Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
الجزء الثالث والعشرون
((واذكُرْ عبادَنَاَ إبراهيمَ وإسْحاقَ ويعقوبَ أُولِ الأيدِى،
والأبصارِ (٤٥) وإنَّا أَخْلَصْنَمُ بِخَلِصَةٍ ذِكْرَى الدارِ (٤٦) وإنّهم عندنا
لِنَ المُعْطَفينَ الأخيارِ (٤٧) واذْ كُر إسماعيلَ واليَسَعُ وذَا الكِفْلِ
وكلُّ من الأخْيارِ (٤٨)» .
أى: واذكر - أيها الرسول الكريم - حال عبادنا إبراهيم وإسحاق،
ويعقوب، أصحاب القوة فى الطاعة، وأصحاب البصيرة المشرقة الواعية فى
أمور الدين .
فالأيدى مجاز مرسل عن القوة. والأبصار جمع بصر بمعنى بصيرة على
سبيل المجاز - أيضا - ويصح أن يكون المراد بقوله: (أولى الأبدى
والأبصار، أى: أصحاب الأعمال الجليلة، والعلوم الشريفة، فيكون ذكر
الأيدى من باب ذكر السبب وإرادة المسبب، والأبصار بمعنى البصائر لأن
عن طريقها تكون العلوم النافعة .
قال صاحب الكشاف:«قوله: ((أولى الأيدى والأبصار) يريد: أولى
الأعمال والفكر ، كأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة ، ولا يجاهدون فى الله
ولا يفكرون أفكار ذوى الديانات، ولا يستبصرون، كان هؤلاء فى حكم
الزمنى - أى المرضى - الذين لا يقدرون على إعمال جوازحهم . والمسلوبى
العقول الذين لا استبصار بهم . وفيه تعريض بكل من لم يكن من عمال اله،
ولا من المستنصرين فى دين الله ، وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتأمل، مع
كونهم متمكنين منهما ... ،(!).
ثم بين - سبحانه - أسباب وصفهم بتلك الأوصاف الكريمة، فقال
تعالى -: ((إذا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار٠٠٠،.
(١) السير الكشاف ج ٤ ص ٦٩

٢٢٢
سورة صن
ومعنى: ((أخلصنام)): خالصين لطاعتنا وعبادتنا. والباء فى قوله
«مخالصة، السببية، وخالصة اسم فاعل. والتنوين فيها للتفخيم، وهى صفة
لمحذوف .
و((ذكرى الدار) بيان لها بعد إبهامها للتفخيم. ومحلها النصب بإضمار
أعنى، أو الرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف أى: هى.
و((ذكرى)) مصدر مضاف لمفعوله، وتعريف الدار للعهد. أى : الدار
الآخرة .
والمعنى: إنا جعلنا هؤلاء العباد وم إبراهيم وإسحاق ويعقوب، خالصين
لطاعتنا وعبادتنا، متبعين لأوامرنا ونواهينا، لاتصافهم بخصلة خالصة من
كل مالا يرضينا ؛ وهى تذكرهم للدار الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب.
وقرأ نافع « بخالصة)) بدون تنوين على الإضافة لذكرى، من إضافة
الصفة إلى الموصوف، أو المصدر لفاءله إن جعلت خلاصة مصدرا كالعافية.
أى : أخلصناهم بأن خلصت لهم ذكرى الدار.
ثم أثنى عليهم - سبحانه - بقنا. آخر فقال :. وإنهم عندنا لمن
المصطفين الأخيار ،.
أى: وإن هؤلاء العباد لهم عندنا من اصطفينام لحمل رسالتنا، واخترنام
لتبليغ دعوتنا، ومن العباد الأخيار. أى: الذين يفضلون على غيرهم فى المناقب
الحميدة، والصفات الكريمة. جمع خير - بإسكان الياء - أفعل تفضيل.
ثم أثنى - سبحانه - على عدد آخر من عباده الصالحين فقال: ((واذكر
إسماعيل واليسع وذو الكفل وكل من الأخيار ، .
وإسماعيل هو ابن إبراهيم - عليهما السلام-، ولم يذكر فيما سبق مع أبيه
ومع أخيه إسحاق، ومع ابن أخيه يعقوب، اعتناء بشأنه، وللإشارة إلى
عراقته فى الصبر وفى تحمل الشدائد.

٢٢٣
الجزء الثالث والعشرون
واليسع: هو ابن شافاط أو أخطوب: قيل استخلفه إلياس من بعده على
بنى إسرائيل، ثم منحه الله - تعالى - النبوة. وكانت وفاته فى حوالى سنة ٨٤
ق م. ودفن بالسامرة.
وذا الكفل: قيل هو ابن أيوب . بعثه الله - تعالى - بعد أبيه، وكان مقيما
بالشام . والأكثرون على أنه فى اذكره معهم.
وقيل: هو رجل صالح من بنى إسرائيل، ولم يكن نبيا، وسمى بذلك
لأنه تكفل لأحد أنبيائهم بالقيام بالطاعات فو فى بذلك .
والتغوين فى قوله - تعالى -: « وكل من الأخيار) عوض عن المضاف
إليه. أى: وكل هؤلاء العباد الذين ذكر فاهم، من أهل الخير والفضل
والصلاح والصبر على الأذى .
ثم عقبت السورة الكريمة على ذلك، بعقد مقارنة بين عاقبة المؤمنين
الصادقين، وعاقبة الكافرين الجاحدين، وذكرت جانبا ما يدور بين أمل
النار من مجادلات .. فقال - تعالى - :
((هذَا ذِكْرٌ وإنَّ للمتقينَ لحسنُ مَآَبٍ (٤٩) جَّاتٍ عَدْنٍ مفتَّحةً
لهم الأبوابُ (٥٠) متكئِنَ فيها يَدْعُونَ فيها بفاكهةٍ كثيرةٍ وشرابٍ (٥١)
وعندمُ قاصرات الطرفِ أترابٌ (٥٢) هذَا ما توعدُونَ ليومٍ
الحسابِ (٥٣) إِنَّ هذا لرزْقُنَاَ مالهُ مِنْ نفادِ (٥٤) هذا وإنّ الطَّاغِينَ
الشرَّ مَآب (٥٥) جَهَّم يصلَوْنها فبِسَ المبادُ (٥٦) هذا فَلِيذُ وقُوهُ
حيمٌ وغسَّاقٌ (٥٧) وآخرُ من شَكلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هذا فوجٌ مُقتحِمٌ

٢٢٤
سورة ص
معُكُمْ لامَرْحباً بهِمْ إِنَّمَ مَلُوا النَّارِ (٥٩) قَالُوا بِلْ أَنتُمْ لا مرحباًبكُم،
أنْتُم قدَّمْتموهُ لناَ فَبْسَ القرارُ (٦٠) قالُوا ربَّناً مَن قدَّمَ لناَ هذا فزِذْهُ
عذاباً ضِعْفاً فى النارِ (٦١) وقالُوا مالناً لا نرى رِجَالاً كَنَّا نَعُدُمُ من
الأشْرَار (٦٢) اتَّخْذِنَامُ سِخْرًا أم زَاغَتْ عنْهُم الأبصارُ (٦٣) إنَّ ذَلِكَ
لقّ تخاصمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤))).
واسم الإشارة فى قوله - تعالى -: ((هذا ذكر، يعود إلى ماذكره
- سبحانه - فى الآيات السابقة، عن هؤلاء الأنبياء من ثناء وتكريم. والذكر:
الشرف والفصل.
هـ
أى: هذا الذى ذكر ناه عن هؤلاء الأنبياء شرف لهم ، وذكر جميل
یذ کرون به إلی أن يرث الله الأرض ومن عليها.
قال الآلوسى: ((هذا، إشارة إلى ما تقدم من الآيات الناطقة بمحاسنهم
« ذكر، أى: شرف لهم ... والمراد أن فى ذكر قصصهم ... شرف
عظيم لهم .
أو المعنى: هذا المذكور من الآيات نوع من الذكر الذى هو القرآن،
وذكر ذلك للانتقال من نوع من الكلام إلى آخر ، كما يقول الجاحظ فى
كتبه : فهذا باب ، ثم يشرع فى باب آخر .
ويقول الكاتب إذا فرغ من فصل من كتابه وأراد الشروع فى آخر :
هذا، وكان كيت وكيت ، ويحذف على ماقيل الخبر فى مثل ذلك كثيرا ، وعليه
(هذا وإن للطاغين لشر مآب ... ))(١).
(١) تفسير الألوسى ج ٢٣ ص ٠٢١٢

٢٢٠
الجزء الثالث والعشرون
وقوله - تعالى -: «وإن للمتقين لحسن مآب، بيان لما أعدد هم - سبحانه-
فى الآخرة من عطاء جزيل ، وثواب عظيم.
والمآب: اسم مكان من آب فلان يؤوب إذا رجع. والمراد بالمتقين:
كل من تحققت فيه صفة التقوى والخوف من الله - تعالى -، وعلى رأسهم
الأنبياء الذين اصطفاهم الله - تعالى - وإخبارهم لتبليغ رسالته
أى: وإن المتقين فى الآخرة لمنزل كريم يرجعون إليه فى الآخرة ،
فيجدون فيه مالا عين رأت، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر.
ثم فصل - سبحانه - ما أعده لهم فى الآخرة من تكريم فقال: «جنات
عدن مفتحة لهم الأبواب ،.
والعدن فى اللغة: الإقامة الدائمة فى المكان . يقال: عدن فلان مكان
كذا، إذا أقام به إقامة دائمة . وجنات: بدل اشمال من قوله: (( حسن آب))
أى: هؤلاء المتقون أكرمناهم فى الدنيا بالذكر الحسن، ونكرههم فى
الآخرة بأن ندخلهم جنات عظيمة دخولا دائما مؤبدا، وقد فتحت أبوابها
على سبيل التكريم لهم، والحفاوة بمقدمهم.
(((متكئين فيها .. ، أى: فى تلك الجنات . واقتصب لفظ ((متككتين))
على الحال من ضمير «لهم، والعامل فيه قوله (مفتحة).
وقوله: « بدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب، استئناف لمبيان حالهم فى
الجنات، أو حال - أيضا - من ضمير ((لهم)).
أى: أن المتقين لهم جنات عظيمه. فاتحة لهم أبوابها على سبيل التكريم،
ويجلسون فيها جلسة الآمن المطمئنة المنعم، حيث يتكثون ويستندون على
الآرائك، ويطلبون أنواعا كثيره من الفاكهة اللذيذة، ومن الشراب الطيب،
فيلبى طلبهم فى الحال .
ثم يضاف إلى هذه الفاكهة والشراب، وما بينه - سبحانه - فى قوله :
(وعندهم قاصرات الطرف أتراب،.
( ١٥ - س )

٢٢٦
سورة ص
أى: وعندهم فضلا عن كل ما تقدم نساء ذوات حياء، قد قصرن أعينهن
على أزواجهن فلا يتطلعن إلى غيرهم، ولشدة محبتهن لهم، وهن متساويات فى
السن والجمال والأخلاق الكريمة .
فمعنى أراب: أنهن متساويات فى السن والجمال والشباب. مأخوذ من
التراب ، لأن التراب يمسهن فى وقت واحد لاتحاد مولدهن: أو من الترائب؟
وهى عظام الصدر المماثلة .
ثم بين - سبحانه - أن هذا العطاء العظيم مقابل عملهم الصالح فى الدنيا
فقال : « هذا ما تو عدون ليوم الحساب)) .
واللام فى قوله . ليوم، للتعليل، أى: هذا الذى ذكر ناه لكم من نعيم
الجنات ، هو جزاء إيمانكم وعملكم الصالح من أجل يوم الحساب.
ثم ختم - سبحانه - جزاءهم ببيان أنه جزاء خالد لا ينقطع ولا ينقص
فقال: «إن هذا لرزقنا ماله من نفاد)).
أى: إن هذا الذى ذكر ناه لمكم - أيها المتقون - من الجنات وما اشتملت
عليه من نعيم، هو رزقنا الدائم لكم ، وليس له من نفاد أو انقطاع أو
انتقاص . يقال نفد الشىء نفادا ونفدا، إذا فنى وهلك وذهب.
ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: «إن الذين آمنوا
وعملوا الصالحات لهم أجر غير منون)). أى غير مقطوع .
وبعد هذا الحديث الذى يشرح الصدور عن المؤمنين وحسن عاقبتهم .
جاء الحديث عن الكافرين وسوء مصيرهم - كما هى عادة القرآن الكريم فى
قرن الترغيب بالترهيب - فقال - تعالى -: «هذا وإن للطاغين الشر
م.آب )) .
واسم الإشارة هنا خبر لمبتدأ محذوف. أى الأمر هذا. أو مبتدأ محذوف
الخبر أى : هذا للمؤمنين .

٢٢٧
الجزء الثالث والعشرون
وجملة ،وإن للطاغين لشر مآب)) معطوفة على جملة هذا على التقديرين.
أى: الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - بالنسبة للمتقين ،
أما الطاغون الذين تجاوزوا الحدود فى الكفر والجحود والإعراض عن الحق،
فإن مرجعهم إلينا سيكون شر مرجع، بسبب إصرارهم على كفرهم.
(((جهنم يصلونها فيئس المهاد)) أى: إذا كان المتقون يدخلون الجنات التى
فتحت لهم أبوابها، فإن الطاغين تستقبلهم جهنم بعيرها ولهيبها فيلقون فيها
ويفترشون نارها ، وبئست هى فراشا ومهادا .
«هذا فليذوقوه حميم وغساق، واسم الإشارة هنا (مرفوع على
الابتداء، وخبره قوله (( حجم وغساق))، وما بينهما اعتراض.
والحميم : الماء الذى بلغ النهاية فى الحرارة والغاق: صديد يسبل من
أجساد أهل النار. مأخوذ من قولهم غسق الجرح - كضرب وسمع - غسقانا
إذا سال منه الصديد وما يشبهه .
أى : هذا هو عذابنا الذى أعددناه لهم، يتمثل فى ماء بلغ الغاية فى
الحرارة، وفى قيح وصديد يسيلان من أجسادهم ، فليذوقواكل ذلك جزاء
كفرتم وجحودم.
(« وآخر من شكله أزواج، أى: ليس عذابهم مقصورا على الحميم والفساق،
بل لهم أنواع أخرى من العذاب، تشبه فى شكلها وفى فظاعتها وفى شدتها ،
الحميم والغساق.
فقوله ((وآخر)) مبتدأ، وقوله (( من شكله)) صفته، وقوله: ((أزواج،
خبره .
والآية الكريمة معطوفة على الآية التى قبلها .
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما يقوله أهل النار بعضهم لبعض على سبيل

٢٢٨
سورة ص
الندم والتحسر والتقريع، فقال: « هذا فوج مقتحم معكم ، لامرحبابهم أنهم
صالوا النار)).
والفوج : الجمع الكثير من الناس، والاقتحام: ركوب الشدة والدخول
فيها . يقال: قحم فلان نفسه فى الأمر ، إذا رمى نفسه فيه من غير روية .
أى: قال الكفار بعضهم لبعض بعد أن رأوا غيرهم يلقى النار معهم، أو
قالت الملائكة لهم على سبيل التقريع والتأنيب :«هذا فو ج)» أی جمع کثیرمن
أتباعكم وإخوانكم فى الضلال .
« مقتحم معكم، أى : داخل معكم النار کرها و علی غیر إختيار منه ،وإنما
يساق إليها سوقا فى ذلة ومهانة .
وهنا يقول زعماء الكفر: ((لا مرحبابهم أنهم صالوا النار، أى: لا مرحبا
ولا أهلا بهؤلاء الداخلين فى النار معنا، لأنهم سيصلون سعيرها مثلنا ، وأن
يستطيعوا أن يدفعوا شيئا من حرها عنا ...
فقوله ((مرحبا)) مفعول به لفعل محذوف وجوبا، والتقدير: أتوا معنا
لامرحبا بهم. والجملة دعائية لا محل لها من الإعراب أى: لا أتوا مكانا رحبا
بل ضيقا، وهنا يحكى القرآن رد الفوج المقتحم للنار معهم فيقول: «قالوا بل
أنتم لا مرحبا بكم ....
أى: قال الداخلون فى النار وهم الأتباع لرؤسساتهم: بل أنتم الذين
لا مرحبا بكم، وإنما الضيق والهلاك لكم.
« أنتم قدمتموه لنا فيفى القرار، أى: لا مرحبا بكم لأنكم أنتم أيها
الزعماء الذين تسبيتم لنا دخول النار معكم، إذ دعو تمونا فى الدنيا إلى الكفر
فأقبمنا كم، فبئس القزار والمنزل لنا ولكم جهنم .
٢٠٨.

٢٢٩
الجزء الثالث والعشرون
فالجملة السكريمة تعليل لأحقية الرؤساء بدخول النار، ويقولها الأتباع
على سبيل التشفى منهم .
ثم يضيفون إلى ذلك قولهم: «ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا
فى النار ..
أى: باربنا من كان سببا فى نزول هذا العذاب بنا ، فزده عذابا مضاعفا
فى النار، لأننا لولا هؤلاء الرؤساء وإضلاطم لنا، لما صرنا إلى هذا المصير
الألم .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - حكاية عنهم: ((وقالوا ربنا إنا أطعنا
سادتنا وكبراءنا فأصلونا السبيلا . ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم احنا
كبیرا ،.
ثم حكى -سبحانه - ما يقوله أئمة الكفر، عندما يدورون بأعينهم فى الغار،
فلا يرون المؤمنين الذين كانوا يستهزئون بهم فى الدنيا فقال: ((وقالوا
مالنا لاترى رجالا كنا نعدهم من الأشرار .. ».
أى: وقال رؤساء المكفر على سبيل التحسر والتعجب وهم ملقون فى النار
مالنا لا ترى معنا فى جهنم رجالا من فقراء المؤمنين، كنا نعدهم فى الدنيا من
الأراذل الأخساء، سوء حالهم، وقلة ذات يدهم.
قال القرطبى : « قال ابن عباس: يريدون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم-
أبو جهل: أين بلال؟ أين صهيب؟ أين عمار؟ أولئك فى الفردس، واعجبا
لأبى جهل يقول! مسكين أسلم ابنة عكرمة، وابنته جويرية، وأسلمت أمه،
وأسلم أخوه، وكفر هو . قال:
وموضع رجلى منه أسود مظلم،(١)
ونورا أضاء الأرض شرقا ومغربا
ثم حكى القرآن ماسأله هؤلاء المشركون لأنفسهم عندما تلفتوافى النار ،
(١) تفسير القرطبى = ١٥ ص ٢٢٤

٢٣٠
سورة ض
فلم يجدوا أحدا من المؤمنين الذين كانوا يصفونهم بأنهم من الأشرار فقال:
( أخذناهم -خر با، أم زاغت عنهم الأبصار)).
أى: أنهم بعدأن دخلوا النار أخذوايدورون بأعينهم فيها فلم يروا المؤمنين
الذين كانوا يستهزئون به فى الدنيا، فقالوا فيما بينهم: ما بالنا لانرى
الرجال الذين كنا نسخر منهم فى الدنيا ، ألم يدخلوا معنا النار ؟ أم دخلوها
ولكن أبصارنا لا ترامٍ وزاغت عنهم؟.
فهم يتحسرون على أحوالهم البائسة بعد أن وجدوا أنفسهم فى النار ،
وليس معهم من كانوا يسخرون منهم فى الدنيا وهم فقراء المؤمنين .
قال صاحب الكشاف: (قوله: ((أتخذناهم سخريا) قرىء بلفظ الإخبار
على أنه صفة لقوله ((رجالا، مثل قوله ((كنا نعدهم من الأشرار)). وقرى.
بهمزة الاستفهام على أنه إنكار على أنفسهم وتأنيب لها فى الاستسخار منهم .
وقوله: (( أم زاغت عنهم الأبصار، له وجهان من الاتصال: أحدهما:
أن يتصل بقوله: (( مالنا)).
أى: مالنا لا تراهم فى النار ؟ كأنهم ليسوا فيها، بل أزاغت عنهم أبصارنا
فلا ترام وهم فيها ؟ قسموا امرهم بين أن يكونوا من أهل الجنة وبين أن
یکو نوامن أهل النار ، إلا أنهم ختی علیهم مكانهم
الوجه الثاني: أن يتصل باتخذ ناهم سخريا ... على معنى أن الفعلين فعلنا
بهم: الاستسخار منهم، أم الازدراء بهم والتحقير، وأن أبصارنا كانتتعلو
عنهم وتقتحمهم، على معنى إنكار الأمرين جميعا على أنفسهم ... )،(٤).
واسم الإشارة فى قوله - تعالى -: « إن ذلك لحق تخاصم أهل النار،
يعود إلى التخاصم الذى حكى عنهم .
وقوله: (( لحق، خبر إن. وقوله: « تخاصم)، خبر لمبتدأ محذوف، والجملة
بيان لاسم الإشارة ، وفى الإبهام أولا والتبيين ثانيا . زيد تقرير له.
(١) تفسير الكشاف حـ ٤ من ١٠٢

٢٣١
الجزء الثالث والعشرون
أى إن ذلك الذى قصصناه عليك - أيها الرسول الكريم - من تخاصم
أهل النار فيما بينهم وتلاعنهم ... حق لاشك فيه، وثابت ثبوتا لايختلف
عليه عاقلان .
وبذلك تكون الآيات الكريمة قدساقت بأبلغ بيان ما أعده الله - تعالى-
للمتقين من ثواب ، وما أعده للطاغين من عقاب.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتلقين رسوله - صلى الله عليه وسلم-
الرد الذى يرد به على المشركين المعترضين على دعوته، وببيان موقف إميس
من أمر اقه - تعالى - له بالسجود لآدم وبيان ما أعده - سبحانه - لإبليس
وجنده من عذاب. فقال - تعالى .:
(قلْ إِنَّا أَنَا مُنذِرِ، وما مِنْ إلهٍ إلا اللهُ الواحدَ القَّارُ (٦٥) ربُ
السَّواتِ وِالأرْضِ وما بينَهُما العزيز الغفارُ (٦٦) قل هو نبأ عظيمٌ (٦٧)
أنْتُمْ عِنْهُ مُعرضون (٦٨) ما كاذَلِىَ مِنْ عَلْ بِاللَإِ الأعْلَى إذ يُخْتَصِمُونَ (٦٩)
إِنْ يُوحَى إِلىَّ إلاَّ أنَّا أنا نذيرٌ مبينٌ (٧٠) إذْ قالَ ربُّكَ للملائكة إنى
خالِقٌ بشراً منْ طينٍ (٧١) فَإذا سوَّيْتُه وتفختُ فيهِ من رُوحِى نقُوا
لهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فسجَد الملائِكَةُ كلُّهم أَنْعُونَ (٧٣) إلاَّ إبليسَ
استكبَر وَكان من الكافرينَ (٧٤) قالَ يا إبليسُ ما منّعَكَ أنْ نسجدً
لماَ غَلَقْتُ بَيَدِىَّ، أستكَبَرْتَ أم كنتَ من العالينَ (٧٥) قالَ أنا خيرٌ
مِنْهُ خَلَقْتَنِ من نارٍ وخَلَقْتَّهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَالَ فاخرُج منها فإنَّكَ
رَجِيمٌ (٧٧) وإنَّ عليكَ لَمْنَتِى إلى يَوْمِ الدينِ (٧٨) قالَ رَبٌّ فَأَنْظِرْ نى

٢٣٢
سورة ص
إلى يَوْمٍ يُبْتُونَ (٧٩) قالَ فإنَّكَ من المنظرينّ (٨٠) إلى يومِ الوقتِ
المُغُلُوم (٨١) قَالَ فَِزَّتِكَ لْأهوِ ينَهُم أَنْعينَ (٨٢) إلاَّ عبادِكَ مِنْهُمْ
المخلَصِينَ (٨٣) قالَ فالحقُّ والحقَّ أَقولُ (٨٤) لْأَمْلأنَّ جَهَّنَّم مِنْكَ وثمّنْ
تَّكَ مِنِهِمْ أَنْجَيْنَ (٨٥) قُلْ ما أَسْأَلِكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وما أَنا من
المتكلِّينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إلاَّ ذِكْر للعالَمِينَ (٨٧) ولتعلمُنَّ نَبَّأَءُ
بعدَ حِينَ (٨٨))) .
والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين: إنما وظيفى
الإنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم
عن دعوتى .
واقتصر على الإنذار مع أنه مبشر - أيضا-، لأنه المناسب لردهم عن
شركهم، وعن وصفهم له قارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن ... الخ .
وقوله - سبحانه -: «وما من إله إلا الله الواحد القهار . رب السموات
والأرض وما بينهما العزيز الغفار، نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته،
أو صفاته ، أو فى خلقه لهذا الكون .
أى: ليس هناك من إله وى الله - تعالى - فى هذا الكون، وهو
- سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد السموات والأرض
وما بينهما ، الغالب لكل شىء، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.
فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس
صفات؛ تليق بذاته وببيان أن الشرك ه - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم
عظيم ، وجهل فاضح.

٢٣٣
الجزء الثالث والعشرون
ثم أمر - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يبين لهم أن ما جاءهم
به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: ((قل هو نبأ
عظيم . أنتم عنه معرضون)).
أى: قل- يا محمد - لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربى من
قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون فى دنيا كم وآخر تكم، هو خير عظيم،
يجب أن تلقوا إليه أسماءكم، وأن تهيؤانفوسكم لقبوله ... ولكنكم قابلتموه
بالإعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم فى كفركم.
فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم ، والآية الثانية
توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرم.
ثم نفى - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه أن يكون عنده علم بشىء من أخبار
الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه -: « ما كان
لى من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون)).
والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون اله
ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون .
قال القرطى: «الملأ الأعلى م الملائكة فى قول ابن عباس والسدى. اختصموا
فى أمر آدم حين خلق ، فقالوا: (( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ....
وقال إبليس: ((أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين)).
وفى هذا بيان أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - أخبر عن قصة آدم وغيره
وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى ... ، (١).
وقال ابن كثير:((وقوله: ((ما كان لى من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون))
أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى . يعنى فى شأن
آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه ... ))(٢).
(١) تفسير القرطبي : ١٥ ص ٠٢٢٦
(٢) تفسير ابن كثير + ٧ + ٧٠

٢٣٤
سورة ص
فالآية تنفى عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - علم شىء من أخبار الملا
الأعلى إلا عن طريق الوحى .
وجملة(( إن يوحى إلى إلا أنما أنا نذير مبين)، معترضة بين إبراد اختصامهم
على سبيل الإجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل
و، إن، نافية. ونائب فاعل (((يوحى)) ضمير تقديره هو يعود على
المفهوم ما سبق. وهو شأن الملأ الأعلى، و((أنما، بفتح الهمزة على تقدير
لام التعليل.
.
أى : ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا
الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما
يكلفنى به إندارا واضحا بينا .
ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك
فى قوله: (( ما كان لى من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون)،، فقال: إذا قال
ربك للملائكة إنى خالق بشرا من طين . فإذا سويته ونفخت فيه من روحى
فقعوا له ساجدين .....
و((إِذ)) فى قوله , إذ قال ربك ... )، بدل من قوله (((إذا يختصمون)،،
لاشتمال ما فى خبرها على تفصيل تلك الخصومة وقيل هى منصوبة
بتقدير اذكر.
قالوا: والمراد بالملائكة هنا ، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود
لآدم كان للجميع، وأنهم جميعا امتثلوا لأمر الله - تعالى - ماعدا إبليس.
والمراد بالبشر: آدم - عليه السلام - مأخود من مباشرته للأرض، أو
من كونه ظاهر البشرة ، أى الجلد والهيئة .
أى: لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصاصهم، حين قال الله - تعالى-
للملائكة ومعهم إبليس: ((إنى خالق بشرا من طين» هو آدم - عليه السلام -.

هـ
الجزء الثالث والعشرون
٢٣٠
فإذا صورته على صورة "بشر، وأفضت عليه ما بد الحياة من الروح التى هى
من أمرى - ولا علم لأحد بها سواى -، فاسجدوا له مجود تحية وتكريم.
ولا تعارض بين رصف آدم هنا بأنه خلق من طين ، و بين وصفه فى آبات
أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حماً مسنون، فإن المادة التى
خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية
تتحدث عن مرحلة معينة .
وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته، للإشعار بأن هذه الروح لا يملكها
إلا هو - تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه-
به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى -: «ويسألونك عن الروح
قل الروح من أمر ربى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)).
والفاء فى قوله:« فقعوا له ... )) جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط
أى: فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل
التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة.
ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال: «فسجد الملائكة كلهم أجمعون
إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين)).
أى : امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى- فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد،
إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب
ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -.
قال صاحب الكشاف:(( ولفظ ((كل)) للإحاطة. وأجمعون: الاجتماع.
فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقى منهم، لك إلا سجد ، وأنهم سجدوا
جميعا فى وقت واحد، غير متفر قين فى أوقات .
فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله؟ قلت: الذى لا يسوغ هو
السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه
العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه، (١).
(١) تفسير الكشاف - ٤ ص ٤٠٥

