Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
الجزء السابع عشر
أى: إن القه - تعالى - بفضله وإحسانه يدخل عباده الذين آمنوا وعملوا
فى دنياهم الأعمال الصالحات، جنات عاليات تجرى من تحت أشجارها
وثمارها الأنهار .
وقوله ((يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير))
بيان لما ينالون فى تلك الجنات من خير وفير ، وعطاء جزيل .
أى : يتزينون فى تلك الجنات بأساور كائنة من الذهب الخالص ، ومن
اللؤلؤ الثمين ، أما لباسهم الدائم فيها فهو من الحرير الرقيق الناعم الفاخر.
قال الآلوسي: ((وقوله: ((ولباسهم فيها حرير، غير الأسلوب حيث لم يقل]
ويلبسون فيها حريرا، الإبذان بأن ثبوت اللباس لهم أمر محقق غنى عن
البيان ... ثم إن الظاهر أن هذا الحكم عام فى كل أهل الجنة ، وقيل هو
باعتبار الأغلب ، لما أخرجه النسائي وابن حيان وغيرهما عن أبى سعيد
الخدرى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من لبس الحرير فى
الدنيا لم يلبسه فى الآخرة. وإن دخل الجنة ليسه أهل الجنة ولم يلبسه»(١).
قالوا : ومحله فيمن مات مصرا على ذلك.
وقوله - تعالى -: ((وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد،
بيان لحسن غائمتهم ، ولعظم النعم التى أنعم الله بها عليهم.
أى: وهدى الله - تعالى - هؤلاء المؤمنين إلى القول الطيب الذى يرضى
الله - تعالى - عنهم، كان يقولوا عند دخولهم الجنة: (الحمد لله الذى أُذهب
عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور ، الذى أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا
فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب))(٢).
(١) تفسير الآلوسي : ١٧ ص ٠١٣٦
(٢) سورة فاطر الآيتان ٣٤، ٠٣٥

٣٨٢
سورة الحج
وهدام - أيضاً - خالقهم إلى الصراط المحمود، وهو صراط الذين أنعم
الله عليهم بنعمة الإيمان والإسلام، فصاروا بسبب هذه النعمة يقولون
الأقوال الطيبة، ويفعلون الأفعال الحميدة.
قال الشو كافى: «قوله: وهدوا إلى الطيب من الفول ... أى: أرشدوا
إليه. قيل: هو لا إله إلا الله. وقيل: القرآن. وقيل: هو ما يأتيهم من اته
من بشارات. وقد ورد فى القرآن ما يدل على هذا القول المجمل منا، وهو قوله
- سبحانه -: «الحمد لله الذى صدقنا وعده ... الحمد لله الذي هدانا لهذا ...
الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن .. ».
ومعنى: (( وهدوا إلى صراط الحميد، أنهم أرشدوا إلى الصراط المحمود
وهو طريق الجنة، أو صراط الله الذى هو دينه القويم وهو الإسلام)) (١).
وبعد هذا الحديث المؤثر عن الخصمين وعن عاقبة كل منهما .. جاء
الحديث عن المسجد الحرام، وعن مكانته، وعن الأمر ببنائه وعن وجوب
الحج إليه، وعن المنافع التى تعود على الحجاج، وعن سوء مصير من يصد
الناس عن هذا المسجد ، جاء قوله - تعالى -:
(إِنَ الذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّون عن سبيلِ اللهِ والمسجد الحرام.
الذى جعلْنَاءُ الناسِ سواء العاكف فيه والبادٍ، ومَنْ يرِدْ فيه بالخادِ
◌ُلِْ نذِئُهُ من عذَابٍ أَلسيمِ (٢٥) وإذ بَوْأَنَ لإِبرَاهِيمَ مكانَ البيتِ
أنْ لا نشرِكْ بي شيئاً، وطهْر بيتِىَ للَّطَّائِفِينَ والقائمينَ والركْع.
السُّجودِ (٢٦) وأُذِّن فى النَّاسِ بالحجِّ يأْتُوكَ رجالاً وعلى كلِّ ضَمر
يأتينَ من كلِّ فج عميقٍ (٢٧) لِيَشْهَدوا منافِعَ لَهُمْ ويذُ كَرُوااسمَ
(١) تأخير فتح القدير ج ٢ ص ٠٤٤٥

٢٨٣
الجزء السابع عشر
الله فى أيام معلوماتٍ على ما رزَفَهم مِنْ تَهِيمةِ الأنعامِ فِكَلُوا مِنْها
وأَطْعِوا البائِسَ الفقيرَ (٢٨) ثمَّ ليقْضَوا تفتَهم ولْيُوفُوا نذورَم،
وليَطَّوفوا بالبيتِ العتيقِ (٢٩))).
قال الإمام الرازى: «أعلم أنه - تعالى - بعد أن فصل بين الكفار والمؤمنين
ذكر عظم حرمة البيت، وعظم كفر هؤلاء المكافرير فقال: ((إن الذين
كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام .
قال ابن عباس : الآية نزلت فى أبى سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية عن المسجد الحرام، عن
أن يحجوا، أو يعتمروا، وينحروا الهدى فكره رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - قتالهم، وكان محرما بعمرة، ثم صالحوه على أن يعود فى العام
القادم .. ،(١)
وصح عطف المضارع وهو ((يصدون، على الماضى وهو (( كفروا، لأن
المضارع هنا لم يقصد به زمن معين من حال أو إستقبال، وإنما المراد به
تجرد الاستمرار ، كمافى قولهم : فلان يحن إلى الفقراء ، (بإن المراد به
استمرار وجود إحسانه .
ويجوز أن يكون قوله «ويصدوز ٠٠، خبر المبتدأ عذوف أى: وم
يصدون عن المسجد الحرام. وخبر إن فى قوله - سبحانه - ((إن الذين
كفروا .. ، محذوف لدلاله آخر الآية عليه .
والمعنى: إن الدين أصروا على كفرهم بما أنزله الله - تعالى - على نيه
محمد - صلى الله عليه وسلم -، واستمروا على منع أهل الحق من أداء شعائر
(١) تفسير الدخر الرازى ج ٦ ص ١٥٤.

