Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
الجزء الثالث والعشرون
« إنه، - سبحانه - ((عليم بذات الصدور، أى: عليم بما تخفيه الصدور
من أسرار، وبما قضمره القلوب من أقوال وأفعال ... لا يخفى عليه شىء فى
الأرض ولا فى السماء .
قال الجمل فى حاشيته: (قوله: ((ولا يرضى لعباده الكفر، معنى عدم الرضا
به، لا يفعل فعل الراضى ، بأن يأذن فية، ويقر عليه، ويثبت فاعله ويمدحه
بل يفعل فعل الساخط بأن ينهى عنه، ويذم عليه، ويعاقب مرتكبه، وإن
کان یإرادته، إذ لا يخرج شىء عنها .
أو المعنى: ولا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، وهم الذين قال الله - تعالى-
فى شأنهم:(( إن عبادى ليس لك عليهم سلطان، فيكون الكلام عاما فى اللفظ
خاصا فى المعنى، كقوله - تعالى -: ((عينا يشرب بها عباد الله)) أى بعض
العباد . . ، (١).
وبذلك برى هذه الآية الكريمة قد أقامت الأدلة المتعددة على وحدانية
الله - تعالى -، وعلى كمال قدرته، وعلى أن من شكر الله - تعالى - على لعمه،
فإن عاقبه هذا الشكر تعود على الشاكر بالخير الجزيل، أما من جحد نعم الله
- تعالى - وأشرك معه فى العبادة غيره ، فإن عاقبة هذا الجحود، أمود على
الجاحد بالشر الوبيل، وبالشقاء فى الدنيا والآخرة.
٥
وبعد أن أقام ـ سبحانه ـ الأدلة المتعددة على وحدانيته وكمال قدرته،
اتبع ذلك بالحديث عن طبيعة الإنسان فى حالى السراء والضراء، ونفى
- سبحانه - المساواة بين المؤمنين والمكافرين، والعلماء والجهلاء فقال - تعالى -:
((وإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرّ دها رَبَّه مُنيباً إليه ثمَّ إِذَا خَوَّلُهُ نِعِمَةً مِنَّهُ
(١) جاعية الجل على الجلالين = ٣ ص ٠٥٩١

٢٦٢
سورة الزمر
نَسِىّ مَا كَانَ يَدْعُو إليهِ مِنْ قبلُ، وجَعَلَ قُهِ أَنْدَاداً ليُضِلَّ عن سَبِيلِهِ
قُلْ تَشَّعْ بُكُفرِكَ قليلاً إِنَّكَ من أصحَابِ النَّار (٨) أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ
آناء الليل ساجداً وقائماً يحذّرُ الآخرةَ ويُرْجُو رَْمَةَ رَبِّهِ، قُلْ هَلْ
يَسْتَّوِى الذينَ يعلّمُونَ والذينَ لا يَعْلَمُونَ، إنَّما يتذكرُ أُولُوا
الألبابِ (٩))).
والمراد بالإنسان هنا: الكافر، بدليل قوله - تعالى - ,وجعل لله أندادا
ليضل عن سبيله ....
والمراد بالضر: ما يصيب الإنسان من مصائب فى نفسه أو ماله أو أهله.
أى: وإذا نزل بالإنسان ضر من مرض أو غيره من المكاره « دعا ربه
منيبا إليه، أى: أسرع إلى الله - تعالى - بالدعاء والإنابة والتضرع، وترك
الآلهة التى كان يدعوها فى حالة الرخاء .
كما قال - تعالى -: («بل إياه تدعون فيكشف ماتدعون إليه إن شاء
وتنسون ماقشر كون ».
وقوله - تعالى -: ((ثم إذا خوله نعمة منه نى ما كان يدعو إليه من
قبل ... ، بيان لحالة هذا الإنسان بعد أن كشف الله - تعالى - عنه الضر.
وخوله من التخويل بمعنى الإعطاء مرة بعد أخرى ، ومنه الحديث
الشريف: ((كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتخولنا بالموعظة مخافة
السآءة علينا، أى : يتعهدنا بها وقتا بعد وقت.
و((ما)، فى قوله (( نسى ما كان يدعو إليه من قبل)) )موصولة مراد بها الضر
أو مراد بها البادى - عزوجل -.
أى: هذا هو حال ذلك الإنسان عند نزول الضر به ، فإذا ما كشفنا عنه

