Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
الجزء التاسع عشر.
وهكذا الطفاة عندما يضيق الخناق حول رقابهم يتذللون ويقبا كون ..
فإذا ما انفك الخناق من حول رقابهم ، عادوا إلى طغيانهم ولجورهم .
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال: ((ولقد تحير فرعون لما أبصر
الآبتين ، وبقى لا يدرى أى طرفيه أطول، حتى نزل عند ذكر دعوى
الألومية. وحط عن منكبيه كبرياء الربوبية. وارتعدت فرائصه ، وانتفخ
سحره - أى رئته - خوفا وفرقا، وبلغت به الاستكانة لقومه الذين م
بزعمه جبيده وهو إلههم: أن طفق بؤامرهم ويعترف لهم بما حذر منه وأوقعه
وأحس به من جهة موسى - عليه السلام -... ))(١) .
ورد الملأمن قوم فرعون عليه بقولهم: ((أرجه وأخاه)، أى: أخر
أمرهما، يقال: أرجأت هذا الأمر وأرجيته. إذا أخرته. ومنه أخذ لفظ
المرجئة لتلك الفرقة التى تؤخر العمل وتقول: لا يضر مع الإيمان معصية كما
لا ينفع مع الكفر طاعة .
(((وابعث فى المدائن حاشرين)) أى .: وابعث فى مدن ملكتك رجالا س
شرطتك بحشرون السحرة، أى : يجمعونهم عندك لتختار منهم من تشاء.
وقوله: (( يأقوك بكل سحار عليم، مجزوم فى جواب الأمر. أى: إن
تبعثهم بأقوك بكل سحار فائق فى سحره ، عليم بفنو نه ومداخله .
ولبى فرعون طلب مستشاريه، فأرسل فى المدائن من يجمع له السحرة
(( لجمع السحرة)، أى: المعروفون ببراعتهم فيه ((لميقات يوم معلوم)، أى:
جمعوا وطلب منهم الإستعداد لمنازلة موسى - عليه السلام - فى وقت معين
هو «يوم الزينة، أى: يوم العيد. كما قال - تعالى - فى آية أخرى: قال
موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى.
(١) تفسير الكشاف =٣ س ٣١٠
(٢١ - سورة الشعرا)

٣٢٢
سورة الشعراء
ثم حكى - سبحانه - ما فعله أعوان فرعون من حضر للناس على حضور
تلك المباراة فقال: ((وقيل للناس هل أنتم مجتمعون) أى: فى ذلك اليوم
المعلوم الذى ينازل فيه السحرة موسى فالمقصود بالاستفهام الحض على
الحضور والحث على عدم التخلف.
١
والترجى فى قولهم ((لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين، المقصود
به - أيضا - حض السحرة على بذل أقصى جهدهم ليتغلبوا على موسى - عليه
السلام-، فكأنهم يقولون لهم: إبذلوا قصارى جهدكم فى حسن إعداد
سحركم فنحن نرجو أن تكون الغلبة لكم، فتكون ٠مكم لا مع موسى
- عليه السلام -.
ثم يحكى القرآن بعد ذلك ماقاله السحرة لفرعون عند التقائهم به فيقول :
«فلما جاء السحرة قالوا لفرعون)) بعد أن التقى بهم ليشجعهم على الفوزه أثن
لنا لأجراء مجزيا , أن كنا نحن الغالبين، لموسى - عليه السلام -.
وهنا يرد عليهم فرعون، فيعدهم. ويمنيهم ويقول: (( نعم، أى: نعم
لكم الأجر العظيم الذى يرضيكم ، وفضلا عن ذلك فستكونون عندى من
الرجال المقربين إلى نفسى . والذين سأخصهم برعایتی ومشورتى.
وهكذا يعد فرعون السحرة ويمنيهم، وما يعدم الشيطان إلا غرورا)، ..
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قال فرعون لهم بعد أن أعلنوا إيمانهم،
فقال - تعالى - :
(قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنتُم مُلْقُون (٤٣) فَأَلْقَوْا حبالَهُمْ وِعِصِيَهُم
وَقالُوا بمزّةٍ فرعونَ إِنا لنحنُ الغالبونَ (٤٤) فَأَلْقَى مُوسَى «صاهُ فإذَا
هى تلقفُ ما يأْفِكُون (٤٥) فأُلقِىَ السَّحرةُ ساجدينَ (٤٦) قالُوا
آمنًا بربِّ العالمينَ (٤٧) ربِّ موسى وهارونَ (٤٨) قالَ آمنتُمَ لهُ قبلَ
٠