٣٨٤
سورة الحج
دين الله - تعالى -، ومن زيارة المسجد الحرام .. هؤلاء الكافرون سوف
نذيقهم عذابا أليما.
ويصح أن يكون الخبر محذوفا للتهويل والإرهاب. وكأن وصفهم
بالكفر والصدكاف فى معرفة مصيرهم المهين .
قال الفرطى: ((وقوله - تعالى -: ((والمسجد الحرام، قيل إنه المسجد
نفسه وهو ظاهر القرآن، لأنه لم يذكر غيره، وقيل الحرم كله ، لأن
المشركين صدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عنه عام
الحديبية ، فنزل خارجا عنه ... وهذا صحيح لكنه قصد منا بالذكر المهم
المقصود من ذلك ،(١) .
وقوله - سبحانه -: «الذى جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ٢٠٠
تشريف لهذا المكان حيث جعل الله - تعالى - الناس تحت سقفه سواء،
وتشنيع على الكافرين الذين صدوا المؤمنين عنه .
ولفظ سواء، قرأه جمهور القراء بالرفع على أنه خبر يقدم، والماكف
مبتدأ والباء معطوفة عليه أى: العاكف والباد سواء فيه. أى مستويان فيه.
وقرأه حفص عن عاصم بالنصب على أنه المفعول الثانى لقوله «جعلناه)
بمعنى صير ناه . أى: جعلناه مستويا فيه العاكف والباد. ويصح أن يكون
حالا من الهاء فى ((جعلناء)). أى: وضعناه للناس حال كونه سواء العاكف
فيه والباد .
والمراد: بالعاكف فيه: المقيم فيه . يقال: عكف فلان على الدى٠، إذ
لازمه ولم يفارقه. والباد: الطارىء عليه من مكان آخر. وأصله من يكون
من أهل البواد الذين يسكنون المضارب والخيام ، ويتنقلون من مكان
إلى آخر .
(١) تفسير القرطبي = ١١ من ١٣

٣٨٥
الجزء السابع عشر
أى: جعلناه للناس على العموم، يصلون فيه، ويطوفون به، ويحترمونه
ويستوى تحت سقفه من كان مقيما فى جواره ، وملازما للتردد عليه، ومن
كان زائرا له وطارئا عليه من أهل البوادى أو من أهل البلاد الأخرى
سوى مكة .
فهذا المسجد الحرام يقساوى فيه عباد الله ، فلا يملكه أحد منهم، ولايمت ز
فيه أحد منهم ، بل الكل فوق أرضه وتحت سقفه سواء.
وقوله - تعالى -: ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم تمد ه
لكل من يحاول ارتكاب شىء نهى الله عنه فى هذا المسجد الحرام .
والإلحاد : الميل ، يقال . الحد فلان فى دين أنه، أى: مال وحاد عنه
و ((من)، شرطية وجوابها منذفه)، ومفعول (يرد، محذوف لقصد
التعميم . أى: ومن يرد فيه مرادا بإلحاد ويصح أن يكون المفعول قوله
((بإلحاد، على أن الباء زائدة.
أى: ومن يرد فى هذا المسجد الحرام إلحادا أى: ميلا وحيدة عن أحكام
الشريعة وآدابها بسبب ظلمه وخروجه عن طاعتنا، نذقه من عذاب أليم
لا یقادر قدره، ولا یکنه كنهه .
وقد جاء هذا التهديد فى أقصى درجاته لأن القرآن توعد بالعذاب الأليم
كل من ينوى ويريد الميل فيه عن دين الله، وإذا كان الأمر كذلك، فمن ينوى
ويفعل يكون عقابه أشد ، ومصيره أقبح .
ويدخل تحت هذا التهديد كل ميل عن الحق إلى الباطل ، أو عن الخير إلى
أشر كالاحتكار ، والغش .
ولذا قال ابن جرير بعد أن ساق الأقوال فى ذلك: «وأولى الأقوال التى
ذكر ناها فى تأويل ذلك بالصواب: القول الذى ذكر ناه من أن المراد بالظلم
(٢٥ - سورة الحج)

