Indexed OCR Text

Pages 521-540

٠٢١
الجزء العشرون
لا يطيق حملها إلا عشرة رجال ، وأنه لما جئت معه تقدمت أمامه، فقال لى:
كونى من ورائى، فإذا اجتنبت الطريق فاحذفى - أى فارمى - بحصاة أعلم
بها كيف الطريق لأهتدى إليه،(١).
واستجاب الشيخ الكبير لما اقترحته عليه ابنته، وكأنه أحس بصدق
عاطفتها ، وطهارة مقصدها وسلامة فطرتها ، فوجه كلامه إلى موسى قائلا:
((إنى أريد أن أفكك إحدى ابنتى هاتين .. )).
أى : قال الشيخ السكبيرلموسى مستجيبا لاقتراح ابنته: ياموسى إنى أريد
أن أزوجك إحدى ابنتى ماتين .
ولعله أراد بإحداهما، تلك التى قالت له: يا أبت استأجره ، لشعوره
- وهو الشتخ الكبير، والأب العطوف، الحريص على راحة ابنته - بأن
هناك عاطفة شريفة تمت بين قلب ابنته ، وبين هذا الرجل القوى الأمين،
وهو موسى - عليه السلام -.
وفى هذه الآيات مافيها من الإشارة إلى رغبة المرأة الصالحة ، فى الرجل
الصالح، وإلى أنه من شأن الآباء بالعقلاء أن يعملوا على تحقيق هذه الرغبة.
قال الشوكاني:« فى هذه الآية مشروعية عرض ولى المرأة طاعلى الرجل،
وهذه سنة ثابتة فى الإسلام، كما ثبت من عرض عمر لابنته حفصة على أبى
بكر وعثمان ، وغير ذلك مما وقع فى أيام الصحابة أيام النبوة، وكذلك ماوقع
: من عرض المرأة لنفسها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم-)) (٢).
وقوله - سبحانه -: ((على أن تأجرفى ثمانى حجج ... ، بيان ))
اشترطه الشيخ الكبير على موسى - عليه السلام ..
(١) تفسير ابن كثير ج٦ ص ٢٣٩
(٢) تفسير فتح القدير الشوكانى ج ٤ ص ٠١٦٩

٠٢٢
سورة القصص
أى قال له بصيغة التأكيد: إنى أريد أن أزوجك إحدى ابنى هاتين،
بشرط أن تعمل أجيرا عندى أرعى غنمى «ثمانى حجج، أى: ثمانى سنين.
قال الجمل:«وقوله: ((على أن تأجرنى، فى محل نصب على الحال، إما من
الفاعل أو من المفعول .
أى: مشروطا على أو عليك ذلك .. و«تأجرنى، مفعوله الثانى محذوف
أى: تأجرنى نفسك و(«ثمانى حجج)، ظرف له .. ،(١).
وقوله («فإن أتممت عشرا فمن عندك)) أبى: فإن أتممت عشر سنين كأجير
عندى لرعاية غنمى ، أى : فهذا الإتمام من عندك على سبيل التفضل والتكرم
فإنى لا أشترط عليك سوى ثمانى حجج .
وقوله ((وما أريد أن أشق عليك ستجدنى إن شاء الله من الصالحين)) بيان
لحسن العرض الذى عرضه الشيخ على موسى .
أى: وما أريد أن أشق عليك أو أتعبك فى أمر من الأمور خلال
استئجارى لك، بل ستجدنى - إن شاء الله - تعالى - من الصالحين، فى حسن
المعاملة ، وفى لين الجانب، وفى الوفاء بالعهد .
وقال: «ستجدنى إن شاء الله ... )) للدلالة على أنه من المؤمنين ، الذين
يفوضون أمورهم إلى الله - تعالى -، ويرجون توفيقه ومعونته على الخير.
ثم حكى - سبحانه - مارد به موسى فقال: « قال ذلك بينى وبينك أيما
الأجلين قضيت فلا عدوان على، والله على مانقول و کیل ،
أى: ((قال)) موسى فى الرد على الشيخ الكبير ((ذلك بينى وبينك، أى:
ذلك الذى قلته لى واشترطته على، كائن وحاصل بينى وبينك، وكلانا مطالب
بالوفاء به فاسم الإشارة مبتدأ، وبينى وبينك خبره، والإشارة مرجعها إلى
ما تعاقدنا عليه ورأى» فى قوله(: أيما الأجلين)) شرطية، وجوابها، ((فلاعدوان
على ، و «ماء مزيدة التأكيد.
(١) حاشية الجمل على الجلالين =٣ ص ٠٣٤٥

٠٢٣
الجزء العشرون
والمعنى: أى الأجلين - أى الثمانية الأعوام أو العشر الأعوام-((أضيت))
أى: وفيت به، وأديته معك أجيرا عندك «فلاعدوان على ،أى: فلاظلم على،
وأصل العدوان : تجاوز الحد .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه :«أى قال موسى: ذلك الذى قلته .. قائم
بيننا جميعا لامخرج كلانا عنه لا أنا عما اشترطت على، ولا أنت عما اشترطت
على نفسكٍ .. ثم قال: أى أجل من الأجلين قضيت - أطولها أو أقصرهما -
((فلا عدوان على ، أى: فلا يعتدى على فى طلب الزيادة عليه.
فإن قلت: تصور العدوان إنما هو فى أحد الأجلين الذى هو الأقصر،
وهو المطالبة بتتمة العشر، فما معنى تعليق العدوان بهما جميعا ؟
قلت: معناه، كما أتى إن طوليت بالزيادة على العشر كان عدوانا لا شك
فيه، فكذلك إن طولبت بالزيادة على الثمان. أراد بذلك تقرير أمر الخيار،
وأنه ثابت مستقر، وأن الأجلين على السواء إما هذا وإما هذا من غير
تفاوت بينهما فى القضاء، وأما التتمة فهى موكولة إلى رأبى. إن شئت أتيت
بها، وإلا لم أجبر عليها ... (١).
والمقصود بقوله: ((والله على ما نقول وكبل، توثيق العهد وتأكيده،
وأنه لا سبيل لواحد منهما على الخروج عنه أصلا.
أى: والله - تعالى - شهيد ووكيل ورقيب على ما اتفقنا عليه، وتعاهدنا
على تنفيذه، وكفى بشهادته - سبحانه - شهادة .
وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الآثار التى تدل على أن موسى - عليه
السلام - قد قضى أطول الأجلين،؟ ومن ذلك ما جاء عن ابن عباس أن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «سألت جبريل: أى الأجلين قضى
موسى ؟ قال: أكملهما وأتمهما . وفى رواية: أبرهما وأوفاهما ،(٢)
هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة، يرى فيها بجلاء ووضوح، ماجبل
(١) تفسير الكشاف = ٣س٤٠٦
(٢) راجع ابن كثير ج٦ص ٢٣٠

٠٢٤
سورة القصص
عليه موسى - عليه السلام- من صبر على بأساء الحياة وضرائها ومن همة عالية
تحمله فى كل موطن على إعانة المحتاج، ومن طبيعة إيجابية تجعله دائما لا يقف
أمام مالا يرضيه مكتوف اليدين ، ومن عاطفة رقيقة تجعله فى كل الأوقات
دائم التذكر لخالقه، كثير التضرع إليه بالدعاء ..
كما يرى فيها الفطرة السوية، والصدق مع النفس، والحياء، والعفاف،
والوضوح ، والبعد عن التكلف والالتواء، كل ذلك متمثل فى هاتين
المرأتين اللتين سقى لهما موسى غنمهما، واللتين جاءته إحداهما تمشى على
استحياء، ثم قالت لأبيها: يا أبت استأجره.
كما يرى فيها ما كان يتحلى به ذلك الشيخ الكبير، من عقل راجح، ومن
قول طيب حكيم ، يدخل الأمان والاطمئنان على قلب الخائف، ومن أبوة
حانية رشيدة، تستجيب للعواطف الشريفة ، وتعمل على تحقيق رغباتها عن
طريق الزواج الذى شرعه الله - تعالى -.
ومضت السنوات العشر ، التى قضاها موسى أجيرا عند الشيخ الكبير
فى مدين، ووفى كل واحد منهما بما وعد به صاحبه ، وتزوج موسى بإحدى
ابنتى الشيخ الكبير ، وقرر الرجوع بأهله إلى مصر، فماذا حدث له فى طرق
عودته؟ يحكى لنا القرآن الكريم بأسلوبه البديع ما حدث لموسى - عليه
السلام - بعد ذلك فيقول:
(( فلمَّا قضَى موسَى الأجلَ وسار بأَهْله آنَس من جانِبِ الُور ناراً،
قال لأهْلهِ امُكُثُوا إِنَّى آنَسْت ناراً، لعلّى آتيكم منها بخبرٍ أو جَذْوةِ
من النّار لعلكُم تَعْطَلونَ (٢٩) فلمّا أَتَهَاَ نودِى من شاطىء الوادِى
الأيمنِ، فى البقعةِ المباركةِ من الشَّجَرةِ، أَنْ يا موسَى إِنِّى أنا الله

٥٢٥
الجزء العشرون
ربُّ العالمينَ (٣٠) ألق عصاَكَ، فلمَّا رآهاً تهتزُ كأنَّها جانٌ ولَّى مديراً
ولم يَقَّبْ، يا موسّى أَقْبِلْ ولا تَخَف، إنَّكَ من الآمنينَ (٣١) اسلكْ
◌َدِكَ فى جَيْكَ تَخْرُجُ بيضاء من غيرِ سُوءٍ، واضُمْ إليكَ جَنَحكَ
من الرَّهْبِ فذالكَ برهاَ نَانِ من ربِّكَ إلى فرْعَونَ ومَلَئِهِ ، إِنَّهم كانوا
قومَ اسِقِينَ (٣٢) قال ربِّ إِنَّى قتلتُ مَنْهُم نفساً فأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ (٣٣)
وأخِى هارونُ هو أَفْصَحُ مَّى لسانًا فَأَرْسِلُه معِى رِذءاً يُصَدقِى إنى
أَخافُ أن يكذّبونِ (٣٤) قالَ سَنَشُدُّ عضُدَك بأخيكَ، ونجعلُ
لِكُمَا سُلطانً فلا يَصِلُونَ إليكُما، بِآيَاتِنا أَنْتُما ومَنِ الَّمُكُما
الغالبُونَ (٣٥))) .
والمراد بالأجل فى قوله - تعالى -: «فلما قضى موسى الأجل .. ، المدة
التى قضاها موسى أجيرا عند الشيخ الكبير، بجهة مدين.
والمعنى: ومكت موسى عشر سنين فى مدين ، فلما قضاها وتزوج بإحدى
ابنتى الشيخ الكبير، استأذن منه ((وسار بأهله، أى وسار بزوجته متجها إلى
مصر ليرى أقاربه وذوى رحمه، أو إلى مكان آخر قيل : هو بيت المقدس.
((آ نس من جانب الطور نارا، ولفظ: «آ نس)) من الإيناس، وهو
إبصار الشيء ورؤيته بوضوح لا التباس معه، حتى لكأنه يحسه بجانب
رؤيته له .
أى: وخلال سيره بأهله إلى مصر، رأى بوضوح وجلاء ((من جانب
الطور نارا» .

