Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
سورة الروم
ابن الخطاب - رضى الله عنه - إذا إجتهد فى المين قال: لا، والله الذى تقوم
السماء والأرض بأمره، أى: هى قائمة ثابتة بأمره وتسخيره إياها، (١).
وقوله - تعالى -: «ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم
تخرجون، بيان لامتثالهم لأمره بدون تقاعس ، عند ما يدعوم الداعى
الخروج من قبورهم للبحث والحساب، و ((ثم)، بعدها كلام محذوف، و((إذا،
الأولى شرطية، والثانية فجائية، والداعى هو إسرافيل بأمر الله - تعالى -
وقوله: ((من الأرض، متعلق بقوله ((دعاكم)).
أى: ثم بعدموتكم ووضعكم فى قبور كم، إذا دعاكم الداعى دعوة واحدة
من الأرض التى أنتم مستقرون فيها، إذا أنتم تخرجون من قبوركم مسرعين
بدون تلبث أو توقف ، كما يجيب المدعو المطيع دهوة الداعى المطاع.
قال صاحب الكشاف: وإنما عطف هذه الجملة على قيام السموات والأرض
ثم، بيانا لعظم ما يكون من ذلك الأمر، وإقتداره - سبحانه - على مثله وهو
أنّ يقول: ياأهل القبور قوموا، فلا تبقى قسمة من الأولين والآخرين إلا
قامت تنظر، كما قال - تعالى -: ثم نفخ فيه أخرى فإذاهم قيام ينظرون» (٢)
وكما فى قوله؟ - سبحانه - :« فإنما هى زجرة واحدة. فإذاهم
بالساهرة ، وكما فى قوله - عز وجل - : «يوم يدعوكم فتستجيبون
بحمده، وتظنون إن لبثتم إلا قليلا ، (٣).
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بآية جامعة لكل معانى القدرة والإيجاد
والهيمنة على هذا الكون فقال: (وله من فى السموات والأرض) أى: من
(١) تفسير ابن كثير -٦ ص ٢١٧
(٢) تفسير الكشاف - ٣ ص ٤٧٦
(٣) سورة الإسراء. الآية ٥٣

١٠٢
الجزء الحادى والعشرون
الملائكة والجن والإنس، خلقاً، وملكاً، وتصرفاً ، كل ذلك له وحده
- سبحانه - لا لأحد غيره .
وقوله: (( كل له قانتون)» مؤكد لما قبله ومقرر له، أى: كل الخلائق
فى لا لغيره ظالمون خاضعون، خاشعون، طوعاً وكرهاً، إذ لا يمتنع
عليه - سبحانه - شىء يريد فعله بهم، من حياة أوموت، ومن حة
أو مرض، ومن غنى أو فقر .
هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة، يرى من أكثر من عشرة أداة، على
وحدانيةالله - تعالى - وعلى إنفراده بالخلق، وعلى إمكانية البحث، ومن هذه
الأدلة خلق الإنسان من تراب، أوصيرورته بعد تقلبه فى أطوار التكوين
بشراً سوياً، وإيجاده - سبحانه - الذكور والإناث، حتى يبقى النوع الإنسانى
إلى الوقت المقدر فى علمه - تعالى - وإبهاده الناس على هذه الصورة التى اختلفت
معها ألسنتهم وألوانهم، مع أن أصلهم واحد، وجعله - تعالى - اليل متاعاً
الراحة الناس، والنهار معاشاً لا بعضاء الرزق، وإنز اله المطر من السماءلإحياء
الأرض بالنبات ، وبقاء السموات والأرض على هذه الصورة العجيبة
بأمره وتدبيره ... إلى غير ذلك من الأدلة المبشرته فى الأنفس والآفاق.
ثم أكد - سبحانه - ما يدل على إمكانية البعث، فقال - تعالى -:
, وهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده .. ».
أي : وهو - سبحانه - الذى بدأ الخلق بدون مثال سابق، ثم
يعيد هذه المخلوقات بعد موتها إلى الحياة مرة أخرى للحساب والجزاء.
والضمير فى قوله: «وهو أهون عليه، للإعادة المفهومة من قوله «ثم
يعبده)، والتذكير الضمير باعتبار المعنى، أى: والعود أو الرد، أو الإرجاع
أهون عليه .
أى: وهو - سبحانه - وحده الذى يخلق المخلوقات من العدم ؛ ثم يعيدها

