Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
الجزء الشروق
ثم بين - سبحانه - أن الأمر على عكس ما زعموة فقال: « وليحمان
أنقالهم وأثقالا مع أثقالهم .
أى: ليس الأمر - كما زعموا من أنهم يحملون خطايا المؤمنين، بل الحق أن
أمه الكفر هؤلاء سيحملون خطاياهم كاملة غير منقوصة، وسيحملون فوقها
خطايا أخر، هى خطايا تسبيهم فى إضلال غيرهم، وصرفه عن الطريق الحق .
وعبر عن الخطايا بالأثقال ، للاشعار بغاية ثقلها، وفداحة حملها،
وعظم العذاب الذى سيترتب عليها .
((وليسأ ان يوم القيامة، سؤال: أنيب وتوبيخ , عما كانوا يفترون، أى:
أى عما كانوا يختلقونه فى الدنيا من أكاذيب، وأباطيلى، أدت بهم إلى
سوء المصير .
وشبيه بهذه الآيه قوله - تعالى -: «ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة،
ومن أوزار الدين يضلونهم بغير علم، ألا ساء ما يزرون)).
قال الإمام ابن كثير: وفى الصحيح: من دعا إلى هدى، كان له من الأجر
مثل أجور من أقبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن
دعا إلى ضلالة، كان عليه من الآثم ، مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة،
من غير أن ينقص من آثامهم شيئا)، (١).
٠
وبعد هذا الحديث عن أنواع الناس ، وعن أقوال المشركين الفاسدة ،
وعن سوء عاقبتهم، ساق - سبحانه - جانبا من قصة فرح وإبراهيم - عليهما
السلام - فقال - تعالى - :
(١) تفسير ابن كثير = ٩ ص ٢٧٧،

٢٢
سورة العنكبوت
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَلِثَ فِهِمْ أَلْفَه
سَنَةٍ إِلَّا تَسِينَ عَمَا فَأَخَذَهُمُ الطُّوقَانُ وَهُمْ ظَلُونَ (١٨) فَأَنَجَمْتَهُ
وَأَعَْبَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَهَاَءَ ايَةٌ لِلْعَلَمِينَ (٥) وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ
لِقَوْمِهِ أَعْبُدُ واْاللّهَ وَنَّقُوَهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنٍ كُنُمْ تَعْلُونَ (٨)
◌ََِّ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِأَوْثَنَّ وَتَخْلُونَ إِفْكَّ إِنَّالَّذِينَ تَعْبُدُونَّ
مِن دُوِ اللهِلَ يْكُونَ لَكُمْ رِزْقَا فَ بْتَغُوْ عِنْدَ لّهِ الرِّزْقَ وَأَعْبُدُوهُ
وَأَشْكُرُواْلَهُ وَ إِلَيْهِ تُرْ جَعُونَ (#)
قال الألوسى: قوله: ((ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه)). شروع فى بيان
افتتان الأنبياء - عليهم السلام - بأذية أمهم، اثر بيان المؤمنين بأذية الكفار
تأكيدا للافكار على الذين يحبون أن يتركوا بمجرد الإيمان بلا ابتلاء،
وحتالهم على الصبر، فإن الأنبياء - عليهم السلام - حيث ابتلوا بما أصابهم
من جهة أمهم من فنون المكاره وصبروا عليها، فلأن يصبر هؤلاء المؤمنون
أولى وأخرى .. » (١).
و («نوح)) - عليه السلام - ينتهى نسبه إلى شيث بن آدم، وقد ذكر نوح
فى القرآن فى ثلاث وأربعين موضعا، وجاءت قصته مع قومه بصورة فيها
شىء من التفصيل، فى سور: هود، والأعراف، والمؤمنون، وفوح.
-
(١) تفسير الآلوسى = ٢٠ ص ٠١٤٢

٢٣
الجر الشروق
وقوم الرجل : أقربائه الذين يجتمعون معه فى جد واحد. وقد يقيم
الرجل بين الأجانب فيسميهم قومه مجازا المجاورة .
وكان قوم نوح يعبدون الأصنام، فأرسل الله - تعالى - إليهم نبيهم
فوحا، ليدلهم على طريق الحق والرشاد .
والمعنى: ولقد أرسلنا نبينا نوحا - عليه السلام-إلى قومه، لكى بأمرهم
بإخلاص العبادة لنا ، وينهاهم عن عبادة غيرنا, فلبث فيهم ألف سنة
الاخمسين عاما، يدعوهم إلى الدين الحق، ليلا ونهارا، وسرا وعلانية.
قالوا : بعث الله نوحا وهو فى سن الأربعين من عمره، ولبث يدهو
قومه إلى عبادة الله - تعالى - وحده، ألف سنة الاخمسين عاما، وعاش
بعد الطوفان ستين سنة ، فيكون عمره كله ألف سنة وخمسين سنة .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فلم جاء المميز أولا بالسنة، وثانيا
بالعام؟ قلت: لأن تكرير اللفظ الواحد ، حقيق بالإجتناب فى البلاغة ،
إلا إذا وقع ذلك لأجل غرض ينتحيه المتكلم من تفخيم أو تهويل أو تنويه
أو نحو ذلك »(١).
والمقصود بذكر هذه المدة الطويلة التى قضاها نوح - عليه السلام- مع
قومه، تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتثبيته، فكان القه - تعالى -
يقول له: يامحمد لقد لبث أخوك نوح تلك المدة الطويلة، ومع ذلك لم
يؤمن معه إلا قليل ، فعليك أن تقتدى به فى صبره ، وفى مطاولنه لقومه.
وقوله - سبحانه -: فأخذهم الطوفان وهم ظالمون بيان لـو. عاقبة المكذبين
لنوح - عليه السلام - بعد أن مكث فيهم تلك المدة الطويلة.
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٠٤٤٦