٥٢٦
سورة القصص
أى : رأى من الجهة التى تلى جبل الطور فارا عظيمة .
قال الألوسى: ((استظهر بعضهم أن المبصر كان أورا حقيقة، إلا أنه عبر
عنه بالنار، اعتبارا لاعتقاد موسى - عليه السلام-، وقال بعضهم: كز
المبصر فى صورة النار الحقيقية، وأما حقيقته، فوراء طور العقل، إلا أن
موسى - عليه السلام - ظنه النار المعروفة، (١).
وقوله - سبحانه - ((قال لأهله امكثوا إنى آنست نارا ... ، حكاية
لما قاله موسى - عليه السلام - لزوجته ومن معها عند ما أبصر النار.
أى: عندما أبصر موسى النار بوضوح وجلاء ,قال لأهله أمكثوا، فى
مكانكم « إنى آ نست نارا)، على مقربة منى، وسأذهب إليها ...
(((على آنيكم منها بخير)) يتفغنا فى مسيرتنا، ((أو) أقتطع لكم منها (جذوة
من النار لعلكم تصطلون».
قال الجمل:«قرأ حمزة: ((أو جذورة)) بضم الجيم. وقرأ عاصم بالفتح،
وقرأ الباقون بالكسر، وهى لغات فى العود الذى فى رأسه نار، هذا هو
المشهور . وقيده بعضهم فقال : فى رأسه نارمن غير لهب، وقد ورد ما يقتضى
وجود اللهب فيه ، وقيل: الجذوة العود الغليظ سواء أكان فى رأسه نار أم
لم يكن، وليس المراد هنا إلا ما فى رأسه نار ... ))(٢).
وقوله:، قصطلون)) من الاصطلاء بمعنى الاقتراب من النار للاستداء بها
من البرد، والطاء فيه مبدلة من تاء الافتعال .
أى: قال موسى لأهله امكنوا فى مكانكم حتى أرجع إليكم ، فإنى
أبصرت نارا سأذهب إليها، لعلى آتيكم من جهتها بخير يفيدنا فى رحلتنا،
أو أقتطع لكم منها قطعة من الحجر ، كى تستدفتوا بها من البرد.
(١) تفسير الآلوسى = ٢٠ ص ٧٢
(٢) حاشية الحمل على الجلالين = ٣ ص ٣٤٦

٥٢٧
الجزء العشرون
قال ابن كثير ما ملخصه: («وكان ذلك بعد ما قضى موسى الأجل الذى
كان بينه وبين صهره فى رعاية الغنم، وسار بأهله. قيل: قاصدا بلاد مصر
بعد ماطالت الغيبة عنها أكثر من عشر سنين ، ومعه زوجته، فأضل الطريق،
وكانت ليلة شاتية ، و نزل منزلا بین شعاب وجبال، فى برد وشتاء، وسحاب
وظلام وضباب وجعل يقدح بزند معه لیوری نارا ۔۔ أی : اخر ج نارا -كما
جرت العادة به، لجعل لا يقدح شيئا، ولا يخرج منه شرر ولا شىء، فبينما
هو كذلك إذا فس من جانب الطور فارا .... (١).
ثم بين - سبحانه - ما حدث لموسى بعد أن وصل إلى الجهة التى فيها النار
فقال - تعالى -: ((فلما أناها نودى من شاطئ. الوادى الأيمن فى البقعة
المباركة من الشجرة، أن ياموسى إنى أنا الله رب العالمين)).
٠
والضمير فى ((أتاها)، يععاد إلى النار الى رآها. وشاطئء الوادى: جانبه،
والأيمن : صفته.
أى: حين أنى موسى - عليه السلام - إلى النار الى أبصرها، «نودى من
شاملىء الوادى الأيمن)) أى: سمع نداء من الجانب الأيمن بالنسبة له، أى :
لموسى وهو يسير إلى النار التى رآها. فمن لابتداء الغاية.
ويرى بعضهم أن المراد بالأبمن، أى: المبارك، مأخوذ من اليمن بنى
البركة .
وقوله : « فى البقعة المباركة ، متعلق بقوله « نودی ، أو بمحذوف حال
من الشاطِى ..
وقوله : (( من الشجرة، بدل اشتمال من شاطىء الوادى، فإنه كان
مشتملا عليها .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٠٢٧٠