٣٢٣
الجزء التاسع عشر
أَنْ آذَنَّ لكُم، إنّه الكبير ثُم الذى علمكُم السحرَ لْأقطعَنَّ أَيدِيَكُم
وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ولْأصلِّنكُمْ أجمينَ (٤٩) قالُوا لاضَّرَ إِنَّا إِلَى
ربّنا منقِلِبُونَ (٥٠) إِذَّا نطمعُ أن يغفِرَ لنَ ربّاً خطاياناً أَنْ كَنَّا أُوَّلَ
المؤمنین (٥١)» .
أى: «قال مومى للسحرة)) - بعد أن أعدوا عدتهم لمنازلته، ومن خلفهم
فرعون وقومه يشجعونهم على الفوز قال لهم: ((ألقوا ما أنتم ملقون، من.
السحر ، فسوف ترون عاقبة منازلتكم لى.
وأسلوب الآية الكريمة يشعر بعدم مبالاة موسى - عليه السلام - بهم
أو بتلك الحشود التی من ورائهم، فهو مطمئن إلى نصر ربه - سبحانه - له .
((فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا، أى: عند إلقائهم لتلك الحبال والعمى
( بعزة فرعون)، أى: بقوته وجبروته وسطوته ((إنا لنحن الغالبون))
لا موسى - عليه السلام - ولم تفصل السورة هنا مافصلته سورة الأعراف من
أنهم حين ألقوا حبالهم وعصيهم « سحروا أعين الناس واسترهبوم وجاءوا
:بسحر عظيم)، أو ما وضحته سورة طه من أنهم حين ألقوا جبالهم: ((أوجس
فى نفسه خيفة موسى ... ».
ولعل السر فى عدم التفصيل هنا، إن السورة الكريمة تسوق الأحداث
متتابعة تتابعا سريعا، تربط معها قلب القارئ. وعقله بما ستسفر عنه هذه
الأحداث من ظهور الحق ، ومن دحور الباطل .
ولذا جاء التعقيب السريع بما فعله موسى - عليه السلام - فقال - تعالى -:
, فألقى موسى عصاه فإذا هى تلقف، أى تبتلع بسرعة، وتأخذ بقسوة
(( ما يأفكون، أى: ما فعلوه وما يفعلونه من السحر، الذى يقلبون به
حقائق الأشياء عن طريق التى به والتخيما. ورأى السحرة بأعينهم وممهم

وضدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول فى حديثه الذ
رواه الشيخان: (( ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن،!
شاء أقامه، وإن شاء أزاغه ..
ٹم یحکی - سبحانه - بعد ذلك موقف فرعون وقد رأی ماخطمه وزلز
فقال - تعالى - ((قال، أى فرعون للسحرة ((آمنتم له، أى: لموسى. ق.
أن ا ذن لكم ، بالإيمان به ...
( إنه، أى: موسى - عليه السلام ـ«الكبيركم الذى علمكم السحر، أي
فأنتم متواطئون معه على هذه اللعبة ((فلسوف تعلمون)) ما أنزله به
من عذاب .
«لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف، أى: لأنطعن من كل واحدمنا

٣٢٥
الجزء التاسع عشر
يده الیمنی مع رجله اليسرى . ((ولاصلبنكم أجمعين، أى: فى جذوع النخل -كما
جاء فى آية أخرى - وفلتأمل فى قول فرعون - كما حكاه القرآن عنه يرى فيه
الطغيان والكفر، فهو يستنكر على السحرة إيمانهم بدون إذن .
ويرى فيه الكذب الباطل الذى قصد من ورائه تشكيك قومه فى صدق
موسى وفى نبوته فهو يقول لهم: «إنه الكبيركم الذى علمكم السحر)).
ويرى فيه هذا التلبيس على قومه، والتهديد الغليظ - شأن الطغاة فى كل
زمان ومكان.فهو يقول للسحرة الذين صاروا مؤمنين: «فلسوف تعلمون.
لأنطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولاصلبتكم أجمعين، أى: بدون إستثناء
لواحد منهم.
ولم يلتفت السحرة إلى هذا التهديد والوعيد بعد أن إستقر الإيمان فى
قلوبهم، بل قالوا - كما حكى القرآن عنهم -: ((لا ضير)) مصدر ضاره الأمر
يضوره ويضيره ضيرا، أى: ضره وألحق به الأذى.
أى: قالوا - بكل ثبات وعدم مبالاة بوعيده - لا ضرر علينا من عقابك
فنتحمله صابرين فى سبيل الحق الذى آمنا به .
(إنا إلى ربنا منقليون)) أى: واجعون إليه، فيجازينا على صبرنا.
« إنا نطمح أن يغفر لنا ربنا خطا يانا، التى وقعنا فيها قبل الإيمان، كعبادة
فرعون وكتعاطى السحر ((أن كنا أول المؤمنين، بالحق بعد أن جاءنا.
ثم ختم - سبحانه - هذه القصة ببيان ما أمر به نبيه موسى -عليه السلام-
وماحل بفرعون وقومه من ملاك بسبب كفرهم وبغيهم ، فقال - تعالى -:
(( وَأَوْخَيْنَا إِلى موسَى أَنْ أَسْرٍ بعبادِى إنكُم مُتُبُون (٥٢)فأرسَلَ
فِرِعونُ فى المدائنِ حاشِرِينَ (٥٣) إنّ هؤلاء لشِرِذِمةٌ قِلِيلُونَ (٥٤)
﴿وَإِنَّهم لنا لغَئِظُون (٥٥) وإنَّ لجميعٌ حاذِرُونَ (٥٦) فأخرجنَمَ من جنات