٠-
٢٤
سورةالعنكبوت
والطوفان : قد يطلق على كل ما يطوف بالشى. على كثرة وشدة من السيل
والريح والظلام، وقد غلب إطلاقه على طوفان الماء، وهو المراد هنا .
أى مكث فوح فى قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى إخلاص
العبادة لله - تعالى - ولكنهم كذبوه، فأخذهم الطوفان ، والحال أنهم كانوا
مستمرين على الظلم الكفر ، دون أن تؤثر فيهم مواعظم نبيهم ونذره.
ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة نوح ومن آمن معه فقال: «فأنجيناه
وأصحاب السفينة: « أى: فأيجينا فوحا ومن آمن معه، وهم الذين ركبوا معه
فى السفينة. قيل: كان عدد هؤلاء الذين آمنوا به ثمانين ما بين ذكروأنثى
وقيل : كانوا أقل من ذلك :
والضمير فى قوله - سبحانه -: ((وجعلناها آبه للعالمين، للسفينة،
أو الحادثة والقصة .
أى: فأنجينا نوحا ومن ركب معه فى السفينة، وجعلناها أى هذه
الحادثة عبرة وعظة للعالمين ، حيث شاهدوا سر. عاقبة الكفر والظلم على
عمر الأيام والأعوام .
قالوا : ومن مظاهر وجوه العبرة فى قصة نجاة نوح ومن معه: أن السفينة
التى حملتهم وأفلتهم بقيت مدة طويلة، وهى مستقرة على جبل الجودى، الذى
يرى كثير من المؤرخين أن مكانه بشمال العراق، بالقرب من مدينة الموصل.
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة إبراهيم - عليه
السلام - مع قومه، فقال - تعالى -: وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا
الله واتقوه .. ،
ولفظ ((إبراهيم)) منصوب بفعل مضمر. أى: واذكر - أيها المخاطب-
إبراهيم - عليه السلام - وقت أن قال لقومه: اعبدوا الله - تعالى - وحده،
وصوفوا أنفسكم عن كل ما يغضبه ((ذلكم، الذى أمر تكم به من العبادة والتقوى

٢٥
قره الحروق
((خير لكم، من الشرك، ومن كل شىء فى هذه الحياة ((إن كنتم تعلمون))
أى: إن كنتم من ذوى العلم والفهم بما هو خير وبما هو شو.
فأنت ترى أنى إبراهيم - عليه السلام - قد بدأ دعوته لقومه بأمرهم
بإ خلاص العبادة لله - تعالى -، وبالخوف من عقابه، ثم ثنى بتحبيب هذه
الحقيقة إلى قلوبهم، بيان أن إيمانهم خير لهم، ثم ثلث بتهييج عواطفهم
نحو العلم النافع ، الذى يتنافى مع الجهل .
ثم بعد ذلك نفرهم من فساد ماهم عليه من باطل فقال-كما حكى القرآن
عنه: (( إنما تعبدون من دون الله أو ثمانا وتخلقون إفكا)).
والأوثان: جمع وثن، وتطلق الأوثان على التماثيل والأصنام التى
كانوا يصنعونها بأيديهم من الحجارة أو ما يشبهها، ثم يعبدونها من دوناى
- تعالى - .
وقوله: (« وتخلقون إفكا، أى: وتكذبون كذبا واضحا، حيث سميتم
هذه الأوثان آلهة، مع أنها لا تضر ولا تنفع، ولا تغنى عنكم ولا عن
نفسها شيئا .
أويكون قوله ((وتخلقون» بمعنى وتصنعون وتنحتون، أى: وتصنعون
بأيديكم هذه الأوثان صنعاً . من أجل الإفك والكذب والانصراف عن كل
ما هو حق إلى كل ما هو باطل .
ثم بين لهم تفاهة هذه الأوثان فقال: ((إن الذين تعبدون من دون الله)»
من أوثان وأصنام ((لا يملكون لهم رزقًا، أى: لا يملكون لكم شيئا من
الرزق حتى ولو كان غاية فى القلة .
وما دام الأمر كذلك: ((فابتغوا عند الله - تعالى - وحده («الرزق)»
الذى يكفيكم ويغنيكم ( واعبدوه، وحده - سبحانه - ((واشكروا له))
فعماءه ومنته وهطا ياء.

٢٦
سورة المنبيوت
فأنتم وجميع الخلق ((إليه، وحده («ترجعون، لا إلى غيره، فيجازيكم على
أعمالكم وهكذا نرى إبراهيم - عليه السلام - قد سلك فى دعوة قومه إلى الحق
أبلغ الأساليب وأحكمها ، حيث أمرهم بعبادة الله وتقواه، وبين لهم منافع
ذلك، وحرضهم على سلوك طريق العلم لا طريق الجهل، ونفرهم من عبادة
الأوثان ، حيث بين لهم تفاهتها وحقارتها ، وعجزها ، وحضهم على طلب
الرزق ممن يملكه وهو الله - عز وجل - الذى إليه المرجع والمآب.
ثم أخذ سيدنا إبراهيم - عليه السلام - يحذر قومه من الاستمرار فى
تكذيبه وبلفت أنظارهم إلى أن هناك حساباً وثواباً وعقاباً وبعثاً، وأن
عليهم أن يتعظوا بمن قبلهم . فقال - تعالى - :
وَ إِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُثَمُ مِنْ
قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ الْمُبِينُ (٨) أَوَلَمْ يَوْكَيْفَ
يُبْدِىُّ اللّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَهِيَسِيرٌ ( قُلْ سِيرُواْ
فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ بَدَأ الْخَلْقَ ثُمَّاللهُ يُشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ
إِنَّ الَّهَ عَلَى كُلِ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءٍ.
وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (﴾ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِينَ فِ اَلْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَآءِ
وَ لَكُمِن دُونِ اللَِّن وَلِيٍ وَلَا نَصِيرٍ ◌ِه وَالَّذِينَ كَفُرُواْبِعَايَنْتِ اللهِ
وَلِقَآَبِهِ أُوْلَكَ بِيِسُواْ مِن رَّحْمَى وَأَوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ

٢٧
الجزء العشرون
قال صاحب الكشاف: وهذه الآية - وهى قوله - تعالى -: وإن
تكذبواو الآيات التى بعدها إلى قوله: (( فما كان جواب قومه ... محتملة أن
تكون من جملة قول إبراهيم - صلوات الله عليه - لقومه، وأن تكون
آيات وقعت معترضة فى شأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وشأن
قريش ، بين أول قصة إبراهيم وآخرها .
فإن قلت: إذا كانت من قول إبراهيم، فما المراد بالأمم من قبله؟ قلت:
المراد بهم قوم شيث وإدريس وفوح وغيرهم ، وكفى بقوم نوح أمة فى
- معنى أمم جمة مكذبة ... (١) .
وقال الإمام ابن كثير: والظاهر من السياق أن كل هذه الآيات ، من
كلام إبراهيم الخليل - عليه السلام -، يحتج عليهم لإثبات المعاد، لقوله
بعد هذا كله: ((فماكان جواب قومه)، (٢) .
وقوله - سبحانه -: ((وإن تكذبوا .. ، معطوف على محذوف ،
والتقدير: إن تطيعونى - أيها الناس - فقد فزتم ونجوتم، وإن تكذبونى
فيما أخبرتكم به، فلستم بدءا فى ذلك ، فقد كذب أمم من قبلكم رسلهم .
فكانت عاقبة المكذبين خسرا .
ثم بين لحم إبراهيم - عليه السلام - وظيفته فقال: «وما على الرسول إلا
البلاغ المبين، أى: لقد بلغتكم رسالةربى ونصحت لكم، وتلك هى وظيفتى التى
كلفنى بهاربى، وليس على واها، أما الحساب والجزاء فمر ده إلى الله تعالى وحده .
ثم ساق - سبحانه - ما يدل على أن البعث حق، وأنه - تعالى -
لا يعجزه شيء، فقال: ((أولم يروا كيف يبدى" الله الخلق ثم يعيده)).
(١) تفسير الكثاف ج ٣ ص ٤٤٧
(٢) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٢٨٠

٢٨
سورة العنكبوت
والاستفهام لتوبيخهم على إنكارم هذه الحقيقة، وعدم تعقلهم لما يدلى.
عليها دلالة واضحة والواو للعطف على مقدر :
والمعنى : ألم ينظر هؤلاء المشركون المنكرون للبحث، ويعلموا كيف
خلق الله - تعالى - الخلق ابتداء ، ايستدلوا بذلك على قدرته على الإعادة
وهى أهون عليه ،
إنهم ليرون كيف يبدى الله الخلق فى النبتة النامية، وفى الشجرة الباسقة،
وفى كل مالم يكن ثم بعد ذلك يكون ، فكيف أنكروا إعادة هذا المخلوق إلى
الحياة مرة أخرى ، مع أنه من المسلم عند كل ذى عقل، أن الإعادة أيسر
من الخلق ابتداء ؟
فالآية الكريمة تقرعهم على إنكارهم البعث ، ونسوق لهم الأدلة
الواضحة على إمكانيته .
واسم الإشارة فى قوله: ((إن ذلك على الله يسير)) يعود إلى ماذكرمن
الآمرين وهما : بدء الخلق وإعادته إلى الحياة مرة أخرى .
أى: إن ذلك الذى ذكرناه لكم من خلفكم ابتداء، ثم إعادةكم إلى
الحياة بعد موتكم، يسير ومين على الله، لأنه - سبحانه - لا يعجزء شىء.
ثم أمر - سبحانه - رسوله أن يلفت أنظار قومه إلى التأمل والتدبر
فى أحو الى هذا الكون، لعل هذا التأمل يهديهم إلى الحق فقال: ((قل سيروا
فى الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق، ثم الله ينشىء النشأة الآخرة ...
أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين البعث: سيحوانى.
الأرض، ونتبعوا أحوال الخلق، وتأملوا كيف خلقهم الله - تعالى -
ابتداء على أطوار مختلفة، وطبائع متمايزة، وأحوال شتى ... ثم قل لهم بعد