٥٢٨
سورة القصص
والبقعة: اسم للقطعة من الأرض التى تكون غير هيئة القطعة المجاورة لها
وجمعها بقع - بضم الباء وفتح القاف - وبقاع.
ووصفت بالبركة ، لما وقع فيها من التكليم والرسالة لموسى، وإظهار
المعجزات والآبات على يديه.
أى: فإذا اقترب موسى من النار، فودى من ذلك المكان الطيب، الكائن
على يمينه وهو يسير إليها، والمشتمل على البقعة المباركة من ناحية الشجرة.
ولعل التنصيص على الشجرة ، الإشارة إلى أبها كانت الوحيدة فى ذلك
المكان .
و((أن) فى قوله - تعالى -:: أن يا موسى إنى أنا الله رب العالمين)»
تفسيرية ، لأن النداء قول.
أى: نودى أن يا موسى قنبه وتذكر أنى أنا الله رب العالمين.
قال الإمام ابن كثير: وقوله - تعالى -: (( أن ياموسى إنو أنا الله رب
العالمين، أى: الذى يخاطبك ويكلمك هو رب العالمين، الفعال لما يشاء لا إله
غيره ، ولا رب سواه ، تعالى وتقديس وتنزه عن مماثلة المخلوقات فى ذاته
وصفاته وأقواله - سبحانه -(١).
وقوله - سبحانه -: ((وأن ألق عصاك، معطوف على قوله ((أن ياموسى)»
فكلاهما مفسر للنداء، والفاء فى قوله «فلما رآها تهتز ... ) فصيحة.
والمعنى: فودى أن يا موسى إنى أنا ألله رب العالمين، ونودى أن ألق
عصاك، فألقاها، ((فلما رآها تهتز، أى: تضطرب بسرعة ,كأنها جان، أى
كأنها فى سرعة حر كتها وشدة اضطرابها ((جان)) أى: ثعبان يدب بسرعة،
ويمرق فى خفة ولى مديراً ولم يعقب، أى : ولى هاربا خونا منها ، دون أن
يفكر فى العودة إليها، ليقبين ماذا بها، وليتأمل ما حدث لها.
(١) تفسير ابن كثير : ٥ ص ٢٧٢.

٥٢٩
الجزء العشرون
يقال : عقب المقائل إذا كر راجعا إلى خصمه ، بعد أن فر من أمامه .
وهنا جاءه النداء مرة أخرى، فى قوله- تعالى -: ((يا موسى أقبل ولاظف
إنك من المؤمنين)».
أى يا موسى أقبل نحو المكان الذى كنت فيه، ولا تخفمما رأيته، إنك
من عبادنا الآمنين عندنا، المختارين لحمل رسالتنا.
ثم أمره - سبحانه - بأمر آخر فقال: « أسلك يدك فى جيبك تخرج
بيضاء من غير سوء .. ».
ولفظ .. أملك، من السلك - بتشديد السين مع الفتح - بمعنى إدخال
الشىء فى الشىء .
أى : أدخل يدك يا موسى فى فتحة ثوبك، تخرج بيضاء من غير سوء
مرض أو عيب ((وأضمم إليك جناحك من الرهب)) والجناح: اليد، والرهب:
الخوف والفزع.
والمقصود بالجملة الكريمة ((واضعم إليك جناحك من الرهب) إرشاد
موسى إلى ما يدخل الطمأنينة على قلبه ، ويزيل خوفه.
والمعنى : افعل ياموسى ما أمر ناك به، فإذا أفزعك أمر يدك وما تراهمن
بياضها وشعاعها، فأدخلها فى فتحة ثوبك، تعد إلى حالتها الأولى.
وإذا إنتابك خوف عند معاينة الحية ، فأضمم يدك إلى صدرك، يذهب
عنك الخوف .
قال صاحب الكشاف : «فإن قلت مامعنى قوله: ((وأضمم إلىك جناحك
من الرهب)) ؟ قلت: فيه معنيان ، أحدهما: أن موسى - عليه السلام - لما
قلب الله العصاحية إ فزع وإضطرب، فاتقاها بيده، كما يفعل الخائف من
الشىء، فقيل له: إن إتقماك بيدك فيه غضاضة - أى منقصة - عند الأعداء
(٣٤ - سورة القصص).

٥٣٠
سورة القصص
فإذا ألقيتها فعندما تنقلب حية ، فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها،
ثم أخرجها بيضاء ، ليحصل الأمران: إجتناب ماهو عضاضة عليك،
وإظهار معجزة أخرى.
والثانى: أن يراد بضم جناحه إليه، تجلده وضبط نفسه، وتشدد، عند
إنقلاب العصاحية، حتى لا يضطرب.،(١).
وإسم الإشارة فى قوله ((فذانك يرها نان من ربك إلى فرعون وملئه .. ))
يعود إلى العصا واليد، والتذكير لمراعاة الخبر وهو «برهافان، والبرهان:
الحجة الواضحة النيرة التى تلجم الخصم، وتجعله لا يستطيع معارضتها . أى :
فهاتان المعجز تان اللتان أعطيناك إياهما يا موسى، وهما العصا واليد، حجتان
واضحتان كائنتان ((من ربك، فاذهب بهما إلى ((فرعون وملئه)) لكى تبلغهم
رسالتنا، وتأمرهم بإخلاص العبادة لنا.
((إنهم)، أى: فرعون وملئه ((كانوا قوما فاسقين)) أى: خارجين من
الطاعة إلى المعصية ، ومن الحق إلى الباطل .
وهنا نذكر موسى ما كان بينه وبين فرعون وقومه من عداوة ، فقال :
(«رب إنى قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون) إذا ذهبت إليهم بهذه الآيات
وهو - عليه السلام - لا يقول ذلك، هروبا من تبليغ رسالة الله - تعالى -
وإنما ليستعين برعايته - عز وجل - وبحفظه، عندما يذهب إلى هؤلاء
الأقوام الفاسقين ،
ثم أضاف إلى ذلك قوله: ((وأخى هارون هو أفصح من لسانا .. ، أى:
هو أقدر منى على المدافعة عن الدعوة وعلى تبيان الحق وتوضيحه.
((فأرسله معى رد. ايصدقى، إفى أخاف أن يكذبون) والردم: العون والنصير.
(١) تفسير الكشاف =٣ ص ٤٠٨

