Indexed OCR Text

Pages 141-160

التفسير الوسيط.
القرآن الكريم
تفسير
سُورَة سَبَاً
الدكتور
مُحمّد سيد طنطاوى
مفتى الديار المصرية
١٤٠٨ ٥ ١٩٨٨ م

: "رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَا إِنَّكَ أَنْثَ السَّمْيُعُ الْعَلِيمُ"

مقدمة وتمهيد
١ - سورة ((سبأ)، هى السورة الرابعة والثلاثون فى ترتيب المصحف،
أما فى ترتيب النزول فهى السورة السابعة والخمسون، وكان نزولها بعد
سورة (لقمان)) .
٢ - وسورة ((سبأ، من السور المكية الخالصة، وقيل هى مكية إلا
"الآية السادسة منها وهي قوله - تعالى -: ((ويرى الذين أوتوا العلم الذى
أنزل إليك منربك هو الحق .... )).
٣ - وعدد آياتها خمس وخمسون آية فى المصحف الشامى، وأربع
وخمسون آية فى غيره. وسميت بهذا الإسم، لإشتمالها على قصة أهل سبأ، وما
أصابهم من نقم بسبب عدم شكرم لنعم الله - تعالى - عليهم.
٤ - وتبدأ سورة ((سبأ)، بالثناء على اله - تعالى -: ((الحمد لله الذى ﴾
ما في السموات وما في الأرض، وله الحمد فى الآخرة وهو الحكيم الخبير
يعلم ما يلج فى الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها
-وهو الرحيم الغفور ، .
ثم تحكى السورة الكريمة جانبا من أقوال الكافرين فى تكذيبهم اليوم
القيامة، كما تحكى - أيضاً - بعض أقوالهم الباطلة التى قالوها فى شأن النبى
- صلى الله عليه وسلم - ثم ترد عليهم بما يخرس ألسنتهم.
(٢- ١٠ سباً)

١٤٦
سورة سبأ
٥ - ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة داود.
وسليمان - عليهما السلام-، فتحكى ما آرام الله - تعالى -إياه من خير وقوة
وكيف أنهما قابلا نعم الله - تعالى - بالشكر والطاعة، فزادهما - سبحانه.
من فضله وعطائه: ((إعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور)).
وکمادة القرآن المکریم فی جمعه بینالترغيب والترهيب ، و بین بیان حسن
عاقبة الشاكرين، وسوء عاقبة الجاحدين ... جاءت فى أعقاب قصة داود ..
وسليمان- عليهما السلام - قصة قبيلة سبأ، وكيف أنهم قابفرا نعم الله الوفيرة ..
بالجحود والإعراض، فمحقها - سبحانه - من بين أيديهم، كما قال - تعالى -:
(( ذلك جزيناهم بما كفروا، وهل نجازى إلا الكفور ... )).
٦ - ثم ساقت السورة بعد ذلك بأسلوب تلقينى ألواناً من الأدلة على
وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وعلى وجوب إخلاص العبادة له.
نرى ذلك فى قوله - تعالى -: قل إدهوا الذين زعمتم من دون لقه،
لا يملكون مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض . ..
وفى قوله - تعالى -: ((قل من يرزقكم من السموات والأرض ... »
وفى قوله - عز وجل - : ((قل أرونى الذين ألحقتم به شركاء، كلا إلى
هو الله العزيز الحكيم،.
٧ - ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن وظيفة الرسول - صلى الله
عليه وسلم - ((وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ... ))
وعن أحوال الكافرين السيئة عندما يقفون أمام ربهم الحساب، وكيف
أن كل فريق منهم بلغى التبعة على غيره ((ولو ترى إذالظالمون موقوفون عنه.
ربهم، يرجح بعضهم إلى بعض القول، يقول الذين استد مفرا الذين إستكبروله