٢٦٣
الجزء الثالث والعشرون
ضره، وأعطيناه نعماً عظيمة على سبيل التفضل منا ... نسى الضر الذى كان
يتضرع إلينا من قبل لنزيله عنه، أونسى الخالق - عز وجل - الذى كشف عنه
بقدرته ذلك الضر .
ولم يكتف بهذا النسيان، بل (وجعل لله - تعالى - أندادا)) أى: أشالا
وأشباها ونظائر يعبدها من دونه .
واللام فى قوله - تعالى -: (( ليضل عن سبيله)) للتعليل. أى فعل ما فعل
من جعله شركاء قه - تعالى - فى العبادة، ليضل الناس بذلك الفعل عن سبيل الله
وعن دينه الذى إرتضاه لعباده .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو« ليضل)) بفتح الياء. أى: ليزداد خلالا
على ضلاله .
وقوله - تعالى -: ((قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار، ببان
أسوء عاقبة هذا الإنسان المشرك .
أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهذا الإنسان الذى جعل لله شركاء
فى العبادة ... قل له تمتع بكفرك تمتعا قليلا، أو زمانا قليلا. إنك من
أصحاب النار الملازمين لها، والخالدين فيها.
ثم فنى - سبحانه - المساواة بين هذا الإنسان المشرك وبين الإنسان
الملازم لطاعة ربه فقال: « أمن هو قانت آناء الليل ساجداوقائما بحذر الآخر
ويرجو رحمة ربه ....
وكلمة (« أمن، أصلها (( أم)) التى بمعنى بل وهمزة الاستفهام. و ((من)
التى هى إسم موصول وهى هنا مبتدأوخبره محذوف. والقانت: من القنوت
بمعنى ملازمة الطاعة والمواظبة عليها بخشوع وإخلاص.
وآناء الليل: ساعاته: والاستفهام الإنكار والنفى.

٢٦٤
سورة الزمر
أى: بل أمن هو قائم ساعات الليل لعبادة الله - تعالى - ساجدا وقائما
يحذر عذاب الآخرة، ويرجو رحمة ربه، كمن هو جاعل لله - تعالى - فمرکا.
فى العبادة ؟
بما لاشك أنهما لا يستويان فى عرف أى عاقل ، وفى نظر أى ناظر .
ويصح أن تكون ( أم) متصلة، وقد حذف معادلها ثقة بدلاله الكلام
عليه ، فيكون المعنى :
أهذا الكافر الذى جعل لله أندادا ليضل عن سبيله أحسن حالا، أم الذى
هو ملازم للطاعات آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمةربه؟
ووصف القنوت بأنه فى آ ناء الليل، لأن العبادة فى تلك الأوقات أقرب
إلى القبول وقدم السجود على القيام، لأن السجود أدخل فى معنى العبادة.
قال الآلومى ما ملخصه: ((وقد ذكروا أن هذه الآية نزلت فى عثمان بن
عفان، وقيل فى عمار بن ياسر .... والظاهر أن المراد المتصف بذلك من
غير تعيين، ولا يمنع من ذلك نزولها فيمن علمت، وفيها دليل على فضل
الخوف والرجاء .
وقد أخرج الترمذى والنسائى وابن ماجه عن أنس قال : دخل رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - على رجل وهو فى الموت ، فقال له : كيف تجدك؟
قال: أرجو وأخاف . فقال - صلى الله عليه وسلم -: لا يجتمعان فى قلب عبد
فى مثل هذا الموطن إلا أعطاء الذى يرجو، وآمنه الذى يخاف))(١).
ثم نفى - سبحانه - أيضا المساواة بين العالم والجاهل فقال: «قل هل يستوى
الذين يعلمون والذين لايعلمون .... )).
أى: قل -أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين الذين جعلوا لله أندادا:
(١) تفسير الآلوسى = ٢٣ ص ٢٤٧

٢٦٥
الجزء الثالث والعشرون
إنه لا يستوى عند الله - تعالى - المشرك والمؤمن، ولا يستوى عنده - أيضا -
الذين يعلمون الحق، ويعملون بمقتضى عليهم ، والذين لا يعلمونه ويعملون
بمقتضى جهلهم وضلالهم ، ويعرضون عن كل من يدعوهم إلى الحق وإلى
الصراط المستقيم .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ((إنما يتذكر أولو الألباب)
أى: إنما يعتبر ويتعظ بهذه التوجيهات والإرشادات، أصحاب العقول السليمة
والمدارك القويمة ...
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يذكر المؤمنين
بأن يواظبوا على إخلاص العبادة لله - تعالى -، وأن يها جروا إلى الأرض
التى يتمكنون فيها من نشر دينه وإعلاء كلمته، وأن ينذر المشركين بسوء
المصير إذا ما استمروا فى كفرهم وضلالهم ... فقال - تعالى -:
((قُلْ يا عبادِى الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُم للذينَ أَحْسَنُوا فى هذهٍ
الدُّنياً حسنةٌ وأرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ، إنََّ يوفى الصابرُونَ أَجْرَهُ بِغَيْرِ
حِسَابٍ (١٠) قُلْ إِنِّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اله ◌ُخْلِصًا لَهُ الدينَ (١١)
وَأَمِرْتُ لْأنْ أَكُونَ أَوَّلَ المُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إنّى أخافُ إِنْ عصبْتُ
رَبِّى عَذَابَ يومٍ عظيمٍ (١٣) قُلِ الله أعبدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِ (١٤)
فاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِنِ دونِهِ، قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الذينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم
وأهلِيهِمْ يَوْم القيامةِ ألاّ ذَلِكَ هُوَ اُلْسْرَانُ المُبِينُ (١٥) لهم من فَوْقِهِم
ظَلَلٌ مِنَ النَّارِ وَعِنْ تَحْتِهِمْ لُلَّلٌ ، ذَلِكَ يُخَوْفُ الله بهِ عِبادَهُ
بَاعِبَادٍ فَاتَّقُونِ (١٦))).