٥٣١
الجزء العشرون
يقال: ردأنه على عدوه وأرداته، إذا أعنته عليه. وردأت الجدار إذا
قويته بما يمنعه من أن ينقض .
أى: فأرسل أخى هارون معى إلى هؤلاء القوم، لكى يساعدفى
ويعينى على تبليغ رسالتك، ويصدقنى فيما سأدهوهم إليه، ويخلفنى إذا
ما اعتدى على. ((إفى أخاف أن يكذبون، إذا لم يكن معى أخى هارون
يعين ويصدقى .
والمتأمل فى هذا الكلام الذى ساقه الله - تعالى - على لسان موسى - عليه
السلام - يرى فيه إخلاصه فى تبليغ رسالة ربه؛ وحرصه على أن يؤتى هذا
التبليغ ثماره الطيبة على أكمل صورة، وأحسن وجه.
قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت تصديق أخيه ما الفائدة فيه ؟
قلت : ليس الغرض بتصديقه أن يقول له صدقت، أو يقول للناس صدق
أخى ، وإنما هو أن يلخص بلسانه الحق ، ويبسط القول فيه، ويجادل به
الكفار كما يصدق القول بالبرهان. وفضل الفصاحة إنما يحتاج إليه لذلك،
لا لقوله: صدقت، فإن سحبان وباقلا يستويان فيه.)، (١).
ثم حكى القرآن بعد ذلك، أن الله - تعالى - قد أجاب لموسى رجاءه فقال:
(قال سنشد عددك بأخيك.))
شد العدد: كتابة عن التقوية له، لأن اليد تشتد وتقوى، بشدة
العضد وقوته . وهو من المرفق إلى الكتف .
أنى قال - سبحانه - لقد إستجبنا لرجائك يا موسى، وسنقويك ونعينك
بأخيك ,ونجعل لكما)) بقدرتنا ومشيئتنا ((سلطانا)، أى: حجة وبرهاناً
وقوة تمنع الظالمين ((فلا يضلون إليكا، بأذى ولا يتغلبان عليكما بحجة.
٠٠ (١) تفسير الكشاف =٣ س ٤١٠

٠٣٢
سورة القصص
وقوله, بآياتنا، متعلق بمحذوف. أى: فوضا أمركما إلى، وأذهبا إلى
فرعون وقومه بآ باتنا الدالة على صدقكا .
وقوله - تعالى -: (أنما ومن انبكما الغالبون، مؤكد لمضمون ماقبله،
من تقوية قلب موسى، وقبشيره بالغلبة والنصر على أعدائه .
أى: أجبنا طلبك ياموسى، وسنقويك بأخيك، فيرا إلى فرعون
وقومه، فسنجعل لكم الحجة عليهم، وستكونان أنتما ومن اتبعكمامن المؤمنين
أصحاب الغلبة والسلطان على فرعون وجنده.
ونفذ موسى وهارون - عليهما السلام - أمر ربهما - عز وجل - فذهبا
إلى فرعون ليبلغاه دعوة الحق. وليامرأه بإخلاص العبادة لله - تعالى -
وتحكى الآيات الكريمة بعد ذلك ما دار بين موسى وبين فرعون وقومه
من محاورات ومجادلات، إنتهت بانتصار الحق، وهلاك الباطل ... تحكى
الآيات كل ذلك فتقول :
(َفَّا جاءهُ مُوسَى بَآياتِنَاَ بِيِّئَتٍ قَالُوا، ما هذَا إلا سِحْرٌ مفترى،
وما ◌َمِنَ بِهذَا فى آبائِنَ الْأولينَ (٣٩) وقالَ موسَى رَبِّى أَعَلَمَ بمنْ جاء
بالْهُدَى مِنْ عندِهِ، ومَنْ تَكونُ لهُ ماقِيةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يفلِحُ
الظَّالِمُونَ (٣٧) وقالَ فِرْعَونَ يَأَيُّها الملّ ما علمتُ لكُم مِنْ إلهِ غيرِى
فأُوقِدْ لى يا ماماَنُ عَلَى الطَّيْنِ فَاجْعَلَ لى صَرْحاً لعلّى أَطَّلِع إلى إلهِ
موسَى، وإِنِّى لأظُهُ من الكاذِبِينَ (٣٨) واستكْبرَ هوَ وجنودُهُ
فى الأرضِ بنيرِ الحقَّ، وظنّوا إِنْهُم إليناَ لا يُرْجُونَ (٣٩) فأخذْ ناه
وجُنُودِهُ فَنَبِذْنَمْ فى اليمِّ، فانظُرْ كيفَ كانَ ماقبةُ الظَّالِمِنَ (٤٠)

٥٣٣
الجزء المشرون
وجعلْنَمُ أَمَةَ يدعُونَ إلى النارِ ويوْمَ القيامةٍ لا ينصَرُون (٤١)
وَأَتَبِعْنَمُ فى هذه الدُّنْيَاَ لْنَةَ ويوْمَ القيامةِ ثم من المقبُوحِينَ (٤٢)
ولقد أَتيْنَاً موسَىُ الكتابَ مِنْ بعدٍ ما أَهلكنا القرون الأولى بصار
للنّاسِ وهدى ورحمةً لعلَُّمْ يَتَذكَّرُونَ (٤٣) ».
والمراد بالآيات فى قوله - تعالى -((فلما جاءهم موسى بآيات بينات.)):
العصا واليد. وجمعهما تعظيم لشأنهما، ولاشتمال كل واحدة منهما على دلائل
متعددة على صدق موسى - عليه السلام - فيما جاء به من عند ربه - تعالى -
والمعنى: ووصل موسى إلى فرعون وقومه، ليأمرهم بعبادة الله وحده،
فلما جاءهم بالمعجزات التى أيدناه بها، والتى تدل على صدقه دلالة واضحة .
((قالوا)) له على سبيل التبجح والعناد ((ما هذا إلا سحر مفترى، أى:
قالوا له : ما هذا الذى جئت به يا موسى إلا سحر أتيت به من عند نفسك.
ثم أكدوا قولهم الباطل هذا بآخر أشد منه بطلانا، فقالوا - كماحكى
القرآن عنهم - : وما سمعنا بهذا فى آبائنا الأولين ..
أى : وما سمعنا بهذا الذى جئتنا به ياموسى، من الدعوة إلى عبادة الله وحده
ومن إخبارك لنا بأنك فى ... ماسمعنا بشىء من هذا كائنا أو واقعافى عهد
آبائنا الأولين وقولهم هذا يدل على إعراضهم عن الحق، وعكونهم على
ما ألفوه بدون تفكر أو تدبر وقد رد عليهم موسى ردا منطقيا حكما، حكاه
القرآن فىقوله : « وقال موسى ربى أعلم بمن جاء بالهدى من عنده
أى: وقال موسى فى رده على ، فرعون وملئه: ربى الذى خلقت وخلقکم،
أعلم منى ومنكم بمن جاء بالهدى والحق من عنده، وسيحكم بينى وبينكم
بحكمه العادل .

٥٣٤
سورة القصص
ولم يصرح موسى - عليه السلام - بأنه يريد نفسه، بالإتيان بالهداية له.
من هند النهـ ـ تعالي .. ليمكفكيف من عنادهم وفرورم، ولير خي لهم حبل
المناقشة ، حتى يخرس السقتهم عن طريق المعجزات التى أيده الله - تعالى -بها.
وقوله: ((ومن تكون له عاقبة الدار، معطوف على ماقبله.
أى: وربى - أيضا - أعلم من ومنكم بمن تكون له النهاية الحسنة،
والعاقبة الحميدة .
قال الألوسى: ((قوله:(( ومن تكون له عاقبة الدار) أى: العاقبة المحمودة
فى الدار، وهى الدنيا ، وعائبتها أن يختم للإنسان بها، بما يفضى به إلى الجنة
بفضل الله - تعالى - وكرمه ،(١) .
وقوله - سبحانه -: ((إنه لا يفلح الظالمون)) تذييل قصد به بيان سنة
من سفنه - تعالى - التى لا تتخلف.
أى: إنه - سبحانه - قد اقتضت سنته أن لا يفوز الظالمون بمطلوب ، بل
الذين يفوزون بالعاقبة الحميدة هم الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا.
ولكن هذا الرد المهذب الحكيم من موسى - عليه السلام - ، لم يعجب
فرعون المتطاول المغرور، فأخذ فى إلقاء الدعاوى الكاذبة ، التى حكاها
القرآن عنه فى قوله: ((وقال فرعون يا أيها الملأماعلت لكم من إله غيرى)).
أى: وقال فرعون لقومه - على سبيل الكذب والفجور-ياأما الأشراف
من أتباعى . إنى ما علمت لكم من إله سواى.
وقوله هذا بدل على ما بلغه من طغيان وغرور، فكأنه يقول لهم: إنى
لم أعلم بأن هناك إلها لكم سواى، ومالا أعليه فلا وجود له.
وقد قابل قومه هذا الهراء والهذيان، بالسكوت والتسليم، شأن الجهلاء
(١) تفسير الآلوسى ج ٢٠ ص ٧٩

٥٣٥
الجزء العشرون
الجبناء وصدق الله إذ يقول: (, فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما
فاسقين))(١)
ثم تظاهر بعد ذلك بأنه جاء فى دعواه أمام قومه بأنه لا إله لهم سواء ،
وأنه حريص على معرفة الحقيقة، فقال لوزيره هامان: «فأوقد لى يا هامان
على الطين فاجعل لى صرحا لعلى أطلع إلى إله موسى .. )).
والصرح: البناء الشاهق المرتفع، أى: فاصنع لى ياعامان من الطين
آجراقويا، ثم هى. إلى منه بناء عاليا مكثوفا، أصعد عليه، أعلى أرى إله
موسى من فوقه، والمراد بالظن فى قوله: (( وإنى لأظنه من الكاذبين»: اليقين
أى: وإنى لمتيقن أن موسى من الكاذبين فى دعواه أن هناك إلها غيره .. فى
هذا الكون .
وهكذا، استخف فرعون بعقول قومه الجاهلين الجبناء، فأفهمهم أنه
لا إله لهم سواه، وأن موسى كاذبا فيما ادعاه .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - .وقال فرعون يا مامان ابن لى صر حالعلى
أبلغ الأسباب، أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى، وإنى لأظنه كاذبا
وكذلك زين لفرعون سوء عمله، وصد عن السبيل، وماكيد فرعون إلافى
تباب، (٢).
قال ابن كثير: وذلك لأن فرعون، بنى هذا الصرح، الذى لم ير فى
الدنيا بناء أعلى منه، وإنما أراد بهذا أن يظهرلرعيته، تكذيب موسى فيما قاله
من أن هناك إلها غير فرعون، ولهذا قال: ((وإنى لأظنه من الكاذبين)) أى:
فى قوله إن تم ربا غیری ... »(٣)
(١) سورة الزخرف آية ٥٤ .
(٢) سورة غافر آية ٣٦، ٠٣٧
(٣) تفسير ابن كثير ج٦ ص ٤٨