٢٢٦
سورة الشعراء
وعُيونِ (٥٧) وكنوزٍ ومقامٍ كريمٍ (٥٨) كذلك وَأَورثناها
بنى إسرائيلَ (٥٩) فأتبعُومُ مُشرقينَ (٦٠) فلما تَرَاءَ الجمعآنِ قالَ
أصحابُ مُوسَى إِنَّالمدرَ كُونَ (٦١) قالَ كلاّ إنَّ مَتِىَ رَبِّى ◌َيَهْدِينٍ (١٢)
فَأَوْحَيْنَا إِلَى موسَى أَن اضربْ بعصَّاكَ البحرَ فانفلقَ، فكانَ كُلُّ
فِرْقٍ كَالَطُودِ العظيمِ (٦٣) وأَزْلَفْناً ثُمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَاً موسَى
وَمَنْ مَعَهُ أَجمينَ (٦٥) ثم أفرَقنا الآخَرِينَ (٦٦) إنَّ فى ذلكَ لَآيَةً
وما كانَ أَكثرُ مُؤمنين (٦٧) وإنّ ربَّكَ لَهُوَ العزيزُ الرحيمُ (٦٨)».
وقوله - سبحانه -: ((وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادى٠٠، معطوف
على كلام مقدور يفهم من سياق القصة .
والتقدير : وبعد أن انتصر موسى على السحرة نصرا جعلهم يخرون
ساجدين لله - تعالى - وبعد أن مكث موسى فى مصر حينا من الدهر، يدعو
فرعون وقومه إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - فلم يستجيبوا له ...
بعد كل ذلك: أوحينا إلى موسى أن أمر بعبادى)) أى: مر ببنى إسرائيل
ليلا إلى جهة البحر وعبر - سبحانه - عنهم بعبادی. قلطفا بهم بعد أن ظلوا.
تحت ظلم فرعون مدة طويلة،
وقوله: ((إنكم متعبون)) تعليل للأمر بالإسراء. أى: سر بهم
ليلا إلى جهة البحر، لأن فرعون سيتبعكم بجنوده، وسأفضى قضائى فيه
وفى جنده.
والفاء فى قوله - تعالى -: ((((أرسل فرعون فى المدائن حاشرين)) هى الفصيحة،
والحاشرين جمع عاشر: والمراد بهم الذين يحشرون الناس ويجمعونهم فى
مكان معين ، لأمر من الأمور الهامة.
قالوا : جمعواً له جيشا كبيرا يتكون من مآت الآلاف من الجنود. أى:

٣٢٧
الجزء التاسع عشر
وعلم فرعون بخروج موسى ومعه بنو إسرائيل. فأرسل جنوده ليجمعوا له
الناس من المدائن المتعددة فى مملكته.
وبعد أن اكتمل عددهم، أخذ فى التهوين من شأن موسى ومن معه فقال:
((إن هؤلاء لشر ذمة قليلون)).
والشرذمة: "طائفة القليلة من الناس - وخصها بعضهم بالأخساء
والسفلة منهم .
ومنه قولهم: هذا ثوب شرذام، وثياب شرذام، أى. رديئة متقطعة.
أى: إن هؤلاء الذين خرجوا بدون إذنى وإذنكم، لطائفة قليلة من
الناس الذين هم بمنزلة العبيد والخدم لى ولكم.
((إنهم لنا لغائظون، أى: وإنهم بجانب قلتهم، وخروجهم بدون إذننا،
يأتون بأقوال وبأفعال تغيظا وتغضبنا، على رأسها إقتراحهم علينا أن
تترك ديننا ...
، وإنا لجميع حاذرون، أى: متيقظون المكائدهم، ومحتاطون لمكرم،
ومسكون بزمام الأمور حتى لا يؤثر فينا خداعهم.
يقال: حذر فلان حذرا - من باب تعب - بمعنى: استعد الأمر
+ وتافب له بیقظه.
وكلام فرعون هذا - الذى حكاه القرآن عنه - يوحى بهلعه وخوفه مما
فعله موسى - عليه السلام - إلا أنه أراد أن يستر هذا الهلع والجزع
بالتهوين من شأنه ومن شأن الذين خرجوا معه وبتحريض قومه على اللحماق
بهم وتأديبهم، وبالظهور بمظهر المستعد هو وقومه لمجابهة الأخطار والتمرد
بكل قوة وحزم.
قال صاحب الكشاف: ((والمعنى: أنهم - أى موسى ومن معه - لقلتهم

٣٢٨
سورة الشعراء
لا يبالى بهم، ولا يتوقع غليتهم وعلوهم ، ولكنهم يفعلون أفعالا تغيظنا،
ونحن قوم من عادتنا التيقظ والحذر وإستعمال الحرم فى الأمور، فإذا خرج
علينا خارج سارعنا إلى حسم فساده. وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن
لثلا يظن به ما يكسر من قهره وسلطانه. وقرىء: حذرون ... والحذر:
اليقظ. والحاذر: الذى يحدد حذره .. )) (١).
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما إقتضته إرادته ومشيئته فى فرعون
وقومه فقال: (( فأخرجناهم من جنات وعيون، أى: فأخر جنام بقدرتها
وإرادتنا من (( جنات)).
أى: بساتين كانوا يعيشون فيها «وعيون. عذبة الماء كانوا يشربون.
منها .
(( وكنوز)، أى: وأموال كانت تحت أيديهم ((ومقام كريم)) أى:
ومسا كن حسنة جميلة كانوا يقيمون فيها .
أى: أخرجناهم من كل ذلك بقدرتنا ومشيئتنا، ليلقوا مصيرهم المحتوم
وهو الغرق، بسبب إصرارهم على كفرهم وطغيانهم.
وقوله: (( كذلك)) خبر لمبتدأ محذوف. أى: الأمر كذلك.
وقوله: ((وأورثناها بنى إسرائيل، أى: وأورثنا تلك الجنسات والعيون
والكنوز والمنازل الحسنة لبنى إسرائيل.
قال الجمل:((وقوله: ((وأورثناها، أى: الجنسات والعيون والكنوز
لبنى إسرائيل، وذلك أن الله - عز وجل - رد بنى إسرائيل إلى مصر بعد
هلاك فرعون وقومه، فأعطاهم جميع ما كان لفرعون وقومه من الأموال.
والمساكن الحسنة ...
(١) تفسير الكشاف =٣ ص ٣١٥.

