Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
الجزء الثامن عشر
حاجته، رجع إلى ما كان فيه من العمل رغبة فى الخير واحتسابا له .. فأنزل
اللّه هذه الآيات فى المؤمنين وفى المنافقين(١).
والمراد بالأمر الجامع فى قوله: ((وإذا كانوا معه على أمر جامع»: الأمر
الهام الذى يستلزم إشتراك الجماعة فى شأنه، كالجهاد فى سبيل الله، وكالإعداد
- لعمل من الأعمال العامة التى تهم المسلمين جميعا.
والمعنى: إن من شأن المؤمنين الصادقين، الذين آمنوا بالله ورسوله - ق
الإيمان أنهم إذا كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - على أمر جامع
من الأمور التى تقتضى إشتراكهم فيه ، لم يفارقوه ولم يذهبوا عنه ، حتى
يستأذنوه فى المفارقة أو فى الذهاب، لأن هذا الاستئذان دليل على قوة
الإيمان، وعلى حسن أدبهم مع نبيهم - صلى الله عليه وسلم -.
. قال الآلومى: «وقوله: (( وإذا كانوا معه على أمر جامع٠٠، معطوف
على ((آمنوا)) داخل معه فى حيز الصلة، والحصر باعتبار الكمال. أى : إنما
الكاملون فى الإيمان الذين آمنوا بالله - تعالى -، وبرسوله - صلى الله عليه
وسلم - من صميم قلوبهم، وأطاعوا فى جميع الأحكام التى من جملتها ما فصل
من قبل ... وإذا كانوا معه - صلى الله عليه وسلم - على أمر مهم يجب
اجتماعهم فى شأنه كالجمعة والأعياد والحروب، وغيرها من الأمور الداعية
إلى الاجتماع .... لم يذهبوا عنه - صلى الله عليه وسلم - ((حتى يستأذنوه»
فى الذهاب فيأذن لهم ... )،(٢) .
وخص - سبحانه - الأمر الجامع بالذكر، للاشعار بأهميته ووجرب
البقاء معه - صلى الله عليه وسلم - حتى يعطيهم الإذن بالانصراف، إذ وجودهم
معه يؤدى إلى مظاهرته - صلى الله عليه وسلم - ومعاونته فى الوصول إلى أفضل
الحلول لهذا الأمر الهام.
(١) السيرة النبوية لابن إسحاق ج ٣ ص ٣٣٠
(٢) تفسير الآلوسى + ١٨ ص ٢٢٣

٢٠٢
٧
سورة النور
ثم مدح - سبحانه - الذين لا يغادرون مجلس رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - إذا كانوا معه على أمر جامع حتى يستأذنوه فقال: « إنت الذين
يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله)).
أى : إن الذين يستأذنونك فى تلك الأحوال الهامة ، والتى تستلزم
وجودهم معك، أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله حق الإيمان ، لأن هذا
الاستئذان فى تلك الأوقات دليل على طهارة نفوسهم، وصدق قينهم، وصفاء
قلوبهم .
ثم بين - سبحانه - وظيفته - صلى الله عليه وسلم - فقال:«فإذا استأذنوك
لبعض شأنهم ، فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله، والله غفور رحيم)).
أى: فإذا استأذنك هؤلاء المؤمنون فى الانصراف، لقضاء بعض الأمور
والشئون التى هم فى حاجة إليها ، فأنت مفوض ومخير فى إعطاء الإذن لبعضهم
وفى منعه عن البعض الآخر، إذ الأمر فى هذه المسألة متروك لتقديرك
- أيها الرسول الكريم ..
وقوله - تعالى - ((واستغفر لهم الله)) فيه إشارة إلى أنه كان الأولى
بهؤلاء المؤمنين، أن يبقوا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى ينتهوا
من حل هذا الأمر الجامع الذى اجتمعوا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم -
من أجله ، وحتى يأذن لهم - صلى الله عليه وسلم - فى الانصراف دون أن
يطلبوا منه ذلك، فإن الاستئذان قبل البت فى الأمر الهام الذى يتعلق: صالح
المسلمين جميعا، غير مناسب للمؤمنين الصادقين ، ويجب أن يكون فى أضيق
الحدود، وأشد الظروف. ومع كل ذلك، فاقه - تعالى - واسع المغفرة لعباده
عظيم الرحمة بهم .
ثم أكد الله - تعالى - وجوب التوقير والتعظيم لنبيه - صلى الله عليه وسلم-
فقال: (( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ... )).