٥٣٦
سورة النمل
ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت فرعون على هذا القول الساقط
المكاذب، فقال : « واستكبر هو وجنوده فى الأرض بغير الحق، وظنوا
أتهم إلينا لا يرجعون)).
والاستكبار : التعالى والتطاول على الغير تحمق وجهل . أى: وتعالى
فرعون وجنوده فى الأرض التى خلقناها لهم ، دون أن يكون لهم أى حق فى
هذا التطاول والتعالى، وظنوا واعتقدوا أنهم إلينا لا يرجعون، لمحاسبتهم
ومعاقبتهم يوم القيامة .
فاذا كانت نتيجة ذلك التطاول والغرور ، والتكذيب بالبعث والحساب؟
لقد كانت نتيجته كما قال - تعالى - بعد ذلك: «فأخذناه وجنوده بذنام
فى اليم ... ،.
والنبذ: الطرح والإهمال لشىء لحقارته وتفاهته.
أى : فأخذنا فرعون وجنوده بالعقاب الأليم أخذا سريعا حاسما، فالقينا
بهم فى البحر ، كما يلقى بالنواة أو الحصاة التى لا قيمة لها، ولا اعتداد بها.
((فانظر، أيها العاقل نظر تدبر واعتبار («كيف كان عاقبة الظالمين))؟
لقد كانت عاقبتهم الإغراق الذى أزهق أرواحهم واستأصل باطلهم.
((وجعلناهم، أى: فرعون وجنوده، أئمة فى الكفر والفوق والعصيان
بسبب أنهم ((بدءون))، غيرم إلى ما يوصل ((إلى النار)) وسعيرها
والاحتراق بها .
((ويوم القيامة لا ينصرون)، أى: ويوم القيامة لا يجدون من ينصرم،
بأن يدفع العذاب عنهم بأية صورة من الصور .
, وأتبعناهم فى هذه الذنيا، التى قضوا حياتهم فيها فى الكفر والضلال،
أتبعناهم فيها, لعنة، أى: طردا وإبعدا عن رحمتنا.

٠٢٧
الجزء العشرون
(( ويوم القيامة هم من المقبوحين، والشىء المقبوح: هو المطرود المبعد
عن كل خير. أى: وهم يوم القيامة - أيضا - من المبعدين عن رحمتنا، بسبب
كفرهم وفسوقهم .
والتعبير بقوله - سبحانه -: «ويوم القيامة هم من المقبوحين، يتناسب
كل التناسب مع ما كانوا عليه فى الدنيا من تطاول وغرور واستعلاء.
فهؤلاء الذين كانوا فى الدنيا كذلك، ماروا فى الآخرة محل الازدراء
وقبح الهيئة والاشمئزاز من كل عباد الله المخلصين.
ثم ختم - سبحانه - قصة موسى ببيان جانب ما منحه - عز وجل - له
من نعم فقال: ((ولقد آتينا موسى الكتاب، أى: آنيناء التوراة لتكون
هداية ونورا ((من بعد ما أهلكنا القرون الأولى)) أى: أنزلنا التوراة على
موسى، من بعد إهلا كنا القرون الأولى من الأقوام المكذبين ، كقوم نوح
وهود وصالح وغيرهم .
قال الألوسى: ((والتعرض لبيان كون إيتائها بعد إهلاكهم، الإشعار
بأنها نزلت بعد مساس الحاجة إليها ، تمهيدا لما يعقبه من بيان الحاجة الداعية
إلى إنزال القرآن الكريم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن إهلاك
القرون الأولى : من موجبات اندارس معالم الشرائع، وانطماس آثارها،
المؤديين إلى إختلال نظام العالم، وفساد أحوال الأمم ، وكل ذلك يستدعى
"تشريعا جديدا .. ))(١).
وقوله - تعالى - (( بصائر الناس وهدى ورحمة، منصوب على أنه
مفعول لأجله أو حال ، أى: آتيناه التوراة من أجل أن تكون أنوارا لقلوبهم
يبصرون بها الحقائق، كما يبصرون بأعينهم المرئيات، ومن أجل أن تكون
هداية لهم إلى الصراط المستقيم ، ورحمة لهم من العذاب .
(١) تفسير الآلوسي = ٢ ص ٨٤ ٫ ٠

٤٣٨
سورة القصص
وقوله - سبحانه -«لعلهم يتذكرون، تعليل لهذا الإيتاء، وحض لهم
على الشكر .
أى آتيناهم الكتاب الذى عن طريقه بعرفون الحق من الباطل .. كى
يكونوا دائما متذكرين لنعمنا، وشاكرين لنا على هدايتنا لهم ورحمتنا بهم.
وإلى هنا نرى السورة الكريمة ، قد حدثقنا من جوانب متعددة من حياة
موسى - عليه السلام -.
حدثنا عن رعاية الله - تعالى - له حيث أراد له أن يعيش فى بيت فرعون
وأن يحظى برعاية امرأته، وأن يعود بعد ذلك إلى أمه كى تقر عينها به، دون
أن يصيبه أذى من فرعون الذى كان يذبح الذكور من بنى إسرائيل ويستحى
نساءهم ...
ثم حدثنا عن رعاية - تعالى - له، بعد أن بلغ أشده واستوى ، حيث
تجاه من القوم الظالمين ، بعد أن قتل واحدا منهم .
ثم حدثنا عن رعاية الله - تعالى - له، بعد أن خرجمن مصر خائفا يترقب
متجها إلى قرية مدين، الى قضى فيها عشر سنين أجيرا عند شيخ كبير
من أهلها .
ثم حدثنا عن رعاية الله - تعالى - له، بعد أن قضى تلك المدة، وسار
بأهله متجها إلى مصر، وكيف أن الله - تع الى - أمره بتبليغ رسالته إلى
فرعون وقومه، وأنه - عليه السلام - قد لبى أمر ربه - سبحانه - وبلغ رسالته
على أتم وجه واكمله، فكانت العاقبة الطيبة له ولمن آمن به ، وكانت النهاية
الآليمة لفرعون وجنوده.
وهكذا طوفت بنا السورة الكريمة مع قصة موسى - عليه السلام - ذلك

