (خم» . وقد ذكرنا آراء العلماء فى تلك الحروف المقطعة بشىء من التفصيل، عند تفسيرنا لسور: البقرة، وآل عمران، والأعراف، ويونس .... وقلنا ما خلاصته : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب، أن هذه الحروف المقطعة، قد جىء بها فى افتتاح بعض السور، على سبيل الإيقاظ والتنبيه الذين تحداهم القرآن . فكانه - سبحانه - يقول لهؤلاء المعاندين والمعارضين فى أن القرآن من عند الله: ماكم القرآن تروفه مؤلفا من كلام هو من جنس ماتؤلفون منه كلامكم، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون