Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ الجزء الثانى والعشرون -هكل ما يجب الإيمان به ((لهم عذاب شديد)) بسبب كفرهم وفسوفهم عن أمر خالفهم - عز وجل -، وأتباعهم الشيطان .. ((والذين آمنوا وعملوا، الأعمال (, الصالحات لهم، من ربهم ومغفرة)» عظيمة (( وأجر كبير)) لا يعلم مقداره إلا الله - تعالى -. ثم بين - سبحانه - الفرق الشاسع بين المؤمن والكافر ، والمطيع، - والعاصى، فقال: (( أفمن زين له سو. عمله فراً. حسنا ... والاستفهام للإنكار ، و((من، موصولة فى موضع رفع على الابتداء. والجملة بعدها صلتها، والخبر محذوف لدلالة الكلام عليه، و((زين) من النزين بمعنى التحسين، وقوله («سوء عمله، أى: عمله الفيء، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف . والمعنى: أفمن زين له الشيطان عمله الى. ، فرآه حسنا، كمن لبس كذلك؟ كلا إنهما لا يستويان فى عرف اى عاقل ، فإن الشخص الذى ٠ارتكب الأفعال القبيحة التى زينها له الشيطان، أو نفسه الأمارة بالسوء، أو هواء .. مصيره إلى الشقاء والتعاسة. أما الشخص الذى خالف الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء، والهوى المردى .. فمصيره إلى السعادة والفلاح . وقد صرح - سبحانه - بالأمرين فى آيات منها قوله - تعالى - « أفن كان على بينة من ربه، كمن زين له سوء عمله وانبعوا أهواءهم،؟ وجلة ، فإن الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء، تعليل السبعية التزييت تظرؤية القبيح حسنا .. (م.١٦ - ناطر) ٢٤٢ سبوره فاطر أى: هؤلاء الذين يعملون الأعمال السيئة، وهم يحسبون أنهم محسنون صنعا، لا قدرة لك على هدايتهم - أيها الرسول الكريم - فإن الله - تعالى - وحده، هو الذى يضل من يشاء إضلاله، ويهدى من يشاء هدايته. والفاء فى قوله - تعالى - ((فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، للتفريع. والحسرات جمع حسرة، وهى أشد ما يعترى الإنسان من ندم على أمر قدمضى وأنهى والجار والمجرور (عليهم)) متعلق بقوله ((حسرات)). أى: إذا كان الأمر كما أخبر ناك - أيها الرسول الكريم - خاض فى طريقك وبلغ رساله ربك، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ولا تهلك نفسك هماوغما وحزنا من أجل هؤلاء الذين أعرهوا عن الحق، واعتنقوا الباطل، وظنوا أنهم بذلك يحسنون صنعا .. ثم خم - سبحانه - الآية الكريمة بما يزيد فى تسلية الرسول .. - ◌َيّ - فقال - تعالى -: ((إن الله عليم بما يصنعون)). أى: إن الله - تعالى - لا يخفى عليه شيء مما يفعله هؤلاء الجاهلون من أفعال قبيحة ، وسيجازيهم يوم القيامة بما يستحقونه من عقاب. وشبيه بهذه الآية قوم - تعالى -: ((أهلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين)، (١) . وقوله - سبحانه - : فعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث: أسفا، (٢). (١) سورة الشعراء. الآية ٣ (٣) سورة الكهف . الآية ٦ ٢٤٣ الجزء الثانى والعشرون وبعد هذه القسلمية من الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم-، وبعد هذا التحذير من وسوسة الشيطان ومن خداعه، وبعد هذا البيان لسوء عاقبة الكافرين، وحسن عاقبة المؤمنين، بعد كل ذلك .. -اقت السورة المكريمة ألوانا من نعم الله - تعالى - على عباده، ومن رحمته بهم، نرى ذلك فى الرياح وفى السحب ، وفى البحار والأنهار ، وفى الليل والنهار ، وفى الشمس والقمر .. وفى غير ذلك من النعم الظاهرة والباطنة فى هذا الكون . قال - تعالى - : وَاللَّهُالَّذِىّ أَرْسَلّ آلرَّحَ فَسُرُ سَبًا فَيُقَّتَهُ إِلَى بٍَ مَّتٍ فَأَحْبَيْنَبِهِ اْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذّلِكَ الْتُورُ رَيْ مُنْ كَانَ يُرِدُ الْعِزَّةَ فَّ الْعِزَّةُ جَمِعَ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ بَّفَعُهُ، وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ الَِّّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكُ أَوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾ وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ تُطْفَّةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَجًا وَمَا تَحِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّ بِعِلْمِهِ، وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُرٍِ إِلَّ فِي كِتَابٍّ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الَّهِ يَسِيرٌ ﴾ وَمَا يَسْتَوِى ◌ِالْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبُ فُرَاتٌ سَاِخٌ شَرَابُ, وَذَا مِلْحُ أُجَجَ وَمِنْ ٢٤٤ -- سورة اطر مُلِّ تَأْكُونَ لَّمًا طَرِّيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ ◌ِيَةً تَبَسُونَ وَرَى الْقُلْكَّ ◌ِهِ مَوَِرَ لِتَبْتَغُوْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (يَه ◌ُولِجُ الَّيْلَ فِى الَّهَارِ وَيُولِجُ الَّهَارَ فِ الَّيْلِ وَّرَالشَّمْسَ وَالْقَرَ كُلُّ نَجْرِى لِأَجَلٍ مُسَمَّىَ ذَلِكُالله رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُّ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ، مَا يُمْلِكُونَ مِن قِطَّمِيرٍ (َّهِ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُعَءَ كُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا أَسْتَجَابُوْ لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَ ينِئُكَ مِثْلُ ١٤ خَبِيرٍ قال أبو حيان - رحمه الله -: لما ذكر - سبحانه - أشياء من الأمور السماوية، وإرسال الملائكة ، أقبع ذلك بذكر أشياء من الأمور الأرضية كالرياح وإرسالها، وفى هذا احتجاج على منكرى البعث ، دلهم على المثال الذى يعاينونه، وهو وإحياء الموتى سيان، وفى الحديث أنه قيل لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم): كيف يحمي اللّه الموتى وماآبة ذلك فى خلفه ؟ فقال : هل مررت بوادى آهلا محلا - أى بجد بالانبات فيه -، ثم مررت به يتز حضرا: فقالوا: نعم فقال: فكذلك يحمى الله الموتى، وتلك آيته فى خلقه (١) . فقوله - تعالى - ((والله الذى أرسل الرياح فتشير سحابا وبيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - عز وجل - ومن سعة رحمته بعباده. وقوله: «فتثير) من الإثارة بمعنى التهييج والتحريك من حال إلى حال. (١) تفسير البحر المحيط = ٢ ص ٢٠٢ لأبي حيان ٢٤٥ الخمر. ثقافى والشروق أى: والله - تعالى - وحده، هو الذى أرسل الرياح، فجعلها بقدرته النافذة تحرك السحب من مكان إلى مكان، فتذهب بها تارة إلى جهة الشمال، وقارة إلى جهة الجنوب ، وقارة إلى غير ذلك . وقوله: «فقنا إلى بلد ميت، بيان الحكمة من هذه الإثارة، والمراد بالبلد الميت: والأرض الجدباء التى لانبات فيها، والضمير فى «فسقناه، يعود إلى السحاب . وقوله: (( فأحيا به الأرض بعد موتها)، أى: فأحيينا بالمطر الناول من السحاب الأرض الجدباء، فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوح جيج. فالضمير فى قوله «به، يعود إلى المطر؛ لأن السحاب يدل عليه لما بينهما من تلازم ، ويصبح أن يعود إلى السحاب لأنه سبب نزول الأمطار. وقال - سبحانه -, فتثير، بصيغة المضارع، استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على قدرة الله - تعالى -، والتى من شأنها أن تغرس العظات والعبر فى النفوس . وقال - سبحانه - ((فسقناه، فأحينا، بنون العظة، وبالفعل الماضى، للدلالة على تحقق قدرته ورحمته بعباده. قال صاحب الكشاف ما ملخصه: فإن قلت: لم جاء «فتثير، على المضارعه دون ما قبله وما بعده؟ قلت : ليحكى الحال التى تقع فيها إثارة الرياح السحاب، وتستحضر تلك الصور البديعة الدالة على القدرة الربانية ، وهكذا يفعلون بكل ما فعل فيه نوع تمييز وخصوصية . ولما كان سوق السحاب إلى البلد الميت، وإحياء الأرض بالمطر بعد موتها، من الدلائل على القدرة الباهرة قيل: فسقنا، وأحيينا ، معدولا بهما عن لفظ الغيبة، إلى ما هو أدخل فى الاختصاص وأدل عليه.)، (١). والكاف فى قوله - تعالى -: ((كذلك النشور)) بمعنى مثل، وهى محلى (١) تفسير الكشاف = ٣ من ٦٠١ ٢٤٦ سورة فاطر رفع على الخبرية ، أى: مثل ذلك الإحياء الذى تشاهدونه للأرض بعدنزول. المطر عليها، يكون إحياء الأموات منكم . قال الإمام الرازى: فإن قيل ماوجه التشبيه بقوله : « كذلك النشور)؟ فالجواب من وجوه : أحدها: أن الأرض الميتة لما قبلت الحياة اللائقة بها، كذلك الأعداء تقبل الحياة ثانيها: كما أن الربح مجمع القطع السجابية، كذلك يجمع - سبحانه - بين أجزاء الأعضاء . ثالثها : كما أنا فسوق الربح والسحاب إلى البلد الميت ، كذلك نسوق الروح والحياة إلى البدن الميت (١). والنشور: الإحياء والبعث بعد الموت. يقال: أنشر الله - تعالى- المونى ونشرهم ، إذا أحياهم بعد موتهم. ونشر الراعى غنمه، إذا بتها بعد أن آواها ثم بين - سبحانه - أن العزة الكاملة إنما هى لله - تعالى - وحده فقال: (( من كان يريد العزة لله العزة جميعا). والمراد بالعزة: الشرف والمنعة والإستعلاء، من قولهم: أرض عزاز أى: صلبة قوية، و«من، شرطية، وجواب الشرط محذوف، وقوله : « فله العزة جميعا، تعليل للجواب المحذوف . والمعنى من كان من الناس يريد العزة التى لا ذلة معها . فليطع الله وليعتمد عليه وحده فلله - تعالى - العزة كلها فى الدنيا والآخرة وليس لغيرهمنها شىء وفى هذا رد على المشر كين وغيرهم ممن يطلبون العزة من الأصنام أو من غيرها من المخلوقات قال - تعالى -: «واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لحم عزاء كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونوا عليهم ضدا، (٢). (١) تقصير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٣٢ (٢) سورة مريم الآية ٨١، ٨٢ ٠ ٢٤٧ الجزء الثانى والمشرون وقال - سبحانه -: ((الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أيبتغون عندهم العزة. فإن العزة لله جميعا)) (١). قال القرطبى ماملخصه : بريد - سبحانه - فى هذه الآية ، أن ينبه ذوى الأقدار والهمم، من أين تنال العزة ومن أين تستحق . فن طلب العزة من الله - تعالى - وجدها عنده . - إن شاء الله - ، غير ممنوعة ولا محجوبة عنه .. ومن طلبها من غيره وكله إلى من طلبها عنده، وقال (بِقَاء) مفسراً لهذه الآية: ((من أراد عز الدارين فليطع العزيز،، ولقد أمن القائل وإذا قذ للت الرقاب تواضعاً: منا إليك فهزها فى ذلها. فمن كان يريد العزة لينال الفوز الأكبر، فليعتز بالله - تعالى - فإن من إعتز بغير الله، أذله الله، ومن إعتز به - سبحانه - أعزه)) (٢). ولا تنافى بين هذه الآبة وبين قوله - تعالى -: «ولله العزة ولرسوله والمؤمنين، لأن العزة الكاملة هـ - تعالى - وحده وأما عزة الرسول (صلى الله عليه وسلم) فمستمدة من قربه من الله - تعالى - ، ٥) أن عزة المؤمنين مستحده من إيمانهم بالله - تعالى - وبرسوله (صلى الله عليه وسلم) ، والخلاصة أن هذه الآية الكريمة ترشد المؤمنين إلى الطريق الذى. يوصلهم إلى السعادة الدنيوية والأخروية، ألا وهو طاعة الله - تعالى-، والاعتماد عليه والاعتزاز به. وقوله - سبحانه -: ((إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه. حض المؤمنين على النطق بالكلام الحمن، وعلى الإكثار من العمل الصالح (١) سورة النساء الآية ١٣٩ (٢) تفسير الفرطى ج ١٤ ص ٣٢٨ ٢٤٨ سورة فاطر و ((بصعد، من الصعود بمعنى الإرتفاع إلى أعلى} والعروج من مكان .. منخفض إلى مكان مرتفع. يقال صعد فى السلم ويصعد صعودا؛ إذا إرتقام وإرتفع فيه . و ((الكلم، اسم جنس جمعى واحدة كلمة. والمراد بالكلم الطيب: كل كلام يرضى الله !