٣٨٦
سورة الحج
فى هذا الموضع ، كل معصية لله ، وذلك لأن الله عم بقوله: ((من يرد فيه بإلحاد
بظلم ، ولم يخصصَ ه ظلما دون ظلم فى خبر ولاعقل، فهو على عمومه فإذا كان
ذلك كذلك فتأويل الكلام: ومن يرد فى المسجد الحرام بأن يميل بظلم فيمضى
الله فيه، نذقه يوم القيامة من عذاب موجع له، (١).
ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن بناء البيت وتطهيره فقال - تعالى -: «وإذ
بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا يشرك بى شيئا .)).
وبوأنا من التبوه بمعنى النزول فى المكان. يقال بوأنه منزلا، أى: أنزلته
فيه، وهيأنه له، ومكنته منه .
والمعنى: وأذكر أيها العاقل لتعتبر وتتفظ وقت أن هيأنا لنبينا إبراهيم
مكان بيقنا الحرام ، وأرشدناه إليه . لكى يبنيه بأمرنا، ليكون مثابة
للناس وأمنا .
قال بعض العلماء: «والمفسرون يقولون بوأه له، وأراء إياه، بسبب ربع
تسمى الخجوج، كمفست مافوق الأساس ، حتى ظهر الأساس الأول الذى
كان مندرسا، فبناه إبراهيم وإسماعيل عليه ... وأن محل البيت كان مريض
غنم لرجل من جرم .
وغاية مادل عليه القرآن : أن الله بوأ مكانه لإبراهيم، فهياء له، وعرفه
إباه ليبنيه فى محله، وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن أول من بناه إبراهيم
ولم يين قبله .
وظاهر قوله - تعالى - على لسان إبراهيم: «ربنا إنى أسكنت من ذر بقى
بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم ... » يدل على أنه كان مبنيا واندرس
كما يدل عليه - أيضا - قوله هنا, مكان البيت، لأنه يدل على أن له مكانا سابقا
كان معروفاً ،(٢).
(١) تفسير ابن جرير ج ١٧ ص ٠١٠٥
(٢) تفسير أضواء البيان = ٥ ص ٦٢.

٣٨٧
الجزء السابع عشر
و((أن)) فى قوله - تعالى - ,أن لا تشرك بي شيئا، مفسرة، والتفسير
- كما يقول الآلوسى - باعتبار أن التبوثة من أجل العبادة، فكأنه قيل: أمرنا
إبراهيم بالعبادة، وذلك فيه معنى القول دون حروفه. أو لأن بو أناه بمعنى
قلنا له تبوأ.
والمعنى: وأذكر - أيها المخاطب - وقت أن هيأنا لإبراهيم - عليه السلام -
مكان بيتنا الحرام، وأوصيناه بعدم الإشراك بنا، وبإخلاص العبادة لنا، كما.
أو صيناه - أيضا - بأن يطهر هذا البيت من الأرجاس الحسية والمعنوية الشاملة
الكفروالبدع والضلالات والنجاسات، وأن يجعلهمباللطائفين »، وللقائمين
فيه لأداء فريضة الصلاة .
قال الشوكانى: «والمراد بالقائمين فى قوله: ((وطهر بيتى للطائفين
والقائمين » المصلون .
وذكر« الركع السجود، بعده، لبيان أركان الصلاة دلالة على عظم شأن
هذه العبادة، وقرن الطواف بالصلاة، لأنهما لا يشرعان إلا فى البيت، فالطواف
عنده والصلاة إليه ، (١) .
وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، أنه لا يجوز أن يترك عند بيت
ألقه الحرام، قذر من الأقذار ولا نجس من الأنجاس المعنوية ولا الحسية ،
فلا يترك فيه أحد يرتكب ما لا يرضى الله، ولا أحد يلوثه بقذر من
النجاسات .
ثم ذكر - سبحانه - ما أمر به نبيه إبراهيم بعد أن بوأه مكان البيت فقال:
((وأذن فى الناس بالحج. يأتوك رجالا، وعلى كل ضامر يأتين من كل
فج عميق .....
والآذان: الإعلام. و((رجالا، أى: مشاة على أرجلهم، جمع راجل.
يقال: رجل فلان برجل - كيفرح - فهو راجل، إذا لم يكن معه ما يركبه،
(١) تفسير فتح القدير للشوكانى ج ٣ ص ٤٤٨.

٣٨٨
سورة الحج
والضامر : البعير المهزول من طول السفر. وهو اسم فاعل من ضمر.
- بزقة قعد - يضمر ضمورا فهو ضامر، إذا أصابه الهزال والتعب .
وجملة (( يأتين من كل فج عميق، صفة لقوله ((كل،، والجمع باعتبار
المعنى. كأنه قيل: وركبانا على ضوامر من كل طريق بعيد .
والفج فى الأصل: الفجوة بين جبلين ، ويستعمل فى الطريق المتسع، والمراد
به هنا: مطلق الطريق وجمعه لجاج .
والعميق البعيد ، مأخوذ من العمق بمعنى البعد ، ومنه قولهم : بثر عميقة،
أى بعيدة الغور .
والمعنى: واعلم يا إبراهيم الناس بفريضة الحج ، يأتوك مسرعين مشاة على
أقدامهم ، ويأتوك راكبين على دوابهم المهزولة ، من كل مكان بعيد.
قال ابن كثير: أى: ناد - يا إبراهيم - فى الناس داعيا إياهم إلى الحج إلى
هذا البيت الذى أمرناك ببنائه، فذكر أنه قال: يارب، وكيف أبلغ الناس
وصوفى لا يصل إليهم؟ فقيل: ناد وعلينا البلاغ . فقام على مقامه ، وقيل:
على الحجر، وقيل على الصفا، وقيل: على أبي قبيس، وقال: يأيها الناس؛
إن ربكم قد اتخذ بيتا خجوه فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت
أرجاء الأرض .. وأجابه كل شىء سمعه من حجر ومدر وشجر ، ومن كتب
اته أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك،(١).
وقيل: إن الخطاب فى قوله - تعالى -: ((وأذن ٠٠٠، للرسول - صلى اله
عليه وسلم - وأن الكلام عن إبراهيم - عليه السلام - قد انتهى عند قوله
- تعالى -: ((والركع السجود)».
وجمهور المفسرين على أن الخطاب لإبراهيم - عليه السلام - لأن سياق
الآيات يدل عليه، ولأن التوافد على هذا البيت موجود منذ عهد إبراهيم ،
(١) تفسير ابن كثير جـ ٥ س ٤١٠