١٠٣
سورة الروم
إلى الحياة مرة أخرى فى الوقت الذى يريده، وهذه الإعادة للأموات أهون
عليه، أى : أسهل عليه من البد . .
٠٠:١٠٠.
وهذه الأسهلية على طريقة التمثيل والتقريب ، بما هو معروف عند
الناس من أن إعادة الشىء من مادته الأولى، أسهل من ابتداته.
ورحم الله صاحب الكشاف ، فقد وضح هذا المعنى فقال: قوله:
((وهو أهون عليه، أى: فيما يجب عندكم، وينقاس على أصولكم، و يقتضيه
معقولكم لأن من أعاد منكم صنعة شىء كانت أسهل عليه وأهون من إنشائها
وتعتذرون للصانع إذا خطى. فى بعض ما ينشئه بقولهم: أول الغزو أخرق،
حتى مرن عليها وهانت عليه .
فإن قلت لم أخرت الصلة فى قوله: «وهو أهون عليه، وقدمصفىقوله
((هو على عين))؟ قلت: هناك قصد الاختصاص وهو محزه، فقيل: هو
عليه هين، وإن كان مستصعبا عندكم أن يولد بين م، أى: شبخ فان وعاقر
وأما هنا فلا معنى للاختصاص؟، كيف والأمر مبنى على ما يعقلون، من
أن الإعادة أسهل من الابتداء، فلو قدمت الصلة لتغير المعنى .. ، (١).
ومنهم من يرى أن أهون هنا بمعنى مين، أى: إرجاعكم إلى الحياة
1
بعد موتكم مين عليه .
والعرب تجعل أفعل بمعنى فاعل فى كثير من كلامهم ، ومنه قول الشاعر:
إن الذى سمك السماء بنى لنا بيتاً دعائمه أعز وأطول
أى : بنا لنا بتأدعائمه عزيزة طويلة ومنه قولهم: الله أكبر. أى: كبير.
وقوله - تعالى -: ((وله المثل الأعلى فى السموات والأرض ... ، أى:
(١) تفسير الكشاف = ٢ س٤٥٦

١٠٤
٠
الجزء الحادى والعشرون
وله - سبحانه - الوصف الأعلى الذى ليس لغيره مثله، لا فى السموات
ولا فى الأرض، إذ لا يشار كه أحد فى ذاته أو صفاته فهو - سبحانه -
ليس كمثله شىء .
(((وهو العزيز، الفى يغلب ولا يغلب «الحكم، فى كل أقواله وأفعاله.
وتصرفاته .
٠
وبعد هذا الطواف المتنوع فى آفاق الأنفس، وفى أعماق هذا الكون،
ضرب - سبحانه - مثلا لا مجال الجدل فيه، لوضوحه واعتماده على المنطق.
السليم، وأمر رسوله (عربي) أن يمضى فى طريقه المستقم، كما أمر
المؤمنين بأن يلتجئوا إليه - سبحانه - وحده، وأن يصونوا أنفسهم عن
كل ما يغضبه ، فقال - تعالى - :
ضَرَبَ لَكُمَثَلًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَل لَّكُ مِنِ مَّ مَلَكَتْ أَشُكُمْ مِّنْ
ج
◌ُرَكَاةَ فِ مَارَزَقْتَكُمْ فَأَنْتُمْ فِهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ تِفَتِكُرْ أَنْفُسَكٌ
كَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَنْتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( بَلِ أَتََّعَ الَّذِينَ ظَلُواْ
أَهْوَ هُم ◌ِغيرِ عٍِّ فَ يَهْدِى مَنْ أَضَّاللّهُ وَمَالَهُ مِن ◌َِّصِينَ () فَأَقِ
وَجْهَكَ لِدِينِ حَنِيفًا فِظَرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّسَ عَيْهَا لَا تَبْدِيلَ
لِغَلّقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلُونَ(
٣
مُنِينَ إِلَيْهِ وَتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَلَا تَكُونُواْمِنَ الْمُشْرِكِينَ (٢٦)
مِنَ الَّذِينَ قَُّوْدِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا كُلّ ◌ِرْبٍ بِمَالَيْ فَرِ حُونَ ﴾

١٠٠
سورة الروم
و ((من)) فى قوله - سبحانه -: «ضرب لكم مثلا من أنفسكم»
ابتدائية، والجار والمجرور فى محل نصب، صفة لقوله: ((مثلا)).
أى: ضرب لكم - أيها الناس - مثلا، يظهر منه بطلان الشرك ظهوراً
واضحاً ، وهذا المثل كائن من أحوال أنفسكم، التى هى أقرب شى. لديكم .
قال القرعطى: والآية نزلت فى كفار قريش ، كانوا يقولون فى التلبية:
لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك ... (١).
وقوله - تعالى -: «هل لكم ما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقنا كم.»
تصوير وتفصيل المثل، والاستفهام للإنكار والنفى. وممن، الأولى التبعيض،
والثانية لتأكيد النفي، وقوله («شركاء، مبتدأ، وخبره ((لكم)) وقوله:
((مما ملكت أيمانكم)) متعلق بمحذوف حال من شركاء.
وقوله: ( فأنتم فيه سواء) جواب للاستفهام الذى هو بمعنى النفى،
والجملة مبتدأ وخبر.
وقوله: (تخافونهم) خبر ثان لأنتم، وقوله: (كخيف لكم أنفسكم) صفة
محذوف، أى: تخافونهم خيفة كاتنة مثل خيفتكم من هو من نوعكم .
والمعنى: ضرب الله - تعالى - لكم .- أيها الناس - مثلامنترعامن أنفسكم
التى هى أقرب شىء إليكم، وبيان هذا المثل: أنكم لا ترضون أن يشارككم
فى أموالكم التى رزقناكم إياها، عبيدكم وإماؤكم ، مع أنهم مثلكم فى
البشرية، ونحن الذين خلقنام كما خلقناكم ، بل إنكم لتخافون على أموالكم
منهم، أن يشاركوكم فيها، كما تخافون عليها من الأحرار المشابهين لكم فى
جواز التصرف فى تلك الأموال .
فإذا كان هذا شأنكم مع عبيدكم - الفين م مثلكم فى البشرية، والذين
(١) تفسير القرطبى - ١٤ من ٢٣
2