٠
٣٢٩
الجزء التاسع عشر
والظاهر أن هذه الجملة احتراضية، وأن قوله - بعد ذلك - («فأتبعوم))
معطوف على قوله - تعالى - ,فأخرجناهم من جنات وعيون ... ، لأن
إعطاء البساتين وما بعدها لبنى إسرائيل، كان بعد هلاك فرعون وقومه.،(١)
ومن العلماء من يرى أن بنى إسرائيل لم يعودوا لمصر بعد هلاك فرعون
وقومه، وأن الضمير فى قوله - تعالى -((وأورثناها، لا يعود إلى الجنات
والعیون التى اخر جَ الله - تعالى - منها فرعون وقومه . فيقول:
( ولا يعرف أن بنى إسرائيل عادوا إلى مصر بعد خروجهم إلى الأرض
المقدسة ، وورثوا ملك مصر وكنوز فرعون ومقامه، لذلك يقول المفسرون
إنهم ورثوا مثل ما كان لفرعون وملئه. فهى وراثة لنوع ما كانوا فيه من
جنات وعيون وكنوز ومقام كريم)، (٢).
وقيل : المراد بالوراثة هنا : وراثة ما استعاره بنو إسرائيل من حلى آل
فرعون عند خروجهم من مصر مع موسى - عليه السلام -.
ويبدو لنا أنه لامانع من عودة الضمير فى قوله - تعالى -((وأورثنام!
إلى الجنات والعيون والكنوز التى أخرج الله - تعالى - منها فرعون)) وقومه،
بأن عاد موسى ومن معه إلى مصر - لفترة معينة - بعد هلاك فرعون وملئه،
ثم خرجوا منها بعد ذلك مواصلين سيرهم إلى الأرض المقدسة ، التى أمرهم.
موسى - عليه السلام - بدخولها.
ولعل مما يؤبد ما زجحه قوله - تعالى - ,وأورثنا القوم الذين كانوا
يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها، وتمت كلمة ربك الحسنى
(١) حاشية الجمل على الجلالين = ٣ س٢٨٠
(٢) فى ظلال القرآن =١٩ ص٢١٢

٣٣٠
سورة الشعراء
على بنى إسرائيل بما صبروا، ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا
إمرشون)،(١).
وقوله - سبحانه -: «وتزيد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض،
ويجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، وتمكن لهم فى الأرض ونرى فرعون
وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون)،(٢).
ثم بین - سبحانه - بعد ذلك ماحدث من فرعون و قو مه ، وما قاله بنو ،
إسرائيل عندما شاهدوم، فقال - تعالى -: «فأتبعوهم مشرقين ....
أى: أخرجنا فرعون وقومه من أموالهم أو مساكنهم ... فساروا
مسرعين خلف موسى ومن معه،«فأتبعوم)) أى: فلحقوا بهم ((مشرقين))
أى: فى وقت شروق الشمس يقال: أشرق فلان إذا داخل فى وقت الشروق
كأصبح إذا دخل فى وقت الصباح.
, فلما تراءا الجمعان، أى: تقاربا بحيث يرى كل فريق خصمه.
, قال، بنو إسرائيل لنبيهم موسى - عليه السلام-والخوف يملأ نفوسهم:
((إذا لمدركون)، أى: سيدركنا بعد قليل فرعون وجنوده، ولا قدرة لنا ..
على قتالهم ...
وهنا رد عليهم موسى - عليه السلام - بثقة وثبات بقوله: (( كلا) أى:
كلا لن یدر کوکم، فاثبتوا ولا تجزءوا«إن معی ربي سيهدين».
بهذا الجزم والتأكيد رد موسى على بنى إسرائيل، وهو رد يدل على قوة
إيمانه، وثبات يقينه، وثقته التى لاحدود لها فى نصر الله - تعالى - له، وفى
هدابته إياه إلى طريق الفوز والفلاح.
ولم يطل انتظار موسى لنصر الله - تعالى - بل جاءه سريعا، متمثلافى قوله
(١) سورة الأعراف الآية ١٣٧
(٢) سورة القصص الآية ٦،٥