٣٨٩
الجزء السابع عشر
وما يزال وعد الله يتحقق منذ هذا العهد إلى اليوم وإلى الغد، وما تزال أفئدة
ملايين الناس تهوى إليه ، وقلوبهم تشرح لرؤيته، وتسعد بالطواف من
جوله .
وقوله - سبحانه -: ((ليشهدوا منافع هم)) متعاق بقوله،اوشهدوا)).
أى: بانوك الناس راجلين وراكبين من كل مكان بعيد، ليشهدوا
وايحصلوا منافع عظيمة لهم فى دينهم وفى دنياهم .
ومن مظاهر منافعهم الدينية : غفر ان ذنوبهم ، وإجابة دعاتهم ، ورضا
الله - تعالى - عنهم .
ومن مظاهر منافعهم الدنيوية: اجتماعهم فى هذا المكان الطاهر، وتعاونهم
وتعاونهم على البر والتقوى، وتبادلهم المنافع فيما بينهم عن طريق البيع والشراء
وغير ذلك من أنواع المعاملات التى أحلها الله - تعالى ..
وجاء لفظ« منافع، بصيغة التفكير، للتعميم والتعظيم والمكثير. أى:
منافع عظيمة وشاملة لأمور الدين والدنيا، وليس فى الإمكان تحديدهالآثرتها
وقوله , ويذكروا اسم الله فى أيام معلومات على مارزقهم من بهيمة الأنعام)»
معطوف على قوله (( ليشهدوا)).
والمراد بالأيام المعلومات: الأيام العشر الأولى من شهر ذى الحجة، أو
هى أيام النحر ، أو يوم العيد وأيام التشريق.
والمراد بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم .
أى: ليشهدوا منافع لهم «وليكثروا من ذكر الله ومن طاعته فى: لك
الأيام المباركة . وليشكروه على مارزقهم من بهيمة الأنعام التى يتقربون إليه
- سبحانه - عن طريق ذبحها وإراقة دمائها، واستجابة لأمره - عز وجل -.
وقوله - سبحانه - «فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير)): إرشاد منه
- تعالى - إلى كيفية التصرف فيها بعد ذبحها.

٣٩٠٠
سورة الحج
أى : فكلوا من هذه البهيمة بعد ذبحها، وأطعموا منها الإنسان البائر»،
أى : الذى أصابه بؤس ومكروه بجانب فقره واحتياجه.
قال الآلوسي: ((والأمر فى قوله (( فكلوا منها .. )) للإباحة بناء على أن
الأكل كان منهيا عنه شرعا، وقد قالوا: إن الأمر بعد المنع يقتضى الإباحة
ويدل على سبق النهى قوله - صلى الله عليه وسلم -: « كنت نهيتكم من
أكل لحوم الأضاحى فكلوا منها وادخروا،.
وقيل : لأن أهل الجاهلية كانوا يتحرجون فيه، أو للندب على مواساة
الفقراء ومساواتهم فى الأكل منها .. .. (١)
ثم بين - سبحانه - ما يفعلونه بعد حلهم وخروجهم من الإحرام فقال :
« ثم ليقضوا تفتهم، وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق)).
والمراد بالقضاء هنا: الإزالة، وأصله القطع والفصل فأريد به الإزالة
على سبيل الجاز .
والتفث: الوسخ والقذر، كطول الشعر والأظفار يقال: تفك فلان
- كفرح ـ يتفث تفثا فهو تفك، إذا ترك الاغتسال والتطيب والتنظيف
فأصابته الأوساخ .
والمراد بالطواف هنا: طواف الإفاضة، الذى هو أحد أركان الحج ،
وبه يتم التحلل .
والعقيق: القديم حيث إنه أول بيت وضع لعبادة الله فى الأرض، وقيل
سمى بالعتيق لأن الله - تعالى - أعتقه من أن يتسلط عليه جبار فيهدمه أو
خر به .
والمعنى: ثم بعد حلهم وبعد الإتيان بما عليهم من مناسك . فابريلوا عنهم
(١) تفسير الآلوسى ج ١٧ ص ٠١٤٦