١٤٧
الجزء الثانى وعشره
لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنمن صددناكم
عن الهدى بعد إذ جاءكم، بل كنتم مجرمين : ..
٨ - ثم ترد السورة الكريمة على أولئك المقرفين، الذين زعموا أن
أموالهم وأولادهم ستنفعهم يوم القيامة. فتقرر أن ما ينفع يوم القيامة إنما
هو الإيمان والعمل الصالح. وأن الله - تعالى - هو صاحب الاعطاء والمنع
والاغناء والافقار .
قال - تعالى -: ((وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين
قل إن ربى يبسط الرزق لمن يشاء وبقدر. ولكن أكثر الناس لا يملون.
وما أموالكم ولا أولادكم بالتى تقربكم عندنا زافي. إلا من آمن وعمل صالحا،
فأولئك لهم جراء الضعف بما عملوا، وهم فى الغرقات آمنون)).
٩ - وبعد أن ساقت السورة ماساقت من شبهات المشركين حول دهوة
الرسول - صلى الله عليه وسلم - وردت عليهم بما يزيد المؤمنين نباتا على
ثباتهم، ويقينا على يقينهم، أقبعت ذلك بدعوة هؤلاء الكافرين إلى التفكير
والتدبر على إنفراد، فى شأن دهوة هذا الرسول الكريم الذى يدعوهم الحق
لعل هذا التفكر يرديهم إلى الرشد .
قال - تعالى -: ((قل إنما أعظكم بواحدة، أن تقوموا له مثنى وفرادى
ثم تتفكروا ما يصاحبكم من جنة، إن هو إلا نذير لكم بين يدى عذاب
شديد .... ).
ثم ختمت السورة الكريمة بتهديدهم بسوء العافية إذا ما إستمروا فى
كفرهم وعنادهم، وأنهم سيندمون - إذا ما إستمروا على كفرهم - وان
ينفعهم الندم .
أوقال - تعالى -: «وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياءهم من
قبل ٠ انهم كانوا فى مك مريب».

١٤٨
١٠ - وهكذا ترى سورة سبأقد ساقت أثر العا من الأدلة على وحداي)
الله - تعالى -، وعلى أن يوم القيامة حتى، وعلى أن الرسول - صلى الله عليه
وسلم = صادق فيما يبلغه عن ببه .... كما أنها حكت هيهات للشر كين.
وردت عليهم بما يبطلها. والحمدق حمد أكثيرا وصلى الله على سيدنا مخبه
وعلى آله وصحبه وسلم.
د . محمد سيد طنطاوى
الأستاذ بجامعة الأزهر
القاهرة - مدينة نصر
مساء الخميس ١٨ من رمضان سنة ١٤٠٥ هـ
٦/٦ / ٠١٩٧٥

+١٤
الجزء الثانى والعشرن
بل الله تعالى :
بِسْـ
التفسير
اْحَمّدُ لِلّهِ الَّذِى لَهُمَا فِ السَّمَلَوَاتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ
فِ الآخِرَّةَ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِبُ ﴾ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِ الْأَرْضِ
وَ يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ
اُلْغَفُورُ ﴾ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِنَالسَّاعَةٌ قُلْ بَ وَرَبِهِ
كَتَأْتِيَّْ عَلِ الْغَيْبِ لَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَّرَّةٍ فِ السَّمَنَتِ وَلَا
فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغُرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَ أَكْبُ إِلَّ فِي كِتَابٍ مُِّينٍ ﴾ّ
◌ِيَجْزِئَ الَّذِينَ ءَ امَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَيْتَّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةُ
وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ ﴾ وَالَّذِينَ سَعَوْ فِىْ ءَايَئِنَا مُعَلِ ينَ أُوْلَكَ لَهُمْ
حَذّاسٌ مِّن رِّبٍْ أَلِيمٌ ﴾
افتتحت سورة ((سبأ) بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن
المستحق الحمد المطلق، والثناء الكامل، هو الله رب العالمين.
والحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها.
و ((أل)) فى الحمد للاستغراق، بمعنى أن المستحق بجميع المحامد، ولكافة
ألوان الثناء، محو اته - تعالى -.
. وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة عليه وحده - سبحانه -، لأن كل

