Indexed OCR Text
Pages 341-360
بِسِرِ هُلَّمِالرَّيم المقدمَه الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ومن والاه. أما بعد: فإذا تفسير لسورة الحج، نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه، ونافعا لعباده، إنه - سبحانه - أكرم مسئول، وأعظم مأمول. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟ المؤلف د / محمد سيد طنطاوى تعريف بسورة الحج ١ - سورة الحج هى السورة الثانية والعشرون فى ترتيب المصحف . وعدد آياتها ثمان وتسعون آية فى المصحف الكوفى، وسبع وتسعون فى المكى وخمس وتسعون فى البصرى، وأربع وتسعون فى الشامى. وسميت بسورة الحج، لحديثها بشىء من التفصيل عن أحكام الحج . ٢ - ومن العلماء من يرى أنها من السور المكية، ومنهم من يرى أنها من السور المدنية . والحق أن سورة الحج من السور التى فيها آيات مكية ، وفيها آيات مدنية فمثلا: الآيات التى تتحدث عن الإذن بالقتال ، من الواضح أنها آيات مدنية، لأن القتال شرعه الله - تعالى - بالمدينة، وكذلك الآيات التى تتحدث عن أحكام الحج، لأن الحج فرض بعد الهجرة . قال الألوسى بعد أن ذكر أقوال العلماء فى ذلك: «والأصح أن سورة الحج مختلطة، فيما آيات مدنية، وفيها آيات مكية، وإن اختلف فى التعيين ، وهو قول الجمهور )(١). وقال بعض العلماء: (والذى يغلب على السورة هو موضوعات السور المكية وجو السور المكيه. فموضوعات التوحيد، والتخويف من الساعه، وإثبات البعث، وإنكار الشرك، ومشاهد القيامة ، وآيات الله المبثوثة فى صفحات الكون ... بارزة فى السورة . وإلى جوارها الموضوعات المدنية من الإذن بالقتال ، وحماية الشعائر ، والوعد بنصر الله لمن يقع عليه البغى وهو يرد العدوان، والأمر بالجهاد فى سبيل انه، (٢). (١) تفسير الآلوسى ج ١٧ س ٠١١٠ (٢) فى ظلال القرآن ج ١٧ س ٥٨٥ - ٣٤٤ - ٣ - وقد افتتحت السورة الكريمة افتتاحا ترتجف له النفوس، حيث تحدثت عن أهوال يوم القيامة، وعن أحوال الناس فيه ... قال - تعالى - ((ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم . يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد)). ٤ - وبعد أن ساقت السورة الكريمة نماذج متنوعة لأحوال الناس فى هذه الحياة، وأقامت الأدلة على أن البعث حق ... أتبعت ذلك يبشارة المؤمنين بما يشرح صدورم . قال - تعالى -: ((إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار، إن الله يفعل ما يريد ». ثم بلغت السورة الكريمة أن كل شىء فى هذا الكون يسجد ته - تعالى. وأن كثيرا من الناس ينال الثواب بسبب إيمانه وعمله الصالح، وكثيرا منهم يصيبه العقاب بسبب كفره وفسوقه . قال - تعالى -: (( ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن فى الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب ، وكثير من الناس ، وكثير حق عليه العذاب، ومن يهن الله فما له من مكرم، إن الله يفعل مايشاء)) • - وبعد أن عقدت السورة الكريمة مقارنة بين خصمين اختصموا فى ربهم، وبينت عاقبة كل منهما ... أتبعت ذلك بحديث مفصل عن فريضة الحج، فذكرت سوء عاقبة الكافرين الذين يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ، كما بينت أن الله - تعالى - قد أمر نبيه إبراهيم بأن يؤذن للناس بالحج، لكى يشهدوا منافع لهم ، ويذكروا اسم الله فى أيام معلومات ، كما بشرت الذين يعظمون حرمات الله بالخير وحسن الثواب ، ووصفت من يشرك باقه بأنه «كأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو نهوى به الريح فى مكان سحمة. - ٢٤٤ - ثم ختمت حديثها عن فريضة الحج ببيان أن الهدى الذى يقدمه الحجاج هو من شعائر الله، فعليهم أن يقدموه بإخلاص وسخاء ، وأن يشكروا الله - تعالى - على نعمه. قال - تعالى -: والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف، فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا أقائع والمعتر، كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون. لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ، كذلك سخرها لكم تكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين)». ثم بينت السورة أن الله - تعالى- قد شرع لعباده المؤمنين الجهاد فى سبيله، وبشرهم بأنه معهم يدافع عنهم، ويجعل العاقبة لهم، فقال - تعالى - ((إن أنمه يدافع عن الذين آمنوا، إن الله لا يحب كل خوان كفور. أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير .. )) . ثم أخذت السورة الكريمة فى تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم- عما أصابه من قومه . قال - تعالى -: ((وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود. وقوم إبراهيم وقوم لوط . وأصحاب مدين وكذب مومى، فأمليت للكافرين، ثم أخذتهم فكيف كان فكير » . ثم أمر اقه - تعالى - رسوله بأن يمضى فى طريقه دون أن يهتم بأذى المشركين ، وأن يجابهم بكلمة الحق بدون خوف أو وجل ، فقال - تعالى - ((قل يأيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين. فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم . والذين سعوا فى آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم، . ٧ - وبعد أن بين - سبحانه - مظاهر حكمته فى هداية من امتدى، وفى - ٢٤٦ - ضلال من ضل، أُتبع ذلك بحديث مستفيض عن ألوان نعمه على خلقه، فقال - تعالى -: (( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة، إن الله لطيف خبير ... ألم تر أن الله سخر لكم ما فى الأرض ، والفلك تجرى فى البحر بأمره، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، إن الله بالناس الرءوف رحيم. وهو الذى أحياكم ثم يميتكم ثم يحببكم، إن الإنسان لكفور ٢٠٠٠. ٨ - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بنداءين: أحدهما: وجه إلى الناس جميعاً، وبين لهم فيه ، أن الذين يعبدونهم من دون الله لن يخلفوا ذبابا ولو اجتمعوا له . والثانى: وجهه - سبحانه - إلى المؤمنين ، وأمرهم فيه بمداومة الركوع والسجود والعبادة له - عز وجل - وبالمواظبة على فعل الخير وعلى الجهاد فى سبيله . قال - تعالى -: ((يأيها الذين آمنوا ار كموا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون . وجاهدوا فى الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم فى الدين من حرج، ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل، وفى هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس، فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم، فنعم المولى. ونعم النصير ، . ٩ - هذا: والمتأمل فى هذه السورة الكريمة، يرى أن من أن أبرز ما اهتمت بالحديث عنه ما يأتى : (١) بوان أنواع الناس فى هذه الحياة، وعاقبة كل نوع . نرى ذلك واضحا فى قوله - تعالى - : - ٣٤٧ - (( ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم، ويتبع كل شيطان مريد». ((ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير)). (((ومن الناس من يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه، خسر الدنيا والآخرة ). (ب) إقامة الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وعلى أن البعث حق، بأسلوب منطقى واضح ، يقنع العقول ، ويهدى القلوب . نرى ذلك فى قوله - تعالى -: « يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة، لنبين لكم، ونقر فى الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ، ثم نخرجكم طفلا، ثم لتبلغوا أشدكم، ومنكم من يتوفى، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً، وترى الأرض هامدة ، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت، وأنبقت من كل زوج بهيج. ذلك بأن الله هو الحق، وأنه يحمى الموتى، وأنه على كل شىء قدير. وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من فى القبور)). (جـ) الحديث المفصل عن فريضة الحج، وما اشتملت عليه هذه الفريضة من منافع وآداب وأحكام . (د) المقارنة بين مصير المؤمنين ومصير الكافرين ، نرى ذلك فى آيات كثيرة، منها قوله - تعالى -: «هذان خصمان اختصموا فى ربهم. فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم)). «إن الله يدخل الذين آمنواوعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار، يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ، (هـ) بيان سنن الله فى خلقه، والتى من أعظمها: دفاعه عن المؤمنين، - ٢٤٨ - ونصره لهم، ترى ذلك فى مثل قوله - تعالى -: ((إن الله يدافع عن الذين آمنوا)) ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوى عزيز)). والتى من أعظمها - أيضا - عدم إخلاف وعده. قال - تعالى -: ((ويستعجلونك بالعذاب وان يخلف الله وعده، وإن يوما عند ربك كالف سنة بما تعدون. وكأين من قرية أمليت لها وهى ظالمة ثم أخذتها و إلى المصير». (و) يمتاز أسلوب السورة - فى مجموعة - بالقوة والعنف، والشدة والرهبة ، والإنذار والتحذير ، وغرس التقوى فى القلوب بأسلوب تخشع له النفوس . زی ذلك فى كثير من آياتها ، ومن ذلك ، قوله - تعالى - : « أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم . يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت ، وتضع كل ذات حمل حملها ، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد». وقوله - تعالى -: ((ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوی به الريح فى مكان سحيق ، . وقوله - تعالى -: ((فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من زار يصب من فوق رءوسهم الحميم . يصهر به مافى بطونهم والجلود. ولهم مقامع من حديد)). وقوله - سبحانه -: ((فكاين من قرية أهلكناها وهى ظالمة ، فهى خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد. أفلم يسيروا فى الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها، أو آذان يسمعون بها، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى العدور ». وبجانب هذه الشدة فى الأسلوب، نرى فى السورة - أيضا - أسلوبا آخر فيه من اللين والرقة والبشارة المؤمنين مافيه ، ويكفيك قوله - تعالى - : - ٣٤٩ - « إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار، يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير وهدوا إلى الطيب من القول، وهدوا إلى صراط الحميد)). نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده المؤمنين الصادقين، وأن يحشرنا معهم . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.؟ كتبه الراجى عفو ربه محمد سيد طنطاوى مفتى الديار المصرية التفسير قال الله تعالى: ((بأيُها الناسُ الَّقُوا رَبُكُم إنَّ زَازَلَةَ الساعَةِ شىءٍ عظيمٌ (١) يومَ تَرَوْنَها تَذْهَل كَلُ مُرضعةٍ عمَّا أُرضّعتْ، وتَضَعُ كلُّ ذاتٍ حَمْلٍ حَمّلها، وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ولكنَّ عذابَ اللهِ شديدٌ (٢))). افتتحت سورة الحج بهذا النداء الموجه من الخالق - عز وجل - إلى الماس جميعا، يأمرهم فيه بامتثال أمره، وباجتناب نهيه، حتى يفوزوا برضاه يوم القيامة . وقوله - سبحانه -: ((إن زلزلة الساعة شيء عظيم)) تعليل للأمر بالتقوى . قال القرطى: ((الزلزلة شدة الحركة، ومنه قوله - تعالى -: ((وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ... ، وأصل الكلمة من زل فلان عن الموضع، أى : زال عنه وتحرك ، وزلزل الله قدمه ، أى : حركها وهذه اللفظة تستعمل فى تهويل الشىء)،(١) . وقال الألوسى: ((والزلزلة: التحريك الشديد، والإزعاج العنيف، بطريق التكرير، بحيث يزيل الأشياء من مقارها، ويخرجها عن مراكزها. وإضافتها إلى الساعة ، من إضافة المصدر إلى فاعله، لكن على سبيل الجاز فى النسبة كما قيل فى قوله - تعالى -: ((بل مكر الليل والنهار))؛ لأن المحرك حقيقة هو الله - تعالى -، والمفعول الأرض أو الناس، أو من إضافته إلى (١) تفسير القرطبى : ١٢ ص ٣. ٢٥١ الجزء السابع عشر المفعول، لكن على إجرائه مجرى المفعول به انساعاكما فى قوله: « يا سارق الليلة أهل الدار ... )(١) . والمعنى: يأيها الناس اتقوا ربكم انقاء قاما، بأن تصوتوا أنفسكم عن كل مالا يرضيه، وبأن تسارعوا إلى فعل ما يحبه ، لأن ما يحدث فى هذا الكون عند قيام الساعة ، شىء عظيم ، ترتجف هوله القلوب، وتخشع له النفوس . وقال - سبحانه -: ((إن زلزلة الساعة شيء عظيم» بصيغة الإجمال والإبهام لهذا الشىء العظيم ، لزيادة التهويل والتخويف. ثم فصل - سبحانه - هذا الشىء العظيم تفصيلا يزيد فى وجل القلوب فقال: ((يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت ... )). والضمير فى ترونها، يعود إلى الزلزلة لأنها هى المتحدث عنها، والظرف ((يوم)) منصوب بالفعل تذهل، والرؤية بصرية لأنهم يرون ذلك بأعينهم. والذهول: الذهاب عن الأمر والانشغال عنه مع دهشة وحيرة وخوف وقول عبد الله بن رواحة - رضى الله عنه -: ويذهل الخليل عن خليله ضربا يزيل الهام عن مقيله أى: أن هذه الزلزلة من مظاهر شدتها ورهبتها ، أنكم ترون الأم بسبها تفسى وتترك وليدها الذى ألقمته نديها. وكأنها لا تراه ولا تحس به من شدة الفزع . قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: لم قيل («مرضعة، دون مرضع ؟قلت: المرضعة التى هى فى حال الإرضاع ملقمة نديها الصبى، والمرضع: الى من شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع فى حال وصفها به، فقيل: مرضعة، ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه، وقد ألقمت الرضيع نديها (١) السبر الألوسى : ١٧ ص ٠١١٠ ٣٥٢ سورة الحج نزعته عن فيه لما يلحقها من الدهشة ((عما أرضعت، عن إرضاعها: أو عن الذى أرضعته وهو الطفل ... )(١) . وقوله - سبحانه -: «وتضع كل ذات حمل حملها، بيان لحالة ثانية تدل على شدة الزلزلة وعلى عنف آثارها . أى: وترونها - أيضا - تجعل كل حامل تضع حملها قبل تمامه من شدة الفزع . ثم بين - سبحانه - حالة ثالثة للآثار التى تدل على شدة هذه الزلزلةفقال: « ويرى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد». أى: وترى - أيها المخاطب - الناس فى هذا الوقت العصيب، هيئتهم كريمة السكارى من قوة الرعب والفزع. وما هم على الحقيقة بسكارى، لأنهم لم يشربوا ما يسكرهم