١٠٦
الجزء الحادى والشرون
لم تخلقوم بل نحن الذين خلقناكم وخلقناهم - فكيف أجرقم لأنفسكم أن
تشركوا مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة، مع أنه - سبحانه -
هو الخالق لكم وهم ، والرازق لكم وهم ؟ !!
إن تصرفكم هذا ظاهر التناقض والبطلان، لأنكم لم ترضوا أن
يشارككم غيركم فى أموالكم، ورضيتم أن تشركوا مع الـ - تعالى -
غيره فى العبادة، مع أنه - سبحانه - هو الخالق والرازق لكل شىء.
المقصود من الآية الكريمة، إبطال الشرك بأبلغ أسلوب، وأوضح
بیان ، وأصدق حجة ، وأُقوی دلیل .
ولذا ختمها - سبحانه - بقوله: (كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون)
أى: مثل ذلك التفصيل الحلى الواضح، تفصل الآيات الدالهمے أو حدانيتنا
لقوم يعقلون هذه الأمثال، ويتفعون بها فى إخلاص العبادة لله الواحد القهار.
قال الإمام القرطبى: قال بعض العلماء: هذهالآية أصل فى الشركة بين
المخلوقين، لافتقار بعضهم إلى بعض، ونفيها عن الله - سبحانه -، وذلك
أنه قال - سبحانه -: ( ضرب أمكم مثلا من أنفسكم .. ) فيجب أن
يقولوا: ليس عبدنا شركاءنا فيما رزقنا . فيقال لهم: فكيف تدور أن
متنزهوا أنفسكم عن مشاركة عبيدكم، وتجعلوا عبيدى شركائى فى خلقى،
حكم فاسد ، وقلة نظر و عمی قلب !!
فإذا أبطلت الشركة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السادة ، والخلق كلهم
عبيد الله - تعالى - فيبطل أن يكون شىء من العالم شريكاته - تعالى - فى شىء
من أفعاله ..
ثم قال - رحمه الله -: وهذه المسألة أفضل الطالب، من حفظ
ديوان كامل فى الفقه، لأن جميع العبادات البدنية، لا تصح إلا بتصحيح
هذه المسألة فى القلب فإنهم ذلك) (١).
(١) تفسير القرطبى = ١٤ ص ٢٣

١٠٧
سورة العنكبوت
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن هؤلاء المشركين لم ينتفعوا بهذه الأمثال
لاستيلاء الجهل والعناد عليهم فقال: ((بل إقبع الذين ظلموا أهواءهم
بغير علم .....
-
أى : لم ينتفع هؤلاء الظالمون بهذا المثل الجلى فى إيطال الشرك ، بل لجوا
فى كفرهم، واتبعوا أهواءم الزائفة، وأفكارهم الفاسده، وجهالاتهم المطبقة
حون أن يصرفهم عن ذلك علم نافع «فمن يهدى من أضل الله، أى: إذا كان
هذا هو حالهم، فمن الذى يستطيع أن يهدى إلى الحق، من أضله الله - تعالى :-
عنه بسبب زيفه وإستحيا به العمى على الهدى .
إنه لا أحد يستطيع ذلك ,ومالهم من ناصرين، ينصرونهم من عقابه
- سبحانه - لهم .
1
ثم أمر سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم - أن يثبت على الحق الذى
هداه - عز وجل - إليه فقال :
فأقم وجهك للدين حنيفاً ... )، والفاء هى الفصيحة، وقوله: ((أقم،
من الإقامة على الشىء والثبات عليه، وعدم التحول عنه.
وقوله: ((حنيفا، من الحنف، وهو الميل من الباطل إلى الحق، وضده
الجنف. و ((حنيفا ، حال من فاعل (( أقم)).
أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لك - أيها الرسول الكريم - من بطلان الشرك
نائبت على ما أنت عليه من إخلاص العبادة فيه - تعالى- وحده، وأقبل على هذا
الدين الذى أو حاء الله إليك، بدون التفات عنه، أو ميل إلى سواء.
كال صاحب الكشاف: قوله: ((قأقم وجهك للدين حنيفا، أى: فقوم.
وجهك له وعده، غير ملتفت عنه يمينا أو شمالا. وهو تمثيل لإقباله على الدين
واستقامته عليه وثياته، واهتمامه بأسبابه ، فإن من اهتم بالشىء عقد عليه
طرفه، وسدد إليه نظره، وقوم له وجهه، مقبلا به عليه.