٢٠٣
الجزء الثامن عشر
ولأهل العلم فى تفسير هذه الآية أقوال من أهمها : أن المصدر هنا وهو
لفظ ((دعاء، مضاف إلى مفعوله، وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم - على
أنه مدعو ، فيكون المعنى :
لا تجعلوا - أيها المؤمنون- دعاءكم الرسول إذا دعو تموه، ونداءكےله إذا
ما ناديتموه، كدعاء أو قداه بعضكم لبعض، وإنما عليكم إذا ما ناديتحوه أن
تنادوه بقولكم، يانبى الله، أو يارسول الله، ولا يليق بكم أن تنادوه باسمه
مجردا، بأن تقولوا يا محمد.
كما أن من الواجب عليكم أن تخفضوا أصواتكم عند ندائه توفيرا واحتراما
له - صلى الله عليه وسلم - والمنتبع للقرآن الكريم، يرى أن اله - تعالى -
لم يناد رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - باسمه مجردا، وإنما ناداه بقوله:
يأيها المدثر، يأيها الرسول، يأيها الغبي ...
وإذا كان اسمه - صلى الله عليه وسلم - قد ورد فى القرآن الكريم فى
أكثر من موضع. فإن وروده لم يكن فى معرض النداء ، وإنما كان فى غيره
كما فى قوله - تعالى - «محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء
بينهم ......
فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن أن ينادوا أو يخاطبوا النبى - صلى الله
عليه وسلم - باسمه مجردا، كما يخاطب بعضهم بعضا .
ومن العلماء من يرى أن المصدر هنا مضاف إلى فاعله ، فيكون المعنى:
لا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضا، بل يجب عليكم متى دعاكم لأمر
أن قلبوا أمره بدون تقاعس أو تباطؤ .
وعلى كلا التفسيرين فالآية الكريمة تدل على وجوب توقير الرسول
- صلى الله عليه وسلم .. وتعظيمه. وشبيه بها قوله - تعالى -: ((يا أيها
الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى، ولا تجهروا له بالقول

٢٠٤
سورة النور
كجهر بعضكم لبعض، أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون" .! إن الذين
يغضون أصواتهم عند رسول الله، أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى
لهم مغفرة وأجر عظيم،.
ثم حذر - سبحانه - المنافقين من سوء عاقبة أفعالهم فقال: «قد يعلم الله
الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره، أن تصيبهم
فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ،.
وقد هنا للتحقيق ، ويتسللون من التسلل، وهو الخروج فى خفاء مع
مهل وقلصص .
وقوله («لواذا، مصدر فى موضع الحال أى: ملاوذين. والملاوذة
معناها: الاستثمار بشىء مخافة من يراك، أو هى الروغان من شىء إلى شىء على
سبيل الخفاء .
أى: إن الله - تعالى - عليم بحال هؤلاء المنافقين الذين يخرجون من
مجلس الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى خفاء واستنار: بحيث يخرجون
من الجماعة قليلا قليلا ، يستتر بعضهم ببعض حتى يخرجوا جميعا.
قالوا : وكان المنافقون تارة يخرجون إذا ارتقى الرسول - صلى الله عليه.
وسلم - المنبر . ينظرون يمينا وشمالا. ثم يخرجون واحدا واحدا. وتارة
يخرجون من مجلس الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقارة يفرون من
الجهاد يعتذرون بالمعاذير الباطلة .
وعلى أية حال فالآية الكريمة تصور حيث نفوسهم، والقواه طباعهم،
وجبن قلوبهم، أبلغ تصوير، حيث ترسم أحر الهم وهم يخرجون فى خفاء
متسللين، حتى لا يرام المسلمون.
والفاء فى قوله - تعالى -: «فليحذر ... ، لتر تيب ما بعدها على ماقبلها.

