Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ الجزء التاسع عشر ٢٠ فالشعراء منهم المذمومون وهم الذين فى كل واد يهيمون. ويقولون مالا يفعلون ... ومنهم الممدوحون وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ماظلوا. والشعر فى ذاته كلام: حسنه حسن، وقبيحة قبيح، دفن الحسن ، واترك فقبيح . وقد تكلم العلماء هنا كلاما طويلا يتعلق بتفسير هذه الآبات التى تحدثت من الشعراء فارجع إليه إن شئت)) (١). ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله - تعالى -,وسيعلم الذين ظلوا أى منقلب ينقلبون». والمنقلب: المرجع والمصير، وهو مفعول مطلق. أى: ينقلبون أى. إنقلاب والجملة الكريمة مشتملة على أشد ألوان التهديد والوعيد للظالمين. قال القرطبى:((ومعنى: (( أى منقلب ينقلبون)) أى مصير بصيرون، وأى فى جمع يرجعون، لأن مصيرهم إلى النار، وهو أقبح مصير، ومرجعهم إلى العقاب وهو شر مرجع والفرق بين المنقلب والمرجع، أن المنقلب الإنتقال إلى ضد ما هو فيه، والمرجع العود من حال هو فيها، إلى حال كان عليها ، فصار كل مرجع منقلبا، وليس كل منقلب مرجعا، (٢). وقال الإمام ابن كثير:« والصحيح أن هذه الآية عامة فى كل ظالم ... وعن عائشة - رضى الله عنها - قالت: كتب أبى وصوته من سطرين: بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قحافة ، عند خروجه من الدنيا. حين يؤمن الكافر. وينتهى الفاجر، ويصدق الكاذب. إنى استخلات (١) راجع الآلوسي =١٩ ص ١٤٥ (٢) تفسير القرطبى =١٣ ص ١٥٣ ٣٨٢ سورة الشعراء عليكم عمر بن الخطاب، فإن يعدل فداك ظنى به، ورجائى فيه، وإن يظلم ويبدل فلا أعلم الغيب ((وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)). وبعد: فهذه سورة الشعراء، وهذا تفسير محرر لها، نسأل الله - تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ د. محمد سيد طنطاوى القاهرة - مدينة نصر ظهر الأحد ٠١٤٠٥/٥/١٩ الموافق ١٩٨٥/٢/١٠ م فهرس إجمالى لتفسير ((سورة الشعراء)) رقم الآية الآية المفسرة رقم الصفحة ٣٠١ ٣٠٣ ١٠ وإذا نادى ربك موسى ... ٢٠٨ قال ألم تربك فينا ولدا ... ١٨ ٣١٣ قال الملأ حوله إن هذا ... ٠ ٣٤ قال لهم موسى ألقوا ... وأوحينا إلى موسى ... ٣٢٠ ١٠٥ ١٢٣ ١٤١ ٤٢ ٥٢ ٦٩ وأزادت الجنة المتقين ... وائل عليهم فيأ إبراهيم ... ٣٢٢ ٣٢٥ ٣٣٢ ٣٣٨ ٣٤١ ٣٤٦ ٣٥٠ ٣٥٥ ٣٥٨ ٩٠ كذبت قوم نوح المرسلين ... كذبت عاد المرسلين ... كذبت نمود المرسلين ... ١٦٠ كذبت قوم لوط المرسلين ... كذب أصحاب الأيكة ... ١٧٦ وإنه لتنزيل رب العالمين ... ١٩٢ ٣٦٤ ٣٦٨ ٣٧٢ كذلك سلكناه فى قلوب المجرمين ... ٢٠٠ فلا تدع مع الله إلها آخر ... ٢١٣ هل أنبشكر على من تنزل الشياطين ... ٢٢١ المقدمة والتمهيد طسم، تلح آيات الكتاب المبين ... ١ التفسير الوسيط للقرآن الكريم تفسيرٌ سُورَة الْتَكْ دكتور محمد سيد طنطاوي مفتى جمهورية مصر العربية الجزء التاسع عشر الطبعة الثانية ٥١٤٠٨ - ١٩٨٨ م حقوق الطبع محفوظة للمؤلف مَطْبَعَة السَّعَادة ميدان أحمد ماهر- شارع احداوى رقم ١٢ تليفون ٠١١٩٩٧٠١٩٠٧٣٧٩ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿رَبَّ تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّيِعُ الَلِيمِ﴾. ((صدق الله العظيم)) مقدمة و تمهيد ٠ / ١ - سورة النمل، من السور المكية: وهى السورة السابعة والعشرون فى ترتيب المصحف ، وكان نزولها بعد سورة الشعراء. قال القرطبى: سورة النمل ، مكية كلها فى قول الجميع(١). ٢ - وسميت بسورة النمل، لقوله - تعالى -: «حتى إذا أتوا على واد النمل قالت ثملة». قال الآلوسى: ((وتسمى - أيضا - كما فى الدر المنثور، سورة سلمات، وعددآياتها خمس وتسعون آية - عند الحجازيين -، وأربع وتسعون - عند البصريين - وثلاث وتسعون - عند الكوفيين-»(٢). ٣ - وقد افتتحت سورة النمل بالثناء على القرآن الكريم، وعلى المؤمنين الذين يحافظون على فرائض الله - تعالى-، ويوقنون بالآخرة ومافيها من ثواب أو عقاب ... أما الذين لا يؤمنون بالآخرة، فقد أنذرتهم بسوء المصير « أولئك الذين لحم سوء العذاب وم فى الآخرة م الآخرون)). (١) تفسير القرطب = ١٣ ص ٠١٥٤ (٢) تفسير الألوسى : ١٩ ص ٠١٥٤ - ٣٩٠ - ٤ - ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن جانب من قصة موسى - عليه السلام - فذكرت لنا ماقاله موسى لأهله عندما آنس من جانب الطور فارا، وما قاله الله - تعالى - له عندما جاءها، وما أمره - سبحانه - به، فى قوله - تعالى _: «وألق مصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مديرا ولم يعقب. ياموسى لا تخف إنى لا يخاف لدى المرسلون». ٥ - ثم تحدثت السورة بعد ذلك عما منحه الله - تعالى - لداود وسليمان - عليهما السلام - من علم واسع، ومن عطاء كبير، وحكت ماقالته نملة عندما رأت سليمان وجنوده، كما حكت مادار بين سليمان - عليه السلام - وبين الهدهد، وما دار بينه - عليه السلام - وبين ملكة سبأ من كتب ومحاورات أنتهت بإسلام ملكة سبأ، حيث قالت: «رب إنى ظلمت نفسى وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين». ٦- ثم ساقت السورة جانبا من قصة صالح مع قومه، فتحدثت عن الرحط التسعة الذين كانوا يفسدون فى الأرض ولا يصلحون ، والذين بيتوا السوء لنبيهم صالح وللمؤمنين معه، فكانت نتيجة مكر هؤلاء المفسدين الخسار والهلاك. كما قال - تعالى -: ((ومكروا مكرا ومكرنا مكرا، وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرم ، أنا دمر ناهم وقومهم أجمعين. فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا)) . ٧ - وبعد أن ساقت السورة جانبا من قصة لوط - عليه السلام - مع قومه، أتبعت ذلك بالحديث عن وحدانية الله - تعالى - وقدرته، فذكرت ألوانا من الأدلة على ذلك، وقد قال - سبحانه - فى أعقاب کل دلیل «أ إله مع انه ،، وکرر ذلك خمس مرات ، فی خمس آيات . ٨ - وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر وحدانية الله وقدرة - ٣٩١ - - سبحانه -، أخذت السورة الكريمة فى تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم- وفى تثبيت فؤاده، وفى بيان أن هذا القرآن هداية ورحمة . قال - تعالى -: «إن هذا القرآن يقص على بنى إسرائيل أكثر الذى م فيه يختلفون. وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين. إن ربك يقضى بينهم بحكمه وهو العزيز العليم. فتوكل على الله إنك على الحق المبين)). ٩ - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالحديث عن علامات الساعة وأهوالها؛ وعن عاقبة المؤمنين، وعاقبة الكافرين ، وعن المنهج الذي اتبعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأمر غيره باتباعه، فقال - تعالى -: «إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذى حرمها، وله كل شىء ، وأمرت أن أكون من المسلمين . وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه، ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين. وقل الحمدقه سيريكما ياته فتعرفونها، وماربك بغافل عما تعملون)). ١٠ - وبعد: فهذا عرض مجمل اسورة النمل. ومنه نرى أن السورة الكريمة زاخرة بالحديث عن أدلة وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وعن مظاهر فضله - تعالى - على عباده. وعن علمه - سبحانه - المحيط بكل شىء، وعن آياته الكونية التى يكشف منها للناس ما يشاء كشفه وبيانه. كما نرى أن السورة الكريمة قد اشتمل القصص على جانب كبير منها ، خصوصاً قصص بعض أنبياء بنى إسرائيل ، فقد حدثتنا عن جانب من قصة موسى، وداود، وسليمان. ثم بينت أن على بنى إسرائيل المعاصرين للنبى - صلى الله عليه وسلم - أن يعودوا إلى القرآن، ليعرفوا منه الأمر الحق فى كل ما اختلفوا فيه، قال - تعالى -: ((إن هذا القرآن نقص على بنى إسرائيل أكثر الذى هم فيه يختلفون». كمانراها تجمع فى توجيهاتها وإرشاداتها بين الترغيب والترهيب، وبين - ٢٩٢ - التذكير بنعم الله التى نشاهدها فى هذا الكون، وبين التحذير من أهوال يوم القيامة، وتختم بهذه الآ يه الجامعة: ((وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها، وماربك بغافل عما تعملون)). والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟ القاهرة - مدينة نصر د. محمد سيد طنطاوى ٢٦ /٥١٤٠٥/٥ ١٩٨٥/٢/١٦م ١ التفسير قال الله تعالى: ((مَسٍ. تِلكَ آياتُ القرآنِ وَكَتَبِ مِينٍ (١) وَبُشْرَى المؤمنينَ (٢) الذينَ يُقِيعُونَ الصلاةَ وُيُؤْتُونَ الزكَاةَ وَهُمُ بوقِنُون (٣) إنّ الذينَ لا يُؤْمِنُونَ بالآخرةِ زَيًَّا لهم أعمالهُمْ فَهْ يَعْمَهُونَ (٤) أُولِكَ الذينَ لَهُم سُوءِ العَذَابِ وُ فى الآخِرَةِ مَ لأَاغْسَرُونَ (٥) وإنَّكَ لْتُلَقَّى القرآنَ مِن لدُنْ حكيمٍ عليمٍ (٦))) . سورة النمل : من السور التى إفتتحت ببعض الحروف المقطعة، وهو قوله - تعالى - ((طس)). وقد ذكرنا آراء العلماء فى هذه الحروف المقطعة بشىء من التفصيل عند تفسيرنا لسور: البقرة، وآل عمران، والأعراف ، ويونس ، وهود، ويوسف ٠٠٠ الخ. وقلنا ماخلاصته : أمل أقرب الأقوال إلى الصواب، أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت فى إفتتاح بعض السور، على سبيل الإيقاظ والتنبيه ، للذين تخدام القرآن . فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك الكافرين الذين زعموا أن هذا القرآن ليس من عنده - تعالى -: هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤ لفون منه كلامكم ، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية ، التى تنظمون منها حروفكم، فإن كنتم فى شك فى أنه من عند اقه - تعالى - فهاتوا مثله، أو هاتوا عشر سور من مثله، أو هانوا سورة واحدة من مثله . فعجزوا وانقلبوا خاسرين، وثبت أن هذا القرآن من عندالله-عز وجل- ٣٩٤ سورة النمل واسم الإشارة ((تلك)، إيعود إلى الآيات القرآنية التى تضمنتها هذه السور الكريمة . أو إلى جميع آيات القرآن التى نزلت قبل ذلك. وهو - أى لفظ ((تلك)) - مبتدأ وخبره قوله - سبحانه - ((آيات القرآن)). أى: تلك الآيات الحكيمة التى أنزلناها إليك - أيها الرسول الكريم - هى آيات القرآن، الذى أزاناه إليك لتخرج الناس به من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان . فإضافة الآيات إلى القرآن لتعظيم شأنها ، وسمو منزاتها. وقوله - تعالى -: («وكتاب مبين، معطوف على القرآن من باب عطف إحدى الصفتين على الأخرى، كقولهم هذا فعل فلان السخى والجواد الكريم. قال الآلوسى: والمبين: إما من أبان المتعدى ، أى: مظهر مافى تضاعيفه من الحكم ولأحكام وأحوال القرون الأولى ... وإما