٢٩١
الجزء السابع عشر
أدرافهم وأوساخهم، وليوفوا نذورهم التى نذروها قه - تعالى - فى حجهم،
وليطوفوا طواف الإفاضة، بهذا البيت القديم الذى جعله الله - تعالى - أول
بيات لعبادته، وصانه من إعتداء كل جبار أثيم .
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد وعدت كل من يصد الناس عن هذا
البيت بأشد ألوان الوعيد، وبينت أن الناس فيه سواء، وتحدثت عن جانب من
فضله - سبحانه - على نبيه إبراهيم - عليه السلام - حيث أرشده إلى مكان هذا
البناء، وشرفه بتهيئته ليكون أول مكان لعبادته - تعالى -، وأمره بأن ينادى
فى الناس بالحج إليه ، ليشهدوا منافع عظيمة لهم .
ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن الذين يعظمون
حرمات الله، وعما أحله الله لعباده من الأنعام، وعن سوء عاقبة من يشرك
بالله، فقال - تعالى -:
((ذلكَ ومَنْ يعظِّمْ حرُمَتِ الّهِ فَهُوَ خيرٌ لهُ عند ربُّهٍ، وأُحِلَّتْ
لكُم الأنعامُ إلاَّ ما يَتَى عليكُم فاجتنِبُوا الرَّجْسَ مِنَ الأوثانِ واجتَفِبُوا
قولَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاء لُه غيرَ مُشْرِكِينَ بهِ ، ومَنْ يشرِكْ باللهِ
فكأنّاخرَّمن السّماءِ فَتَخْطَقُه الطيرَ أَوْ تَهْوِى بِه الريحُ فى مكانٍ
سَحيق (٣١) ذلكَ ومَنْ يعظِّمْ شاْرَ اللهِ فإنّها من تقوى القُلوبِ }(٣٢)
لكم فيها منافِعُ إلى أَجَلٍ مسمّى ثم حِلُّها إلى البيتِ العتيقِ (٣٣)).
واسم الإشارة ((ذلك، فى قوله: ( ذلك ومن يعظم حرمات الله ... »

٣٩٢
سورة الحج
يؤتى به مثل هذا التركيب للفصل بين كلامين والمشهور فى مثل هذا التركيب
الإتيان بلفظ ((هذا)). كما فى قوله - تعالى -: «هذا وإن للمتقين لحسن مآب،.
وجىء هنا بلفظ ذلك الإشعار بتعظيم شأن المتحدث عنه، وعلى منزلته
وهو يعود إلى المذكور من تهيئة مكان البيت لإبراهيم، وأمره
بتطهيره ... أالخ.
قال صاحب الكشاف: ((قوله ،ذلك) خبر مبتدأ محذوف. أى: الأمر
والشأن ذلك . كما يقدم الكاتب جملة من كتابه فى بعض المعانى، ثم إذا أراد
الخوض فى معنى آخر قال : هذا ، وقد كان کدا »(١).
والحرمات: جمع حرمة. والحرمة كل ما أمر أقه - تعالى - باحترامه،
ونهى عن قوله أو فعله، وبدخل فى ذلك دخولا أوليا ما يتعلق بمناسك الحج
كتحريم الرفث والفسوق والجدال والصيد، وتعظيم الحرمات يكون بالعلم
بوجوب مراعاتها ، وبالعمل بمقتضى هذا العلم.
والمعنى: ذلك الذى ذكرناه لكم عن البيت الحرام، وعن مناسك الحج،
هو جانب من أحكام الله - تعالى - فى هذا الشأن فاتبعوها، والحال أن يعظم
حرمات الله - تعالى - بأن يترك ملابستها وإقترافها، فهو أى: هذا التعظيم،
خير له عند ربه ، إذ بسبب هذا التعظيم لتلك الحرمات ينال رضا ربه
وثوابه.
وقد جاء النهى فى هذه الجملة عن فعل هذه الحرمات أبلغ أسلوب . حيث
عبر عن إجتنابها بالتعظيم وبأفعل التفضيل وهو لفظ (( خير، وبإضافتها
إلی ذاته.
فكانه - سبحانه يقول: إذا كان ترك هذا التعظيم لحرمات الله. يؤدى
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٠١٥٤

٣٩٣
الجزء السابع عشر
إلى حصولكم على شىء من المتاع الدنيوى الزائل، فإن الاستمساك هذا
التعظيم أفضلمن ذلك بكثير عندربكم وخالقكم، فكونوا عقلاء ولا تستب لوا
الذى هو أدنى بالذي هو خير.
ثم بين - سبحانه بعض الأحكام التى تتعلق بالأنعام وهى الإبل والبقر
والغنم فقال: « وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم ....
أى: وأحل الله - تعالى - لكم - فضلا منه ورحمة - ذبح الأنعام وأكملها
إلا ما يتلى عليكم تحريم ذبحه وأكله فاجتنبوه .
وهذا الإجمال هنا ، قد جاء ما فصله قبل ذلك فى سورة الأنعام فى قوله :
- تعالى -: «قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن بدون
ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير إنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به ....
قال بعض العلماء : . ثم إنه ليس المقصود بما يتلى، ما ينزل فى المستقبل،
كما يعطيه ظاهر الفعل المضارع. بل المراد ما سبق نزوله ما يدل على حرمة
الميتة وما أهل لغير الله به. أو ما يدل على حرمة الصيد فى الحرم أو حالة
الإحرام .
وعلى هذا يكون السرفى التعبير المضارع. التنبيه إلى أن ذلك المتلوينغى
إستحضاره والالتفات إليه ... والجملة معترضة لدفع ما عساه يقع فى الوم
من أنت تعظيم حرمات الله فى الحج قد يقضى باجتناب الأنعام ، كما نهى
باجتناب الصید ،(١) .
ثم أمرم - سبحانه - باجتناب ما يغضبه، وحضهم على الثبات على
الدين الحق فقال - تعالى - : ((فاجتفبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا
قول الزور . حنفاء الله غير مشر كين به، والفاء فى قوله: «فاجتنبوا» هى
الفصيحة . والرجس: لشىء المستقذر الذى تعافه النفوس. و، من)، فى أوله
(١) تفسير آيات الأحكام ج ٢ ص٧٣ لفضيلة المرحوم الشيخ محمد على السايس،