٢٩
الجزء الحروف
كل ذلك ، الله الذى خلق الخلق ابتداء على تلك الصورة المتنوعة والمتكاثرة .
هو وحده الذى ((ينشىء النشأة الآخرة، أى: هو وحده الذى ينشئهم
ويخلقهم ويعيدهم إلى الحياة مرة أخرى، بعد أن أوجدهم فى المرة الأولى.
لجملة « ثم القه يقشىء النشأة الآخرة، معطوفة على قوله: «سيروا .. )
وداخلة معها فى حيز الفول .
والكيفية فى هذه الآية باعتبار . بدء الخلق على أطوار شتى، وصور
متعددة ..
وفى الآية السابقة وهى قوله: «أولم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم
بعيده.)) باعتبار بدء الخلق من مادة وغيرها .
والمقصود بالأمر بالسير: التدبر والتأمل والاعتبار، لأن من عمان
التنقل فى جنات الأرض ، أنه يوقظ الحس،، ويبعث على التفكر، ويفتح
العين والقلب على المشاهدة الجديدة التى لم تألفها العين ولم يتأملها القلب قبل ذلك
وجاء الأمر بالسير عاما ، لأنكل إنسان - فى كل زمان ومكان - بأخذ
من وجوه العبرة والعظة - عن طريق هذا السير - ما يتناسب مع عقله وثقافته
وبيته ، وفكره، ومستواه المادى، والاجتماعى ، والحضارى .
وقوله - سبحانه - ((إن الله على كل شىء قدير، تعليل لما قبله. أى:
هو - سبحانه - قادر على النشأة الأولى، وعلى النشأة الآخرة، لأن قدرته
لا يعجزها شىء، ولا يحول دونى نفاذها حائل .
وهو - سبحانه - ((يعذب من يشاء، تعذيبه (( ويرحم من يشاء
ورحمته «وإليه، وحده لا إلى غيره ,تقلبون، أى: ترجعون جميعا
فيحاسبكم على أعمالكم .

٣٠
سورة العنكبوت
((وما أنتم بمعجزين فى الأرض ولا فى السماء، أى: وما أنتم - أيها الناس -
بقادرين على أن تفلتوا أو تهربوا من لقاء الله - تعالى - ومن حسابه،
سواء أكنتم فى الأرض، أم كنتم فى السماء، إذ ليست هناك قوة فى هذا
الوجود تحول بينكم وبين الانقلاب إليه - سبحانه -، والوقوف بين يديه
الحساب والجزاء:
قال الشوكانى: ((وما أنتم بمعجزين فى الأرض ولا في السماء، قال الفراء:
ولامن فى السماء بمعجزين الله فيها، .. والمعنى: أنه لا يعجزه - سبحانه - أهل
الأرض ولا أهل السماء فى السماء لوكنتم فيها كما تقول: لا يفوتنى فلان هاهنا
ولا بالبصرة يعنى: ولا بالبصرة لوصار إليها ... )، (١).
وقوله - سبحانه -: «ومالكم من دون الله من ولى ولا نصير)
مؤ كد لما قبله. أى: لستم بقادرين على الهرب من لقاء الله - تعالى -
فى الآخرة، وليس سواء من ناصر ينصر كم، أو من قريب يدفع عنكم
حكمه وقضاءه - سبحانه - .
ثم بين - سبحانه - مصير الكافرين فقال: ((والذين كفروا بآ يات.
الله)) الدالة على وحدانيته وقدرته، وعلى ذاته وصفاته ...
وكفروا - أيضاً - بالأدلة الدالة على «لقائه، بأن أنكروا البعث
والحساب والجزاء («أولئك) الذين كفروا بكل ذلك « بشوا من رحتى، أى:
انقطع أملهم فى رحمتى إياهم انقطاعا تاما وعبر - سبحانه - بالماضى الدلالة
علمه التام على تحقق وقوع هذا اليأس، وفقدان الأمل عند هؤلاء الكافرين
وقت أن يقفوا بين يديه للحساب، بسبب كفرهم وسوء أعمالهم.
(١) تفسير فتح القدير للشوكانى ج ٤ ص ١٩٨.

