Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ الجزء السابع عشر ومنهم من يرى أن «لا، زائدة. وأن المراد بالرجوع: رجوع الهالكين إلى الدنيا فيكون المعنى: وحرام على أهل قرية أهلكناهم بسبب كفرم ومعاصيهم، أن يرجعوا إلى الدنيا مرة أخرى بعد هلاكهم. ومنهم من يرى أن المراد بقوله - تعالى - («أنهم لا يرجعون)،، أى: لا يرجعون إلى التوبة أو إلى الإيمان. قال صاحب الكشاف: «استعير الحرام للممتنع وجوده ، ومنه قوله - تعالى -: ((إن الله حرمهما على الكافرين، أى: منعهما منهم ... ومعنى الرجوع: الرجوع من الكفر إلى الإسلام والإنابة . ومجاز الآية: إن قوما عزم الله - تعالى - على إهلاكهم غير متصور أن يرجعوا ويفيبوا إلى أن تقوم القيامة ... )(١) . ويبدو لنا أن القول الأول هو أقرب إلى الصواب، لأنه هو المتبادر من ظاهر الآية، ولأنه هو المستقيم مع سياق الآيات ، ولأنه بعيد عن التكليف، إذ أن الآية الكريمة واضحة فى بيان أن حكمة الله قد اقتضت أن يرجع المهلكون فى الدنيا بسبب كفرهم ومعاصيهم إلى الحياة يوم القيامة ليحاسبواعلى أعمالهم كما قال-تعالى -: ((قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم)). ولعل مما يؤيد هذا الرأى قوله - تعالى - بعد ذلك: «حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج .... فإن حتى هنا ابتدائية ، وما بعدها غاية لما يدل عليه ماقبلها فكأنه قيل : إن هؤلاء المهلكين ممتنع ألبتة عدم رجوعهم إلينا وإنما هم سيستمرون على هلاكهم حتى تقوم الساعة فيرجعوا إلينا للحساب، ويقولون عند مشاهدته: ياويلنا قد كنا فى غفلة من هذا . - (١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ١٣٤. ٢٠٠ (٢١ - سورة الأنهراء ) ٣٢٢ سورة الأنبياء ويأجوج ومأجوج اسمان أعجميان لقبيلتين من الناس. قيل: مأخوذان من الأوجه وهى الاختلاط أوشدة الحر. وقيل: من الأوج وهو سرعة الجرى. والمراد بفتحهما: فتح السد الذى على هاتين القبيلتين، والذى محمول بينهم وبين الاختلاط بغيرهم من بقية الناس . ((وهم من كل حدب ينسلون)) والحدب: المرتفع من الأرض كالجبل ونحوه. و(«ينسلون، من النسل - بإسكان السين-، وهو مقاربة الخطو مع الإسراع فى المسير، يقال: نسل الرجل فى معصيته إذا أسرع، وفعله من باب قعد وضرب . أی : وم - أى يأجوج ومأجوج من كل مرتفع من الأرض، بسرعون السير إلى المحشر، أو إلى الأماكن التى بوجههم الله - تعالى - إليها، وقيل إن الضمير ((وهم، يعود إلى الناس المسوقين إلى أرض المحشر. وقوله: ((واقترب الوعد الحق .. )، معطوف على (( فتحت ... )، أى: فتح السد الذى كان على يأجوج ومأجوج، وقرب موعد الحساب والجزاء . قال الألوسى: ((وهو مابعد النفخة الثانية لا النفخة الأولى ... وهذا الفتح لسد يأجوج ومأجوج يكون فى زمن نزول عيسى من السماء، وبعدقتله الدجال، فقد أخرج مسلم وأبو داود والترمذى والنسائي وابن ماجه من حديث طويل: إن الله - تعالى - يوحى إلى عيسى بعد أن يقتل الدجال: أنى قد أخرجت عبادا من عبادى، لا يدان لك بقتالهم، -فرز عبادى إلى الطور، فيبعث الله - تعالى - يأجوج ومأجوج وم كما قال - سبحانه - «من كل حدب ينسلون» ثم يرسل الله عليهم نفغا - أى: رضا - فى رقابهم فيصبحون موتى كموت نفس واحدة ،(١). وقوله: « فإذا هى شاخصة أبصار الذين كفروا ... ، جواب الشرط وهو قوله - تعالى - قبل ذلك ((إذا تحت يأجوج ومأجوج)). والضمير ((هى)) للقصة والشأن. و«إذا» المفاجأة. (١) راجع تفسير الآلوسى ج ١٧ ص ٠٩٢ : ٣٢٣ الجزء السابع عشر قال الجمل: ((قوله: ((فإذا هى شاخصة أبصار الذين كفروا .. ، فيه وجهان: أحدهما - وهو الأجود - أن يكون هى ضمير القصة. وشاخصة: خبر مقدم . وأبصار: مبتدأ مؤخر، والجملة خبر لهى لأنها لا تفسر إلا بحملة مصرح بجزأيها ... .