١٠٨
الجزء الحادى والعشرون
والمراد بالفطرة فى قوله - تعالى -: «فطرة الله التى فطر الناس .. ، الملة .
٠٠
أى: مة الإسلام والتوحيد.
أو المراد بها: ا بلية الدين الحق، والتهيؤ النفسى لادراكه. والأصل.
فيها أنها يمعنى الخلقة .
أى: انبت - أيها الرسول الكريم - على هذا الدين الحق، والزموا"
- أيها الناس - فطرة الله، وهى ملة الحق، التى فطر الناس عليها،
وخلقهم قابلين لها .
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية. ((يقول - تعالى -: فسدد وجهك.
واستمر على الدين الذى شرعه اله لك، من الحنيفية ملة إبراهيم)). وأنت مع
ذلك لازم فطرتك السليمة، التى قطر الله الخلق عليها، فإنه - تعالى - فطر
خلقه على معرفه وتوحيده .
وفى الحديث: (( إنى خلقت عبادي حنفاء، ا جنالتهم - أى حولتهم -.
الشياطين على دينهم .....
وروى البخارى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى أقه عليه وسلم - قال
ما من مولود يولد إلا على الفطره، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه،
كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جهعاء؟ ثم يقول: فطرة
له التى فطر الناس عليها ... ). (١).
وقال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم وحد الخطاب أولا ، ثم جمع؟
قلت: خوطب رسول الله - مَ ةٍ - أولا، وخطاب الرسول لأمته، مع
ما فيه من التعظيم للإمام، ثم جمع بعد ذلك للبيان والتلخيص ... (٢).
(١) تفسير ابن كثير = ٦ ص ٣٤٠
(٢) تفسير الكشاف = ٣ ص ٠٤٧٩

١٠٩
سورة الروم
وقوله: ((لا تبديل لخلق الله)) تعليل لما قبله من الأمر بلزوم الفطرة التى
قطر - سبحانه - الناس عليها.
أى: أرزموا فطره الله التى هى دين الإسلام، وقبول تعاليمه والعمل بها
لأن هذا الدين قد ارتضاء الله - تعالى - لكم، ولا تبديل ولا تغيير لما فطركم
عليه وارتضاه لكم .
و ((ذلك، الدين الذى اختاره - سبحانه - لكم، هو ((الدين القيم))
أى: القويم المستيم، الذى لا اعوجاج فيه ولا انحراف.
قاسم الإشارة يعود إلى الدين الذى أمرنا - سبحانه - بالثبات عليه ، فى
-قوله: (( فأقم وجهك للدين حنيفا)).
وقوله - تعالى -: ((ولكن أكثر الناس لا يعلمون، استدراك لبيان
موقف الناس من هذا الدين القيم .
أى: ذلك الدين الذى ارتضيته لكم هو الدين القيم، ولكن أكثر الناس
لا يعدون هذه الحقيقه، بسبب استحواذ الشيطان عليهم ، واتباعهم للأهواء
الزائفه، والتقاليد الفاسدة .
ثم حرضهم - سبحانه - على الاستمرار فى اتباع توجيهات هذا الدين
القيم فقال: ((منيين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ... »:
قالى القرطى: وفى أصل الإنابة قولان: أحدهما: أنه القطع. ومنه أخذ
اسم الناب لأنه قاطع، فكان الإنابة هى الإنقطاع إلى الله - عز وجل -
بالطاعة والثانى: أن أصله الرجوع، مأخوذ من ناب يغوب إذا رجع مرة
بعد أخرى، ومنه النوبة لأنها الرجوع إلى عادة ٢٠ - ولفظ ،منيين))
- منصبوب على الجالى ... )، (١).
(١) تفسير القرطبى = ١٤ ص ٣١°.

١١٠
الجزء الحادى والعشرون
والمعنى: أفيهوا وجوهكم - أيها الناس - لخالقكم وحده، حالة كونكم
راجعين إليه بالتوبة والطاعة، ومقبلين إليه بالاستغفار والعبادة، ومتقين له
فى كل أحوالكم، ومداومين على إقامة الصلاة في أوقاتها بخشوع واطمئنان .
(ولا تكونوا من المشركين، المبدلين لفطرة الله - تعالى -، المتبعين.
لأهوأنهم وشهواتهم .
وقوله ((من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، بدل ما قبله.
أى: ولا تكونوا من المشركين، الدين اختلفوا فى شأن دينهم اختلالات.
شتى على حسب أهوائهم، وصارواشيعا وفرقا وأحوابا متنازعة .
((كل حزب بما لديهم فرحون، أى: كل حزب منهم صار مسرورا
بمالديه من دين باطل، ومة فاسدة، وعقيدة زائفة، وهذا الفرح بالباطل.
سببه جهلهم؛ وانطماس بصائرهم من الانقياد والحق ...
١
١
ثم بين - سبحانه - أحوال الناس فى السراء والضراء وعندما يوسع.
الله - تعالى - فى أرزاقهم؛ وعندما يعتق عليهم هذه الأرزاق؛
فقال - تعالى - :