٢٦٦
سورة الزمر
والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - اسبادى المؤمنين الصادقين: داومو)
على الخوف من ربكم، وعلى صيانة أنفسكم من كل مايغضبه .
وفى التعبير بقوله - تعالى -: ((قل يا عبادي الذين آمنوا ... ، دون
قوله: قل لعبادى الذين آمنوا ... تكريم وتشريف هم، لأنه - سبحانه
أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يناديهم بهذا النداء الذى فيه ما فيه من
التكريم لهم ، حيث أضافهم إلى ذاته - تعالى-، وجعل وظيفة الرسول
- صلى الله عليه وسلم - إنما هى التبليغ عنه - عز وجل -.
قال الآلوسي:« قوله - تعالى -: ((قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم)):
أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يذكر المؤمنين ويحملهم على التقوى
والطاعة، إثر تخصيص التذكر بأولى الألباب، وفيه إيذان بأنهم هم .
أى: قل لهم قولى هذا بعينه، وفيه تشريف لهم بإضاعتهم إلى ضمير الجلالة
ومزيد اعتناء شأن المأمور به فإن نقل عين أمراقه تعالى - أدخل فى
إيجاب الامتثال به .. )) (١).
وجملة ((الذين أحسنوا فى هذه الدنيا حسنة)، تعليل لوجوب الامتثال لما
أمروا به من تقوى الله - تعالى - والاستجابة الإرشاداته.
وقوله (( للذين أحسنوا، متعلق بمحذوف خبر مقدم، وقوله (فى هذه
الدنيا، متعلق بقوله: أحسنوا. وقوله (( حسنة)) مبتدأ مؤخر.
أى: الذين أحسنوا فى هذه الدنيا أقوالهم وأعمالهم.
حسنة
عظيمة فى الآخرة، ألا وهى جنة عرضها السموات والأرض .
وقوله - تعالى -: ((وأرض الله واسعة، جملة معترضة لإزاحة ماعسى أن
يتعللوا به من أعذار، إذا ما حملهم البقاء فى أوطانهم على التفريط فى أداء
حقوق الله .
(١) تفسير الآلومى = ٢٣ من ٠٢٤٨

٢٦٧
الجزء الثالث والعشرون
قال صاحب الكثاف: ((ومعنى: ((وأرض الله واسعة)): أن لاعذر للمفرطين
فى الإحسان ألبتة ، حتى إن اعتلوا بأوطانهم وبلادهم، وأنهم لا يتمكنون
فيها من التوفر على الإحسان، وصرف الهمم إليه قيل لهم : فإن أرض الله
واسعة ، وبلاده كثيرة، فلا تجتمعوا مع العجز، وتحولوا إلى بلاد أخر ،
واقتدوا بالأنبياء والصالحين فى مهاجرتهم إلى غير بلادهم ليزدادوا إحسانا
إلى إحسانهم، وطاعة إلى طاعتهم ... )) (١).
ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: «ياعبادي الذين
آمنوا إن أرضى واسعة فإاى فاعبدون كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا
ترجعون ).
ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الصابرين فقال: إنما يوفى الصابرون
أجرهم بغير حساب، أى: إنما يوفى الصابرون على مفارقة الأوطان، وعلى
تحمل الشدائد والمصائب فى سبيل إعلاء كلمة الله ..... يوفون أجرهم
العظيم على كل ذلك بغير حساب من الحاسبين . لأنهم لا يستطيعون معرفة
ما أعده - سبحانه - لهؤلاء الصابرين من عطاء جزيل ، ومن ثواب عظيم،
وإنما الذى يعرف ذلك هو الله - تعالى - وحده .
قال الإمام الشوكانى:(( أى: يوفيهم الله أجرهم فى مقابله مبرهم بما لا يقدر
على حصره حاصر، ولا يستطيع حسبانه حاسب ...
والحاصل أن الآية تدل على أن ثواب الصابرين وأجرهم لانهاية له، لأن
كل شىء يدخل تحت الحساب فهو متناه ، وما كان لا يدخل تحت الحساب
فهو غير متناه. وهى فضيلة عظيمة ومثوبة جليلة، تقتضى أن على كل راغب
فى ثواب الله، وطامع فيما عنده من الخير، أن يتوفر على الصبر ويزم نفسه
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ١١٧