- تعالى - من تسبيح. وتحميد وتكبير، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وغير ذلك من الأقوال الحسنة . والمراد بصعوده. قبوله عند الله - تعالى- ورضاء عن صاحبه، أو صعود. محائف هذه الأقوال الطيبة . والمعنى: اليه - تعالى - وحده ، لا إلى غيره يصعد الكلم الطيب، أى: يقبل عنده، ويكون مرضيا لذيه، أو إليه - وحده - ترفع صحائف أعمال عباده الصادقين فيجازيهم بما يستحقون من ثواب، والعمل الصالح الصادر. من عباده المؤمنين يرفعه الله - تعالى - اليه، ويقبله منهم، ويكافئهم عليه. فالفاعل لقوله ((يرفعه)) ضمير يعود على اله - تعالى -، والضمير المنصوب يعود إلى العمل الصالح أى: برفع الله - تعالى - العمل الصالح إليه ، ويقبله من أصحابه . ومنهم من يرى أن الفاعل لقوله «يرفعه، هو العمل الصالح، والضمير المنصوب يعود إلى الكلم الطيب. أى : أن العمل الصالح هو الذى يرفع. الكلم الطيب، بأن يجعله مقبولا عند الله - تعالى - . ومنهم من يرى العكس، أى : أن الكلم الطيب هو الذى يرفع العمل الصالح . قال الشر كانى ما ملخصه: ومعنى: ((والعمل الصالح يرفعه، أن العملى. الصالح يرفع الكلم الطيب. كما قال الحسن وغيره، ووجه أنه لا يقبل الكلي ٢٤٩ الجزء الثانى والعشرون الطيب إلا مع العمل الصالح وقيل: إن فاعل («يرفعه، وهو الكلم الطيب، ومفعوة الصالح، ووجه أن العمل الصالح لا يقبل إلا مع التوحيد والإيمان وقيل: إن فاعل ((يرفعه)) ضمير يعود إلى الله - تعالى -. والمعنى: أن الله - تعالى - يرفع العمل الصالح على الكلم الطيب؛ لأن العمل يحقق الكلام، وقيل: والعمل الصالح هو الذى يرفع صاحبه.» (١). ويبدو لنا أن أرجح هذه الأقوال، أن يكون الفاعل لقوله (( يرفعه)) هو الله - تعالى -، وأن الضمير المنصوب عائد إلى العمل الصالح؛ لأنالله - تعالى - هو الذى يقبل الأقوال الطيبة، وهو - سبحانه - الذى يرفع الأعمال الصالحة ويقبلها عنده من عباده المؤمنين . ثم بين- تعالى -بعد ذلك سوء عاقبة الذين يمكرون السوء فقال: ((والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد، ومكر أولئك هو يبور)). والمكر : التدبير الحكم، أو صرف غيرك عما يريده بحيلة ، وهو مذموم إن تحرى به صاحبه الشر والسوء - كما فى الآية الكريمة، ومحمود إن تحرىبه صاحبه الخير والنفع والسيئات، جمع سيئة وهى صفة الموصوف محذوف. وقوله (ديبور، أى: يبطل ويفسد، من البوار، يقال: بل المتاع بوارا إذا كسد وصار فى حكم الهالك . أى: والدين يمكرون المكرات السينات من المشركين والمنافقين وأشباههم، لهم عذاب شديد من الله - تعالى-، ومكر أولئك الماكرون المفسدين، ومصيره إلى الفساد، والخسران؛ لأن المكر السىء لا يحيق إلا بأهله . (١) تفسير فتح القدير الشوكانى ج ٤ ص ٣٤٠ بـ ٢٥٠ ٠ سورة فاطر ويدخل فى هذا المكر السىء مافعله المشركون مع الرسول (صلى الله عليه وسلم) فى دار الندوة، حيث يلتوا قتله، ولكن الله - تعالى نجاه من شرورهم، كما يدخل فيه غير ذلك من أقوالهم القبيحة، وأفعالهم الذميمة، ونياتهم الخبيثة . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك دليلا آخر على صحة البعث والنشور، وعلى كمال قدرته - تعالى - فقال: «والله خلقكم من تراب، أى: خلقكم إبتداء فى ضمن خلق أبيكم آدم من تراب ، ثم من نطفة، وأصلها الماء الصافى أو الماء القليل الذى يبقى فى الدلو أو القربة، وجمعها : نطف ونطاق، يقال : نطفت التربة إذا أفطرت . والمراد بها هنا : المنى الذى هو مادة التلقيح من الرجل للمرأة . ((ثم جعلكم أزواجا)) أى: أصنافا ذكرانا وإناثا، كما قال - تعالى -: « أويزوجهم ذكرانا وإناثا،. أو المراد: ثم جعلكم تتزاوجون، فالرجل بتروج المرأة، والمرأة تتزوج الرجل.)) وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه، أى: لا يحصل من الأنثى حمل، كما لا يحصل منها وضع لما فى بطنها إلا والله - تعالى - عالم به علما قاما لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه شيء. (( وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا فى كتاب، والمراد بالمعمر الشخص الذى يطيل الله - تعالى - عمره. والضمير فى قوله (من معمر، يعود إلى شخص آخر، فيكون المعنى: ما بعد - سبحانه - فى عمر أحد من الناس، ولا ينقص من عمر أحد آخر، إلا وكل ذلك كائن وثابت فى كتاب عنده - تعالى - ، وهذا الكتاب هو اللوح المحفوظ، أو مصدائف أعمال العباد، أو علم الله الأزلى ... ومنهم من يرى أن فى قوله (من عمر، يعود إلى الشخص ذاته وهو المعمر ٢٥١ الجزء الثانى والعشرون فيكون المعنى، وما يمد الله - تعالى - فى عمر إنسان، ولا ينقص من عمره بمضى أيام حياته ، إلا وكل ذلك ثابت فى علمه - سبحانه - . قال بعض العلماء : وقد أطال بعضهم الكلام فى ذلك، ومحصلة : إنه إختلف فى معنى (( معمر، فقيل: هو المزاد عمره: بدليل ما يقابله من قوله ( ولا ينقص، وقيل: المراد بقوله ((معمر)» من يجعل له عمر، وهل هو شخص واحد أو شخصان ؟ . فعلى رأى من قال بأن المعمر، هو من يجعل له عمر يكون شخصا واحدا بمعنى أنه يكتب عمره مائة سنة - مثلا -، ثم يكتب تحته مضى يوم ، مضى يومان ، وهكذا. فكتابة الأصل هى التعمير، والكتابة بعد ذلك هو النقص. کما قيل : حياتك أنفاس تمد فكلما مضى نفس منها انتقصت به جزءا والضمير حينئذ راجع إلى المذكور، والمعمر هذا هو الذى جعل الله - تعالى - له عمر اطال هذا العمر أو قصر. وعلى رأى من قال بأن المعمر هو من يزاد فى عمره، يكون من ينقص فى عمره غير الذى يزاد فى عمره فهما شخصان، والضمير فى «عمره)) على هذا الرأى يعود إلى شخص آخر ، إذ لا يكون المزيد من عمره منقوصا من عمره ... (١) . وقد رجح ابن جرير - رحمه الله - الرأى الأول، وهو أن الضمير فى قوله ((من عمره)، يعود إلى شخص آخر. فقال: وأولى التأولين فى ذلك عندى بالصواب ، التأويل الأول ، وذلك أن ذلك هو أظهر معفيين وأشبههما بظاهر التنزيل (٧). (١) تفسير القاسمى = ١٥ من ٤٩٧٦ (٢) تفسير ابن جرير جـ ٢٢ ص ٨١ ٢٥٢ سورة فاطر واسم الإشارة فى قوله « إن ذلك على الله يسير، يعود إلى الخلق من تراب وما بعده. أى: إن ذلك الذى ذكر ناه لكم من خلقكم من تراب ، ثم من نطفة .. يسيرودين على الله - تعالى - لأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء على الإطلاق. ثم ذكر - سبحانه - فرعا آخر من أنواع بديع صنعه، ومجيبقدر ته، فقال: (( وما يستوى البحران، هذا عذب فرات، وهذا ملح أجاج.)). والماء العذب الفرات: هو الماء السائغ للشرب، الذى يشعر الإنسان عند شربه باللغة، وهو ماء الأنهار، وسمى فرانا لأنه يفرت العطش، أى: يقطعه ويريله ويكسره . والماء الملح الأجاج: هو شديد الملوحة والمرارة وهو ماء البحار. سمى أجاجا من الأجيج وهو قلهب النار؛ لأنه شربه يزيد المطعان عطشما وتعبا قالوا: والآية الكريمة مثل للمؤمن والكافر، فالبحر العذب: مثل المؤمن، والبحر الملح : مثل الكافر . فكما أن البحرين اللذين أحدهما عذب فرات سائغ شرابه، والآخر ملح أجاج. لا يتساويان فى طعمهما ومذاقهما، - وإن اشتركافى بعض الفوائد. فكذلك المؤمن الكافر، لا يتساويان فى الخاصية العظمى التى خلقا من أجلها، وهى إخلاص العبادة لله الواحد القهار، - وإن اشتركا فى بعض الصفات. الأخرى كالسخاء والشجاعة - لأن المؤمن استجاب لفطرته فآمن بالحق ، أما الكافر فقد عاند فطرته ، فأصر على الكفر. وقوله:(( ومنى كل تأكلون لحماً طرياً، بيان لبعض النعم التى وهبها. - سبحانه - لعباده من وجود البحرين . : أى: ومن كل واحد منهما تأكلون حماً طرياً، أى: غضاً شهياً مفيداً لأجساد، عن طريق ما نصطادوه منهما من أسماك وما يشبههما. ٢٥٣ الجزء الثانى والمشرون قال بعض العلماء، وفى وصفه بالطراوة ، تنبيه إلى أنه ينبغى المسارعة إلى أكله، لأنه يسرح إليه الفساد والتغير، وقد أثبت الطب أن تناوله بعد ذهاب طراوته من أضر المأكولات فسبحان الخبير بشئون خلقه . وفيه - أيضا - إيماء إلى كمال قدرته - تعالى - حيث أوجد هذا الحم الطرى النافع فى الماء الملح الأجاج الذى لا يشرب. وقد ذكره العلماء أكل الطافى منه على وجه الماء ، وهو الذى بموت حنف أنفه فى الماء فيطفو على وجهه، لحديث جابر بن عبد الله، عن النبى (سَاءِ) أنه قال: (( ما نضب عنه الماء فكلوه، وما لفظه الماء فكلوه، وما طفا - أعلى وجه الماء - فلا تأكلو٠)). فالمراد من ميتة البحر فى حديث: «هو الطهور ماؤه الحل ميقته ، - وما لفظه البحر لا مامات فيه من غير آخذ ، (١) . وقوله - تعالى -: ((وتستخرجون حلية تلبسونها، بيان لنعمة ثانية من النعم التى تصل إلى الناس عن طريق البحرين . والحلية - بكسر الحاء -: اسم لما