من أبان اللازم، بمعنى بأن. أى: ظاهر الإعجاز .. وهو على الاحتمالين، صفة مادحة لكتاب، مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة ... ،(١). وقوله - تعالى -: ((هدى وبشرى للمؤمنين)) فى حيز النصب على الحالية من قوله (( آيات)) ولفظ ((هدى)) مصدر هداه هدى وهداية، ومعناه: الدلالة الموصلة إلى البغية . و («البشرى»: الخبر السار. فهى أخص من مجرد الخبر، وسمى الخبر السار بشرى، لأن أثره يظهر على البشرة، وهى ظاهر جلد الإنسان . أى: أنزلنا إليك - أيها الرسول الكريم - هذه الآيات القرآنية، حالة كونها هداية للمؤمنين إلى طريق السعادة والفلاح، وبشارة هم بما يشرح. صدورهم ، ويدخل الفرح والسرور على نفوسهم . (١) تفسير الآلوسي : ١٩ ص ١٥٥. ٣٩٥ الجزء التاسع عشر وخص -سبحانه - المؤمنين بذلك، لأنهم المنتفعون بهذه الحداية والبشارة، دون سواهم من الكافرين والمنافقين . قال - تعالى -: ((قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء، والذين لا يؤمنون فى آذانهم وقر وهو عليهم عمى، أولئك ينادون من مكان بعيد،(١) . وقال - سبحانه -: ((وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون، (٢). ثم وصف - سبحانه - هؤلاء المومنين ثلاث صفات جامعة بين خيرى الدنيا والآخرة فقال: (( الذين يقيمون الصلاة، أى: يؤدونها فى أوقاتها المقدرة لها, مستوفية لواجباتها وسننها وآدابها وخشوعها. (( ويؤتون الزكاة) التى كلفهم الله - تعالى- بإيتائها، بإخلاص وطيب نفس. ((وهم بالآخرة هم يوقنون. والآخرة تأنيث الآخر. والمراد بها الدار الآخرة ، وسميت بذلك لأنها تأتى بعد الدنيا هى الدار الأولى . وقوله: («يوقنون، من الإيقان. وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، بحيث لا يطرأ عليه شك، أو تحوم حوله شبهة . يقال: يقن الماء، إذا سكن وظهر ما تحته . ويقمال : يقنت من هذا الشىء يعنا، وأيقنت، وتيقنت، واستقينت ، ٠ اعتقدت اعتقاداً جازما من وجوده أو محته . أى: وهم بالدار الآخرة وما فيها من حساب وعقاب، بوقنون إيقانا إذا قطعيا، لا أثر فيه للاععاءات الكاذبة، والأوهام الباطلة . قال الجمل:«ولما كان إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، مما يتكرر ويتجدد فى (١) سورة فصلت الآية ٤٤ (٢) سورة التوبة الآية ١٢٤ ٣٩٦ سورة النمل أوقاتهما ، أتى بهما فعلين ، ولما كان الإيقان بالآخرة أمرا ثابتا مطلوبا دوامه ، أتى به جملة اسمية . وجعل خبرهامضارعاء للدلالة على أن إيقانهم يستمر على سبيل التجدد))(١). وبعد أن مدح - سبحانه - المؤمنين بتلك الصفات الطيبة، أتبع ذلك ببيان ما عليه غيرهم من ضلال وحيرة فقال: ((إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمرون)). وقوله: ((زينا)) من الزين، بمعنى التحسين والتجميل. و ((يعمون، من العمه بمعنى التحير والتردد. يقال: عنه فلان - كفرح ومنع - إذا تحير وتردد فى أمره . والمعنى: إن الذين لا يؤمنون بالدار الآخرة ومافيها من أواب وعقاب، ((زينا لهم أعمالهم، أى: حسناها لهم، وحببنا إليهم، بسبب استحبابهم العمى على الهدى، والغى على الرشد ((فهم يعمهون)) أى: فهم يتحيرون ويتخبطون ويرتكبون ما يركبون من قبائح، ظنا منهم أنها محاسن. وصدق الله إذ يقول: « أفن زين له سوء عمله فرآه حسنا، فإن الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء .. ،(٢) . ثم بين - سبحانه - قبح عاقبتهم فقال: (( أولئك الذين لهم سوء العذاب)). أى: أولئك الذين لم يؤمنوا بالآخرة، لهم أشد