ولكن عذاب الله شديد. أى: ولكن شدة عذابه -سبحانه- هى التى جعلتهم بهذه الحالة التى تشبه حالة السكارى فى الذهول والاضطراب، وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى فقال: « وتراهم سكارى على التشبيه ، وما هم بسكارى على التحقيق، ولكن مارهقهم من خوف وذاب الله، هو الذى أذهب عقولهم، وطير تميزهم، وردهم فى نحو حال من يذهب السكر بعقله وتميزه ..... : وقد علق صاحب الانتصاف على عبارة صاحب الكشاف هذه فقال : قال أحمد: والعلماء يقولون: إن من أدلة المجاز صدق نقيضه، كقولك : زيد حمار، إذا وصفته بالبلادة، ثم يصدق أن تقول: وما هو بحمار، فتافى عنه الحقيقة ، فكذلك الآية ، بعد أن أثبت السكر المجازى ففى الحقيقة أبلغ نفى مؤكد بالباء. والسر فى تأكيده : التنبيه على أن هذا السكر الذى هو بهم فى تلك الحالة ليس من المعهود فى شىء، وإنما هو أمر لم يعهدو امثله من قبل. (١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ١٤٢. ٣٠٣ الجزء السابع عشر والاستدراك بقوله ,ولكن عذاب الله شديد، راجع إلى قوله: ((وما هم فيسكارى ، وكأنه تعليل لإثبات السكر المجازى، فكأنه قيل: إذا لم يكونوا سكارى من الخمر فما هذا السكر الغريب وما سببه ؟ فقال : شدة عذاب الله تعالى - .... (١) . هذا، وقد اختلف العلماء فى وقت هذه الزلزلة المذكورة هنا، فمنهم من يرى أنها تكون فى آخر عمر الدنيا ، وأول أحوال الساعة، ومنهم من يرى أنها تكون يوم القيامة ، بعد خروج الناس من قبورهم للحساب. وقد وفى هذه المسألة حقها الإمام أن كثير فقال ما ملخصه : ((قال قائلون: هذه الزازالة كائنة فى آخر عمر الدنيا . وأول أحوال الساعة . وقال آخرون : بل ذلك هول وفزع وزلزال وبلبال، كائن يوم القيامة فى العرصات ، بعد القيام من القبور. ثم ساق - رحمه الله - سبعة أحاديث استدل بها أصحاب الرأى الثانى. ومن هذه الأحاديث ما رواه الشيخان عن أبى سعيد الخدرى قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول الله - تعالى - يوم القيامة: يا آدم. فيقول : لبيك ربنا وسعديك. فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعنا إلى النار ، قال يارب، وما بعث النار ؟ قال من كل ألف - أراه قال: تسعمائة وتسعة وتسعين، حينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد، وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد. فشق ذلك على الناس حتى تغیرت و جوههم .. فقال - صلى الله عليه وسلم -: «من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ومنكم واحد ، ثم أنتم فى الناس كالشعرة البيضاء فى الثور الأسود ، (١) تفسير الكشاف وحاشيته =٣ ص٠١٤٢ (٢٣ - سورة الحج) ٣٥٤ سورة الحج وإنى لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا، ثم قال: ثلث أهل الجنة، فكرنا، ثم قال: شطر أهل الجنة، فكبرتا)،(D)، وعلى الرأى الأول تكون الزلزلة بمعناها الحقيقي، بأن تتزازل الأرض وتضطرب ، ويعقبها طلوع الشمس من مغربها، ثم تقوم الساعة. وعلى الرأى الثان تكون الزلزلة المقصود بها شدة الخوف والفزع، كما فى قوله - تعالى - فى شأن المؤمنين بعد أن أحاطت بهم جيوش الأحزاب: (( هذالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديداً، فالمقصود: أصيبوا بالفزع والخوف، وليس المقصود أن الأرض تحر كت واضطربت من تحتهم . وبعد هذا الافتتاح الذى يغرس الخوف فى النفوس ، ويحملها على تقوي الله وخشيته . ساقت السورة حال نوع من الناس يجادل بالباطل، ويتبع خطوات الشيطان ، فقال - تعالى - : ((ومن الناسِ مَنْ يُجَدِلِ فى الله بغير علمٍ ويقَِّعِ كَلَّ شيطانٍ مَرِيدٍ (٥) كُتِبَ عَلَيْهُ أَنَّهَ مَنْ تولاً، فَأَنَّهَ يُضِلَّهُ ويَهْدِيه إلى عذَابِ السَّعِيرِ (٤))). و((من)، فى قوله ((ومن الناس، للتبعيض، وقوله ,يجادل، من الجدال بمعنى المفاوضة على سبيل المنازعة والمخاصمة والمغالبة، مأخوذ من جدلت؛ الحبل . أى: أحكمت فتله، كأن المتجاداين يحاول كل واحد منهما أن يقوى. رأيه ، ويضعف رأى صاحبه . والمراد بالمجادلة فى الله: المجادلة فى ذاته وصفاته وتشريعاته . وقوله : « بغير علم، حال من الفاعل فى جادل . وهى حال موضحة لما تشعر به المجادلة هنا من الجهل والعناد . (١) راجع تفسير ابن كثير جـ٥ ص ٣٨٦ طبعة دار الشعب ٣٥٠ الجزء السابع عشر أى: ومن الناس قوم استولى عليهم الجهل والعناد ، لأنهم يجادلون وينازعون فى ذات الله وصفاته، وفى وحيه وفى أحكامه بغير مستند من على مقلى أو نقلى ، وبغير دليل أو ما يشبه الدليل . وقوله - سبحانه -: ((ويتبع كل شيطان مريد)، معطوف على ماقبله . والمريد والمتمرد: البالغ أقصى الغاية فى الشر والفساد ، يقال: مرد فلان على كدا . من باب نصر وظرف - إذا متا وتجبر واستمر على ذلك . وأصل المادة للملاسة والتجرد، ومنه قولهم: شجرة مراده، أى: ملما. لا ورق لها. وغلام أمرد. أى: لم ينبت فى ذقنه شعر ... أى: عادل فى ذات الله وصفاته بغير علم بعلمه، ويقبع فى جد اله وتطاوله وعناده، كل شيطان عار عن الخير، متجرد للفساد، لا يعرف الحق أو الصلاح، ولا هما يعرفانه، وإنما هو خالص للشر والغى والمنكر من القول والفعل. وتقييد الجدال بكونه بغير علم، يفهم منه أن الجدال بعلم لإحقاق الحق وإبطال الباطل، سائغ محمود، ولذا قال الإمام الفخر الرازى: «هذه الآية بمفهومها تدل على جواز المجادلة الحقة ، لأن تخصيص المجادلة مع عدم العلم بالدلائل ، يدل على أن المجادلة مع العلم جائزة، فالمجادلة الباطلة: هى المرادة من قوله - تعالى -: ((ماضربوه لك إلا جدلاً، والمجادلة الحقة هى المرادة من قوله: بالوجادلهم بالتى هى أحسن .. ،(١) . ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة هذا المجادل بالباطل، والمتبع لمكل شيطان مريد، فقال: (( كتب عليه أنه منقولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير)). أى: كتب على هذا الشيطان، وقضى عليه، أنه من قولاء، أى اتخذه ولياً وقدوة له «فإنه يضله، أى: فهان هذا الشيطان أن يضل تابعه عن كل خير ((ويهديه إلى عذاب السعير)) أى: وأن شأن هذا الشيطان - أيضا - أن (١) تفسير الفخر الرازى ج ٦ ص ٠١٤٣ ٣٥٦ سورة الحج يهدى متبعه إلى طريق الغار المستعرة وفى التعبير بقوله «ويهديه إلى عذاب السعير، تهنكم بمن يتبع هذا الشيطان، إذ سمى - سبحانه - قيادة الشيطان لأتباعه هداية . وقد ذكر كثير من المفسرين أن هاتين الآيتين نزلتا فى شأن النضر ابن الحارث، أو العاص بن وائل، أو أبى جهل ... وكانوا يجادلون التجه. - صلى الله عليه وسلم - بالباطل .. ومن المعروف أن نزول هاتين الآيتين فى شأن هؤلاء الأشخاص، لا يمنع من عمومهما فى شأن كل من كان على شاكلة هؤلاء الأشقياء، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ولذا قال صاحب الكشاف: ((وهى عامة فى كل من تعاطى الجدال فيما يجوز. على الله وما لا يجوز، من الصفات والأفعال. ولايرجع إلى علم . ولا بعض فيه بضرس قاطع، وليس فيه إتباع للبرهان، ولا تزول على النصفة ، فهو يخبط عشواء، غير فارق بين الحق والباطل (١). ثم ساق - سبحانه - أهم القضايا التى جادل فيها المشركون بغير علم، واتبعوا