٣٢١ .
١٠
الجزء التاسع عشر
. سبحانه ـ«فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، أى: البحر الأحمر
- على أرجح الأقوال - وهو الذى كان يسمى ببحر القلزم ...
فضربه ,فانغلق، إلى إثنى عشر طريقا , فكان كل فرق، أى: قسم منه
, كالطود العظيم، أى: كالجبل الشامخ الكبير.
وسار موسى ومن معه فى الطريق اليابس بين أمواج البحر - بقدرة الله
- تعالى -، ((وأزلفنا ثم الآخرين، أى: وقربنا - بقدرتنا وحكمتنا - هنالك
القوم الآخرين وهم فرعون وجنوده. أى: قربناهم من موسى وقومه، فدخلوا
وراءهم فى الطريق الذى سلكوه بين أمواج البحر، فماذا كانت النتيجة؟
: كانت النتيجة أن خرج موسى ومن معه سالمين، أما فرعون وجنودهفقد
نطبق عليهم البحر فأغرقهم أجمعين .
وصدق الله إذ يقول: «وأنجينا، - أى: بقدرتنا ورحمتنا -«موسى ومن
معه أجمعين)) من الغرق ومن لحاق فرعون بهم ,ثم أغرقنا الآخرين، وهم
فرهون و جنودہ .
ثم ختم - سبحانه - هذه القصة - كما ختم غيرها - بقوله: «إن فى ذلك الآية
وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم).
أى: إن فى ذلك الذى قصصناه عليك - أيها الرسول الكريم - من قصة
موسى وفرعون، ((لآية)) عظيمة تدعو إلى إخلاص العبادة والطاعة لنا،
ومع ذلك فلم يؤمن بما جاء به فبينا موسى؛ إلا عدد قليل، وإت ربك.
- أيها الرسول الكريم - ((لهو العزيز)).
أى: الغالب المنتقم من أعدائه «الرحيم)، أى: الواسع الرحمة بأولياته،
حيث جعل العاقبة لهم.
وهذا ساق لنا - سبحانه - هنا جانبا من قصة موسى - عليه السلام -
بهذا الأسلوب البديع ، لتكون عبرة وعظة لقوم يؤمنون.

٣٢٢
سورة الشعراء
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من قصة إبراهيم - عليه السلام.
فقال - تعالى - :
:
((وائلُ عليهِمْ نبأَ إبراهيمَ (٦٩) إذا قالّ لأبيهٍ وقومِه
ما تعبُدُونَ (٧٠) قالُوا نعيُد أَصنامَا فَتَظلُّ لها ماَكَفِينَ (٧١) قالَ هل
يسعونكم إذ تدُمُونَ (٧٢) أو ينفعونكم أو يضرُّونَ (٧٣) قالُوا
وَجَدْنَ آباءنا كذلكَ يفعلُونَ (٧٤) قالَ أفرأ يتم ما كنتُم تعبدُونَ (٧٥)
أنتم وآباؤُكُمُ الْأَقْدَمونَ (٧٦) فإنَّهم عدوٌ لِ إلا ربِّ العالمينَ (٧٧)
الذى خلقنى فهوَ يهدينِ (٧٨) والذى هو يطعُنِى ويسقينِ (٧٩) وإذا
مرضت فهوَ يَشْفِينِ (٨٠) والذى يميتُنى ثم يُحِينٍ (٨١) والذى أطمع
أن يَغْفِرَ لِ خَطِيئِى يومَ الدينِ (٨٢) ربَّ هَبْ لى حُكْمًا وأَلِقْنِى
بالصالحينّ (٨٣) واْعَلْ لِ لسانَ صِدْقٍ فى الآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلنى
من ورَثَةٍ جنة النعيم (٨٥) وَاغْفِرْ لأبي إنَّه كانَ من الضَّالِّينَ (٨٦)
ولا تَخْزِّنِى يومَ يبعتُونَ(٨٧) يوم لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ (٨٨) إِلاَّ مَن
أَتَى اللّهَ بقلبٍ سَليم (٨٩)).
وقصة إبراهيم - عليه السلام - قد وردت فى القرآن فى سور متعددة،
وبأساليب متنوعة ، وردت فى سورة البقرة، وكان معظم الحديث فيها، بدور
حول بنائه للبيت الحرام هو وابنه إسماعيل، وحكاية تلك الدعوات الخاشعات.
التى تضرع بها إلى ربه .
ووردت فى سورة الأنعام، وكان معظم الحديث فيها يدور حول إقامته
الأدلة على وحدانية الله - تعالى - عن طريق الأمل فى مشاهد هذا الكون.

٣٢٣
الجزء التاسع عشر
ووردت فى سورة هود، وكان معظم الحديث فيها بدور حول تبشيره
بإسحاق ..
١
ووردت فى سورة إبراهيم ، وكان معظم الحديث فيها يدور حول
مانوجه به إلى ربه من دعاء بعد أن ترك بعض ذريته فى جوار بيت الله الحرام.
ووردت فى سورة الحجر. وكان معظم الحديث فيها يدور حول مادار
بينه وبين الملائكة من مناقشات ...
ووردت فى سورة مريم ، وفيها حكى القرآن تلك النصائح الحكيمة التى
وجهها لأبيه وهو يدعوه لعشادة الله - تعالى - وحده .
ووردت فى سورة الأنبياء . وفيها عرض القرآن لما دار بينه وبين قومه
من مجادلات ومن تحطيم الأصنام، ومن إلقائهم إياه فى النار فصارت :أمر.
الله - تعالى - بردا وسلاما عليه.
أما هنا فى سورة الشعراء ، فیحکی لنا - سبحانه - مادار بينه وبين و قومه
من مناقشات ، وما ټو جه به إلى خالقه من دعوات .
لقد افتتحت بقوله - بقوله - تعالى - ,وائل عليهم نبأإبراهيم، أى: واقرا
- أيها الرسول الكريم - على قومك - أيضا - نبأ.رسولنا إبراهيم
- عليه السلام - الذی یزعم قومك أنهم ورثته، وأنهم يتبعونه فى ديانته،
مع أن إبراهيم برىء منهم ومن شركهم، لأنه ما أرسل إلا لنوى أمثالهم
من الإشراك بالله - تعالى -.
وقوله: (( إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون)) منصوب على الظرفية. أى:
اقرأ عليهم نبأه وقت أن قال لأبيه وتومه على سبيل التبكيت وإلزامهم الحجة:
أى شىء هذا الذى تعبدونه من دون الله-عز وجل -.
المسلبابوه بقولهم: ((نعبد أصناما فنظلهاعا کفین،و کان یکغيهم فى الجواب