٥٣٩
الجزء العشرون
التطواف الذى نرى فيه رعاية الله - تعالى - موسى، وإعداده لحل رسالته،
كما نرى فيه نماذج متنوعة لأخلاقه الكريمة، ولهمته العالية، واصبره على
تكاليف الدعوة، وأسنن الله - تعالى - فى خلقه، تلك السنن التى لا تتخلف.
فى بيان أن العاقبة الحسنة للمتقين، والعاقبة القبيحة للكافرين والفاسقين .
ثم بدأت السورة بعد ذلك فى تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وفى
بيان أن هذا القرآن من عند الله ، وفى بيان جانب من شبهات المشركين ، ثم
تلقين الرسول - صلى الله عليه وسلم - الرد المزهق لها ... لنستمع إلى الآيات
الكريمة التى تحكى لنا بأسلوبها البليغ، هذه المعانى وغيرها فتقول:
((وما كنتَ بجانب الغربِيِّ إذ قضيناً إلى موسَى الأمْرَ، وما كنتَ
من الشاهِدِينَ (٤٤) ولكنَّا أَنْشَانا قروناً فتطاولَ عَلَيهِمُ العُمر،
وما كنتَ ثاوياً فى أَهْلِ مدْبَنَ تتلو عليهم آياتناَ ولكِنَّا كنّا
مُرسلينَ (٤٥) وما كنتَ بجانبٍ الّْطُّور إذ ناديناً، ولكِنْ رَحةً من
ربِّكَ اتنذِرَ قوماً ما أتاهُ من تَذيرٍ من قَبْلِك لعلَّهُم يَتَذكَّرونَ (٤٦)
وأولاً أنْ تُصِيهُمْ مُصِيبَةٌ بما قدّمتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقولَوا ربّناً لولا
أَرْسِلْتَ إِلَيْآَرَسُولاً فنَّبِعَ آيَاتِكَ ونَكُونَ مِنَ المؤمنينَ (٤٧) فلمَّ جاءهُ
الحقَّ من عندِنَاَ قالُوا لولاً أُوتِيَ مثلَ مَّا أُوْبِى موسَى أوَلَمْ يُكْفِرُوا
بماَ أُوْفِىّ موسَى مِنْ قبلُ، قَالُوا سِحْرانٍ تظاهرًا، وقالُوا إِنَّا بكلِّ
كافِرُونَ (٤٨) قلْ فَأْتُوا بكتابٍ من عنْدِ الله هوَ أَهْدَى منهُا أَتَّبْهُ
إنْ كنتُ صَادِقِينَ (٤٩) فإنْ لم يستحِيبُوا لكَ فَاعْلَم أنّما يَتَّبِعِونَ أَهْراءِمُ
ومَنْ أَضَلَّ ممن اتّبع هَواهَ بِغَيرِ هُدّى من الله، إنَّ اللهَ لا يَهدى القومَ.
الظالمِينَ (٥٠) ولقّدْ وصَّنَا لَهُمْ القولَ لعلَّهُم يتذَكَّرُونَ (٥١))) .

٥٤٠
سورة القصص
والخطاب فى قوله - تعالى -: «وما كنت بجانب الغربى .. ، للرسول
- صلى الله عليه وسلم - والمراد بجانب الغربى: الجانب الغربي لجبل الطور
الذى وقع فيه الميقات، وفيه تلقى موسى للتوراة من ربه - تعالى ..
أى: وما كنت - أيها الرسول الكريم - حاضرا فى هذا المكان، إذ
قضينا إلى موسى الأمر، أى، وقت أن كلفناه بحمل رسالتنا، وأنزلنا إليه
التوراة ، لتكون حداية ونورا له ولقومه .
((وما كنت)، أيضا - أيها الرسول الكريم- ((من الشاهدين)) لذلك، حتى
تعرف حقيقة ما كلفنا به أخاك موسى ، فتبلغه للناس عن طريق المشاهدة .
فالمقصود بالآية بيان أن ما بلغه الرسول - صلى الله عليه وسلم - الناس
عن أخبار الأولين، إنما بلغه عن طريق الوحى الذى أو حاه الله - تعالى -
إلیه، وليس عن طر یق آخر .
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: ((يقول - تعالى - منبها على
برهان نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر بالغيوب الماضية، خبرا
كأن سامعه شاهد وراء لما تقدم، وهو رجل أمى لا يقرأ شيئا من الكتب،
نشأ بين قوم لا يعرفون شيئا من ذلك ، كما أنه لما أخبره عن مريم وما كان من
أمرها، قال - تعالى -: ((وما كنت لديهم إذ يلقون أفلامهم أيهم يكفل مريم
وما كنت لديهم إذ يختصمون)).
ثم قال - تعالى -: « تلك من أنباء الغيب فوحيها إليك، ماكنت تعلمها
أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر))(١).
وقوله - سبحانه: ((ولكنا أنهأنا قرونا فتطاول عليهم العمر .. ، بيان
الأسباب التى من أجلها قص الله - تعالى- علی نییه -صلى الله عليه وسلم-أخبار
الأمم السابقة .
(١) تفسير ابن كثير ٦٠ ص ٢٤٩