٢٦٨
سورة الزمر
٠
بزمامه ، ويقيدها بقيده ، فإن الجزع لا يرد قضاء قد نزل ، ولا يجلب خيرا
قد سلب، ولا يدفع مكروها قد وقع ... (١).
ثم أمر - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يبين للناس
ما أمره به خالقه فقال: ((قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين)).
أى : قل لهم يا محمد إنى أمرت من قبل الله - عز وجل - أن أعبده عبادة
خالصة لا مجال معها للشرك أو الرياء، أو غير ذلك مما يتنافى مع الطاعة التامة
لخالقی- سبحانه -.
((وأمرت لأن أكون أول المسلمين، أى: أمرنى ربى بأن أخلص له
العبادة إخلاصا تاما وكاملا، لكى أكون على رأس المسلمين وجوههم له ،
حتی یقتدی بی الناس فى إخلاصی وطاعتی له - عز وجل -.
قال تعالى -: ((قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين.
لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين».
وقوله - سبحانه -: ((قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم»
بيان لسوء عاقبة الشرك والمشر كين .
أى: وقل لهم - أيها الرسول الكريم - إنى أخاف إن عصيت ربى، فلم
أخلصَ اء العبادة والطاعة، عذاب يوم عظيم الأهوال، شديد الحساب، وهو
يوم القيامة ، ولذلك فأنا لشدة خوفى من عذاب خالق، أكثرم إخلاصا له
- عز وجل - وإمتثالا لأمره، ومحافظة على طاعته.
((قل الله أعبد مخلصا له دينى، أى: وقل لهم - أيضا -: انه - تعالى.
وحده هو الذى أعبده عبادة لا يحوم حولها شرك، ولا يخالطها شىء من
الرياء أو التكلف .
(١) تفسير فتح القدير حـ ٤ ص ٤٥٤

٢٦٩
الجزء الثالث والعشرون
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يعلن
للناس بأسالب متنوعة، أنه لن يتراجع عن طاعته التامة لربه ، وأن عليهم
أن يتأسوا به فى ذلك .
قال الجمل: ((أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أولا - بأن
يخبرهم بأنه مأمور بالعبادة والإخلاص فيها ، وثانيا: بأن يخبرهم بأنه مأمور
بأن يكون أول من أطاع وانقاد وأسلم، وثالثا: بأن يخبرهم بخوفه من العذاب
على تقدير العصيان. ورابعا: بأن يخبرهم بأنه امتثل الأمر وانقاد وعبد الله
- تعالى - وأخلص له الدين على أبلغ وجه وأكده، إظهارا لتصلبه فى الدين ،
وحسما الأطماعهم الفارغة ، وتمهيدا لتهديدهم بقوله: «فاعبدوا ماشئتم من
دونه .... (١) .
فالأمر فى قوله - تعالى -: فاعبدوا ماشئتم من دونه ... ، للتهديد والتقريع
والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها .
والمعنى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم ـ أيها المشركون - من أنى أول
المسلمين وجوههم الله - تعالى - وحده، فاعبدوا ماشئتم أن تعبدوه من دونه
- عز وجل - فسترون عما قريب سوء عاقبة شرككم وجحودكم لنعم الله
- تعالى - .
وقوله: ((قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة،
بيان لسوء عاقبة من أعرض عن دعوة الحق وقوله: ((الذين خسروا .. »
خبر إن .
أى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين : ليس الخاسرون هم الذين أخلصوا
عبادتهم لله - تعالى - وحده - كمازعمتم - وإنما الخاسرون. هم الذين خسروا
أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ، بسبب إلقائهم فى النار ، وحر مانهم من النعيم
الذى أعده الله - تعالى - لعباده المؤمنين.
(١) سامية الجمل = ٣ ص ٥٩٤

٢٧٠.
سورة الزمر
وقال - سبحانه - خسروا أنفسهم وأهليهم، للإشعار بأن هؤلاء المشركين
لم يخسروا أنفسهم فقط بسبب دخولهم الغار، وإنما خسروا فوق ذلك أهليهم
لأنهم حيل بينهم وبين أهليهم، وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبو اعتهم ذهابا
لا رجوع بعده .
وجملة: ((ألا ذلك هو الخسران المبين، مستأنفة لتأكيد ما قبلها وتصديرها
بحرف التنبيه ، للإشعار بأن هذا الخسران الذى حل بهم قد بلغ الغاية
والنهاية فى بابه .
وقوله - سبحانه -: «هم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ... ))
تفصيل لهذا الخسر ان بعد نهو إله عن طريق الإبهام والإجمال .
والظلل: جمع ظلة، وأصلها السحابة التى تظل ماتحتها، والمراد بها هنا
طبقات النار التى تكون من فوقهم ومن تحتهم. وأطلق عليها هذا الاسم من
باب التهكم بهم ، إذ الأصل فى الظلل أنها تقى من الحر، بينما الظل التى فوق
المشركين ونحتهم محرقة .
أى: هؤلاء المشركين طبقات من النار من فوقهم، وطبقات أخرى من
النار من تحتهم ، فهم محاطون بها من كل جانب ، ولا يستطيعون
التغلت منها .
قال الجمل فى حاشيته: (( فإن قلت: الظلمة مافوق الإنسان فكيف سمى
ماتحته بالظلة ؟
قلت: فيه وجوه: الأول: أنه من باب إطلاق اسم أحد الضدين على
الآخر . الثاني: أن الذى تحته من النار يكون ظلة لآخر تحته فى النار لأنها
حركات . الثالث: أن الظلة التحتانية إذا كانت مشابهة الفوقائية فى الإيذاء
والحرارة، سميت باسمها لأجل المماثلة والمشابهة»(١).
(١) حادية الجمل على الجلالين = ٣ م ٥٩٤