٢٠٥
الجزء الثامن عشر
والضمير فى قوله: (( عن أمره، يعود إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - أو إلى
الله - تعالى -، والمعنى واحد، لأن الرسول مبلغ عن الله - تعالى -.
والمخالفة معناها: أن يأخذكل واحد طريقا غير طريق الآخر فى حاله
أو فعله .
والمعنى: فليحذر هؤلاء المنافقون الذين يخالفون أمر النبي - صلى الله
عليه وسلم - ويصدون الناس عن دعوته، ويتباعدون عن هديه ، فليحذروا
من أن تصيبهم فتنة، أى: بلاء وكرب يترتب عليه افتضاح أمرهم، وانكشاف
شرهم، ((أو يصيبهم عذاب أليم، يستأصلهم عن آخرهم، ولعذاب الآخرة
أشد وأبقى .
قال القرطبى:(( وبهذه الآية احتج الفقهاء على أن الأمر للوجوب. ووجهها
أن الله - تعالى - قد حذر من مخالفة أمره، وتوعد بالعقاب عليها بقوله:
((أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم، فتحرم مخالفته، فيجب امتثال
أمره،(١) .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله:، ألا إن لله ما في السموات
والأرض » .
أى: له - سبحانه - ما فى السموات والأرض من موجودات خلقا وملكا
وقصرفاً وإبجادا ,قد يعلم ما أنتم عليه، أيها المكلفون من طاعة أو معصية،
ومن استجابة لأمره أو عدم استجابة.
(((ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا)، أى: ويعلم - سبحانه -أحوال
خلقه جميعا يوم يرجعون إليه يوم القيامة. فيجازى كل إنسان بما يستحقه
من ثواب أو عقاب .
((والله) - تعالى - ((بكل شىء عليم، بحيث لا يخفى عليه شىء فى الأرض
ولا فى السماء .
(١) تفسير القرطبي : ١٢ ص ٠٣٢٢

٢٠٦
سورة النور
وبعد : فهذه هى سورة النور ، وهذا تفسير محرر لها .
نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟
د. محمد سيد طنطاوى
القاهرة - مدينة نصر
خظهر السبت ٢٠ من ربيع الثانى سنة ١٤٠٥ هـ
الموافق ١١ /١٩٨٥/١م

فهرس إجمالى لتفسير ((سورة النسور))
رقم الآية
الآية المفسرة
المقدمة والتمهيد
سورة أزلناها وفرضناها ...
١
الزانية والزانى فاجهوا ...
٢
٤
والذين يرمون المحصنات ...
والدین برمون أزواجهم ...
إن الذين جاءوا بالإفك ...
إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة ...
إن الذين يرمون المحصنات ...
٤١
٤٣
٤٦
٥٨
ليس على الأعمى حرج ...
٦١
٦٢
إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ...
رقم الصفحة
٨٩
٩٤
٩٥
١٠٤
١٠٩
١١٤
١٢٠
١٢٨
١٣٥
١٤٣
١٥١
١٥٩
١٦٦
١٧٠
١٧٣
١٧٧
١٨٤
١٨٩
١٩٥
٢٠٠
٦
١١
١٩
٢٣
١٧
٣٠
٣٢
٣٥
٣٩
يأيها الذين آمنوا لاندخلوا بيوتا ...
قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ...
وأنكحوا الأيامى منكم ...
الله نور السموات والأرض ...
والذين كفروا أعمالهم كراب ...
ألم تر أن الله يسبح له من فى السموات ...
ألم تر أن الله يزجى سحابا ...
لقد أنزلنا آيات مبينات ...
وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ...
يأيها الذين آمنوا ليستأذنكم ...

التفسير الوسيط
للقرآن الكريم
١
تَفَسَيْ سُورَة الفرقان
دكتور
محمد سيد طنطاوي
. مفتى جمهورية مصر العربية
الجزء الثامن عشر
الطبعة الثانية
١٤٠٨هـ - ١٩٨٧ م.
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

مَطْبَعَة السَّجادة
مي إن أحمد ماهر - شارع الجداوى رقم ١٢
تليفون/ س.ت
٠١١٩٩٧٠/٩٠٧٣٧٩

بسم الله الرحمن الرحيم
﴿رَيَّا تَقَبِّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّبِعُ العَلِيمِ﴾
(((صدق الله العظيم))