٣١
الجزء العشرون
وأضاف - عز وجل - الرحمه إليه، للاشارة إلى سبقها غضبه، وأنها
تشمل عباده المؤمنين .
وأولئك، أى: الذين كفروا بآيات الله وبلقائه. لهم عذاب أليم))
لا يعلم مقدار شدته وفظاعته إلا هو - سبحانه - .
٥
ثم قص - سبحانه - بعد ذلك ما قاله قوم إبراهيم له، ومارد به
عليهم . فقال - تعالى - :
قَا كَانَ جَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَنْ قَالُوا أَقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنَهُ اللهُ مِنّ
: اٌلَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَنْتِ لِّقَوْءِ يُؤْمِنُونَ ﴾ وَقَالَ إِنَّا الَّخَذْتُم
مِنْ دُونِ آلِهِ أَوْ ثَّ مَوَدَّةً يَدْكُ فِ اَلْحَيَوَةِ الْنَا ثُمَ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ
يُكْفُرُ بَعْضُكُ بِبَعْضِ وَيَلْعَنْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَنِكُ الثَّارُوَمَا
تَكُ مِنْ تَِّصِينَ ◌ََ فَكَامَنَ لَهُ لُوطُ وَقَالَ إِلِّ مُهَاجُ إِلَى رَةٍ
◌ِنَُّهُوَ الْعَزِيزُالْحَكِيمُ ﴾ وَوَهَبْنَا لَهُمْ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌ وَجَعَلْنَاْ
فِ ذُرَِِّّ النُوَةَ وَالْكِتَبَ وَيْنَهُ أَبْرَهُ فِ الْيَا وَ إِنَُّرِهِ
أَلْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (®)
فقوله - تعالى -: «فما كان جواب قومه ٠٠٠، بيان لما رد به الظالمون

٣٢
سورة العنكبوت
على نبيهم إبراهيم - عليه السلام - بعد أن وعظهم ونصحهم وأقام لهم
أوضح الأدلة على صدقه فيما يبلغه عن ربه .
ولفظ ((جواب)) بالنصب، خبر كان، وأسمها قوله: « إلا أن قالوا
اقتلوه أو حرقوه)».
والمراد بقتله: إزهاق روحه بسيف ونحوه ، لنظهر المقابلة بين
الإحراق والقتل .
وجاء هنا الترديد بين الأمرين، للاشعار بأن من قومه من أشار بقتله،
ومنهم من أشار بإحراقه ، ثم اتفقوا جميعا على الإحراق، كماجاء فى قوله
- تعالى - ((قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين)).
والمعنى : فما كان جواب قوم إبراهيم له ، بعد أن نصحهم وظهرت حجته
عليهم، إلا أن قالوا فيما بينهم، اقتلوه بالسيف، أو احرقوه بالنار،
لتستريحوا منه، وتريحوا آلهتكم من عدوانه عليها، وتحعظيمه لها ....
وقولهم هذا الذى حكاه القرآن عنهم ، يدل على إسرافهم فى الظلم والطغيان
والجهالة ...
والفاء فى قوله - تعالى - ,فأنجاه الله من النار، فصيحة، أى: فانفقوا
على إحراقه بالنار، وألقوه فيها بعد اشتعالطه، فأنجاء الله - تعالى - منها،
بأن جعلها بردا وسلاما عليه ..
(((إن فى ذلك لآيات لقوم يؤمنون، أى: إن فى ذلك الذى فعلناه بقدرتنا
مع إبراهيم - عليه السلام - حيث أخر جناه ساما من النار , لآيات بينات
على وحد نينتا وقدرتنا ، لقوم يؤمنون، بأن انه - تعالى - هو رب العالمين،
وأنه له الخلق والأمر.

٣٣
الجوه المشرون.
وجمع - سبحانه - الآيات، لأن فى نجاة إبراهيم، دلالات متعددة
على قدرة الله - تعالى - لادلالة واحدة، فنجاته من النار وتحويلها عليه
إلى برد وسلام آية وعجز المشركين جميعاً عن أن يلحقوا به ضرراًآية
ثانية ، وإصرارهم على كفرهم مع ما شاهدوه ، آية ثالثة على أن القلوب
الجاحدة تبقى على جحودها حتى مع وجود المعجزات الدالة على صدق من
جاء بها من عند الله - تعالى -.
وإذا خص - سبحانه - هذه الآيات، لأنهم هم وحدهم المنتفعون بها.
تم حكى - سبحانه، ما قاله إبراهيم - عليه السلام - لقومه بعد أن تهاءاته
من شرورهم فقال: «وقال إنما اتخذتم من دون الله أو ثانا، مودة بينكم فى
الحياة الدنيا، ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض، ويلعن بعضكم بعضا.
ولفظ «مودة، وردت فيه قراءات فقد قرأه بعض القراء السبعة
بالتصب، على أنه مفعول به لقوله: ((اتخذتم)) أو على أنه مفعول لأجله،
فيكون المعنى .
وقال إبراهم لقومه: يا قوم إنكم لم تتخذوا هذه الأونان معبودات
لكم من عقيدة واقتناع بأحقية عبادتها ، وإنما اتخذتموها معبودات من
أجل المودة فيما بينكم، ومن أجل أن يجامل بعضكم بعضا فى عبادتها، على
حساب الحق والهدى .
وهذا شأنكم فى الدنيا، أما فى يوم القيامة ، فهذه المودة ستزول لأنها
مودة باطلة ، وسيكفر بعضكم ببعض، ويلعن بعضكم بعضا، حيث يتبرأً
القادة من الأتباع، والأتباع من القادة ((وما واكم النار، أى: ومنزلكم
الذى تأوون إليه أنتم وأصنامكم يوم القيامة النار ((وماالكم من ناصرين»
(م٣ - العنكبوت)