يتحلى به الناس، ويتزيفون بلبسه، وجمع حليته: حلى وحلى - بكسر الحاء وضعها - يقال: تحلت المرأة إذا لبست الحلى . أى: ومن النعم التى تصل إليكم عن طريق البحرين، استخراجكم منهما ما ينفعكم ، وما تتحلى - نساؤكم ، كاللؤلؤ والمرجان وغيرهما . والتعبير بقوله: ((وتستحرجون، إلى كثرة الإخراج، فالسين والتاء ذهتا كيد. كما يشير بأن من الواجب على المسلمين، أن يباشروا بأنفسهم . (١) تفسير المراغى = ١٤ ص ٦١ ٢٥٤ سورة فاطر استخراج ما فى البحرين من كنوز نافعة، وأن لا يتركوا ذلك لأعدائهم. وأسند - سبحانه - ليامر الخلية إلى ضمير جمع الذكور، فقال ((قلبونها)، على سبيل التغليب، وإلا فإن هذه الحلية يلبسها النساء فى الأمم الأغلب من الأحوال . قال الآلوسى ما ملخصه، وقوله: ((تلبسونها، أى: قلبها نساؤكم وأسند الفعل إلى ضمير الرجال ، لاختلاطهم بهم، وكونهم متبوعين ، أو لأنهم سبب لتزينهن، فإن النساء يتزين - فى الغالب - أحسن فى أعين الرجال .. )، (١) . وقال بعض العلماء : وفى الآيه دليل قرآنى واضح على بطلان دعوى. بعض العلماء من أن اللؤلؤ والمرجان، لا يستخرجان إلا من البحر الملح. خاصة)) (٢) . وقوله - تعالى - ((وترى الذلك فيه مواخر، بيان لنعمة ثالثة من نعمه - تعالى - عن طريق وجود البحار فى الأرض . وأصل الخر: الشق. يقال مخرت السفينة البحر إذا شقته وسارت بين أمواجه ومخر الماء الأرض إذا شقها. أى: وترى - أيها العاقل - يصرك السفن فى كل من البحرين ((هواخر))" أى تشق الماء بمقدماتها، وتسرع السير فيه من جهة إلى جهة. والضمير فى قوله (فيه)، يعود إلى البحر الملح، لأن أمر الفلك فيه أعظم من أمرها فى البحر العقب، وإن كانت السفن تجرى فى البحرين. ويجوز أن يكون الضمير فى قوله ((فيه)) يعود إلى جنس البحر، أى: وترى السفن تشق كل بحر، لتسير فيه من مكان إلى مكان . (١) تفسير الآلوسي = ١٤ ص ١١٣ (٢) أضواء البيان = ٦ ص ٦٤٠ الشيخ الشنقيطى - رحه أه + .. ٢٥٠ الجزء الثانى والعشرون واللام فى قوله - تعالى -: لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون)) متعلقة محذوف دل عليه الكلام السابق . أى: أوجدنا البحرين، وسخر ناهما لمنفعتكم، لتطلبوا أرزاقكم فيهما، وهذه الأرزاق هى من فضل الله - تعالى- عليكم، ومن رحمته بكم ، واهلكم بعد ذلك تشكروننا على آلامنا ونعمنا، فإن من شكرنا زدفاه من خيرنا وعطاتنا. ثم بين - سبحانه - نعما أخرى تتجلى فى القيل وفى النهار، وفى الشمس والقمر، فقال: « يولج الليل فى النهار، ويواج النهار فى الليلى وسخر الشمس والقمر كل يجرى لآجل مسمى» .. أى: ومن مظاهر فضله عليكم، ورحمته بكم ، أنه أوجد لكم الليل والنهار بهذا النظام البديع، بأن أدخل أحدهما فى الآخر ، وجعلهما متعاقبين مع زيادة أحدهما عن الآخر فى الزمان ، على حسب اختلاف المطالع ، والمغارب وأوجد - أيضاً - يفضله ورحمته الشمس والقمر لمنفعتكم، وكل واحد منهما يسير بنظام بديع محكم، إلى الأجل والوقت الذى حددهالله - تعالى - لانتهاء عمر هذه الدنيا .. والإشارة فى قوله: ((ذلكم الله ربكم له الملك .. ، تعود إلى الخالق والموجد لتلك المكائنات العجيبة البديعة، وهو الله - عز وجل - . أى: ذلكم الذى أوجد كل هذه المخلوقات لمنفعتكم، هو الله - تعالى -ربكم وهو وحده الذى له ملك هذا الكون ، لا يشاركة فيه مشارك ، ولا ينازعه فى ملكيته منازع، والذين تدعون من دونه، أى: والذين تعبدونهم من دون الله - تعالى -، وتصفونهم بأنهم آلهة . ((ما يملكون من فطمير)، والقطمير: القشرة البيهاء الرقيقة الملتفة على النواة . أو هو النقطة فى ظهر النواة، ويضرب مثلا لأقل شى. وأحقر». ٢٥٦ سورة فاطر أى: والذين تعبدونهم من دون الله - تعالى - لا يملكون معه - - جانه - شبنا، ولو كان هذا الشىء فى نهاية القله والحقارة والصغر، كالنقطة التى تكون فى ظهر النواة . ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى وقرره فقال: ((إن تدعوهم لا يسمعوا دعاء كم ... أى: إن هذه المعبودات الباطلة لا تملك من شىء مع الله - تعالى -، بدليل أنكم إن تدعوثم لتفعكم، أن يسمعوا دعاء كم، وإن تستغيثوا بهم عند المصائب والنوائب ، أن يلبوا استغائتكم .. ((ولو سمعوا)، على سبيل الفرض والتقدير, ما استجابوا لكم، لأنهم لاقدرة لهم على هذه الاستجابة لعجزهم عن ذلك . ((ويوم القيامة، الذى تتجلى فيه الحقائق، وتنکشف الأمور «یکفرون بشرككم .. أى: يتبرءون من عبادتهم لهم، ومن إشراككم إياهم العبادة مع أقله - تعالى -، فضلا عن عدم إستجابتهم لكم إذا دعوتموهم لنصر تِكم. (( ولا يفيتك، أى: ولا يخبرك بهذه الحقائق التى لا تقبل العمك أو الريب. ((مثل خبير، أى: مثل من هو خبير حوال النفوس وبظواهرها ويبواطنها. وهو الله - عز وجل-، فإنه - سبحانه - هو الذى يعلم السروأخفى. وبهذا نرى الآيات الكريمة ، قد طوفت بنا فى أرجاء هذا الكون، وساقت لنا ألوانا من نعم الله - تعالى - على الناس، كالرياح، والسحاب، والأمطار والبحار، والليل والنهار، والشمس والقمر .. وهى نعم تدل على وحدانيه المنعم بها، وعلى قدرته - عز وجل - وفى كل ذلك مداية إلى الحق لكل عبد منيب . ٢٥٧ الجزء الثانى والعشرون ثم وجه - سبحانه - ندا. ثالثا إلى الناس، نبههم فيه إلى فقرهم إليه - سبحانه -، وإلى غناء عنهم، وإلى مسؤولية كل إنسان عن نفسه، وإلى وظيفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسله خالقهم إليهم، وإلى الفرق الشاسع بين الإيمان والكفر، وإلى سوء مصير المكذبين، فقال - تعالى -: بَيْهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللهِ وَاللّهُ هُوَ الْغَنِىّ اُلْحَمِيدُ (®) إِن يَشَأْيُذْ هِبْكٌ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ لَ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَنِ فِ ◌ّ وَلا ◌َزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرٍ أُخْرَّ وَ إِنْ تَدْعُ مُنْقَةُ إِلَى خِلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَّ إِنَّمَا تُذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَهُم هِالْغَيْبٍ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةٌ وَمَنْ تَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَّكَّى لِنَفْسِهِ، وَإِلَى الَّهِ الْعَصِيرُ ﴿ وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيُ لَهُ وَلَ القُلُنَتُ وَلَ النُّورُ ( چَ وَلَ الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ ﴾ وَمَا يَسْتَوِى الْأُحْيَاءُ وَلَا الْأَمَوَتُّ إِنَّالَّهَيُسْمِعُ مَن يَشَهُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِ مَّن فِ الْقُبُورِ ٣ إِنْ أَنْتَ إِلَّ ◌َذِيرُ رِنَّ أَرْسَلْتَكَ بِلْحَقِ بَشِرًا وَذِيرًا وَ إِنْ مِنْ أَنَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَاتَذِيرٌ﴾ وَإِنْ يُكَذُِّوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَتُهُمْ وُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ وَ بِالأُّرِ وَبِالْكِتَنِبِ الْمُنِيَّ مْ أَخَذْتُ الَّذِرَةَ گتُواْ فَگیفکاننّکِیِ﴾ ٢٥٨ سورة فاطر وقوله - تعالى -: «يأيها الناس أتم الفقراء إلى الله ... نداء منهسبحانه . الناس، يعرفهم فيه حقيقة أمرهم، وأنهم لاغنى لهم عن خالفهم - عز وجل -. أى: يأيها الناس أنتم المحتاجون إلى الله - تعالى - فى كل شئولكم الدنيوية والآخر وية (( والله ، - تعالى وحده ( هو الغنى ، عن كل مخلوق سواه ، وهو ((الحميد)) أى: المحمود من جميع الموجودات، لأنه هو الخالق لكل شىء، وهو المنعم عليكم وعلى غير كم بالنعم التى لا تحصى. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم عرف الفقراء؟ قلت: قصد بذلك أن يرجم أنه لهمدة افتقارهم إليه هم جنس الفقراء، وإن كانت الخلائق كلهم. مفتقرين إليه من الناس وغيرهم، لأن الفقر مما يقبع الضعف: وكلما كان الفقير أضعف كان أفقر، وقد شهد الله - سبحانه - على الإنسان بالضعف فى قوله: ((وخلق الإنسان ضعيفا))، ولو فكر لكان المعنى: أنتم بعض الفقراء)) (١). وجمع - سبحانه - فى وصف ذاته بين الغنى والحميد. للإشعار بأنه - تعالى - بجانب غناء عن خلقه، هو الذى يفيض عليهم من نعمه، وهو الذى يعطيهم من خيره وفضله، ما يجعلهم بحمدونه بألسنتهم وقلوبهم. قال الألوسى: قوله ((الحميد، أى: المنعم على جميع الموجودات، المستعاق. بإنعامه الحمد, وأصله المحمود، وأريد به ذلك عن طريق الكتابة، ليناسب ذكره بعد فقرهم ، إذا الغنى لا ينفع الفقير إلا إذا كان جوادا منعما». ومثله مستحق للحمد، وهذا كالتكميل لما قبله .. » (٢). و قوله -سبحانه -: « إن يشأ یذهبکم و یات بخلق جهید ، بیان،ظهر من. مظاهر غناء عن الناس . أى: إن يشأ - سبحانه - يهلككم ويزلكم من هذا الوجود، ويأت بأقوام آخرين سواكم، فوجودكم فى هذه الحياة متوقف على مدينته وإرادته. واسم الإشارة فى قوله (وما ذلك على الله بعزيز) يعود على الإنجاب. بهم، والإتيان بغيرهم. (١) تفسير الكشاف + ٣ ص ٦٠٦ (١) تفسير الآلوس » ٢٢ ص ١٨٣. ١٠٦ ٦ ٢٥٩ الجزء الثانى والعشرون وما ذلك الذى ذكرناه فكم من إفنائکم والإتیان یغیر کم ، بعزیر ، أي: بصعب أو عبير أو ممتنع على الله - تعالى -، لأن قدرته - تعالى- لا بجزها ش . . ثم بين - سبحانه - أن كل نفس تتحمل نتائج أعمالها وحدها فقال: (( ولاتزر وازرة وزر أخرى». - وقوله: ((قزر) من الوزر بمعنى الحمل. يقال: فلان وزر هذا الشى. إذا حمله. وفعله من باب ((وعد)، وأكثر ما يكون استعمالا فى حمل الآثام. وقوله ((وازرة)): صفه لموصوف محذوف. أى: ولا تحمل نفس آثمة، إثم نفس أخرى، وإنما كل نفس مسئولة وحدها عن أفعالها وأقوالها التى باشرتها ، أو تسببت فيها . . وقوله: « وإن قدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شى. ولو كان ذا قربى، مؤ كد لمضمون ما قبله، من مسئولية كل نفس عن أفعالها . وقوله: «مثقلة، صفة لموصوف محذوف، والمفعول محذوف. - أيضاً - العلم به . وقوله ((حملها، أى: ما تحمله من الذنوب والآثام، إذ الحمل - بكسر الحاء - ما يحمله الإنسان من أمتعة على ظهره أور أسه أو كتفه. والمعنى: لا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى، إن تطلب نفس مثقله بالذنوب من نفس أخرى، أن تحمل عنها شيئا من ذنو بها التى أثقلتها، لا تجد إستجابة منها ، ولو كانت تلك النفس الآخری من أقربائها وذوى رحمها . قال - تعالى -: «بأيها الناس اتقواربكم واخشوا يوما لايجزى والدعن وجه، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا .. ». وقال - سبحانه -: يوم بفر المـ من أخيه. وأمه وأبيه، وصاحبته وليه، لكل أمرى. منهم يومئذ شأن يغنيه)). ٢٦٠ سورة قطر ال صاحب الكهاف: فإن قلت: هلا قيل: ولامزد نفس وزو أخرى؟ قلت: لأن المعنى أن النفوس الوازرات لا ترى واحدة منهن إلا حامة وزرها ، لا وزر فيها . فإن قلت: كيف توفق بين هذا، وبين قوله: وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم، ؟ قلت : تلك الآية فى الضالين المضلين، وأنهم يحملون اثقال إضلالهم لغيرهم ، مع أثقال ضلالهم، وذلك كله أوزارهم، ما فيها شىء من وزر غيرهم. فإن قلت: فما الفرق بين معنى ((ولاتزر وازرة وزر أخرى)، وبين معنى: (« وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شىء .. ،؟ قلت: الأول فى الدلالة على عدل الله - تعالى - فى حكمه، وأنه- تعالى- لا يؤاخذ نفسا بغير ذنبها. والثانى: فى أنه لاغيات يومئذ لمن استغاث .. وإن كان المستغاث به بعض قرابتها من أب أو ولد أو أخ .. فإن قلت: إلام أسند كان فى قوله ((ولو كان ذا قربى))؟ قلت: إلى المدعو المفهوم من قوله: ((وإن تدع مثقلة» . فإن قلت: فلم ترك ذكر المدعو ؟ قلت:« ليعم ويشمل كل مدهو.)) (١) وقوله - تعالى -: ((إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة» كلام مستأنف مسوق لبيان من هم أهل للإنماظ والإستجابة الحق. أى: أ - أيها الرسول الكريم - إنما ينفع وعظك وإنذارك. أولئك العقلاء الذين يخشون ربهم - عز وجل - دون أن يروه، أويروا عذابه، والذين يؤدون الصلاة فى مواقيتها بإخلاص وخشوع واطمئنان. (١) اقسم الكشاف ج ٣ ص ٦٠٧