مقدمة وتمهيد
١ - سورة الفرقان من السور المكية، وعدد آياتها سبع وسبعون آية،
وكان نزولها بعد سورة (يس)). أما ترقيها فى المصحف فهى السورة الخامسة
والعشرون .
ومن المفسرين الذين لم يذكروا خلافا فى كونها مكية ، الإمام ابن كثير
والإمام الرازى .
وقال القرطبى: هى مكية كلها فى قول الجمهور . وقال ابن عباس وقتادة:
إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة، وهى: «والذين لا يدعون مع الله إلها
آخر، إلى قوله - تعالى -: ((وكان الله غفورا رحيما)).
٢- وقد افتتحت هذه الصورة الكريمة بالثناء على الله - تعالى - الذى
نزل الفرقان على عبده محمد - صلى الله عليه وسلم - والذى له ملك السموات
والأرض ... والذى خلق كل شىء فقدره تقديرا .
قال - تعالى -: ((تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين
نذيرا. الذى له ملك السموات والأرض. ولم يتخذ ولدا. ولم يكن له شريك
فى الملك . وخلق كل شىء فقدره تقديرا)).
٣ - ثم انتقلت الدورة بعد ذلك إلى حكاية بعض أقوال المشركين الذين
أثاروا الشبهات حول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحول دعوته، وردت
عليهم بما يمحق باطلهم، وقارنت بين مصيرهم السىء، وبين ما أعده الله - تعالى ..
للمؤمنين من جنات .
قال - تعالى -,وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق

-- ٢١٤ -
لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقي كنز أو تكون له جثة يأكل
منها، وقال الظالمون أن تتبعون إلا رجلا مسحورا)).
٤ - وبعد أن يصور القرآن حسراتهم يوم الحشر، وعجزهم عن التناصر،
يعود فيحكى جانبا من تطاولهم وعنادهم. ويرد عليهم بما يكبتهم، وبما يزيد
المؤمنين ثباتا على ثباتهم .
قال - تعالى -: ((وقال الذين لا يرجون لقاءنا. لولا أنزل علينا الملائكة أو
نرى ربنا، لقد استكبروا فى أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا. يوم يرون الملائكة
لا بشرى يومئذ للمجرمين وبقولون حجرا محجورا. وقدمنا إلى ماغلوامن
عمل جعلناه هباء منثورا. أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا)).
٥ - ثم تحكى السورة جانبا من قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم. فيقول:
((ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا. فقلنا اذهبا إلى
القوم الذين كذبوا با باتنا فدمر ناهم تدميرا. وقوم نوح لما كذبوا الرسل
أغرقناهم وجعلناهم للناس آية، وأعتدنا للظالمين عذابا أليما ... ».
٦ - ثم تعود السورة مرة أخرى إلى الحديث عن تطاول هؤلاء الجاحدين
على رسولهم - صلى الله عليه وسلم - وتعقب على ذلك بتسليته - صلى اته عليه وسلم.
عما أصابه منهم فتقول: ((وإذا رأوك أن يتخذونك إلا هزوا. أهذا الذى بعث
الله رسولا، إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها، وسوف يعلمون
حين يرون العذاب من أضل سبيلا. أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تمكون
عليه وكيلا . أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون؟إن هم إلا كالأنعام
بل هم أضل سبيلا ،.
٧ - ثم تنتقل السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن مظاهر قدرة لفه
- تعالى - فتسوق لنا مظاهر قدرته فى مد الظل ، وفى تعاقب الليل والنهار، وفى
الرياح التى يرسلها - سبحانه - لتكون بشارة لنزول المطر، وفى وجوه بوزخ

٠- ٢١٥ -
بين البحرين، وفى خلق البشر من الماء ... ثم يعقب على ذلك بالتعجب
من حال السكافرين، الذين يعبدون من دونه - سبحانه - مالا ينفعهم
ولا يضرم ...
قال - تعالى -: (ألم تر إلى ربك كيف من الظل ولو شاء جعله ساكنا، ثم
جعلنا الشمس عليه دليلا . ثم قبضناء إلينا قبضا يسيرا. وهو الذى جعل لكم
الليل لباسا والنوم سباقا وجعل النهار نشورا .
٨ - ثم تسوق السورة فى أواخرها صورة مشرفة لعباد الرحمن، الذين
من صفاتهم التواضع، والعفو عن الجاهل. وكثرة العبادة قه - تعالى.
والتضرع إليه بأن يصرف عنهم عذاب جهنم، وسلوكهم المسلك الوسط
فى إنفاقهم، وإخلاصهم الطاعة لله - تعالى - وحده. واجتنابهم للرذائل التى
نهى الله- عز وجل - عنها.
قال - تعالى -: ((وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا،
وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا - سلاما. والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما.
والذين يقولون ربنا أصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما إنها ساءت
مستقرا ومقاما ..
٠
٩ - ومن هذا العرض المختصر لأهم القضايا التى اهتمت بالحديث عنها
السورة الكريمة ، نرى ما يأتى :
(١) أن السورة الكريمة قد ساقت ألوانا من الأدلة على قدرة الله - تعالى-
وعلى وجوب إخلاص العبادة له، وعلى الثناء عليه - سبحانه - بما هو أهله.
زى ذلك فى مثل قوله - تعالى - :«تبارك الذى نزل الفرقان على عبده.
تبارك الذى جعل فى السماء بروجا ... تبارك الذى إن شاء جعل لك خيرا
من ذلك جنات تجرى من تحتها الأنهار ).
وفى مثل قوله - تعالى -: «وهو الذى مرج البحرين هذا عذاب فرات،