٣٩٤
سورة الحج
« من الأوثان)) بيانية والأوثان: الأصنام، يدخل فى حكمها ومعناها عبادة
كل معبود من دون الله - تعالى - كائناً من كان .
وسماها - سبحانه - رجسا، زيادة تقبيحها وفى التنفير منها.
والزور : الكذب والباطل. وكل قول مائل عن الحق فهو زور، لأن أصل
المادة التى هى الزور من الأزرار بمعنى الميل والاعوجاج، ومنه قوله - تعالى -:
، وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين.)) أى : تميل .
وقوله ((حنفاء، جمع حنيف وهو المائل عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق.
: المعنى: مادام الأمر كما ذكرت لكم، فاجتنبوا - أيها الناس عبادة
الاونان أو تعظيمها، واجتنبوا أيضاً - القول المائل عن الحق، وليكن شأنكم
وحذكم الثبات على الدين الحق، وعلى إخلاص العبادة لله - تعالى - الذى
خلفكم، وخلف كل شىء .
وهذه الجملة الكريمة مؤكدة لما سبق وجوب تعظيم حرمات الله، ومن
وجوب التمسك بما أحله الله والبعد عما حرهه .
قال الألوسى: ((وقوله - تعالى -: ((واجتنبوا قول الزور، تعميم بعد
خيص، فإن عبادة الأوثان رأس الزور، لما فيها من إدعاء الاستحقاق،
15 4- تعالى - لما حث على تعظيم الحرمات، أقبع ذلك بما فيه رد لما كانت
الكفرة عليه من تحريم البحائر والموائب وعوهما، والافتراء على الله - تعالى-
بأنه حكم بدلك. ولم يعطف قول الزور على الرجس ؛ با أعاد العامل لمزيد
الاعتناء. والإضافية بيانية ... )) (١).
وجملة، حنفاء له، وجملة , غير مشركين به)) حالان مؤكدان لما قبلهما من
وجوب اجتناب عبادة الأونان ، واجتناب قول الزور .
أى: اجتنبوا ما أمرناكم باجتنابه حال كونكم ثابتين على لد ن الحق،
مخلصين له العبادة .
(١) تفسير الآلومى = ١٧ ص ١٥٥

٣١٥
الجزء السابع عشر
ثم صور - سبحانه - حال من يشرك باقه تصويراً تنخلع له القلوب،
ويحمل كل عاقل على إجتناب هذا الرجس فقال: (ومن يشرك باقه فكانما
خـ. من السماء فتخطفه الطير، أو تهوى به الربح فى مكان سحيق).
أى: ومن يشرك بالله - تعالى - فى عبادته، ومات على ذلك ، فكانما
سقط من السماء إلى الأرض، فاختطفته جوارح العاير بسرعة فزقت
أوصاله، أو تسقطه الريح فى مكان بعيد أشد البعد بحيث لا يمث له على أثر .
والمقصود من هذه الجملة تقبيح حال الشرك والمشركين، وبيان أن
الوقوع فى الشرك يؤدى إلى الهلاك الذى لا نجاة معه بحال ، لأن من إسقط
من السماء فتمزق أوصاله، وتتخطفه الطير أو تلقي به الريح فى مكان بعيد
لا يطمع له فى تجاة، بل هو مالك لا محالة .
قال صاحب الكشاف: « يجوز فى هذا القدبه أن يكون من المركب
والمفرق ، فإن كان تشبيهاً من كباً فكأنه قال: من أشرك بالله قد أملك نفسه
إهلاكا ليس بعده نهاية، بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء
فاختطفته الطير فتفرق مزعا - أى قطعاً - فى حواصلها، أو عصفت به الريح
حتى هوت به فى بعض المطاوح - أى المقاذف - البعيدة.
وإن كان مفرقا فقد شبه الإيمان فى علوه بالسماء، والذى ترك الإيمان
وشرك بالله بالساقط من السماء والأهواء التى تتوزع أفكاره بالطير المختطفة،
والشيطان الذى يطوح به فى وادى الضلالة، بالريح التى تهوى بما عصفت به
فى بعض المهادى المتلفة ،(١).
ثم أمر - سبحانه - بتعظيم شعاره بعد أن أمر بتعظيم حرماته فقال:
((ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)).
قال القرطبي: ((و"شعائر: جمع شعيرة. وهى كل=٠ ٤٤ - تعالى - فيه أمر
(١) تفسير الكشاف =٢ ص٠١٥٥