٢٣٤
سورة الشعراء
أن يقولوا : نعبد أصناما، ولكنهم لغبائهم وجهلهم قصدوا التباهي والتفاخر
بهذه العيادة الباطلة أى: نعبد أصناما منحوتة من الحجر أو مما يشبه، وتداوم
على عبادتها ليلا ونهارا، وتعكف على التقرب لها كما يتقرب الحبيب إلى حبه.
وهكذا، عندما تنحط الأفهام، تتناهى بما يجب البعدعنه، وتفتخر بالمرذول
من القول والفعل ...
وقد رد عليهم إبراهيم - عليه السلام - بما يوقظهم من جهلهم لو كانوا
يعقلون، فقال لهم: «هل يسمعونكم إذ قدعون. أو ينفعونكم أو يضرون».
أى: قال لهم إبراهيم على سبيل التنبيه والتبكيت: هذه الأصنام التى
تعيدونها من دون الله، هل تسمع دعاءكم إذا دعوتموها، وهل تحس بعبادتكم
لها إذا عبدتموها، وهل تملك أن تنفعكم بشىء من النفع أو بشىء من الضر؟
ولم يستطع القوم أن يواجهوا إبراهيم بجواب. بعد أن القمهم حجرا
بنصاعة حجته، فلجأوا إلى التمسح بآبائهم فقالوا: (« بل وجدنا آباءنا كذلك
يفعلون » .
أى: قالوا له: إن هذه الأصنام هى كما قلت يا إبراهيم لا تسمع دعاءنا،.
ولاتنفعنا ولا تضرنا، ولكننا وجدنا آباءنا يعبدونها ، فسرنا على طريقتهم
فی عبادتها ، فهم قالوا ماقاله أمثالهم فى الجهالة فی کل زمان ومكان « إنا وجدنا
آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)).
وأمام هذا التقليد الأعمى، ترى إبراهيم - عليه السلام- يعلن عداوته لهم
ولمعبودانهم الباطلة، ويجاهرهم بأن عبادته إنما هى لله - تعالى - وحده فيقول:
, أفرأيتم ما كنتم تعبدون. أنتم وآ باؤكم الأقدمون . فإنهم عدول إلا
رب العالمين» .
أى : قال لهم إبراهيم على سبيل الإنكار والتأنيب: أفر أيتم وشاهدتم
هذه الأصنام التى عبدتموها أنتم وآباؤكم الأقدمون من دون أنه - تعالى-

٣٣٥
الجزء التاسع عشر
إنها عدو لى لأن عبادتها باطلة لكن الله - تعالى-رب العالمين هو ولى وصاحب
الفضل على فى الدنيا والآخرة، فلذا أعبده وحده .
فقوله: إلا رب العالمين، استثناء منقطع من ضمير («إنهم)).
قال صاحب الكشاف: وإنما قال: ((عدولى، تصويرا للمسألة فى نفسه،
على معنى: أنى فكرت فى أمرى فرأيت عبادتى لها عبادة للعدو فاجتنيتها
وآثرت عبادة الذى الخير كله منه، وأراهم بذلك أنها نصيحة نصح بها نفسه
أولا ، وبنى عليها تدبير أمره، لينظروا فيقولوا: ما نصحنا إبراهيم إلا بما
نصح به نفسه (« ليكون أدعى لهم إلى القبول، ولو قال: فإنهم عدو لكم لم
يكن بتلك المثابة، ولأنه دخل فى باب من التعريض ، وقد يبلغ التعريض
المنصوح مالا يبلغه التصريح. لأنه يتأمل فيه، فربما قاذه التأمل إلى التقبل.
ومنه ما يحكى عن الشافعى - رحمه الله -: أن رحلا واجهه بشىء، فقال:
لو كنت بحيث أنت، لاحتجت إلى الأدب، وسمع رجل ناسا يتحدثون
فى الحجر فقال: ماهو بيتى ولا بيتكم ... )،(١).
ثم حكى القرآن الكريم، ما وصف به إبراهيم خالقه من صفات كريمة
تليق بجلاله - سبحانه - فقال: ((الذى خلقنى فهو بهدين)) أى: أخاص عبادى
لرب العالمين، الذى أوجدفى بقدرته، والذى يهدينى وحده إلى ما يصلح شأفى
فی دنیای وفى آخربی.
قال الجمل: ((وقوله: ((الذى خلقنى، يجوز فيه أوجه: النصب على الفعت
لرب العالمين أو البدل أو عطف البيان .... أو الرفع على الابتداء، وقوله
(((فهو بهدين)) جملة اسمية فى محل رفع خبر له)) (٢) .
وقوله ((والذى هو يطعمنى ويسقين)) معطوف على ماقبله. أى: وهو
(١) تفسير الكشاف = ٣ ص ٠٣١٨
(٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ٢ ص ٠٢٨٢