٢٣٦
سورة ص
ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإبليس حين عصى أمره فقال: ((قال يا إبليس
ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ٠٠٠ ،
وما فى قوله ((لما خلقت)) مصدرية، ويراد من المصدر وهو الخلق اسم.
المفعول. أى: المخلوق بيدى. أو موصولة، وخلقت صلتها، والعائد محذوف،
أى : الذى خلقته بیدی .
ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة -
إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهى صفة ثابتة له، على الوجه الذى يليق بكماله،
مع تزهه - سبحانه - عن مشابهته للحوادث.
ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أل النعمة. والتثنية فى يدى، للتأكيد
الدال على مزيد القدرة فى خلقه .
أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس
ما الذى منعك عن السجود لآدم الذى خلقته بیدی ؟
((وأستكبرت أم كنت من العالين، أى: أمنعك عن السجود لآدم تكبرك
من غير موجب لهذا التكبر، أم كنت من علا على غيره بدون حق؟ الاستفهام
للتوبيخ والإفكار .
, قال أنا خير منه، أى: قال إبليس فى الجواب على ربه تعالى: أنا خير
من آدم .
(خلقتنى من فار وخلقته من طين، فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل
من الطين ، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.
ولا شك أن هذا التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم
سجوده قد عسى رب العالمين ، وفضلاعن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة
المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ
النار يطفئها الطين ...

٢٣٧
الجزء الثالث والعشرون
وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله: «فاخرج منها
فإنك رجيم وإن عليك لعنى إلى يوم الدين)).
والفاء فى قوله ((فأخرج، لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه.
والضمير فى (( منها، يعود إلى السماء؛ أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.
أى: قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر: ما دمت يا إبليس قد
عصيت أمرى، فأخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم
أى: مطرود من رحمى. وإن عليك انثى وغضى إلى يوم القيامة، فإذا ماجاء
هذا اليوم إزدادت لعنتى عليك .
((قال رب فأنظرنى)، أى: فأمهانى ((إلى يوم يبعثون، أى: فأخر فى
ولا تمتنى إلى يوم البعث ، لأتمكن من إغواء ذرية آدم .
((قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم، أى: قال - سبحانه -
قد أجبت لك ما تقتضيه حكمى، ردو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى
حددته لفناء الخلائق وهـو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذى
طلبه إبليس .
((قال، أى: إبليس ((فبعزتك، أى: فيحق سلطانك وقهرك, لأغوينهم
أجمعين، أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم (إلا عبادك
المخلصين ، فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لاقدرة لى عليهم .
((قال فالحق والحق أقول. لأملأن جهنم منك ومن تبعك منهن أجمعين،
وقوله , فالحق, مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن ...
وقوله: ((والحق أقول، لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقوم، قدم
عليه لإفادة الحصر .
والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير
مضمون الجملة القسمية .

٢٣٨
سورة ص
أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى -
ولا أقول إلا الحق -، لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، ومن تبعك من
الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم-
أن يبين للناس ، أنه لايريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا
فقال ((قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكافين. إن هو إلا ذكر
للعالمين. ولتعلمن نبأه بعد حين ».
أى: قل - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم
أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون
ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه ، بل أنا رسول من عند الله
وصادق فيما أبلغه عنه .
وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ الثقلين، وشرف
عظيم لهما فى إتباع أوامره ونواهيه .
ولتعلین - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت
محدد فى علم الله - تعالى -.
وبعد: فهذا تفسير لسورة ((ص)) نسأل الله تعالى - أن يجعله خالصا
لوجهه ، ونافعا لعباده.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله
كتبه الراجى عفو ربه
وصحبه وسلم ؟
محمد سيد طنطاوى
القاهرة - مدينة نصر - صباح الثلاثاء ٤ من ذى الحجة سنة ١٤٠٥ هـ
الموافق ١٩٨٥/٨/٢٠ م

فهرس إجمالى لتفسير ((سورة ص))
رقم الآية
الآية المفسرة
رقم الصفحة
١٥٩
١٦٣
المقدمة
ص والقرآن ذى الذكر ...
١
كذبت قبلهم قوم نوح ...
١٢
اسبر على مايقولون واذ كر عبدنا داود ...
.١٧
١٧٦
١٨١
١٩١
وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ...
٢٧
ووهبنا لداود سليمان نعم العبد ...
٢٠٣
٢٠٥
٢٢١
٢١٣
٢٣١
٤١
٣٠
واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه ...
واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب ...
٤٥
هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب ...
٤٩
قل إنما أنا منذر ومامن إله إلاالله ...
٦٥