١٥٠
سورة مبا
ما يستحق أن يقابل بالثناء، فهو صادر عنه، ومرجعه إليه، إذ هو الخالق
لكل شىء، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم ، هو فى
الحقيقة حمد ه - تعالى -، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك،
وأهلهم عليه .
وقد اختار - سبحانه - افتتاح هذه السورة بصفة الحمد ، دون المدح
أو الشكر، لأنه وسط بينهما، إذ المدح أعم من الحمد، لأن المدح يكون
العاقل وغيره، فقد يمدح الإنسان لعقله، وتمدح المؤلؤة لجمالها، أما الحمد
فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر عنه من إحسان .
والحمد أخص من الشكر ، لأن الشكر يكون من أجل نعمة وصلت
إليك أما الحمد فيكون من أجل نعمة وصلت إليك أو إلى غيرك (١).
وفى القرآن الكريم خمس سور اشتركت فى الافتتاح بقوله - تعالى:
((الحمد فقه .. وهى سورة الفاتحة، والأنعام والكهف، وسباً، وفاطر)).
ولكن لكل سورة من هذه السور، منهج خاص فى بيان أسباب أن
الحمد لله - تعالى - وجده .
وقد أحمن القرطى - رحمه الله - عند ما قال: فإن قيل: قد افتح
غيرها أى: سورة الأنعام - بالحمد لله، فكان الاجتزاء بواحدة يغنى عن
سائره؟ فالجواب أن لكل واحدةٍ منه معنى فى موضعه، لا يؤدى عن غيره،
من أجل عقده بالنعم المختلفة، و - أيضاً - فلما فيه من الحجة فى هذا
الموضع على الذين هم بربهم يعدلون، (٢) .
(١) راجع تفسيرنا لسورة الأنعام ص ٣٨
(٢) راجع تفسير القرطي = ٦ ص ٣٨٤. وراجع تفسيرنا لسورة
الأنعام ص ٣٩

١٠١
الجزء الثانى والعشرون
والمعنى : الحمد الكامل الشامل لله - تعالى - وحده، لأنه هو الذى
:4 ما فى السموات وما في الأرض، خلفا وملكا ونصرنا، بحيث لا يخرج
شئء فيهما من إرادته ومشيئته .
وقوله: ((وله الحمد فى الآخرة، تنبيه إلى أن حمده - عز وجل -
ليس مقصورا على الدنيا، بل يشمل الدنيا والآخرة .
المؤمنون بحمدونه فى الدنيا على ما وهبهم من نعم الإيمان والإحسان،
وبحمدونه فى الآخرة على ما منحهم من جنة عرضها السموات والأرض،.
-ويقولون: «الحمد لله الذى صدقنا وعده. وأو ئنا الأرض فقبوا من الجنة
حيث نشاء فنعم أجر العاملين)، (١) .
قال صاحب الكشاف: ولما قال - سبحانه -: (الحمد لله، ثم وصفذاته
- بالإنعام بجميع النعم الدنيوية، كان معناه : أنه المحمود على نعم الدنيا؛ تقول
أحمد أخاك الذى كساك وحملك: تريد: أحمده على كسوته وحملاته.
ولما قال: ((وله الحمد فى الآخرة، علم أنه المحمود على نعم الآخرة
. وهو الثواب .. ، (٢).
وقال الآلوسي: والفرق بين الحمدين مع كون نعم الدنيا ونعم الآخرة
بطريق التفضل، أن الأول على نهج العبادة، والثانى على وجه التلذذ والاغتباط
-وقد ورد فى الخبر أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كل يلهمون النفس، (٣) .
وقال الجمل: فإن قلت: الحمد مدح النفس، ومدحها مستفتح فيما بين
-الخلق، فما وجه ذلك ؟
فالجواب : أن هذا المدح دلیل علی أن حاله - تعالى - بخلاف حال
(١) سورة الزمر . الآية ٧٤
(٣) تفسير الآلوسى حـ ٢٢ هـ ١٠٣
(٢) تفسير الكشاف حـ٢ ص٥٦١