٣٩٦
سورة الحج
أشعر به وأعلم . ومنه شعار القوم فى الحرب، أى: علامتهم التى يتعارفونبها.
ومنه إشعار البدنة وهو الطعن فى جانبها الأيمن حتى يسيل الدم فيكون علامة
لها .. فشعائر الله: إعلام دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك وقال قوم: المراد
هذا تسمين البدن. والاهتمام أمرها ٠٠٠، (!).
والمعنى : ذلك الذى أمرناكم به أو نهيفاكم عنه عليكم امتثاله وطاعته،
والحال أن من يعظم شعائر الله، التى من بينها الذبائح التى يتقرب بها إليه
- تعالى - يكون تعظيمه إياها عن طريق تسمينها وحسن اختيارها دليلا
على تقوى القلوب، وحسن صلتها بالله - سبحانه - وخديتها منه : وحرمها
علی رضاء - عز وجل -.
قال الآلوسي: ((وتعظيمها أن تختار حسانا سمانا غالية الأثمان روى أنه
- صلى الله عليه وسلم - أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبى جهل فى أنفه برة - أى.
حلقة - من ذهب . وعن عمر أنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار، فسأل
النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يبيعها ويشترى بثمنها بدنافتهاه عن ذلك،
وقال له : بل أهدها ... .(٢).
وفى إضافة هذه الاشعائر إلى الله - تعالى -: حض على الاهتمام بها، وفـ ل
ما يرضى الله - تعالى - بالنسبة لها .
والضمير المؤنث فى قوله «فإنها من تقوى القلوب، بعود على الفعلة التى
يتضمنها الكلام، أو إلى الشعائر بحذف المضاف، أى: فإن تعظيمها أى
الشعائر من تقوى القلوب، لحذف المضاف لدلالة الكلام عليه.
(١) تفسير القرطبى : ١٢ ص ٠٥٦
(٢) تفسير الآلوسى ج ١٧ ص٠١١٠

٣٩٧
الجزء السابع عشر
وقوله - سبحانه -: ((فلكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت
العتيق، بيان لبعض مظاهر نعم الله - تعالى - عليهم فى هذه الأنعام.
أى: لكم - أيها المؤمنون - فى تلك الأنعام التى تقدمونها قربة لله - تعالى-
(( منافع، تصل إليكم عن طريق ركوبها وابنها وفسلها .... وهذه المنافع
موقوتة إلى وقت معين، هو وقت ذبحها أو وقت تعيينها وتسمينها هديا،
أما بعد ذلك فاتر كوا الانتفاع بها للفقراء والمحتاجين، فهذا أكثر ثوابالكم
عند الله - تعالى -.
وقوله - سبحانه - « ثم محلها إلى البيت العتيق، بيان لمكان ذبحها.
والمحل مأخوذ من حل الشىء يحل - بالكسر - حلولا إذا وجب أوانتهى
أجله . والمراد به فى الآية مكان الحلول ، أى : المكان الذى ينتهى فيه أجل
تلك الأنعام، أو المكان الذى يجب ذبحها فيه .
والمعنى : لكم فى تلك الأنعام منافع إلى أجل مسمى ثم المكان الذى تذبح
فيه منته إلى البيت العتيق . ومتصل به .
والمقصود بهذا المحل الحرم كله، لأن البيت ليس مكانا للذبح .
وبعضهم يرى أن المراد بالمحل فى قوله: « ثم محلها إلى البيت العتيق):
تحلل الحجاج من إحرامهم بعد أداء شعائر الحج المعبر عنها بقوله - تعالى -:
(( ذلك ومن يعظم شعائر الله .....
قال القرطبى: ((قوله - تعالى -((ثم محلها إلى البيت العتيق)) يريد أنها
تنتهى إلى البيت، وهو الطواف. فقوله: « محلها، مأخوذ من إحلال المحرم
والمعنى: أن شعائر الحج كلها من الوقوف بعرفة ورمي الجمار والسعى ينتهى
إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق. فالبيت على هذا التأويل مراد
بنفسه ... ،(١) .
(١) تفسير القرطبى : ١٢ ص ٠٥٦

٢٩٨
سورة الحج
ثم بين - سبحانه - أنه قد شرع لكل أمة الذبائح التى ينتفعون بها، لكى
يذكروه - سبحانه - ويشكروه ويخلصوا له العبادة، ولكى يطعموا منها
السائل والمحتاج، فقال - تعالى - :
(( ولِكُلِّ أمةٍ جَعَلْناَ مَنْسكَا لِذِ كُرُوا اسمَ الهِ على ما رزَفَهم مِنْ
يَهيةِ الأنمامِ. فإلهُكُم إلهٌ واحدٌ، فلهُ أسْلِموا وبشر المخبِتِينَ (٣٤)
الذينَ إذا ذَكِرِ اللّهُ وجِلَت قلوبَهم ، والصابرِينَ على ما أصابهم،
والمقيمِى الصَّلاةِ ومما رزَفْنام ◌ِنْفِقُونَ (٣٥) والبُدْنِ جعلناهاَ لكُم مِنْ
شعائر اللهِ لكُم فيها خيرٌ ، فاذكُرُوا اسم اللهِ عَلَيْها صوافَّ، فإذَا
وجبتْ جُنوبها فَكَلُوا منها وأَطِمُوا القائِعَ والمعترَ، كذلكَ
سخّر ناهاَ لَكُمْ لَمَلِكُمْ تَشْكُرونَ (٣٦) لن ينالَ اللّهَ لحومُها ولادِمَاؤُ ها
ولكن ينالهُ التَّقْوى منكُم، كذلكَ سَخَّرما لكُمْ لِتُكِرُوا الْ عَلَى
ما هَداكُ وبشّر المحسنِينَ (٣٧))).
والمنسك - بفتح السين وكسرها - مأخوذ من النسك بمعنى العبادة،
فيحوز أن يراد به الفسك نفسه ، ويجوز أن يراد به مكانه أو زمانه .
ويبدو أن المراد به هنا عبادة خاصة وهى الذبح تقربا إلى الله - تعالى -،
قال الألوسى: ((والمنسك موضع الفسك إذا كان اسم مكان، أو النسك إذا
كان مصدرا. وفسره مجاهد هنا بالذبح وإراقة الدماء على وجه التقرب إليه
- تعالى - جعله مصدرا، وحمل النسك على عبادة خاصة، وهو أحد استعمالاته
وإن كان فى الأصل بمعنى العبادة مطلقا، وشاع فى أعمال الحج .. ،١١).
(١) تفسير الآلوسي = ١٧ ص ١٥٣