فى جدالهم فيها خطوات الشيطان ، وهى قضية البعث، وأقام الأدلة على صحتها، وعلى أن البعث حق وواقع فقال - تعالى -: (( أيها الناسُ إنْ كُنتُم فى رَيبٍ من البعثِ فإنا خلقناكم من تُراب ثم من نطفةٍ، ثم من عَلقةٍ، ثم من مضْفَةٍ مُخُلّقَة وغيْرٍ خَلَّقَةٍ لِنُبَيْنَ اكُم وتُقَرُّ فى الأرحامِ ما نشاء إلى أجل مُسَتَّى، ثم تُخْرِجُكُم طفلاً، ثمْ لِبَلُغُوا أشدَّ كُم، ومِنْكُم مَن يُتُوفى، ومنُكُم مَنْ يِرَدْ إلى أرذَلِ العُرِ لَكَىْ لا يعلَم مِنْ بَعَدٍ عِلْمِ شيئاً، وترى الأرضَ هامِدَةً فَإِذَا أَنزَكتَا (١) تفسير الكشاف : ٣ ص ١٤٣. ٣٥٧ الجزء السابع عشر عليها الماء اهتزَّتْ وربَتْ، وأنبقَتْ من كلِّ زَوْج بهيجٍ (٥) ذلك بأنَّ الله هو الحق، وأنه يُحي الموتي وأنَّه على كلٌّ شَىءٍ قديرٍ (٦) وأنّ السَّاعَةَ آتَيةٌ لا ريْبَ فيها، وأن الله يَبْث مَن فى القبورِ (٧))). قال أبو أحيان فى البحر: ((لما ذكر - سبحانه - من يجادل فى قدرةاللهبغير علم، وكان جدالهم فى الحشر والمعاد، ذكر دليلين واضحين على ذلك. أحدهما: فى نفس الإنسان وابتداء خلقه. وتطوره فى أطوار سبعة ، وهى: التراب ، والنطفة، والمطلقة، والمضغة ، والإخراج طفلا، وبلوغ الأشد ، والتوفى أو الرد إلى أرذل العمر . والدليل الثاني: فى الأرض التى يشاهد تنقلها من حال إلى حال . فإذا أعتبر العاقل ذلك ثبت عنده جوازه عقلا، فإذا ورد الشرع بوقوعه، وجب التصديق به ، وأنه واقع لا محالة ،(١) . والمراد بالناس هنا: المشركون وكل من كان على شاكلتهم فى أذكار أمر البعث واستبعاده. لأن المؤمنين يمترفون بأن البعث حق ، وأنه واقع بلا أدنى شك أو ريب . والمعنى: يأيها الناس إن كنتم فى شك من أمر إعادتكم إلى الحياة مرة أخرى للحساب يوم القيامة، فانظروا وتفكروا فى مبدأ خلقكم ، فإن هذا التفكر من شأنه أن يزيل هذا الشك، لأن الذى أوجدكم الإيجاد الأول. وخلفكم من التراب. قادر على إعادةكم إلى الحياة مرة أخرى، إذا لإعادة - كما يعرف كل عافل ـ أيسر من ابتداء الفعل. وقد قرب - سبحانه - هذا المعنى فى أذهانكم فى آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى -: ((وهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه، وله المثل الأعلى فى السموات والأرض وهو العزيز الحكيم))(٢). (١) السير البحر المحيط لأبي حيان =٦ ص ٣٥١. (٢) سورة الروم الآية ٠٣٧ ٣٥٨ سورة الحج وأتى - سبحانه- بأن المفيدة النك فقال .. إن كنتم فى ريب من البعث، مع أن كونهم فى ريب أمر محقق تنزيلا للمحقق مزلة المشكوك فيه، و تنزيها لموضوع البحث عن أن يتحقق الشك فيه من أى عاقل، وتوبيخاً لهم لوضعهم الأمور فى غير مواضعها . ووجه الإتيان بفى الدالة على الظرفية، الإشارة إلى أنهم قد امتلكهم الريب وأحاط بهم إحاطة الظرف بالمظروف . قال الألوسى: ((وقوله ((فإنا خلقناكم من تراب)) دليل جواب الشرط، أو هو الجواب بتأويل، أى: إن كنتم في ريب من البعث، فانظر واإلى مبدأ خلفكم ليزول ريبكم ، فإنا خلقناكم من تراب، وخلقهم من تراب فى ضمن خلق أبيهم آدم منه ... ،(٤). وقال بعض العلماء ماملخصه: «التحقيق فى معنى قوله - تعالى - «فإنا خلقناكم من تراب،: أنه - سبحانه - خلق أبام آدم منه، ثم خلق من آدم زوجه جوا.