١٥٣
سورة -با
الخلق، وأنه يحسن منه ما يقبح من الخلق، وذلك يدل على أنه - حمالى ..
مقدس أن تقاس أفعاله، على أفعال العباد ... )). (٢).
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: « وهو الحكيم الخبير » أى: وهو
- تعالى - الذى أحكم أمور الدلاين، ودبرها بحكمته، وهو العلم بظواهر
عباده وبواطنهم، لا يخفى عليه شيء من أحوالهم .
ثم فصل - سبحانه - بعض مظاهر علمه فقال: « يعلم ما يلج ما فى
الأرض، والولوج الدخول . يقال: والح فلات منزله ، فهو بلجه ولجا
• ولوجاء إذا دخله.
أُی : أنه- سبحانه - پعلم مایلج فىالأرض وما یدخلفيها منماءنازل من
السماء، ومن جواهر دفنت فى طياتها، ومن بذور ومعادن فى جوفها ...
ويعلم - أيضا -((ما يخرج منها)، من نبات وحبوب وكنوز وغير
ذلك من أنواع الخبرات .
ويعلم كذلك ((ما ينزل من السماء)) من أمطار، وثلوج ، وبرد)).
وصواعق، وبركات، من عنده - تعالى - لأهل الأرض.
((وما يعرح فيها، أى: ويعلم ما يصعد فيها من الملائكة والأعمال الصالحة، ..
كما قال - تعالى -: «إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرضه ..
وعدى العزوج بفى لتضمنه معنى الاستقرار، وهو فى الأصل يعدى
يإلى قال - تعالى -: «تعرج الملائكة والروح إليه فى يوم كان مقداره
خمسين ألف سنة ، .
وقوله: ((يعرج)، من العروج، وهو الذهاب فى صعود، والسماء : جهة
العلو مطلقا .
(( وهو الرحيم الغفور، أى: وهو - سبحانه - صاحب الرحمة
الواسعة والمغفرة العظيمة، لمن يشاء من عباده .
(١) حاشية الجمل على الجلالين =٣ ص ٤٥٩

٢٥٣
الجزءالثانى والشرون
وهذه الآية الكريمة - مع وجازة ألفاظها - تصورتصويرا بديعا مبرا،
مظاهر علم الله - تعالى -، ولو أن أهل الأرض جميعا حاولوا إحصاء،
ما باج فى الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، لما
استطاعوا أن يصلوا إلى إحصاء بعض تلك الحشود من خلق الله - تعالى -
فى أرضه أو سمائه .
ولكن هذه الحشود العجيبة فى حركاتها، وأحجامها ، وأنواعها وأجناسها
وصورها، وأحوالها .. قد أحصاها علم الله - تعالى - الذى لا يخفى عليه شى.
ثم حكى - سبحانه - ما قاله الكافرون فى شأن يوم القيامة فقال - تعالى -:
(« وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة .....
أى: وقال الذين كفروا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لا تأتينا
الساعة بحال من الأحوال ، وإنما نحن نموت ونحيى وما يهلكنا إلا الدهر،
وإذا متنا فإن الأرض تأكل أجسادها، ولا نعود إلى الحياة مرة أخرى.
وعبروا من إنكارهم لها بقولهم: ((لا تأتينا الساعة، مبالغة فى نفيها نفيا
كليا، فكأنهم يقولون: لاتأتينا الساعة فى حال من الأحوال، لأنناننكر
وجودها أصلا، فضلا عن إتيانها .
وقد أمر الله - تعالى - رسوله (صلى الله عليه وسلم) أن يرد عليهم بما
يؤكد وجودها وإنبانها تأكيدا قاطما فقال: ((قل بلى وربى لتأتينكم)).
وبلى حرف جواب لرد النفى، فتفيه إثبات المنفى قبلها، ثم أكد
- سبحانه - ذلك بجملة القسم.
أى: قل - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المنكرين الإتيان الساعة
ليس الأمر كمازعمتم ، بل هى ستأنيكم بغته، وحق ربى الذى أو جدنى وأوجدكم
فالجملة الكريمة قد اشتملت على جملة من المؤكدات التى تثبت أن
الساعة آتية لا ريب فيها؛ ومن ذلك التعبير بافظ ((بلى، وبالجملة القسمية ..