- ٢١٦ -
وهذا ملح أجاج، وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا. وهو الذى خلق !
من الماء بشرا جعله نسبا وصرا وكان ربك قديرا. ويعبدون من دون الله
مالا ينفعهم شيئا ولا يضرم ، وكان الكافر على ربه ظهيرا)، . .
(ب) أن السورة الكريمة زاخرة بالآيات التى تدخل الأنس والتسرية
والتسلية والتثبيت على قلب النبى - صلى الله عليه وسلم -بعد أن أقهمه المشر كون
بما هو برىء منه، وسخروا منه ومن دعوته، ووصفوا القرآن بأنه أساطير
الأولين، واستنكروا أن يكون النبى من البشر.
نرى هذه التهم الباطلة فيما حكاه الله عنهم فى قوله - تعالى -: ((وقال الذين
كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون، فقد جاء واظلا
وزورا. وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا)).
وقالوا: مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق لولا أنزل
إليه ملك فيكون معه نذبراء.
(( وإذا قيل لهم أسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنجد لما تأمرنا
وزادهم نفوراء .
وزى التسلية والقسرية والتثبيت فى قوله - تعالى -: ( أنظر كيف ضربوالك
الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا . تبارك الذى إن شاء جعل لك خيرا
من ذلك جنات تجرى من تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً) .
((وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون فى
الأسواق، وجعلنا بعضكم لبعضر فتنة، أتصبرون، وكان ربك بصيرا)).
(( وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة، كذلك لنثبت به
فؤادك ورتلناه ترتيلا ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن
تفسيرا، .
وهكذا نرى السورة الكريمة زاخرة بالحديث عن الشبهات التى أثارها

- ٢١٧ -
المشركون حول النبى - صلى الله عليه وسلم - ودعوته، وزاخرة - أيضا -
بالرد عليها ودا يبطلها. ويزهقها. ويسلى النبى - صلى الله عليه وسلم - عما
أصابه منهم ، ويزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم .
(جـ) أن السورة الكريمة مشتملة على آيات كثيرة، قبين ماسيكون عليه
المشركون يوم القيامة من هم وغم وكرب وحسرة وندامة وسوء مصير . كما
تبين ما أعده الله - تعالى - لعباده المؤمنين من عاقبة حسنة، ومن جنات
تجرى من تحتها الأنهار .
:
فبالنسبة لسوء عاقبة المشركين زى قوله - تعالى -: «بل كذبوا بالساعة
وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا. إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا
وزفيرا وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك نبورا، ولا تدعوا
اليوم ثبورا واحدا وادعو ثبورا كبيرا)،.
وترى قوله - تعالى -: «ويوم يعض الظالم على يديه يقول باليتنى اتخذت
مع الرسول سبيلا. يا ويلتا ليتنى لم أتخذ فلانا خليلا. لقد أضغنى عن الذكر
بعد إذ جاءنى، وكان الشيطان للإنسان خذولا ،
وبالنسبة لمؤمنين نرى قوله - تعالى -: (قل أذلك خير أم جنة الخلد التى
وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا لهم فيها ما يشاءون خالدين كان
على ربك وعدا مؤولا ، .
وزى قوله - سبحانه -: وعباد الرحمن الذى يمشون على الأرض هو نا
وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)) .. إلى قوله - تعالى -: ( خالدين فيها
حسنت مستقرا ومقاما،.
وهكذا نرى السورة تسوق آيات كثيرة فى المقارنة بين مصير الكافرين
ومصير المؤمنين .. وليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة ...