١١١
سورة الروم
وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرّ دَعَوْاْ رَبُهُم مُّنِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ
رَحْمَةٌ إِذَا فَرِيْقٌ مِنْهُمْ بِهِمْ يُشْرِكُونَ (چ لِيَكْفُرُواْبِمَآءَ اتَيْنَهُمْ
فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلُونَ (ج) أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطًَّا فَهُوَ يَتَكَلَّمْ
◌ِمَا كَانُواْبِهِ ، يُشْرِكُونَ (﴿ وَإِذَا أَذَقْنَ النَّسَ رَحْمَةً فَرِ حُواْ بِهَا وَ إِنّ
تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَ قَدَّمَتْ أَيْدِمْ إِذَا هُمْ يَقْتَطُونَ (8) أَوَلَمْ بِرَوْاْ أَنَّ
الله ◌َيْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَبَيْتٍ لِقَوْمٍ.
يُؤْمِنُونَ (#)
أى: ((وإذا مس الناس ضر، من قحط أو مصيبة فى المال أو الولد ؛
((دعوا ربهم منيين إليه، أى: إذا نزل بهم الضر، أسرعوا بالدعاء إلى أنه
- تعالى - متضرعين إليه أن يكشف عنهم مانزل بهم من بلاء.
هذا حالهم عند الشدائد والكروب ؛ أما حالهم عند العافية والغنى
وتفريج الهموم ؛فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله: ( ثم إذا أذاقهم منهرحمة
إذا فريق منهم ربهم يشر كون).
و (إذا) الأولى شرطية؛ والثانية فجائية .
أى: جم بمجرد نزول الضربهم يلجأون إلى الله -تعالى- لازالته؛ ثم إذا
ما كشفه عنهم ، وأحاطهم برحمته ، أسرع فريق منهم بعبادة غيره
- سبحانه - .
٠

١١٢
الجزء الحادى والعشرون
وقوله - تعالى -: ((إذا فريق منهم)): إنصاف وتشريف لفريق
آخر من الناس ، من صفاتهم أنهم يذكرون الله - تعالى- فى كل الأحوال
ويصيرون عند البلاء، ويشكرون عند الرخاء .
والتنكير فى قوله - سبحانه - (مضر، ورحمة)) للإشارة إلى أن هذا النوع
من الناس، يجزءون عند أقل ضر، ويبطرون ويطغون لأدنى رحمة ونعمة
واللام فى قوله - تعالى -: ((ليكفروا بما آتينام، هى العافية. أى:
فعلوا ما فعلوا من الجرع عند الضر، ومن البطر عند النعم ، ليكون مآ لى
حالهم إلى الكفر والجحود لنعم الله، وإلى سوء العاقبة والمصير.
ثم التفت إليهم - سبحانه - بالخطاب مهدداً ومتوعداً فقال: «فتمتعوا
فسوف قعدون)، أى: فتمتعوا - أيها الجاحدون لنعم الله - بهذا المناع الزائل
- عن متع الحياة الدنيا، فسوف تعلمون ماسيترتب على ذلك من عذاب مهين.
وقوله - تعالى -: ((أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكام بما كانوا به
يشر كون التفات من الخطاب إلى الغيبة، على سبيل التحقير لهم، والتهوين
من شأنهم ، والاستفهام النفى والتوبيخ
والسلطان: الحجة والبرمان .
أى: هؤلاء الذين أشركوا معنا غير نافى العبادة. هل نحن أنزلنا عليهم
حجة ذات قوة وسلطان تشهد لهم بأن شركهم لا يخالف الحق، وقنطق
بأن كفرهم لا غيار عليه ؟
كلا، إننا ما أنزلنا عليهم شيئا من ذلك ، وإنما هم الذين وقعوا فى
الشرك ، بغير علم، ولا هدى ولا كتاب منير .