١٠٤
سورة سبا.
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: هذه إحدى الآيات الثلاث التى
لا راج لهن مما أمر الله رسوله ( صلى الله عليه وسلم) أن يقسم بربه العظيم
على وقوع المعاد، لما أذكره من أنكره من أهل الكفر والعناد: فإحداهن
فى سورة يونس، وهى قوله - تعالى -: ((ويستنبئونك أحق هو ؟ قل
أى وربى إنه لحق وما أنتم بمعجزين)).
والثانية هذه الآية التى معنا. والثالثة فى سورة التغابن وهى قوله
- تعالى -: «زهم الذين كفروا أن أن يبعثوا. قل بلى وربى لتبعثن.» (١)
وقوله - تعالى -: ((عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة فى
السموات ولا فى الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا فى كتاب مبين،
تقوية لتأكيد إتيان الساعة .
قالوا : لأن تأكيد القسم ب﴾-لائل فعوت المقسم به يؤذن بفخامة شأن
المقسم عليه، وقوة إتيانه، وصحته لما أن ذلك فى حكم الاستشهاد على الأمر (٢)
وقوله (( يعزب، بمعنى يغيب ويخفى، وفمله من باب ((ققل وضرب)).
يقال: عرب الشىء يعزب - بضم الزاى وكسرها - إذا غاب وبعد.
والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين الإتيان الساعة:
كذبتم فى إنكاركم وحق الله - تعالى - لتأنينكم، والذى أخبرنى بذلك هو
الله - تعالى - ((عالم الغيب) أى: عالم ما غاب وخفى عن حسكم، وهو
- سبحانه - لا يغيب عن علمه مقدار أو وزن مثقال ذرة فى السموات ولافى
الأرض، ولا أصغر من ذلك المثقال. ولا أكبر منه. إلا وهو مثبت وكائن
فى علمه - تعالى - الذى لا يغيب عنه شىء أو فى اللوح المحفوظ الذى فيه
تسجل أحوال الخلاثنى وأقوالهم وأفعالهم.
(١) تفسير ابن كثير حـ ٦ ص ٤٨٢
(٢) حاشية الجمل على الجلالين = ٣ ص ٤٥٩