- ٢١٨ -
هذه بعض الموضوعات التى اهتمت السورة الكريمة بتفصيل الحديث
عنها، وهناك موضوعات أخرى سنتحدث عنها - بإذن الله - عند تفسيرنا
لاباها.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين ؟
المؤلف
القاهرة - مدينه نصر
د. محمد سيد طنطاوى
٢١ من ربيع الثانى ١٤٠٥هـ
١٩٨٥/٢/١٣م.

التفسير
قال الله تعالى. ((تباركَ الَّذِىِ نْزَّلَ الْفُرقَنَ عَلَى عبدِهِ لِيكُونَ
العالَيْنَ نذِيراً (١) الَّذِى لَهُ مُلكُ السمواتِ والأرضِ، ولم يتخِذْ ولداً
ولم يَكُنْ لَهُ شريكٌ فى المُلكِ، وخلق كلَّ شىءٍ فقدَّرَهُ تَقْدِيراً (٢)
واتَخَذُوا مِن دُونِهِ آلهةً لا يُخْلُقُونَ شَيْئاً وم يخلقون، ولا يملِكُون
لأنفُسِهِم ضرَّا ولا نَفَعاً، ولا يملِكُونَ موناً ولا حياةً ولا نشوراً (٣))
افتتحت السورة الكريمة بالثناء على الله - تعالى - ثناء يليق بجلاله وكماله.
ولفظ «تبارك» فعل ماض لا يتصرف. أى: لم يجىء منه مضارع
ولا أمر ولا اسم فاعل. وهو مأخوذ من البركة بمعنى الكثرة من كل خبر.
وأصلها الماء والزيادة . أى: كثر خيره وإحسانه، وتزايدت بركاته .
أو مأخوذ من البركة بمعنى الثبوت. يقال: برك البعير، إذا أناخ فى
موضعه فلزمه وثبت فيه . وكل شىء ثبت ودام فقد برك. أى : ثبت ودام
خيره على خلقه .
والفرقان: القرآن. وسمى بذلك لأنه يفرق بين الحق والباطل .
ونذيراً: من الإنذار، وهو الاعلام المقترن بتهديد وتخويف.
أى: جل شأن الله - تعالى - وتكاثرت ودامت خيرانه وبركاته، لأنه
- سبحانه - هو الذى نزل القرآن الكريم على عبده محمد - صلى الله عليه وسلم -
ليكون ((للعالمين، أى: الإنس والجن ((نذيرا، أى: منذرا إياهم بسوء
المغير إن هم استمروا على كفرهم وشركهم.

٢٢٠
سورة الفرقان
وفى التعبير بقوله - تعالى -، تبارك، إشعار بكثرة ما يفيضه - سبحانه-
من خيرات وبركات على عباده، وأن هذا العطاء ثابت مستقر، وذلك يستلزم.
عظمته وتقدسه عن كل ما يليق بجلاله - عز وجل -.
ولم يذكر - سبحانه - لفظ الجلالة، واكتفى بالاسم الموصول الذى نزل
الفرقان، لإبراز صلته - سبحانه - وإظهارها فى هذا المقام، الذى هو مقام
إثبات صدق رسالته التى أوعاما إلى نبيه -صلى الله عليه وسلم -.
وعبر - سبحانه - ((ينزل، بالتضعيف، لنزول القرآن الكريم مفرقا
فى أوقات متعددة، لتقديت فؤاد النبى - صلى الله عليه وسلم -.
ووصف الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالعبودية،
وأضافها لذاته، للتشريف والتكريم والتعظيم وأن هذه العبودية فه - تعالى-
هى ما يتطلع إليه البشر .
واختير الإنذار على التبدير. لأن المقام يقتضى ذلك، إذ أن المشركين
قد لجوا فى طغيانهم وتمادوا فى كفرهم وضلالهم، فكان من المناسب تخويفهم
من سوء عاقية ماهم عليه من عناد .
وهذه الآية الكريمة تدل على عموم رسالته . صلى الله عليه وسلم- للناس
جميعا. حيث قال - سبحانه - ((ليكون للعالمين نذيرا، أى: العالم الإنس
وعالم الجن، وشبيه بها قوله - تعالى -، وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)).
وقوله - سبحانه -: ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا)).
ثم وصف - سبحانه - ذاته بجملة من الصفات التى توجب له العبادة والطاعة
فقال: «الذى له ملك السموات والأرض، فهو الخالق لهما. وهو المالك
لأمرهما ، لا يشاركه فى ذلك مشارك .
والجملة الكريمة خبر لمبتدأ محذوف. أو بدل من قوله: ( والذى نزل