(١). والمعنى: لقد تحقق ما أخبرنا به من أمارات الساعة، ومن خروج يأجوج ومأجوج، ومن عودة الخلق إلينا للحساب ... ورأى المشركون كل ذلك. فإذا بأبصارهم مرتفعة الأجفان لا تكاد تطرف من شدة الهول والفزع. يقال: شخص بصر فلان يشخص شخوصا فهو شاخص، إذا فتح عينيه وسار لا يستطيع تحريكهما. " وقوله: ((يا ويلنا قد كنا فى غفلة من هذا، مقول لفول محذوف. أى: أن هؤلاء الكافرين يقولون وم شاخصو البصر: ياهلاكنا أقبل فهذا أوانك، فإننا قد كنا فى الدنيا فى غفلة تامة عن هذا اليوم الذى أحضرنا فيه الحساب . وفوله: ((بل كنا ظالمين)) إضراب عن وصف أنفسهم بالغفلة، إلى وصفها بالظلم وتجاوز الحدود . أى: لم تكن فى الحقيقة فى غفلة عن هذا اليوم وأهواله، فقد أخبرنا وصلنا به ، بل الحقيقة أننا كنا ظالمين لهؤلاء الرسل لأننا لم نطعهم ، وكنا ظالمين لأنفسنا حيث عرضناها لهذا العذاب الأليم . وهكذا يظهر الكافرون الندامة والحسرة فى يوم لا ينفعهم فيه ذلك . وقوله - سبحانه - : « إنکم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ... زيادة فى تقريمهم وتوبيخم .. (١) ساعية الجل على الجلالين جـ ٣ ص ١٤٦. ٣٢٤ سورة الأنبياء والحصب - بفتحتين - ما تحصب .4 النار . أي: يلقى فيها نتزدادبه اشتعالا كالحصب والخشب .. أى: إنكم - أيها الكافرون - وأصنامكم التى تعبدونها من دون الله -تعالى .. وقود جهنم، وزادها الذى تزداد به اشتعالا . وفى إلقاء أصنامهم معهم فى النار مع أنها لا تعقل، زيادة فى حسرتهم وتبكيتهم ، حيث رأوا بأعينهم مصير ما كانوا يتوهمون من ورائه المنفعة . قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت لم قرفوا بآلهتهم؟ قلت: لأنهم لا يزالون لمقارنتهم فى زيادة غم وحسرة، حيث أصابهم ما أصابهم بسببهم والنظر إلى وجه العدو باب من العذاب ، ولأنهم قدروا أنهم يستشفعون بهم فى الآخرة، وينتفعون بشفاعتهم، فإذا صادفوا الأمر على عكس ما قدروا، لم يكن شىء أبغض إليهم منهم، (١) . وجملة (« أنتم لها واردون، بدل من محصب جهنم)، أو مستأنفة. أى: أنتم - أيها الكافرون - ومعكم أصنامكم داخلون فى جهنم دخولا لا مفر لكم منه . وجاء الخطاب بقوله ((أم)، على سبيل التغليب، وإلا فالجميع داخلون فيها. ولا يدخل فى هذه الآية ما عبده هؤلاء المشر كون من الأنبياء والصالحين كعيسى والعزيز والملائكة ، فإن عبادتهم لهم كانت عن جهل وضلال منهم، فإن هؤلاء الأخيار ما أمروهم بذلك ، وإنما أمروم بعبادة الله - تعالى -وحده» ثم أقام - سبحانه - لهؤلاء الكافرين الأدلة على بطلان عبادتهم لغيره فقال: « لو كان هؤلاء آية ما وردوها)). أى: لو كان هؤلاء الأصنام المعبودون من دون الله آلهة حقا - كمازعمتم أيها الكافرون - ما ألق بهم فى النار، وما قذفوا فيها كما يقذف الحطب، (١) تفسير الكشاف ج٢ ص١٣٦. الجزء السابع عشر وحيث تبين لكم دخولهم إياه، فقد ثبت بطلان عبادتكم لها، وأن هذه الآلهة المزعومة لا تملك الدفاع عن نفسها فضلا عن غيرها . وقوله ((وكل فيها خالدون)) تذبيل مقرر لما قبله. أو: وكل من العابدين والمعبودين باقون فى هذه النار على سبيل الخلود الأبدى . ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ببيان حال الكافرين فى جهنم فقال : «لهم فيها زفير .. ». أى : لهم فيها تنفس شديد يخرج من أقصى أفواههم بصعوبة وعسر، كما هو شأن المغموم المحزون. وأصل الزفير: ترديد النفس حتى تنتفخ منه. الضلوع . (وهم فيها لا يسمعون، أى: وهم فى جهنم لا يسمعون ما يريحهم، وإنما يسمعون ما فيه توبيخهم وعذابهم، أى: وتم فيها لا يسمع بعضهم زفير بعض لشدة مام فيه من هول وخوف . وبعد هذا الحديث الذى ترتجف له القلوب ... أتبع القرآن ذلك بحديث آخر تسر له النفوس، وتشرح له الصدور، فقال - تعالى -: ((إنّ الذينَ سبقَتْ لهم منَّا الْحُسْنَى، أولئك عنها مُبْعَدونَ (١٠١) لا يَسْمْعُونَ حَسِيسها وم فيماَ اشْتَهَتْ أَنْفُسُهم خالدٌ ونَ (١٠٢) لا يَخْزُ نهم الفَزّع الأكبرُ وتتلقَّامِ المَلائِكَة، هذا يومُكُم الذى كنتُم توعَدُونَ(١٠٣)). والحسنى: تأنيث الأحسن، وصفة لموصوف محذوف . أى: إن الذين قت لهم منا فى دنياهم المنزلة الحسنى بسبب إيمانهم الخالص لاعملهم الصالح، وقولهم الطيب . ((أولئك، الموصوفون بتلك الصفات الحميدة , عنها مبعدون، أى: عن اعادة الا فضل الله - تعالى - ورحمته. ٣٢٦ سورة الأنبياء وقوله: «لا يسمعون حسيسها، تأكيد لبعدهم عن النار. وأصل الحسي الصوت الذى تسمعه من شىء يمر قريبا منك . أى: هؤلاء المؤمنون الصادقون الذين سبقت لهم من خالقهم الدرجة الحسنى. لا يسمعون موت النار ، الذی یحس من حر کة هیبها ومجانها ، لأنهم قد استقروا فى الجنة ، وصاروا فى أمان واطمئنان . وقوله - سبحانه -: ((وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون)) بيان أفوزهم بأنصى. ما تتمناه الأنفس بعد بيان بعدهم عن صوت النار . أى: وهم فيما تتمناه أنفسهم، وتشتهيه أفئدتهم، وتشرح له صدورهم، خالدون خلودا أبديا لا بنغصه حزن أو انقطاع . وقوله - تعالى -: ((لا يحزنهم الفزع الأكبر .. » بیان لنجاتهممن كل ما يفزعهم ويدخل القلق على نفوسهم. أى: إن هؤلاء الذين سبقت لهم منا الحسنى، لا يحزنهم ما يحزن غيرهم من أهوال يشاهدونها ويحسونها فى هذا اليوم العصيب، وهو يوم القيامة ومايعتمل عليه من مواقف متعددة. فالمراد بالفزع الأكبر: الخوف الأكبر الذى يعترى الناس فى هذا اليوم . وفضلا عن ذلك فإن الملائكة تستقبلهم بفرح واستبشار، فتقول لهم على سبيل التهنئة: ((هذا يومكم الذى كنتم توعدون)) به فى الدنيا من خالفكم - عز وجل -. فى مقابل إيمانكم وعملكم الصالح. قالو: وهذا الاستقبال من الملائكة للمؤمنين، يكون على أبواب الجنة، أو عند الخروج من القبور . ثم ختم - سبحانه - سورة الأنبياء ببيان جانب من أحوال هذا الكون يوم القيامة ، وببيان سنته فى خلقه ، وببيان نعمه على عباده، وببيان ما أمربه نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فقال - تعالى -: ٣٢٧ الجزء السابع عشر (يَوْمَ نْظُوِى السماء كلَىِّ السَّجِلِّ للكُتُبِ كَمَاَ بدَ أْنَا أولَ خَلْقٍ نعِدُه، وعداً عَلَينا إنَّا كُنَّ فاعِلِينَ (١٠٤) ولقد كتَبْنَا فى الزَّبُورِ من بعْدِ الذّكرِ أن الأرض