١٥٥
الجزء الثانى والعشرون
وقوله - سبحانه -: ((عالم الغيب، قرأه بعضهم بكسر الميم على أنه
فمى لقوله: «ربى)).
أى : قل بلى وربى عالم الغيب لتأتينكم الساعة .
وقرأهآخرون بضم الميم على أنه مبتدأ، وخبره جملة: ((لا يعزب عنه))
أوهو خبر لمبتدأ محذوف. أى: هو عالم الغيب.
وقوله: ((لا يعزب عنه مثقال ذرة، تمثيل لقلة الشىء، ودقته. والمراد
أنه لا يغيب عن علمه شيء ما، مهما دق أو صغر، إذ المثقال: «فعال من النقل
ويطلق على الشىء البالغ النهاية فى الصغر والذرة تطلق على النملة، وعلى
الغبار الذى يتطاير من التراب عند النفخ .
وفى قوله - سبحانه -: (( ولا أصغر من ذلك، إعجاز علمى بليغ
القرآن الكريم ، إذ كان من المعروف إلى عهد قريب. أن الذرة أصغر
الأجسام. فأشار القرآن إلى أن هناك ما هو أصغر منها، وهذا ما اكتشفه
العلم الحديث بعد تحطيم الذرة ، وتقسيمها إلى جزئيات .
قال الجمل: وقوله: ((ولا أصغر من ذلك، العامة على رفع أصغر
وا كبر . وفيه وجهان :
أحدهما الابتداء والخبر إلا فى كتاب. والثانى العطف على , مثقال،،
وعلى هذا فيكون قوله: (( إلا فى كتاب، تأكيد للنفى فى ((لا يعزب، كأنه
قال : لكنه فى كتاب مبين ...
فإن قيل: فأى حاجة إلى ذكر الأكبر. فإن من علم ما هو أصغر من الذرة
لابد وأن يعلم الأكبر؟ فالجواب: لما كان الله - تعالى - أراد بيان إثبات
الأمور فى الكتاب . فلو اقتصر على الأصغر لتوهم متوهم أنه يثبت الصغائر
لكونها محل النسيان، وأما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إتيانه ،

١٥٦
سورة سبأ
فقال: الإثبات فى الكتاب ليس كذلك فإن الأكبر مكتوب أيضاً،(١).
واللام فى قوله - تعالى - ((ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات.»
متعلقة بقوله ((لتأنينكم)) وهى للتعليل ولبيان الحكمة فى إتيانهاٍ.
أى : لنأتينكم الساعة أيها الكافرون، والحكمة فى ذلك ایجزى- سبحانه ..
الذى آمنوا وعملوا الصالحات الجزاء الحسن الذى يستحقونه .
, أولئك الموصوفون بصفتى الإيمان والعمل الصالح , لهم مغفرة»
عظيمة من ربهم لذنوبهم,ولهم، كذلك، رزق كريم) تنشرح له صدورهم
و تقر به عيونهم
(((والذين سعوا فى آياتنا معاجزين، أى: والذين سعوا فى إبطالآ باتناء
وفى تكذيب رسلنا(( معاجزين، أى مسابقين لنا، لتوهمهم أننا لا نقدر
عليهم، وأنهم يستطيعون الإفلات من عقابنا . يقال: عاجر فلان فلانا
وأعجزه إذا غالبه وسبقه .
((أولئك، الذين يفعلون ذلك ((لهم عذاب من رجز أليم) أى: لهم.
عذاب من أسوأ أنواع العذاب وأشده ألما وإهانة .
وهكذا نرى الآيات الكريمة بعد ثنائها على الله - تعالى - بما هو أهله).
وبعد إثباتها لمله الذى لا يعزب عنه شىء، وبعد حكايتها لأقوال المشركين.
وردها عليهم ...
بعد كل ذلك تصرح بأن الحكمة من إتيان الساعة، مجاراة الذين آمنوا
وعملوا الصالحات بما يستحقون من ثواب، ومجازاة الذين كفروا وسعوا
فى آيات اله بالقدح فيها وصد الناس عنها، بما يستحقون من عقاب.
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ - ٤٦٠.