١١٣
سورة الروم
فالآيمة الكريمة تتحكم بهم أسفههم وجهلهم، وتنفى أن يكون شركهم
مبنياً على دليل أو ما يشبه الدليل ، أو أن يكون هناك من أمرهم به سوى
تقاليدهم الباطلة ، وأهوائهم الفاسدة، وأفكارهم الزائفة .
ثم عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن أحوال بعض النفوس البشرية
فى حالتى العسر واليسر، فقال - تعالى -: ((وإذا أُذقنا الناس رحمة، من صحة
أوغنى أو أمان ((فرحوا بها)) أى: فرحوا بها فرح البطر الأشر، الذى
لا يقابل نعم الله - تعالى - بالشكر، ولا يستعملها فيها خلقت له .
فالمراد بالفرح هنا: الجحود والكفران النعم ، وليس مجرد السرور
بالحصول على النعم.
( وإن تصبهم سيئة)) أى: شدة أو مصيبة , بما قدمت أيديهم، أى:
بسبب شؤم معاصيهم، وإهمالهم لشكر الله - تعالى - على نعمه ((إذاهم
يقنطون، أى: أسرعواباليأس من رحمة الله، وقنطوا من فرجه، وأسودت
الدنيا فى وجوههم، شأن الذين لا يعرفون سنن الله - تعالى - فى خلقه ،
والذين يعبدون الله على حرف، فهم عند السراء جاحدون مغرورون،
وعند الضراء قانطون بائسون .
وعبر - سبحانه - فى جانب الرحمة بإذا، وفى جانب المصيبة بان،
للإشعار بأن رحمته - تعالى - بعباده متحققة فى كل الأحوال ، وأن
ما ينزل بالناس من مصائب، هو بسبب ما اجترحوه من ذنوب.
ونسب - سبحانه - الرحمة إلى ذاته فقال: ((وإذا أذقنا الناس
رحمة .. ، دون السيئه فقد قال: ((وإن تصبهم سيئة، لتعليم العباد الأدب
مع خالقهم - عز وجل - ، وإن كان الكل بيده - سبحانه - وبمشيئته
(٨٢ - الروم)

١١٤
الجزء الحادى والعشرون
وشبيه بهذا قوله - تعالى -: ((( أنا لا ندرى أشر أريد بمن فى الأرض، ..
أُم أراد بهم ربهم رشدا ، .
والتعبير بإذا الفجائية فى قوله (( إذاهم يقنطون))، الإشارة إلى سرعة
بأسهم من رحمة الله - تعالى -، حتى ولو كانت المصيبة هيئة يسيرة ، وذلك
لضعف يقينهم وإيمانهم. إذالقنوط من رحمة الله، يتنافى مع الإيمان الحق.
ثم عقب-سبحانه - على أحو الهم هذه بالتعجيب من شأنهم، وبالتقريع
لحم على جهلهم، فقال: (أولم يروا أن الله يبسط الرزق من يشاء ويقدر .. )).
أى: أجهل هؤلاء الناس الذين لم يخالط الإيمان قلوبهم، ولم يشاهد وا بأعينهم
أن الله - تعالى - بمقتضى حكمته، يوسع الرزق لمن يشاء من عباده،
ويضيقه على من يشاء منهم، لإراد لقضائه، ولا معقيب لحكمه، ولا يسأل
عما يفعل.
إن واقع الناس أبشهد ويعلن: أن الله - تعالى - يبسط الرزق من
يشاء ويقدر، فما لهؤلاء القوم ينكرون هذا الواقع بأفعالهم القبيحة، حيث
إنهم يبطرون عند السمراء، ويقنطون عند الضراء؟ فالمقصود بالآية الكريمة ..
توبيخهم على عدم فهمهم لسنن الله فى خلقه .
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: «إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون؟
أى: إن فى ذلك الذى ذكرناه لكم من أحوال الناس، ومن قدرتنا على كل
((لآيات)، واضحات، وعبر بينات لقوم يؤمنون بما أرشدناهم إليه ،
ويعملون بما يقتضيه إيمانهم .
٠
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك. ما يجب على المسلم بالنسبة

١١٥
سورة الروم
المال الذى وهبه الله إياه، فقال - تعالى - :
فَقَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَلْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيِلَّ ذَلِكَ
خَيْرٌلِلَّذِينَ بِدُونَ وَيْهَ اللهِ وَ أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ وَمَآءَاتَيْثُمْ
مِنْ رِبُّالِيَرْبُواْفِى أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَ يْبُواْ عِندَ اللّهِ وَمَآءَاتَيْتُ مِنْ
ذَكَّرَةٍ ثُرِدُونَ وَجْهَ الَهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (18) الَّهُالَّذِىِ
◌َخَلَفَكْ ثُمَّرَزَقَكْ ثُمّ ◌ُمِتُكُمْ تُمْ يُحْيِكُمْ هَلْ مِنْ شُرَّكَ بِكُ مَّنْ يَفْعَلُ
مِّنْ ذَلِكُ مِنْ شَىْءٍ سُبْحَدَتَهُ،وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (﴾
والخطاب فى قوله - تعالى -: «فآت ذا القربى حقه ... ، للنبى
(*) وأ-كل من يصلح له من أمته.
والفاء: لقرقيب ما بعدها على ما قبلها .
والمعنى: إذا كان الأمر كماذكرت لكم، من أن بسط الأرزاق وقبعضها
بيدى وحدى ، فأعط - أيها الرسول الكريم - ذا القربى حقه من المودة
والصلة والإحسان، وليقتد بك فى ذلك أصحابك وأقباعك.
وأعط - أيضاً - ((المسكين، الذى لا يملك شيئا ذا قيمة، حقه من
الصدقة والبر، وكذلك ((ابن السبيل)، وهو المسافر المنقطع عن ماله في سفره،
ولو كان غنياً فى بلده .
وقدم - سبحانه - الأقارب؛ لأن دفع حاجتهم واجب من الواجبات
التى جعلها - سبحانه - القريب على قريبه .
قال القرطبى: «واختلف فى هذه الآية فقيل: إنها منسوخة بآيةالمواريث.