يرتُها عبادِىَ الصَّالحُونَ (١٠٥) إنّ فى هذا لبلاغاً لقومٍ ما بِدينَ (١٠٦) وما أرسلناك إلا رحمةَ لِعَمِينَ (١٠٧) فلْ إنّما يُوحِى إلىَّ أَنّمَا إِحُكُمْ إِلَهٌ واحدٌ فَهَلْ أَنتُمْ مُسلِمِون (١٠٨) فإنْ تولّوا قُلْ آذتُكُم على سواء، وإن أَدْرِى أَقريبٌ أم بعيدٌ ماتوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّه يعلَمُ الجهرَ من القولِ ويعلَمُ ما تكْتُمُونَ (١١٠) وإنْ أَدْرِى لعلَّهُ فِئَةٌ لَكُم ومتاعٌ إلى حينٍ (١١١) قالَ ربِّ احكُم بالحقّ ورَبْنَا الرَّحمنُ المستعانُ على ما تَصِفُونَ (١١٢))). وقوله - سبحانه -: « يوم نطوى السماء كلى السجل للكتب ... )) الظرف فيه منصوب بقوله - تعالى - قبل ذلك («لا يحزنهم الفزع الأكبر) أو بقوله - سبحانه -: ((وتتلقام الملائكة)). وقوله: («نطوى، من الطى وهو عدد النشر. والسجل: الصحيفة التى يكتب فيها . والمراد بالكتب : ماكتب فيها من الألفاظ والمعانى، فالكتب بمعنى المكتوبات . واللام بمعنى على. والمعنى: إن الملائكة تتلقى هؤلاء الأخيار الذين سبقت لهم من الله - تعالى - الحسنى بالفرح والسرور، يوم يطوى - سبحانه - السماء طيا مثل -ان الصحيفة على مافيها من كتابات . ٢٢٨ سورة الأنبياء وفى هذا التشبيه إشعار بأن هذا الطى بالنسبة لقدرته - تعالى - فى منتهى السهولة واليسر، حيث شبه على السماء بطى الصحيفة على ما فيها . وقيل: إن لفظ ((السجل) اسم الملك من الملائكة، وهو الذى يطوى كتب أعمال الناس بعد موتهم ... والإضافة فى قوله. كطى السجل، من إضافه المصدر إلى مفعوله والجار والمجرور صفة لمصدر مقدر. أى: نطوى السماء طيا كلى الرجل أو الملك الصحيفة على ما كتب فيها . وقرأ أكثر القراء السبعة: « للكتاب)): الإفراد. ومعنى القراءتين واخد لأن المراد به الجنس فيشمل كل الكتب. وقوله - تعالى -: ((كما بدأنا أول خلق نعيده، بيان لصحة الإعادة قياسا على البدء ، إذ الكل داخل تحت قدرته - عز وجل -. أى: نعيد أول خلق إعادة مثل بدئنا إياه، دون أن ينالنا تعب أو يمسنا لغوب، لأن قدرتنا لا يعجزها شىء: قال - تعالى -: ((ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ... ». قال صاحب الكشاف: (( وما أول الخلق حتى يعيده كما بدأه؟ قلت: أوله إيجاده من العدم، فكما أوجده أولا عن عدم. يعيده ثانيا من عدم)). وقوله - تعالى -: ((وعدا علينا إنا كنا فاعلين، تأكيد الإعادة. ولفظ. (((وعداً)) منصوب بفعل محذوف. و«علينا)) فى موضع الصفة له. أى : هذه الإعادة وعدنا بها وعدا كائنا علينا باختيارنا وإرادتنا، إنا كنا محققين هذا الوعد، وقادرين عليه، والعاقل من يقدم فى دنياه العمل الصالح الذى ينفعه عند بعثه للحساب . ثم ساق - سبحانه - سنة من سفنه التى لا تتخلف فقال: , ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر، أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)). ٣٢٩ الجزء السابع عشر والمراد بالزبور: الكتاب المزبور أى: المكتوب، مأخود من قولهم: زبرت الكتاب إذا كتبته . ويشمل هنا جميع الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل والزبور. والمراد بالذكر : اللوح المحفوظ الذى هو أم الكتاب. وقيل : المراد بالزبور: كتاب داود خاصة. وبالذكر التوراة، أو العلم. والمقصود بالأرض هنا : أرض الجنة . فيكون المعنى : ولقد