٣٤
سورة العنكبوت
يخلصونكم من هذه النار، أو يخففوا سميرها عنكم.
وبعض القراء السبعة قرأ لفظ ((مودة، بالرفع على أنه خبر لمبتدأ
محذوف. أى: أن ما اتخذتموه من عبادة الأوثان، هو مودة بينكم فى
الحياة الدنيا، أما فى الآخرة فسيكفر بعضكم ببعض ، ويلعن بعضكم بعضا .
والمقصود من الآية الكريمة ، بيان أن هؤلاء المشركين لم يتخذوا
الأصنام آلهة ، وهم يعتقدون صحة ذلك اعتقادا جازما، وإنما اتخذوها فى
الدنياآ لهة قارة على سبيل التواد فيما بينهم ، وقارة على سبيل التقليد
والمسايرة لغيرهم ... أما فى الآخرة فستتحول تلك المودات والمسابرات.
والتقاليد إلى عبداوات ومقاطعات وملاعنات.
وقوله - تعالى -: ((فآمن له لوط .. ) بيان للثمرة الطيبة التى ترقبته
على دعوة إبراهم" لقومه، إلى عبادة الله - تعالى - وحده ، بعد أن
مكث فيهم مدة لا يعلمها إلا الله ، وبعد أن أقام لهم ألوانا من الأدلة على.
أن ما جاءهم به هو الحق ، وما هم عليه هو الباطلى.
والتعبير بقوله - سبحانه -: ((فآمن له لوط)) يشعر بأن لوطا - عليه.
السلام - وحده، هو الذى لبى دعوة إبراهيم، وصدقه فى كل ما أخبر به.
ولوط - عليه السلام - يرى كثير من العلماء أنه ابن أخى إبراهيم
- عليه السلام - فهو لوط بن هاران ابن آزر .
والضمير فى قوله - سبحانه -: ((وقال إنى مهاجر إلىربى ٠٠، يرى
بعضهم أنه يعود إلى لوط ، لأنه أقرب مذ كور .
أى: فآمن لوط لابراهيم وصدقه فى كل ماجاء به، وقال: إنى مهاجر
إلى الجهة التى أمرنى ربى بالهجرة إليها، لأبلغ دعوته ، فهو لم يهاجر من

٣٥
الجزء العشرون
أجل منفعة دقيوية ، وإنما هاجر من أجل تبلغ أمر ربه، وإعلاء كلمته.
ويرى آخرون أن الضمير يعود إلى إبراهيم - عليه السلام -، لأن
الحدیث عنه ..
قال الآلوسي ما ملخصه: ((وقال إنى مهاجر إلى ربى، أى: وقال إبراهيم
إفى مها جر، أى: من قومى، إلى ربى .. أى إلى الجهة التى أمرفى بأن أهاجر
إليها (« أنه)) - عز وجل - ((وهو العزيز، الغالب على أمره .. .الحكيم)
الذى لا يفعل فعلا إلا وفيه حكمة ومصلحة .
وقيل: الضمير فى ، وقال، الوط - عليه السلام -، وليس بشىء
لما يلزم عليه من التفكيك، (١).
ثم بين - سبحانه - بعض النعم التي أنعم بها على نبيه إبراهيم ، بعد
أن هاجر من العراق إلى بلاد الشام لتبليغ رسالة ربه إلى الناس فقال :
,وزهبنا له إسحاق ويعقوب، وجعلنا فى ذريته النبوة والكتاب ....
أى: ووهبنا لإبراهيم - بعد أن هاجر ومعه زوجه (سارة) وابن أخيه
لوط - وهبنا له ابته إسحاق، ووهبنا لاسحاق يعقوب، وجعلنا بفضلنا
ورحتنا، فى ذرية إبراهيم النبوة، إذ من نسله جميع الأنبياء من بعده ،كما
جعلنا فى ذريته - أيضاً - الكتب التى أنزلغاها على الأمبياء من بعده،
كالتوراة، والانجيل، والزبور، والقرآن.
فالمراد بالكتاب هنا: الكتب السماوية التى أنزلها - سبحانه - على موسى
وعيسى وداود ومحمد - صلوات الله عليهم -، وهم جميعاً من نسل إبراهيم
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما بال إسماعيل لم يذكر، وذكر
إسحاق وعقبه ؟
(١) تفسير الآلومى = ٢٠ ص ١٥٢