١٥٧
الهو. الثانى والمشرون
ثم بين - سبحانه - موقف أهل العلم النافع، جاء به الرسول -صلى
اللّه عليه وسلم - من عند ربه، وموقف الكافرين من ذلك، ورد -سبحانه-
على هؤلاء الكافرين بما يثبت ضلالهم وجهلهم، فقال - تعالى -:
وَيَرَى الَّذِينَ أُوْتُواْ الْعِلَ الَّذِىّ أُنْزِلَ
إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقِّ وَيَهْدِىّ إِلَى صِرِطِ الْعَزِيزِ الْحَمِدِّ
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ تَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَِّئُكُمْ إِذَا مُنّ ◌ْتُمْ كُلّ
مُمَّقٍ إِنَّكُرْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ (يَ أَفْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَمْ يِهِعِ جِنَّهُ
قُلِ الَّذِينَ لَأَ يُؤْمِنُونَ بِْآَخِرَةِ فِ الْعَذَابِ وَالضَّلْلِ الْبَعِيدِيَ أَفَلَمْ
يَوْ إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ الَّمَاءِ وَالْأَرْضَِّ إِن ◌َشَأْ
تَخِْفْ بِمُ الْأَرْضَ أَوْنُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفَّامِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِ ذَلِكَ
الآيَةَ لِكُلٍ عَدِ يُِّبٍ
والمراد بالرؤية فى قوله - تعالى -: ((ويرى الذين أوتوا العلم ....
المعرفة والعلم واليقين ، والمراد بالذين أوتوا العلم: المؤمنون الصادقون الذين
اتهوا النهى - صالح - فى كل ما جامهم به من عند ربه، سواء أكانوا من
العرب أم من غيرهم، كمؤمفى أهل الكتاب من اليهود والنصارى ..
والجملة الكريمة مستأنفة لمدح هؤلاء العلماء العقلاء على إيمانهم بالحق،
أو معطوفة على يجرى فى قوله - تعالى - قبل ذلك: « ليجرى الذين آمنوا:
وعملوا الصالحات ......

١٥٨
سورة سبأ
والمراد بالذى أنزل إليك من ربك القرآن الكريم.
والمعنى: لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لما يقوله الكافرون بهأنك
ولما يفعلونه لإبطال دعوتك، فإن الذين أوتوا العلم وهم أتباعك الصادقون
يعلمون ويعتقدون أن ما أنزل إليك من ربك هو الحق الذى لا يحوم حوله.
باطل، وهو الصدق الذى لا يشوبه كذب، وهو الكتاب الذى يهدى من أتبعه
وأطاع توجيهاته إلى دين الله - تعالى - ((العزيز، الذى يقهر ولا يقهر
«الحميد، أى المحمود فى جميع شئونه .
والمفعول الأول ليرى قوله: ((الذى أنزل .... والمفعول الثانى.
(الحق)) و((هو)) ضمير فصل متوسط بين المفعولين و((يهدى)، معطوف:
على المفعول الثانى من باب عطف الفعل على الإسم تتأويله به . أى: يرونه
حقا وهاديا .
وعبر - سبحانه - عن إيمان أهل العلم بما جاءهم به الرسول - صلى الله
عليه وسلم - بقوله: ((ويرى))، للاشعار بأنهم قد آمنوا هذا الإيمان الجازم.
من إدراك ومشاهدة ويقين ، وأنهم قد صاروا لا يشكون فى كون هذا المنزل
عليه من ربه، هو الحق الهادى إلى الصراط المستقيم.
:
وفى وصفهم بقوله:(( أوتو العلم) ثناء عظيم عليهم، لأنهم إنتفعوا بعلمهم.
وسخروه لخدمة الحق، والشهادة له بأنه حق، ويهدى إلى السعادة الدينية.
والدنيوية والأخروية .
:.
وهكذا العلماء العاملون بمقتضى عليهم النافع. يكونون أنصارا الحق
والهدى فى كل زمان ومكان .
ثم حكى - سبحانه - ما قاله أولئك الكافرون فيما بينهم، على سبيل
الإستهزاء بالنبى - صلى الله عليه وسلم - فقال - تعالى -: ((وقال الذين كفروا،
هل ندلكم على رجل بنبتكم إذا مزقتم كل مزق .. ..