كتبنا فى الكتب السماوية، من بعد كتابتنا فى اللوح المحفوظ . أن أرض الجنة فورثها يوم القيامة لعبادنا الصالحين. وهذا القول يؤبده قوله - تعالى - فى شأن المؤمنين: ((وقالوا الحمد لله الذى صدقنا وعده، وأورثنا الأرض نقبوا من الجنة حيث نشاء، فنعم أجر العاملين ،(١) . ومن المفسرين من يرى أن المراد بالأرض هنا: أرض الدنيا فيكون المعنى : ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن هذه الأرض التى يعيش عليها الناس مؤمنهم وكافرهم، ستكون فى النهاية لعبادنا الصالحين. قال الآلوسى ما ملخصه: ((أخرج ابن جرير عن ابن عباس أن المراد بالأرض فى الآية: أرض الجنة، وإنها الأرض التى يختص بها الصالحون . لأنها لهم خلقت ، وغيرهم إذا حصلوا فيها فعلى وجه التبع، وأن الآيةذكرت عقب ذكر الإعادة وليس بعدها أرض يستقر عليها الصالحون، ويمتن الله بها عليهم سوى أرض الجنة . وفى رواية أخرى عن ابن عباس أن المراد بها أرض الدنيايرثها المؤمنون. ويستولون عليها . ٢٣٠ سورة الأنبياء أخرج مسلم وأبو داود والترمذى عن ثوبان، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله - تعالى - زوى لى الأرض فر أيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتى سيبلغ ملكها مازوى لى منها ... )) (١). ويبدو لنا أن لا مانع من أن يكون المراد بالأرض التى يرثها العباد الصالحون، ما يشمل أرض الجنة وأرض الدنيا، لأنه لم يرد نص يخصص. أحد المعنيين . وقد سار على هذا التعميم الإمام ابن كثير فقال عند تفسيره هذه الآية : ((يقول الله - تعالى - مخبراعما قضاه لعباده الصالحين، من السعادة فى الدنيا والآخرة، ووراثة الأرض فى الدنيا والآخرة، كقوله - تعالى - «إن الأرض يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين)) وقال - سبحانه -: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد)). وأخبر - تعالى - أن هذا مكتوب مسطور فى الكتب الشرعية، فهو كائن لا محالة، ولهذا قال: ((ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الأرض برتها. عبادى الصالحون ... »(٢) . واسم الإشارة فى قوله - تعالى -: ((إن فى هذا لبلاغا لقوم عابدين، يعود على القرآن الكريم الذى منه هذه السورة. والبلاغ: الشىء الذى يكفى الإنسان الوصول إلى غايته . يقال: فى هذا الشىء بلاغ أى : كفاية أو سبب لبلوغ المقصد. أى: إن فى هذا القرآن، وفیما ذكر فى هذه السورةمن آداب وهدایات، وعقائد وتشريعات، لبلاغا وكفاية فى الوصول إلى الحق ، لقوم عابدين. (١) تفسير الآلوسي = ١٧ ص ٠١٥٣ (٢) تفسير ابن كثير جو ص ٣٨٠. ٣٣١ الجزء السابع عشر وخص العابدين بالذكر ، لأنهم هم المنتفعون بتوجيهات القرآن الكريم، إذ العابد لله - تعالى - بإخلاص، يكون خاشع القلب، فقى النفس، مستعدا للتلقى والتدبر والانتفاع . ثم بين - سبحانه - أن من مظاهر فضله على الناس أن أرسل إليهم نبيه - صلى الله عليه وسلم - ليكون رحمة لهم فقال: ((وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ). أى: وما أرسلناك - أيها الرسول الكريم - بهذا الدين الحنيف وهو دين الإسلام، إلا من أجل أن تكون رحمة للعالمين من الإنس والجن . وذلك لأننا قد أرسلناك بما يسعدم فى دينهم وفى دنياهم وفى آخر تهم فى اتبعوك، واستجابوا لما جئتهم به، وأطاعوك فيما تأمرهم به أوتنهاهم