٢٧١
الجزء الثالث والعشرون
واسم الإشارة فى قوله: (( ذلك الذى يخوف الله به عباده ... ، يعود إلى
العذاب الشديد الذى أعده - سبحانه - لأولئك المشركين.
أى: ذلك العذاب الشديد يخوف الله - تعالى - به عباده ، حتى يحذروا
ما يوصل إليه، ويحتذبوا كل قول أو فعل من شأنه أن يفضى إلى النار.
وقوله - تعالى -: ((يا عباد فاتقون، نداء منه - تعالى - للناس يدل على
رحمته بهم، وفضله عليهم أى: عليكم ياعبادى أن تلتزم واطاعتى ، وتجتذبوا
معصيتى، لكى تنالوا رضانى وجنى، وتبتعدوا عن سخطى ونارى .
وإلى هنا نرى هذه الآيات الكريمة قد بشرت الصابرين بالعطاء الذى
لا يعلم مقدار فضله إلا الله - تعالى -، وأمرت بإخلاص العبادة لله - سبحانه -
بأساليب متنوعة، وحذرت المشركين من سوء المصير إذا ما استمروا فى
شركهم وكفرهم.
وبعد أن بين - سبحانه - ما أعده للخاسرين من عذاب أليم، أقبع ذلك
ببيان ما أعده للمتقين من نعيم مقيم ، فقال - تعالى - :
((والذينَ اجتنَبُوا الطافوتَ أنْ يعْبُدوهاَ وأنابُوا إلى الله لَهُم
البُشْرَى فبشّر عبادٍ (١٧) الذين يستمعون القولَ فيَّبِعونَ أَحْسَنَهُ،
أولئِكَ الذينَ هدامَ اللهُ، وأولئِكَ مُ أولُوا الألبابِ (١٨) أفن -قّ
عليه كلمةُ العَذَابِ أَفْأَنتَ تُنقِذُ من فى النَّارِ (١٩) لكِنِ الذينَ اتَّقُوا
ريّم لَهُمْ فَرَفٌ من فوقِا غرفٌ مَّبِيةٌ تَجَرِى مِنْ تحتِماَ الأنهارُ ،
وَعْدَ اللهِ لا يخلِفُ اللهُ الميعادَ (٢٠)).
والطاغوت : يطلق على كل معبود سوى الله - تعالى - كالشيطان والأصنام

٢٧٢
سورة الزمر
وما يشبههما، مأخوذ من الطغيان، وهو مجاوزة الحد فى كل شىء. ويستعمل
فى الواحد والجمع والمذكر والمؤنث .
والاسم الموصول مبتدأ . وجملة ((أن يعبدوها، بدل اشتمال من
الطاغوت، وجملة («لهم البشرى ، هى الخبر.
والمعنى: والذين اجتنبوا عبادة الطاغوت، وكرهوا عبادة غير الله - تعالى-
أيا كان هذا المعبود ، وأقبلوا على الخضوع والخشوع له وحده-عز وجل -.
أولئك الذين يفعلون ذلك، لهم البشرى، العظيمة فى حياتهم ، وعند
ماتهم، وحين يقفون بين يدى الله - تعالى - للحساب يوم القيامة .
وقوله - تعالى -: «فبشر عباد، أى: فبشر - أيها الرسول الكريم - عباد
الذين هذه مناقبهم، وتلك صفاتهم ...
ثم وصفهم - سبحانه - بما يدل على صفاء عقولهم، وطهارة قلوبهم ،
٠٠ ..
فقال: ((الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه
والعلماء فى تفسير هذه الجملة الكريمة أقوال منها : أن المراد بالقول الذى
يتبعون أحسنه، ما يشمل تعاليم الإسلام كلها النابعة من الكتاب والسنة.
والمراد بالأحسن الواجب والأفضل ، مع جواز الأخذ بالمندوب
والحسن .
فهم يتركون العقاب مع أنه جائز، ويأخذون بالعفو لأنه الأفضل ،
كما قال - تعالى -,وإن تعفوا أقرب للتقوى ... ).
وكما قال - سبحانه -: ((وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ماعوقبتم به، ولئن
صبر تم لهو خير الصابرين)).
فيكون المعنى : الذين يستمعون الأقوال الحسنة والأشد حسنا
فيأخذون بما هو أشد حسنا ....

٢٧٣
الجزء الثالث والعشرون
ومنها : أن المراد بالقول هنا ما يشمل الأقوال كلها سواء أكانت طيبة
أم غير طيبة ، فهم يستمعون من الناس إلى أقوال متباينة ، فيقبعون الطيب
منها، وينبذون غيره .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه:«قوله: «الذين يستمعون القول فيتبعون
أحسنه .. ، هم الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم، وإنما أراد بهم أن يكونوا
مع الاجتناب والإنابة على هذه الصفة ... وأراد أن يكونوا نقادا فى الدين،
يميزون بين الحسن، والفاضل والأفضل، فإذا اعترضهم أمران: واجب
ومندوب، اختاروا الواجب ... فهم حريصون على فعل ماهو أكثر ثوابا
عند اله ...
وقيل: يستمعون القرآن وغيره فيقبعون القرآن. وقيل: إستمعون أوامر
الله فيقبعون أحسنها ؛ نحو القصاص والعفو، والانتصار والإغضاء ...
وعن إن عباس: هو الرجل يجلس مع القوم فيسمع الحديث فيه محاسن
ومساوىء، فيحدث بأحسن ما سمع، ويكف عما سواه ... )(١).
ويبدو أنما أن هذا القول الأخير المأثور عن ابن عباس - رضى الله عنهما-
هو أقرب الأقوال إلى الصواب ، لأنه هو الظاهر من معنى الجملة الكريمة.
وقوله - سبحانه -: ((أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب)»
ثناء آخر من اهه - تعالى - على هؤلاء المؤمنين الذين اجتنبوا عبادة
الطاغوت ، وأخلصوا فته - تعالى - العبادة.
أى: أولئك الذين هداهم - تعالى - إلى دينه الحق، وإلى الصراط المستقيم،
وأولئك هم أصحاب العقول السليمة ، والمدارك القويمة ، والقلوب الطاهرة ،
النقية ...
(١) تفسير الكشاف حـ ٤ ص ١٣١
/ ١٨ -- الزمر )