٣٩٩
الجزء السابع عشر
وجملة (( ولكل أمة ... )) معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك: ١-كم
فيها منافع إلى أجل المسمى .....
وروح والمعنى: جعلنا لكم أيها المؤمنون - منافع كثيرة فى هذه الأنعام إلى وقت
معين، ثم تكون نهايتها وذبحها عند البيت الحرام ، كما جعلنا وشرعنا لمن
قبإ كم من الأمم شعيرة الذبح ليتقربوا بها إلينا، وأرشدناهم إلى المكار الذى
يذبحون فيه، وإلى أفضل الطرق التى تجعل، ذبائحهم مقبولة عندنا.
وفى هذه الجملة الكريمة (( ولكل أمة جعلنا منسكا، تحريك لنفوسهم نحو
الإقدام على إراقة الدم تقربا إلى الله ، لأن هذه الذبائح ليست من شعائر هذه
الأمة وحدها، وإنما هى من شعائرها ومن شعائر الأمم التى سبقتها .
وقوله - تعالى -: ((ليذكروا اسم الله على مارزقهم من بهيمة الأنعام.))
بيان للعلة التى من أجلها شرعت تلك الذبائح .
أى: شرعناها لكم وللأمم السابقة عليكم الإكثار من ذكر الله عند ذبحها
فهو - سبحانه - الذفى رزقكم إياها بفضله وإحسانه، فعليكم أن تكثروا من
ذكره وشكره ، ليزيدكم من خيره ورزقه.
وفى هذه الجملة الكريمة تفريع وتوبيخ لمن يذكرون غير اسم الله - تعالى-
عند الذبح، وتأكيد لوجوب ذكر اسمه - تعالى -، حتى لكأن المقصود
الأعظم من وراء ذبح هذه الأنعام، هو المداومة على ذكر اسم الله-عزوجل-
وعلى شكره - سبحانه - على نعمه، أما ماسوى ذلك كالأكل منها ، والانتفاع
بها ... فهى مقاصد فرعية .
ثم عقب - سبحانه - على ذلك بتقرير وحدانيته، وبوجوب إسلام الوجه
إليه، فقال: (( فإلهكم إله واحد فله أسلموا)).
أى : شرعنا لكم ذلك لأن إلهكم إله واحد لاشريك له لا فى ذاته ولا
فى صفاته ، فله وحده أسلموا وجوهكم، وأخلصوها لعبادته وطاعته.

٤٠٠
سورة الحج
فج ملة(( فإحكم إله واحد، بمثابة العلة لما قبلها من تخصيص اسمه العكريم
بالذكر عند الذبح، لأن تفرده - سبحانه - بالألوهية استلزم هذا التخصيص.
وقوله - تعالى - ((فله أسلموا، مرتب على ماقبله، لأنه متى ثبت أن المستحق
للعبادة والطاعة هو الله الواحد الأحد، فعليهم أن يسلموا وجوههم إليه
ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يبشر المخبتين برضاء
- سبحانه - وبعثوبته فقال: ((وبشر المخبتين، أى: المتواضعين لله - تعالى.
المطمئنين إلى عدالة قضائه فيهم، ولفظ ((المخبتين، من الإخبات. وهو فى
الأصل نزول الخبت - بفتح الخاء وسكون الماء ..
أى: المكان المنخفض، ثم استعمل فى اللين والتواضع. يقال: فلان
مخبت، أى: متواضع خاشع لله رب العالمين.
وحذف - سبحانه - المبشر به لتهوبله وتعظيمه، أى: وبشر - أبها
الرسول الكريم - هؤلاء المتواضعين لله - تعالى - بالثواب العظيم، والأجر
الكبير الذى لا تحيط بوصفه عبارة .
ثم مدحهم - سبحانه - بأربع صفات فقال: ((الذين إذا ذكر الله وجلت
قلوبهم ».
أى: بشر هؤلاء المخبتين الذين من صفاتهم أنهم إذا سمعوا ذكر انه
- تعالى - وصفاته، وحسابه لعباده يوم القيامة ، خافت قلوبهم ، وحذرت
معصبته - تمالى _:
والذين من صفاتهم كذلك: الصبر على ما يصيبهم من مصائب ومحن فىهذه
الحياة، والمداومة على أداء الصلاة فى مواقيتها بإخلاص وخشوع، والإنفاق
بما رزقهم الله - تعالى - على الفقراء والمحتاجين.
فإن قيل: كيف نجمع بين هذه الآية التى وصفت المؤمنين الصادقين بأنم