٣٦
سورة الكبوت
قلت : قد دل عليه فى قوله: (وجعلنا فى ذريته النبوة والتكتاب»
وكفى الدليل لشهرة أمره ، وعلو قدره.
فإن قلت : ما المراد بالكتاب؟ قلت : قصد به جنس الكتاب ، حتى
دخل تحته ما نزل على ذريته من الكتب الأربعة ، التى هى : التوراة ،
والزبور، والإنجيل، والقرآن، (١).
وقوله - سبحانه -: ((وآنيناه أجره فى الدنيا، بيان النعمة |أخرى
أنعم بها - سبحانه - على نبيه إبراهيم - عليه السلام.
أى: وهبنا له الذرية الصالحة، وجعلنا فى ذريته النبوة والكتب
السماوية، وآتيناه أجره على أعماله الصالحة فى الدنيا ، بأن رزقناه الزوجة
الصالحة ، والذكر الحسن بعد وفاته .
((وإنه فى الآخرة لمن الصالحين، الذين سنعطيهم أجزل العطاء وأوفاء.
وهكذا جمع الله - تعالى - بفضله وإحسانه لنبيه إبراهيم ، خيرى
الدنيا والآخرة، جزاء إيمانه العميق، وعمله الصالح، ورقائه فى تبليغ
رسالة ربه .
وبمناسبة الحديث عن قصة إبراهيم مع قومه، جاء بعد ذلك الحديث
عن جانب من قصة لوط مع قومه، لوط - عليه السلام - الذى آمن
بابراهيم وهاجر معه إلى بلاد الشام ... قال - تعالى -:
(١) تفسير الكشاف =٢ ص ٥١)
.

٢٧
الجزء البشرون
وَلُوطًا إِذْ قَالٌ لِقَوْمِهِ: إِنَّكُرْ لَتَأْتُونُّ
الْفَدِحِثَةُ مَاسَّبَقُكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَلَيْنَ ( أَنَّكُمْ لَتَأْتُونَ
الرِّجَالَ وَتَقْطِعُونَ السَِّيلَ وَتَأْتُونَ فِ نَادِيُّ الْمُنكَرَّا كَانَ جَوَابَ
قُوْمِهِ إِلَّ أَنْ قَالُوا أَقْتِنَا بِعَذَّابٍ الّهِ إِن ◌َكُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ()
قَالَ رَبِّ أَنْصُرْنِى عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينِ (*) وَلَمَّ ◌ِمَآَتْ رُسُنَا
◌ِبْرَاهِيمَ بُِْشْرَىِ قَالُواْإِنَّ مُهْلِكُواْأَهْلِ هَذِ الْقَرْبَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ
ظَلِينَ (َ قَالَ إِنَّ فِيهَا ◌ُوطَا قَالُواأ ◌َحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِهًّا لَ نُنَجَِّهُ.
وَأَهْلَهُوَ إِلَّ أَمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَبِينَ (﴾ وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُنَا
لُكَّاسَِّ بِمْ وَضَاقٌ بِمْ ذَرْعًا وَقَالُواْلَّ ◌ََّفْ وَلَا تَحْزَنَّ إِنَّامُتَجُوكَ
وَأَهْلَكَ إِلَّ أَمْرَأَتَكَ كَتْ مِنَ الْغَبِينَ (٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ
هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِبْرًّا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ () وَلَقَد ◌َرَكَ
٣٥
مِنْهَآءَايَةٌ بَيِنَةً لِّقَوْرِ يَعْقِلُونَ
وقوله - سبحانه -: ((ولوطا إذ قال لقومه.، منصوب بالعطف
على إبراهيم فى قوله - تعالى -: ((وإبراهيم إذ قال لقومه.، أوبفعل
شعر ...

٣٨
سورة العنكبوت
أى: واذكر - أيها العاقل لتعتبر وتتعظ - نبينا لو طا - عليه السلام-وقت
أن قال لقومه على سبيل الزجر والتوبيخ والإنكار لماهم عليه من فعل قبيح:
(إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين، أى: إنكم
لتفعلون الفعالة البالغة أقصى دركات القبح والفحش، والتى ما فعلها أحمد
قبلكم، بل أنتم أول من ابتدعها، وهى إتيان الذكور دون الاناث .
قال عمر بن دينار: ((مانزل ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط)).
وقال الوليد بن عبد الملك: لولا أن اله - تعالى - قد قس علينا خبر قوم
لوط، ما ظننت أن ذكرا يعلو ذكرا)).
وجاء قوله - عليه السلام - مؤكدا بجملة من المؤكدات، لتسجيل هذه
الفاحشة عليهم !! قوى أسلوب، وبأنهم لم يسبقهم أحد إلى ارتكابها.
وقوله - سبحانه -: ((أئنكم لتأتون الرجال، وتقطعون السبيل وتأتون
فى ناديكم المنكر ... ، بيان لتلك الفاحشة التى كانوا يقترفونها. والاستفهام
التأنيب والتقريع .
والسبيل: الطريق، والنادى: اسم جنس المكان الذى يجتمع فيه الناس
لأمر من الأمور، أى: أنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء وتقطعون
الطريق على المارة، بأن تنهبوا أموالهم، أو بأن تكرهوهم إكراها على
ارتكاب الفاحشة معهم، أو بأن تعتدوا عليهم بأى صورة من الصوره وفضلا
من كل ذلك فإنكم ترتكبون المنكرات فى مجالسكم الخاصة، وفى نواديكم
التى تتلاقون فيها .
فأنت ترى أن نبيهم - عليه السلام - وقد إوصفهم بأوصاف، كل
صفة أقبح من سابقتها، والباعث لهم على ارتكاب تلك المعكرات، هو
هو انتكاس فطرتهم، وفساد نفوسهم، وهذوذ شهواتهم.
فاذا كان جوابهم على نبيهم - عليه السلام - ؟ لقد كان جوابهم فى غاية