٢٧٤
سورة الزمر
قال الألوسى: « وفى الآية دلالة على حط قدر التقليد المحض، ولذا قيل:
شمر وكن فى أمور الدين مجتهدا ولا تكن مثل غير قيد فانقادا ..
واستدل بها على أن الهداية تحصل بفعل الله - تعالى - وقبول
النفس لها ..... (١).
ثم بين - سبحانه - أن من أصاحت به خطيئته ، لن يستطيع أحد
إنقاذه من العذاب، فقال - تعالى -ـ«أفن حقت عليه كلمة العذاب، أفأنت
تنقذ من فى النار ».
والاستفهام للنفى، والتقدير: أفمن وجب عليه العذاب بسبب إصراره
على كفره حتى النهاية، أفتستطيع أنت - أيها الرسول الكريم - أن تنقذه من
هذا المصير الألم؟ لا - أيها الرسول الكريم - إنك لا تستطيع ذلك، لأن
من سبق عليه قضاؤنا بأنه من أهل النار، بسبب استحبابه الكفر على الإيمان،
لن نستطيع أنت أو غيرك إنقاذه منها.
وقوله - تعالى -: «لكن الذين اتقواربهم لهم غرف من فوقها غرف
مبنية ... )، بيان لحسن عاقبة المؤمنين ، بعد بيان سوء عاقبة من حقت عليهم.
كلمة العذاب ..
والغرف جمع غرفة ، وقطلق على الحجرة التى تكون مرتفعة عن الأرض ..
أى: هذا حال الذين حقت عليهم كلمة العذاب ، أما حال الذين اتقوا ربهم
فيختلف اختلافا تاما عن غيرهم، فإن الله - تعالى - قد أعد لهم - على سبيل
التكريم والتشريف - غرفا من فوقها غرف أخرى مبنية ..
ووصفت بذلك للإشارة إلى أنها معدة ومهيأة لغزولهم فيها ، قبل أن
يقدموا عليها، زبادة فى تكر بمهم وحسن لقائهم .
(١) تفسير الآلوسي = ٢٣ ص ٠٢٥٣

٢٧٥
الجزء الثالث والعشرون
وهذه الغرف جمعهاتجرى من تحتها الأنهار، ليكون ذلك أدعى إلى
زيادة سرورهم .
وقوله - تعالى -ـ ((وعد الله لا يخلف الله الميعاد، تذييل مؤ كد لمضمون
ما قبله من كون المتقين لهم تلك الغرف المبنية. ولفظ ((وعد، مصدر
منصوب بفعل مقدر .
أى: وعدهم الله - تعالى - بذلك وعدا لا يخلفه ؛ لأنه - سبحانه - ليس
من شأنه أن يخلف الموعد الذى يعده لعباده.
وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية بعض الأحاديث، منها
مارواه الإمام أحمد عن أبى مالك الأشعرى ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم « إن فى الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، أعدها الله
لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وعلى والناس نيام، (١).
وبذلك ترى هذه الآيات الكريمة قد بشرت المتقين بأحسن البشارات
وأكرمها، وتوعدت المصرين على كفرهم وبجورهم باستحالة إنقاذهم من
عذاب النار .
ثم ضرب - سبحانه - مثلا لسرعة زوال الحياة الدنيا، وقرب اضمحلال
هجرتها، كما بين حال من شرح الله صدره الإسلام فقال - تعالى -:
((ألَّمْ تَر أنَّ الله أنْزَل من السَّماء ماءَ فَسلكه ينَبِيعَ فى الأرْضِ
ثم يُخْرِجُ بِهِ زَرْعَاً مختلفاً ألوانُه، ثم يَبِيجُ فَتَراهُ مُعْفَراً ثم يحملُهُ
حُظَاماً ، إنّ فى ذلكَ لذِكْرى لأولِ الألبابِ (٢١) أَفَنْ شرحَ الهُ
صَدْرَهُ للإِسلامِ فَهو عَلَى أُورٍ من ربِّ فَويل للقاسِيةِ قُلُوبُهُم مِنْ ذِكْر
اللهِ أولئِكَ فى ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢))).
(١) راجم تفسير ابن كثير - ٧ ص ٨.١