١١٦
الجزء الحادى والعشرون
وقيل : لا نسخ ، بل للقريب حق لازم فى البر على كل حال ، وهو الصحيح،
قال مجاهد وقتادة: صلة الرحم فرض من الله - عز وجل - ، حتى
قال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجه .. )) (١).
وقال الجمل فى حاشيته: وعدم ذكر بقية الأصناف المستحقين للزكاة،
يدل على أن ذلك فى صدقة التطوع. وقد احتج أبو حنيفة - رحمه الله - بهذه
الآية على وجوب نفقة المحارم، والشافعى - رحمه الله - قاس سائر الأقارب
- ما عدا الفروع والأصول - على أبن العم ؛ لأنه لا ولادة بينهم .
ثم قال: وهؤلاء الثلاثة يجب الإحسان إليهم وإن لم يكن الإنسان مال
زائد، لأن المقصود هنا: الشقفة العامة؛ والفقير داخل فى المسكين.» (٢).
ثم بين - سبحانه - الآثار الطيبة المترتبة على هذا البر والعطاء فقال:
(« ذلك خير الذين بريدون وجه الله، وأولئك هم المفلحون).
أى: ذلك الإبتاء لهؤلاء الثلاثة، خير وأبقى عند الله - تعالى -الذين
يريدون بصدقتهم وإحساهم وجه الله، وأولئك المتصفون بتلك الصفات
الحميدة هم الكاملون فى الفلاح، والظفر بالخير فى الدنيا والآخرة .
وبعد أن حضهم على عملة الأقارب والمساكين وابن السبيل، ففرهم من
تعاطى الرباعفاء: وما أنيتم من بالير بوفى أموال الناس فلا يربو عند الله."
والربا : الزيادة مطلقا. يقال: ربا الشىء يربو إذا زاد ونماء ومنه
قوله - تعالى -: «وزى الأرض عامة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت
وربت )،، أى : زادت .
قال الآومى مملخصه: والظاهر أن المراد بالرباهنا. الزيادة المعروفة
فى المعاملة التى حرمها الشارع .
(١) تفسير القرطبى ج ٤ ص ٣٥
(٢) حاشية الجمل على الجلااين ج ٣ ص ٣٩٤

١١٧
سورة الروم
ويشهد لذلك ماروى عن السدى، من أن الآية نزلت فى ربا ثقيف ،
كانوا برابون، وكذلك كانت قريش تتعاطى الربا ...
وعن ابن عباس وغيره: أن المراد به هنا العطية التى يتوقع بما مزيد
مكافأة، وعليه فتسميتها ربا مجاز، لأنها سبب للزيادة ... )) (١)
ويبدو لنا أن المراد بالرباهنا، الربا الذى حرمه الله - تعالى - بعدذلك
تحريما قاطعا، وأن المقصود من الآية التنفير منه على سبيل التدرج؛ حتى
إذا جاء التحريم النهائى له، تقبلته نفوس الناس بدون مفاجأة لهذا التحريم.
قال صاحب الكشاف: هذه الآية فى معنى قوله - تعالى -, يمحق الله الربا
ويربى الصدقات .. ، سواء بسواء، يريد. وما أعطيتم أكلة الرباء من ربا
ليربو فى ، أموالهم. أى: ليزيد ويزكو فى أموالهم. فلا يزكو عند الله
ولا يبارك فيه ... (٢) .
ثم حض - سبحانه - على التصدق فى سبيله فقال: «وما آ فيتم مزز كاة)»
أى من صدقة تتقربون بها إلى الله. و «تريدون، بأدائها, وجه الله ، أى:
رضاه وثوابه ...
((أولئك)) الذين يفعلون ذلك (هم المضعفون، أى: ذوو الأضعاف
المضاعفة من الثواب والعطاء الكريم. فالمضعفون جمع مضعف - بكسر العين -
على أنه اسم فاعل من أضعف. إذا صار ذا ضعف - بكسر فسكون - كأقوى
وأيسر . إذا صار ذا قوة ويسار .
وقال - سبحانه -: ((فأولئك هم المضعفون)) ولم يقل: فأنتم المضعفون.
لأنه رجع من المخاطبة إلى الغيبة. كأنه قال لملائكته: «أولئك الذين بريدون
وجهى بصدقاتهم م المضعفون. فم وأمدح هم من أن يقول: فأتم المضعفون.
(١) تفسير الألوسى = ٢١ ص ٤٥.
(٢) تفسير الكشاف = ٣ ص٤٨١.