٣٩
الجزء العشرون
التبجح والسفاهة، وقد حكاه القرآن فى قوله: «فماكان جواب قومه إلا أن
قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين».
أى: فما كان جواب قوم لوط عليه، إلا أن قالواله على سبيل الاستخفاف
بوعظه وزجره: اثقنا بالوط بعذاب الله التى تتوعدنا به، إن كنت صادقا
. فى دعواك أنك رسول، وفى دعواك أن عذابا سينزل علينا، بسبب أفعالنا
- هذه التى ألفناها وأحببناما ...
وهكذا نرى أن هؤلاء المجرمين ، قد قابلوا نصح نيهم تارة بالاستخفاف
والاستهزاء كما هنا، وقارة بالتهه يدو الوعيد، كمافي قوله - تعالى -: ((أخرجوا
آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون)) (١).
ولذا لجأ لوط - عليه السلام - إلى ربه، يلتمس منه النصرة والعون فقال:
((رب انصرنى على القوم المفسدين)). أى: انصرنى بأن تنزل عذابك على
على هؤلاء القوم المفسدين ، الذين مردوا على إرتكاب فواحش، لم يسبقهم
فيا أحد من العالمين .
وأجاب الله - تعالى - دعاء نبيه لوط - عليه السلام-، وأرسل-سبحانه-
ملائكته لنبيه إبراهم ليبشروه بأبنه إسحاق، قبل أن ينفذوا عذاب الله فى
قوم لوط ، قال - تعالى -:
(«ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنامهلكوا أهل هذه القرية.»
أى: وحين جاء الملائكة إلى إبراهيم ليبشروه بابنه إسحاق: قالوا له :
با إبراهيم، إنما مرسلون من ربك لإهلاك أهل هذه القرية وهى قرية سدوم
التى يسكنها قوم لوط، والسبب فى ذلك (( إن أهلها كانوا ظالمين،، حيث
(١) سورة النمل: الآية ٠٥٦

٤٠
سورة العنكبوت
أتوا بفاحصة لم يسبقهم إليها أحد، وقطعوا الطريق على الناس، هلقتر فيها.
فى مجالسهم المنكرات .
وهنا قال لهم إبراهيم - عليه السلام - بخشيته وشفقته: ((إن فيما لوطا ..
أى: إن فى هذه القرية التى جئتم لإهلاكها لوطا ، وهو نبى من أغبيا الله
الصالحين فكيف تهلكونها وهو معهم فيها ؟ وهنا رد عليه الملائكة بما بريل
خشيته فقالوا: « نحن أعلم بمن فيها، من الأخيار ومن الأشرار، ومن
المؤمنين ومن الكافرين.
((لتنجيئه وأهله إلا امر أته كلفت من الغابرين، أى: أطمئن با أبراهيم
فإن الله - تعالى - قد أمرنا أن تنجى لوطا، وأن تنحى معه من الهلاك أهله
المؤمنين ، إلا امرأته فستبقى مع المهلكين، لأنها منهم، بسبب خيانتها
الوط - عليه السلام - ، حيث كانت تقر جرائم قومها، ولا تعمل على
إزالتها وإنكارها، كما هو شأن الزوجات الصالحات .
والغابر: الباقى. يقال: غبر الشى. يغبر غيورا، أى: بقى: وقد
يستعمل فيها مضى - أيضاً - فيكون من الأضداد. ومنه قولهم: هذا الشى ..
حدث فى الزمن الغابر. أى : الماضى.
ثم بين - سبحانه - حال لوط - عليه السلام - بعد أن وصل إليه للملائكة.
لينفذوا قضاء الله - تعالى - فى قومه. فقال - عز وجل -: «ولما أن جاءت.
رسلنا لوطاسئ بهم، وضاق بهم ذرها ....
و((أن)) هنا مزيدة لتأكيد المجىء. و«من مهم، أى: اعترقه المساءة.
والأحزان بسبب مجيئهم، لخوفه من اعتداء قومه، عليهم.
قال القرطبى: والذرع مصدر ذرع. وأصله أن يفرع البعير بيديه فى.