٢٧٦
سورة الزمر
والاستفهام فى قوله - تعالى -: ((ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء ....
للتقرير .
والينابيع : جمع ينبوغ ، وهو المنبع أو المجرى الذى يكون فى بامان
الأرض ، والذى يحمل الكثير من المياه الجارية أو المخزونة فى جوف الأرض.
والمعنى: لقد علمت - أيها العاقل - أن الله - تعالى - أنزل من السحب
المرتفعة فى جو السماء، ماء كثيرا ، فأدخله بقدرته فى عيون ومسارب فى
الأرض ، هذه العيون والمسارب تارة تكون ظاهرة على وجه الأرض،
وتارة تكون فى باطنها ، وكل ذلك من أعظم الأدلة على قدرة الله - تعالى -
ورحمته بعباده.
ثم بين - سبحانه - مظهرا آخر من مظاهر قدرته فقال: «ثم يخرج به
زرعا مختلفا ألوانه ....
أى: هذا الماء الذى أنزله - سبحانه - بقدرته من السماء، قد سلك ينابيع
فى الأرض، ثم يخرج بسبب هذا الماء زرعا مختلفا فى ألوانه وفى أشكاله، فنه
ما هو أخضر ومنه ما هو أصفر، ومنه ما ليس كذلك مما يدل على كال قدرة
الله - تعالى -.
وقوله - تعالى -: ((ثم يهمج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما، بيان لمظهر
ثالث من مظاهر قدرته - عز وجل - ..
والفعل ((يهيج)) مأخوذ من الهيج بمعنى اليبس والجفاف. يقال: هاج
النبات هيجا وهياجا، إذا يبس واصفر . أو مأخوذ من الهيج بمعنى شدة
الحركة . يقال: هاج الشىء يهيج، إذا ثار لمشقة أو ضرر، ثم، ثم بعقب ذلك
الهيجان الجفاف واليبس ..
أى: ثم يصاب هذا الزرع المختلف الألوان بالجفاف والضمور، فتراه
مصفرا من بعد أخضراه ونضارته ، ثم يجعله - سبحانه - حطاما، أى : فتاتا
متكسرا. يقال: حطم - من باب تعب - إذا تكسر وتفتت وتحطم.

٢٧٧
الجزء الثالث والعشرون
((إن فى ذلك)) الذى ذكر ناه من إنزال الماء من السماء، ومن سلكه ينا بيع
فى الأرض، ومن إخراج النبات المختلف الألوان بسبه ((لآيات، عظيمة
, لأولى الألباب)».
أى: لأصحاب العقول السليمة، والأفكار القويمة .
والمقصود من هذه الآية الكريمة ، التحذير من الانهماك فى الحياة الدنيا
ومتعها، حيث شبهها - سبحانه - فى سرعة زوالها وقرب اضمحلالها - بالزرع
الذى يبدو مخضرا وناضرا ... ثم يعقب ذلك الجفاف والذبول
والاضمحلال .
+
وفى هذا المعنى وردت آيات كثيرة، منها قوله - تعالى -: ((واضرب لهم
مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختاط به نبات الأرض، فأصبح
هشيما تذروه الرياح، وكان الله على كل شىء مقتدرا).
ثم نفى - سبحانه - المساواة بين المؤمن والكافر، وبين المهتدى والضال ،
فقال: (( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على أور من ربه ... )).
أى: أفمن شرح الله - تعالى - صدره للإسلام، وجعله مستعدا لقبول
الحق فهو بمقتضى هذا الشرح والقبول صار على نور وهداية من ربه ، کمن
قا قلبه وغلظ، وأصبح أسيرا للظلمات والأوهام ...
لا شك أنهما لا يستويان فى عقل أى عاقل ...
فالاستفهام الإنكار والنفى، و((من)، اسم موصول مبتدأ، والخبر محذوف
ادلالة قو - تعالى -، فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله)) عليه.
.. "
أى : فهلاك وخزى لأولئك المشركين الذين قست قلوبهم من أجل ذكر
الله - تعالى -، الذى من شأنه أن تلين له القلوب، ولكن هؤلاء الكافرين
(١) سورة الكهف الآية ٤٥

٢٧٨
سورة الزمر
إذا ماذكر الله - تعالى -، اشمازت قلوبهم ، وقست نفوسهم ، لانطماس
بصائرهم ، واستحواذ الشيطان عليهم .
ومنهم من جعل ((من)) فى قوله ((من ذكر الله)) بمعنى عن. أى: فويل
للقاسية قلوبهم عن قبول ذكر الله وطاعته وخشبته.
قال صاحب الكشاف:(( قوله: (( من ذكر الله، أى: من أجل ذكره،
أى: إذا ذكر الله عندهم أو آيانه اشمازوا، وازدادت قلوبهم قساوة، كقوله
- تعالى -: ((فزادتهم رجا إلى رجسهم) وقرىء: عن ذكر الله.
فإن قلت: ما الفرق بين من وعن فى هذا؟ قلت: إذا قلت قسا قلبه من ذكر
الله، فالمعنى ما ذكرت، من أن القسوة من أجل الذكر وبسببه. وإذا قلت:
عن ذكر الله، فالمعنى: غلظ عن قبول الذكر وجفا عنه. ونظيره: سقاه من
العيمة. أى: من أجل عطشه. وسقاه عن العيمة، إذا أرواه حتى أبعده عن
العطش،(١) .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان مآل هؤلاء الذين قست قلوبهم.
فقال: ( أولئك فى ضلال مبين)).
أى: أولئك المتصفون بتلك الصفات الذميمة فى ضلال واضح عن
الصراط المستقيم.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره
للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد فى السماء،
كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون)(٢).
(١) تفسير الكفاف جـ ٤ ص١٢٢
(٢) سورة الأنعام . الآية ١٢٢