أنواع المذاب الذى يذلهم ويؤلمهم فى الدنيا (وهم فى الآخرة م الأخرون، أى: وهم فى الآخرة أشد خسارة منهم فى الدنيا إذعذاب الدنياله نهاية. أما عذاب الآخرة فلا نهايةله. (١) حاشية الجمل على الجلالين =٣ ص ٢٩٨ (٢) سورة فاطر. الآية ٨ ٣٩٧ الجزء التاسع عشر وقوله - تعالى -: ((وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم، كلام مستأنف سبق بعد بيان بعض صفات القرآن الكريم ، تمهيداً لما سيأتى بعد ذلك من. قمص وآداب وأحكام وهدایات . وقوله ((تلقى)) من التلقى بمعنى الأخذ عن الغير، والمراد به جبريلى - عليه السلام - . أى : وإنك - أنها الرسول الكريم - لتتلق القرآن الكريم - بواسطة جبريل - عليه السلام - من لدن ربك الذى يفعل كل شىء بحكمة ليس بعدها حكمة ، ويدبر كل أمر يعلم شامل لكل شىء. وصدرت هذه الآية الكريمة بحر فى التأكيد - وهما إن ولام القسم - للدلالة على كال العناية بمضمونه . والتعبير بقوله «لتلق)) يشعر بمباشرة الأخذ عن جبريل - عليه السلام - بأمر الله - تعالى- الحكم العلم، كما يشعر بقوته وشدته، كما فى قوله -سبحانه -: « إينا ستلقى عليك قولا ثقيلا . . وجاء الأسلوببالبناء للمفعول فىقوله «تلقى، و حذف الفاعل وهو جبريل التصريح به فى آيات أخرى منها قوله - تعالى -: «نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين ، . وجمع - سبحانه - فى وصفه لذاته بين الحكم والعلم، الدلالة على أن هذا القرآن تتجلى فيه كل ستفات الإتقان والإحكام ، لأنه كلام الحكيم فى أفعاله، هعليم بكل شىء . وبعد أن بين - سبحانه - أن هذا القرآن، قد تلقاه الرسول - صلى أنه عليه وسلم - من لدن حكيم عليم أتبع ذلك بجانب من قصة موسى - عليه السلام- ٣٩٨ دورة النمل لتكون بمثابة القسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عن موقف كفار مكة منه - عليه الصلاة والسلام - ، فقال - تعالى -: ((إِذْ قَالَ مُوسَى لأهْله إنِّى آنستُ ناراً، سآتِيكُمْ مِنْها بخّبرٍ، أو آتِيكُم بشِهَبٍ قِبَسٍ لعلكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فًَا جاءها تُودِى أَنْ بُورِكْ مَنْ فِى النَّارِ ومَنْ حَوْلهَاً، وسُبْحانَ اللهِ ربِّ العالمينَ (٨) يا مُوسى إنَّهُ أَنَاَ اللهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ (٩) وَأَلْقٍ عَصَاكَ فَلَمَا رَآهًا تهّزُ كأنَّ جَانٌ وَلَّى مُدْبراً ولم يُعَقِّبْ، يا مُوسَى لَا تَفْ إِنَّى لا يخافُ لدىّ المرسُلُونَ (١٠) إلاَّ من ظلم ثم بدَّلَ حُسْنَا بعدَ سُوءٍ فإنِى غَفُورٌ رحيمٌ (١١) وأَدْخِلْ يدكَ فى جَيِكَ تَخْرُجْ بيضاء من غيرِ سُوء، فى تسعٍ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، إنّهُم كانُوا قوماً فاسِقِينَ (١٢) فَذَا جَاءْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً، قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بها، وَاسْتَيْقَتْهَاَ أَنْقُُهم ◌ُلماً وَعُسْلُوًّا، فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ مَاقِبَهُ المفسدينَ (١٤))). هذا جانب من قصة موسى - عليه السلام - كما جاءت فى هذه السورة، وقد جاءت فى سور أخرى بصورة أوسع، كسور: البقرة، والأعراف، ويوفس ، والشعراء، والقصص ... وقد افتتحت هنا بقوله - تعالى -: «إذقال موسى لأهله إنى آ فست نارا). والظرف ((إذ، متعلق بمحذوف تقديره: اذكر. ١ و((موسى)) - عليه السلام - هو ابن عمران، وينتهى نسبه إلى يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم - عليهم السلام -، وكانت بعثته - على الراجح - فى القرن الحادى عشر أو الثانى عشر قبل الميلاد . ٣٩٩ الجزء التاسع عشر والمراد بأهله: زوجته، وهى ابنة الشيخ الكبير الذى قال له - بعد أن سقى لابنتيه غنمهما -: إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أن تأجرفى ثمانى حجح .. ،(١). قال الإمام ابن كثير ماملخصه: ((وكان ذلك بعد أن قضى موسى الأجل الذى بينه وبين صهره، فى رعاية الغنم، وسار بأهله، قيل: قاصد ابلاد مصر بعد ماطالت الغبية عنها أكثر من عشر سنين ، ومعه زوجته فأضل الطريق ، وكانت ليلة شاتية ، ونزل منزلا بين شعاب وجبال .. فبينما هو كذلك إذانس من جانب الطور نارا .. .(٢). وقوله: ((آ نست)) من الإيناس، بمعنى الإبصار الواضح الجلى يقال : آ نس فلان الشىء إذا أبصره وعلمه وأحس به. أى: واذكر - أيها الرسول الكريم - وذكر أتباعك ليعتبرواو يتعظوا، وقت أن قال موسى لأهله ، وهو فى طريقه من جهة مدين إلى مصر. إنى أبصرت إبصارا لا شبهة فيه فارا. فامكنوا فى مكانكم، فإن«سآتيكم منها بخير)، أى: سآتيكم من جهتها بخبر ينفعنا فى رحلتنا هذه، ونسترشد به فى الوصول إلى أهدى الطرق التى توصلنا إلى المكان الذی نريده. و((أو) فى قوله - سبحانه -: «أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون)) ماذمة خلو . قال القرطبى: ما ملخصه: ((قرأ عاصم وحمزة والكسائى: ((بشهاب قبس)) بتنوين ((شهاب)) وقرأ الباقون بدون تنوين على الإضافة، أى: بشعلة نار، من إضافة النوع إلى جنسه كخاتم فضة . والشهاب: كل ذى أور، نحو الكواكب ، والعود الموقد، والقبس: اسم لما يقتبس من جمر وما أشبهه، فالمعنى بشهاب من قيس .. ومن قرأ(بشهاب قبس)) بالتنوين جعله بدلامنه، أو صفة له، تأويله بمعنى المقبوس .. )،(٣). (١) سورة القصص الآية٣٧ (٢) تفسير ابن كثير+ ٥ص٢٧ (٣) تفسير القرطبى :١٣ ص ١٥٧ ٤٠٠ سورة التحمل وقوله ((تصطلون) أى: نستدفئون، والاصطلاء: الدنو من النار لتدفئة البدن عند الشعور بالبرد . قال الشاعر : العار فاكهة الشتاء فمن يرد أكل الفواكه شاتيا فليضطل والمعنى: قال موسى - عليه السلام - لأهله عندما شاهد النار: أمكثوا فى مكانكم، فإنى ذاهب إليها، لكى آتيكم من جهتها بخبر ينفعنا فى رحلتنا، فإن لم يكن ذلك ، فإنى آتيكم بشعلة مقتطعة منها، ومقتبسة من أصلها، أملكم تستهدفئون بها فى تلك الليلة الشديدة البرودة . قال صاحب الكشاف:((فإن قلت : - قوله - تعالى: هنا, سآنيكم منها. بخبر، مع قوله - تعالى - فى سورة القصص(١) , (صلى آتيكم منها بخبر)) كالمتدافعين، لأن أحدهما ترج، والآخر تيقن. قلت: قد يقول الراجى إذا قوى رجاؤه: سأفعل كذا، وسيكون كذا، مع تجويزه الخيبة . فإن قلت : كيف جاء بسين التسويف - هنا- ؟قلت: عدة لأهله أنه يأتيهم. وإن أبطأ ، أو كانت المسافة بعيدة . فإن قلت: فلم جاء بأودون الواو؟ قلت: بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه جميعا لم يعدم واحدة منهما: إما هداية الطريق ، وإما اقتباس النار ، ثقة بمادة الله أنه لا يكاد يجمع بين حرماتين على عبده ... ،(٢)، ثم بين - سبحانه - ماحدث لموسى عندما اقترب من النار فقال: ((فلما جاءها نودى أن يورك من فى النار ومن حولها ... )، و ((أن) هنا مفسرة، لمنا فى الندا. من معنى القول . وقوله: (( يورك)) من البركة ، بمعنى ثبوت الخبر وكثرته: والخبر هنا يتمثل فى تكليم الله - تعالى - لنبيه موسى. وفى فدائه له، وتشريفه رسالته، وتأييده بالمعجزات. (١) الآية ٢٩ (٢) تفسير الكشاف = ٣ ص: ٣٤٩