٣٣٦
سورة الشعراء
- سبحانه - وحده الذى يطعمنى ويسقينى من فضله، ولو شاءٍ لأمسك عنى ذلك.
وأضاف المرض إلى نفسه فى قوله ((وإذا مرضت فهو يشفين)) وإن كان
المكل من الله - تعالى -، تأدبا مع خالقه - عز وجل - وشكرا ه - سبحانه-
على نعمة الخلق والهداية، والإطعام والإسقاء والشفاء ...
والمراد بالإحياء فى قوله، والذى يميتنى ثم يحيين)»: إعادة الحياة إلى الميت
يوم القيامة أى: ومن صفات رب العالمين الذى أخلص له العبادة، أنه- سبحانه ..
الذى بقدرته وحده أن يميتنى عند حضور أجلى، ثم يعيدنى إلى الحياة مرة
أخرى يوم البعث والحساب.
وجاء العطف (( بثم، فى قوله (( ثم يحيين، لاتساع الأمر بين الإماتة
فى الدنيا والإحياء فى الآخرة.
ثم ختم إبراهيم هذه الصفات الكريمة بقوله: «والذى أطمع أن يغفرلى
خطينتى يوم الدين، أى : وهو وحده الذى أطمع فى أن يغفر الذنوبو يوم
ألقاه، لأنه لا يقدر على ذلك أحد سواه-عز وجل -.
وفى هذه الآية أسمى درجات الأدب من إبراهيم مع ربه - سبحانه:)
لأنه يوجه طمعه فى المغفرة إليه وحده، ويستعظم - عليه السلام - ماصدر
منه من أمور قد تكون خلاف الأولى، ويعتبرها خطايا، هضما لنفسه،
وتعليما الأمة أن تجتذب المعاصى، وأن تكون منها على حذر، وأن تفوض
رجاءها إلى الله - تعالى - وحده.
وبعد أن أثنى إبراهيم - عليه السلام - على ربه بهذا الثناء الجميل، اتبع ذاك
بتلك الدعوات الخاشعات فقال: ((رب هب لى حكماء أى: علما واسعا مصحوبا
بعمل نافع .
(((وألحقنى بالصالحين)) من عبادك الذين رضيت عنهم - ورضوا عنك،
بحيث ترافقی بهم فى جنتك .

٣٣٧
الجزء التاسع عشر
(( واجعل لي لسان صدق فى الآخرين، أى: واجعل لى ذكراً حسناً،
وسمعة طيبة، وأراكريما فى الأمم الأخرى التى ستأتى من بعدى .
ولقد أجاب - سبحانه - له هذه الدعوة، جعل أثره خالداً، وجعل من
ذريته الأنبياء والصالحين، وعلى رأسهم سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -.
(( واجعلنى من ورثة جنة النعيم، أى: واجعلنى فى الآخرة عندما ألقاك
- يا ربى - للحساب، من عبادك الذين أكرمتهم بدخول جنتك وبورانتها
فضلا منك وكرما .
(( وأغفر لأبى إنه كان من الضالين، عن طريق الحق، فإنى قد وعدته
بأن أستغفر له عندك - يا إلهى -.
قال ابن كثير: ((وهذا مارجع عنه إبراهيم - عليه السلام- كما قال - تعالى:
(( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه
عدوة تبرأ منه، إن إبراهيم لأواه حليم))(١).
وقطع - تعالى - الإلحاق فى استغفاره لأبيه، فقال: «قد كانت لكم
أسوة خسنة فى إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم: إنا برآء منكم وما
تعبدون من دون الله، كفرنا بكم، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً،
حتى تؤمنوا بالله وحده. إلا قول إبراهيم لأبيه: لأستغفرن لكوما أملك
لك من الله من شئ .... )،(٢) .
(ولا تخزنى، أى: ولا تفضحنى (( يوم يبعثون)) أى: يوم تبعث عبادك
فى الآخرة للحساب ، بل استرفى وأجبر فى وتجاوز عن تقصيرى.
((يوم لا ينفع مال ولا بنون)) من أحد لديك.
(((إلا من أتى الله بقلب سليم، أى: واسترفى - يا إلهى - ولا تفضحنى
يوم القيامة . يوم لا ينتفع الناس بشىء من أموالهم ولا من أولادهم، ولكنهم
(١) سورة التوبة الآية ١١٤
(٢) سورة الممتحنة الآية ٤
٢٢٠ - سورة الشراء)

٣٣٨
سورة الشعراء
ينتفعون بإخلاص قلوبهم لعبادتك. وبسلامتها من كل شرك أو تفياق.
وبصيانتها من الشهوات المرذولة، والأفعال القبيحة».
وهكذا نرى فى قصة إبراهيم: الشجاعة فى النطق بكلمة الحق ، حيث
جابه قومه وأباه ببطلان عبادتهم للأصنام .
ونزى الحجرة الدامغة التى جعلت قومه لايجدون عذرا يعتذرون به عن
عبادة الأصنام سوى قولهم: ((وجدنا آباءنا كذلك يفعلون)).
وترى الثناء الحسن الجميل منه على ربه - عز وجل -: (( الذى خلقنى فهو
يهدين . والذى هو يطعمنى ويسقين. وإذا مرضت فهو يشفين ... )).
ونزى الدعاء الخاشع الخالص الذى يتضرع به إلى خالقه - عز وجل-،
لكى يرزقه العلم والعمل، وبأن يحشره مع الصالحين ، وبأن يجعل له أثرا
طيبا بعد وفانه بين الأمم الأخرى، وبأن يجعله من الوارثين لجنة النعيم،
وبأن يستره بستره الجميل يوم القيامة، يوم لا ينفع الناس شىء سوى إخلاص
قلوبهم وعملهم الصالح . وهى دعوات يرى المتأمل فيها شدة خوف إبراهيم
- وهو الحليم الأواه المنيب - من أهوال يوم الحساب .
نسأل الله - تعالى - بفضله وكرمه، أن يجنبنا إياها، وأن يسترنا
بستره . الجميل .
ثم يبين - سبحانه - بعد ذلك مشهدا من مشاهد يوم القيامة، ويحمكل
أقوال الغاوين وحسرانهم ... فيقول :
((وَأَزْلِفَتِ الجنّةُ للمتقينَ (٩٠) ويُرَّزتِ الجحيمُ للناوين (٩١) وقيل
لَهُمْ أَينَ ما كَثُم تَنْبُدونَ (٩٢) من دونِ الهِ هل ينصرُونَكُم
أَو يقتصرُون (٩٦) فكيكِبُوا فيهاَ مُ والنََّوُونَ (٩٤) وجنودُ إِبليسَ