٢٧٩
الجزء الثالث والعشرون
ثم مدح - سبحانه - كتابه مدما يليق به ، وبين حال المؤمنين الصادقين
عند سماعه، وسلى نبيه - صلى اله عليه وسلم - عما أصابه من أعدائه. فقال
- تعالى - :
((الُهُ نَزَّلَ أحْسنَ الحديثِ كتاباً متَشَابِها مثَانِىَ تقشَمِرُ منهُ جُلُودُ
الذين يخشَوْن ريِهم، ثم تلينُ جلودُهُ وقلوبُهم إلى ذِكْرِ الله، ذلكَ
هَدَى الّهِ يَهَدِى به مَن يشاء،َ ومَنْ يُضِلِل اللهُ فما لهُ مِنْ هَدٍ (٢٣)
أفْنْ يَتَّقِى بَوَجِهِ سوء العذَابِ يومَ القيامةِ، وقيلَ الْظَالِنَ ذُوقُوا
ما كتّمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كذّبَ الذينَ مِنْ قِيلِهِمْ، فَأَتَامُ العذابُ مِنْ
حيثُ لا يشعرونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ الله الْخِزْىَ فى الحياةِ الدُّنْياً، ولعذّاب
الآخرةِ أكبرُ لو كانُوا يمَونَ (٢٦)».
وقوله - تعالى -: ((مثانى، جمع مثنى من التثنية بمعنى التكرير والإعادة
ولذا سميت سورة الفاتحة بالسبع المثانى، لأنها تكرر وتعاد مع كل
صلاة .
ن
أى: الله - تعالى - نزل بفضله ورحمته عليك ـ يا محمد - أحسن الحديث
, كتابا متشابها، أى: يشبه بعضه بعضا فى فصاحته وبلاغته، وفى نظمه
وإعجازه، وفى صحة معانيه وأحكامه ، وفى صدقه وهداياته وإرشاداته إلى
ما يسعد الناس فى دنياه وآخرتهم ...
((مثانى، أى: تقنى وتكرر فيه القصص والمواعظ، والأمثال والأحكام
والوعد والوعيد، كما تثنى وتكرر قراءة فلا تمل على كثرة التردد، وإنما
يزداد المؤمنون حبا وتعلقا بتلاوته كذا أكثروا من هذه التلاوة .

٢٨٠
سورة الزمر
وسمى - سبحانه - كتابه حديثا، لأن النى - صلى الله عليه وسلم - كان
يحدث به قومه ، ويخبرهم بما كان ينزل عليه منه . فلفظ الحديث هنا بمعنى
المحدث به لا بمعنى كونه مقابلا القديم .
ولفظ، كتابا، بدل من قوله ((أحسن الحديث)). وقوله: (( متشابها
مثانى، صفتان للكتاب . ..
ووصف بهما وهو مفرد وهما جمع، باعتبار اشتماله على الكثير من السوق
والآيات والقصص والمواعظ والأحكام ...
أى: الله - تعالى - أنزل أحسن الحديث كتابا مشتملا على السور
والآيات والمواعظ ٠٠٠ التى يشبه بعضها فى الإعجاز ... والتى تثنى وتكرر
فلا تمل على كثرة التكرار ...
ورحم الله صاحب الكشاف فقدٌ أجاد عند تفسيره لهذه الآية فقال
ما ملخصه:((وإيقاع اسم الله مبتدأ، وبناء (منزل، عليه، فيه تفخم لأحسن
الحديث ورفع منه، واستشهاد على حسنه ، وتأكيد لاستناده إلى الله ، وأنه
من عنده ، وأن مثله لا يجوز أن يصدر إلا عنه، وتنبيه على أنه وحى معجز
مباين لسائر الأحاديث .
فإن قلت : كيف وصف الواحد بالجمع؟ قلت: إنما صح ذلك لأن الكتاب
جملة ذات تفاصيل ، وتفاصيل الشىء هى جملته لا غير ، ألا تراك تقول :
القرآن سور وآيات ... كما تقول الإنسان عظام وعروق، فإن قلت: ما فائدة
التقنية والتكرير؟ قلت: النفوس أنفر شىء عن حديث الوعظ والنصيحة ،
فما يكرر عليها عودا عن بده لم يرسخ فيها، ولم يعمل عمله، ومن ثم كانت
عادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكرر عليهم ما كان يعظ به وينصح
ثلاث مرات، ايركزه فى قلوبهم، كى يغرسه فى صدورم ... »(١).
(١) تفسير الكشاف حـ ٤ ص٠١٢٣