١٥٩
الجزء الثانى والعشرون
وتمزق الشىء: تخريقه وجعله قطعا قطعا. يقال: ثوب ممزق ومريق
. إذا كان مقطعا مخرقا. والمراد بالرجل: الرسول (صلى الله عليه وسلم).
أى : وقال الذين كفروا بعضهم لبعض ، ألا تزيدون أن ندلكم
وترشدكم إلى رجل ، هذا الرجل يخبر كم ويحدثكم بأنكم إذا متم،
وفرقت أجسامكم فى الأرض كل تفريق، وصرقم رفانا وعظاما، وأصبحتم
طعاما فى بطون الطيور والوحوش .
« إنكم لفى خلق جديد، أى: إنكم بعد هذا التمزيق والتفريق،
تخلقون خلقا جديدا، وتعودون إلى الحياة مرة أخرى ، الحساب على
أعمالكم التى عملتموها فى حياتكم .
وقالوا: «هل قدلكم على رجل، وهو (صلى الله عليه وسلم ) أشهر
من نار على علم بينهم ، لتجاهل أمره، والاستخفاف بشأنه، والاستهزاء
بدعوته .
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال: «فإن قلت: كان رسول الله
(صلى الله عليه وسلم ) مشهورا علما فى قريش، وكان أنباؤه بالبعث شائها
بينهم. فما معنى قولهم: ((هل قدلكم على رجل ينبتكم، فتكروه لهم،
وعرضوا عليهم الدلالة عليه كما يدل على مجهول فى أمر مجهول ؟
قلت: كانوا يقصدون بذلك الطنز - أى: الاستخاف - والسخرية.
فأخرجوه مخرج التحلى ببعض الأحاجى التى يتحاجى بها الضحك والتلهى
متجاهلين به وبأمره)، (١) .
وقال الآلومى - رحمه الله -: وقوله: «يننتكم، أى يحدثكم بأمر مستغرب
عجيب ... وإذا فى قوله: ((إذا مرقتم ... ) شرطية، وجوابها محذوف
لدلالة ما بعده عليه . أى: تبعثون أو تحشرون، وهو العامل فى إذا على قوله.
(١) تفسير الكشاف - ٣ من ٥٧٠

١٦٠
سور ۇسپا
الجمهور. والجملة الشرطية بتاعها معمولة لقوله: (دينية-كم)) لأنه فى معنى يقول
لكم إذا مز قتم كل مزق تبعثون. ثم أكد ذلك بقوله - تعالى -: «إنكم
لفى خلق جديد .... (١).
وقوله - سبحانه - بعد ذلك: «أفترى على الله كذبا أم به جتة .. ،
حكاية لقول آخر من أقوالحم الباطلة، التى قالوها بأن ماجاءهم به النبى
( صلى الله عليه وسلم).
والإستفهام لتعجبهم مما قاله (صلى الله عليه وسلم)، لأن قوله لهم:
إنكم ستبعثون وتحاسبون يوم القيامة، جعلهم لجهاهم وأفطماس عقولهم
يستنكرون ذلك، ويرجعون قوله (صلى الله عليه وسلم) إلى أمرين: إما
إفتراء الكدب. وإختلافه على الله - تعالى -، وإما إصابته بالجنون الذى
جعله بقول قولا لا يدرى معناه.
وقد رد الله - تعالى - بما ينفى عن رسوله (صلى الله عليه وسلم)
ما اتهموه به، وبما يثبت جهلهم وغباءهم فقال: «بل الذين لا يؤمنون بالآخرة
فى العذاب والضلال البعيد،.
أى: ليس الأمر كما زعم هؤلاء الكافرون، من أن الرسول (صلى الله
عليه وسلم) الذى أُخبرهم بأن هناك بعثاً وحساباً، به جنة أو افترى على انت
كذبا، بل الحق أن هؤلاء الكافرين الذين لا يؤمنون بالآخرة ومافيها من
ثواب وعقاب، غازقون فى العذاب الذى لا نهاية له ، وفى الضلال البعيد
من الحق غابة البعد .
ثم عددهم - سبحانه - بسوء العاقبة، إذا ما استمروا فى ضلالهم
وجهالاهم وذكرهم بما يشاهدونه من عجائب قدرته فقال: «أفلم يروا
إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض .. ».
(١) تفسير الألوسى - ٣٢ ص ١٠٩