٣٣٩
الجزء التاسع عشر
أَجْعُونَ (٩٥) قالُوا وَمُ يُخْتَصِمُونَ (٩٦) تا اللهِ إنْ كَنَّا لِفِى ضْلاَلٍ
مبينٍ (٩٧) إِذُ نُسوِّ يكُم بربِّ العالمينَ (٩٨) وَمَا أَضْلّناً إلاَّ المجرمُونَ (٩٩)
فالَنَا من شافِينَ (١٠٠) ولا صديقٍ حميمٍ (١٠١) فلو أَنَّ لَنَاكرةً
فتكونَ من المؤمنينَ (١٠٢) إنَّ فى ذلكَ لَآيةً وما كانّ أَكثرُم
مؤمنين (١٣) وَإِنْ رَبُّكَ لَهُو العزيزُ الرحيمُ (١٠٤))).
وقوله - سبحانه -: ((وأزلفت الجنة ... )، من الإزلاق بمعنى القرب
والدنو .
أى: وقربت الجنة يوم القيامة للمتقين، الذين صافوا أنفسهم عن كل
مالا يرضاه الله - تعالى -، وصارت بحيث يشاهدونها ويتلذذون برؤيتها.
(((وبرزت الجحيم الغاوين، أى: أما الغاوون الذين استحبوا العمى على
الهدى ، وآثروا الغواية على الهداية، فقد برزت الجحيم لهم بأهو الهاوسميرها
ثم قيل لهؤلاء الكافرين على سبيل التقريع والتأنيب: وأين ما كنتم تعبدون
من دون أمه ، أى: لين الآلهة التى كنتم تعبدونها فى الدنيا من دون الله - تعالى ..
وتزعمون أنها شفعاؤكے عنده ؟!
((هل ينصرونكم، الآن من هذا العذاب المعد لكم,أو ينتصرون، م
من العذاب الذى سيحل بهم معكم؟
كلا ثم كلا ، إنكم وهم حصب جهنم، وستدحلونها جميعا غاستين .
وليس المقصود بالسؤال الاستفهام، وإنما المقصود به التقريع والتوبيخ،
ولذا لايحتاج إلى جواب .
ثم ذكر - سبحانه - ماحل بهؤلاء الأشقياء من عذاب فى أعقاب هذا
التأنيب فقال: ((فكيكبوا فيها م والغاوون. وجنود إبليس أجمعون)).

٣٤٠
سورة الشعراء
والكبكبة : تكرير الكب، وهو الإلقاء على الوجه مرة بعد أخرى،
وضمير الجمع للآلهة التى عبدها الكافرون من دون الله - تعالى-، وجىء.
بضمير العقلاء على سبيل التهكم بهم ، أى: فألقى المعبودون والعابدون فى جهنم،
ومعهم جنود إبليس كلهم ، سواء أكانوا من الشياطين أم من أتباعه من الجن
والإنس .
وفى التعبير بكيكبوا تصوير صادق مؤثر لحالة هؤلاء الضالين، وهم
يتساقطون - والعياذ بالله - فى جهنم، بلا رحمة، ولا عناية، ولا نظام،
بل بعضهم فوق بعض وقد تناثرت أشلاؤم ...
ثم بين - سبحانه - ماقاله الغاوون لآلهتهم فقال :. قالواوهم فيها يختصمون.
قاقه إن كنا لفى ضلال مبين . إذ نسويكم برب العالمين ... ،
أى: قال العابدون لمعبوديهم على سبيل المخاصمة لهم، والبرؤ منهم: تاقه
ماكنا إلا فى ضلال مبين، وقت أن كنا فى الدنيانسويكم برب العالمين فى العبادة.
مع أنكم خلق من خلقه لا تضرون ولا تنفعون.
((وما أضلنا، عن اتباع طريق الحق ((إلا المجرمون)، من شياطين الإنس
والجن. الذين زينوا لنا الكفر والفسوق والعصيان، وصدونا عن الإيمان
والطاعة والهداية .
( فمالنا، اليوم ((من شافعين)) يشفعون لنا عند ربنا. ومالنا - أيضاً - من
((صديق حميم)، أى: مخلص فى صداقته، يدافع عنا عند ربنا، ويهتم بأمرنا.
فى هذا الموقف العصيب.
قال الآلوسي: والمراد التليف والتأسف على فقد شفيع يشفع لهم ممام
فيه ، أو صديق شفيق يهمه ذلك. وقد ترقوا لمزيد انحطاط حالهم فى التأسف،
حيث نفوا - أولا - أن يكون لهم من ينفعهم فى تخليصهم من العذاب.
بشفاعته، ونفوا - ثانيا - أن يكون لهم من جمه أمرهم، ويشفق عليهم،