، ثم خلق الناس منهما عن طريق التباسل . فلما كان أصلهم الأول من تراب ، أطلق عليهم أنه خلقهم من تراب، لأن الفروع تتبع الأصل . وعلى ذلك يكون خلقهم من تراب هو الطور الأول ... ،(٢). ثم بين - سبحانه - الطور الثاني من أطوار خلق الإنسان فقال: ((ثم من نطفة)). وهذا اللفظ مأخوذ من النطف - بفتح النون مع التشديد وإسكان الطاء - بمعنى السيلان والتقاطر. بقال: قطفت القربة، إذا تقاطر الماء منها بقلة . والنطفة تطلق فى اللغة: على الماء القليل، والمراد بها هنا: الماء المختاط من الرجل والمرأة عند الجماع، والمعبر عنه بالمنى (١) تفسير الآلوسي = ١٧ ص ٠١٦ (٢) أضواء البيان «٥ ص ٢٠ الشيخ محمد الأمين الشنقيطى - رحمه الله -. ٣٥٩ الجزء السابع عشر وقوله :. ثم من مضغة، هو الطور الرابع (والمضفة قطعة صغيرة من اللحم تتحول إليها العلقة . وقوله - سبحانه - ((مخلقة وغير مخلقة، صفة المضغة. والمراد بالخلقة : القامة الخلقة، السالمة من العيوب، والمراد بغير المخلقة: ما ليست كذلك كأن تكون ناقصة الخلقه . وقد اكتفى بهذا المعنى صاحب الكشاف فقال: والمخلقه: المستواة الملساء من النقصان والعيب . يقال: خلف السوق والعود، إذا سواه وملسه، من قولهم: صخرة خلفاء، إذا كانت ملساء . كأن الله - تعالى - يخلق المضغ متفاوتة. منها: ماهو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ماهو على عكس ذلك التفاوت ، تفاوت الناس فى خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم وفقصاتهم ... ، (١) . وقيل: ((مخلقة، أى: مستبينة الخلق، ظاهرة التصوير. , وغير مخلقة)) أى: لم يستبن خلقها ولا ظهر تصويرها كالسقط الذى هو مضغة ولم تظهر صورة الإنسانية بعد . وقيلى: (( مخلقة)) أى: نفخ فيها الروح ٠, وغير مخلقة، أى: لم ينفخ فيها الروح . ويبدو لنا أن ما ذهب إليه صاحب الكشاف واكتفى به أولى بالقبول ، لأنه هو المشهور من كلام العرب. فهم يقولون: حجر أخلق أى: أمل مصات لا يؤثر فيه شىء، وصخرة خلقا، أى : ليس بها تشوبه أو كسر . وقوله - تعالى -: «لنبين لكم، متعلق بقوله: «خلقناكم، أى: خلقناكم على هذا النحو العجيب، وفى تلك الأطوار البديعة، لنبين لكم كمال قدرتنا، وبليغ حكمتنا وأننا لا يعجزنا إعادة كل حى إلى الحياة بعد موته. (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠١٣٤ ٣٦٠ سورة الحج وحذف مفعول (( فبين) للإشعار بأن أفعاله - تعالى - الدالة على كال قدرته، لا يحيط بها وصف، ولا تمدها عبارة. أى : لنبين لكم عن طريق المشاهدة، ما يدل على كمال قدرتنا دلالة يعجز الوصف عن الإحاطة بها . وقوله - تعالى -: (ونقر فى الأرحام ما تشاء إلى أجل مسمى، كلام مستأنف مسوق لبيان أحوال الناس بعد تمام خلقهم، وتوارد تلك الأطوار علیهم. أى: ونقر ونثبت فى أرحام الأمهات مانشاء إقراره وثبوت فيها من الأجنة والأحمال، إلى أجل معلوم عندنا، وهو الوقت المحدد للولادة والوضع، وما لم نها إقراره من الحمل لفظته الأرحام وأسقطته، إذكل شىء بمشيتتنا وإرادتنا. وقوله - تعالى -: « ثم نخرجكم طفلا، بيان للطور الخامس من أطوار خلق الإنسان . أى: ثم نخرجكم من أرحام أمهاتكم بعد استقراركم فيها إلى الوقت الذى حددناه، طفلا صغيرا. أى: أطفالا صغاراً، وإنما جاء مفردا باعتبار إرادة الجنس الشامل للواحد والمتعدد ، أو باعتبار كل واحد منهم ، و هو حال من ضمير المخاطبين . ومن الأساليب العربية المعهودة، أن الاسم المفرد إذا كان اسم جنس . يكثر إطلاقه على الجمع، ومن ذلك قوله تعالى -: ((واجعلنا للمتقين إماما) أى: أئمة. وقوله - سبحانه - ((فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا .. )) أى: أنفسا ، ومن هذا القبيل قول الشاعر : فكنت لهم كشر بنى الأخينا وكان بنو فزارة شر عم أى : شر أعمام . وقوله - تعالى -، ثم لتبغلوا أشدكم)) بيان للطور السادس والأشد :