١١٨
الجزء الحادى والعشرون
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مظاهر فضله على الناس فقال . .انه الذى
خلة كم، على غير مثال سابق (( ثم رزقكم)) من فضله بأنواع من الرزق الذى
لا غنى لكم عنه فى معاشكم («ثم يميتكم)) بعد انقضاء أعمار كم فى هذه الحياة
((ثم يحييكم)) يوم القيامة للحساب والجزاء .
والاستفهام فى قوله - سبحانه -: ((هل من شركاتكم من يفعل من ذلكم
من شىء، للافكار والنفى. أى: ليس من شركاتكم الذين عبد تموم من
يستطيع أن يفعل شيئا من ذلك فكيف اتخذتموم آلهة وأشركتموهم معى فى
العبادة؟ إن الله - تعالى - وحده هو الخالق وهو الرازق وهو المحبى وهو
المميت .
((سبحانه وتعالى عما يشر كون)) أى: انزه وتقدس عن شرك هؤلاء
المشركين وعن جبل أولئك الجاهلين .
وبعد هذا التوجيه الحكيم . يسوق - سبحانه - الآثار السيئة التى
تترتب على الكفر والمعاصى. ويأمر بالاعتبار بالسابقين. ويبين عاقية
الأشرار وعاقبة الأخيار فيقول :

١١٩
سورة الروم
ظَهَرَ الْفَسَادُ
فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كُسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ اَلَِّى
عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ بَرْجِعُونَ (® قُلّ ◌ِسِيرُوا فِ الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ.
كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثُ مُشْرِكِينَ (٦) فَأَقِمْ وَجْهَكَ
وِّينِ الْقَيِِّ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمُ لَّا مَرَهُ لَهُ مِنَ اللهِ يَوْمَِدٍ.
وَصَّدَّعُونَ ( مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُ، وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَ نْفُسِهِمْ
يُهُونَ (٦) لِيَجْزِىَ الَّذِينَءَ امَنُواْ وَعَلُواْ الصَّالِحَتِ مِن فَضْلٌِّ
◌ِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ (®
قال ابن كثير ما ملخصه: قال ابن عباس وغيره: المراد بالبرهاهنا.
الفيانى. وبالبحر: الأمصار والقرى . ما كان منها على جانب نهر.
وقال آخرون: بل المراد بالبرهو الير المعروف. وبالبخر: البحر
المعروف.
والفول الأول أشهر. وعليه الأكثر. ويؤبدة فالذ كزة ابن إسحاق فى
-السيرة: أن رسول اله - صلى الله علية وسلم - صالح ملك أيلة. وكتب لا
بحره- يعنى والده (١).
والمعنى: ظهر الفسادفي البرالبحر. ومن مظاهر ذلك انتشار الشرك والظام.
(١) تفسير ابن كثير ٦٣ ص ٠٢٢٦

١٢٠
الجزء الحادى والعشرون
والقتل وسفك الدماء، والأحقاد والعدوان، ونقص البركة فى الزروع والثمار
والمطاعم والمشارب ، وغير ذلك ما هو مفسدة وليس بمنفعة ..
قال ابن كثير - رحمه الله -: وقال أبو العاليه: من عصى الله فى الأرض:
فقد أفسد فيها، لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة، ولهذا جاء فى الحديث ..
الذى رواه أبو داود: ((الحد يقام فى الأرض، أحب إلى أهلها من أرز
بمطروا أربعين صباحا ).
والسبب فى هذا أن الحدود إذا أُقيمت، ابتعد الناس، أو أكثرهم،
أو كثير منهم، عن تعاطى المحرمات. وإذا إرتكبت المعاصى كان - بيافى محق
البركات ... وكلما أقيم العدل كثرت البركات والخيرات وقدثبت فى الحديث.
الصحيح: (( إن الفاجر إذا مات تستريح منه العباد والبلاد والشجر
والدواب » (١) .
وقوله - تعالى -: « بما كسبت أيدي الناس.» بيان السبب ظهور الفساد.
أى: عم الفساد وطم فى البر والبحر ، بسبب اقتراف الناس الماصى،
وانهماكهم فى الشهوات، وتفلتهم من كل ما أمرهم الله - تعالى - به، أو نهاهم
عنه، كما قال - تعالى -: ((وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو
عن كثير » .
فظهور والفساد وانتشاره، لايتم عبئا أو اعتباطا، وإنما يتم بسبب
إعراض الناس عن طاعة الله - تعالى -، وارتكابهم المعاصى . .
ثم بين - سبحانه - ما ترتب على الوقوع فى المعاصى من بلاء واختبار،
فقال: (( ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون)).
واللام فى ، ليذيقهم، للتعليل وهى متعلقة بظهر. أى: ظهر الفساد ...
(١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٣٢٦