عنهم. وفى الحديث الشريف: « إنما أنا رحمة مهداة، فرسالته - صلى الله عليه وسلم - رحمة فى ذاتها، ولكن هذه الرحمة انتفع بها من استجاب لدعوتها، أما من أعرض عنها فهو الذى ضيع على نفسه فرصة الانتفاع . ورحم الله صاحب الكشاف فقد وضح هذا المعنى فقال: «أرسل - صلى الله عليه وسلم - «رحمة للعالمين، لأنه جاء بما يسعدهم إن أقبعوه. ومن خالف ولم يقبع، فإنما أتى من عند نفسه، حيث ضيع نصيبه منها. ومثاله: أن يفجر الله عينا عذيقة - أى: كبيرة عذبة - ، فيسقى ناس زروعهم، ومواشيهم بماثها فيفلحوا، ويبقى ناس مفرطون فيضيعوا . فالعين المفجرة فى نفسها نعمة من أنه - تعالى - ورحمة للفريقين، ولكن الكسلان محنة على نفسه، حیث حرمها ما ينفعها ،(١) . ثم أمر الله - تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يخبر الناس بأن رسالته لحمنها وسداها الدعوة إلى عبادة الله - تعالى - وحده فقال: ((قل إنما يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد ... ،. ٢٣٢ صورة الأنبياء أى: قل - يا محمد - الناس: إن الذى أو حاه الله - تعالى - إلى من تكاليف وهدايات وعبادات وتشريعات ... تدور كلها حول إثبات وحدانيته - سبحانه - ووجوب إخلاص العبادة له وحده . قال الآلوسي - رحمه الله -: ذهب جماعة إلى أن فى الآية حصر بن. الأول: لقصر الصفة على الموصوف . والثانى: لقصر الموصوف على الصفة. فالأول: قصر فيه الوحى على الوحدانية . والثانى: قصر الله - تعالى - على الوحدانية. والمعنى: ما يوحى إلى إلا اختصاص الله بالوحدانية ، ومعنى هذا القصر أنه الأصل الأصيل وما عداه راجع إليه ، أو غير منظور إليه فى جانبه ... ،(!). والاستفهام فى قوله - سبحانه -: «فهل أنتم مسلمون، للتحضيض. أى: ما دام الأمر كما ذكر لكم فادوا لتسلموا. ثم أرشد - سبحانه - النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى ما يقوله الناس فى حال إعراضهم عن دعوته، فقال: ((فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء .. )). وآذفتكم: من الإيذان بمعنى الإعلام والإخبار. ومنه الآذان للصلاة بمعنى الإعلام بدخول وقتها قال بعضهم: آذن منقول من أذن إذا علم، ولكنه كثر استعماله فى إجرائه مجرى الإنذار والتحذير »(٢). أى: فإن أعرضوا عن دعوتك - أيها الرسول الكريم - فقل لهم: لقد أعلمتكم وأخبر تكم بما أمرنى ربى أن أعلمكم وأخبركم به، ولم أخص أحدا منكم بهذا الإعلام دون غيره، وإنما أخبرتكم جميما(« على سواء، أى: حال كونكم جميعا مستوين فى العلم. (١) تفسير الآلوسي = ١٧ ص ٠١٠٦ (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص.،، ٢٣٣ الجزء السابع عشر فقوله: ((على سواء، فى موضع الحال من المفعول الأول لآنقتكم. أى: فقد أعلتكم ما أمر فى ربى به حالة كونهم مستوين فى هذا العلم. ويجوز أن يكون الجار والمجرور فى موضع الصفة لمصدر مقدر. أى: فقد آذنتكم إيذانا على سواء . وقوله - تعالى -: ((وإن أدرى أقريب أم بعيد ما توعدون)) إرشاد منه - سبحانه - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - إلى ما يقوله لهم - أيضا - فى حال إعراضهم عن دعوته . و ((إن)) نافية. أى: فإن أعرضوا عن دعوتك يا محمد ، فقل لهم: لقد أعلتكم جميعا بما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وإنى بعد هذا التبليغ والتحذير ما أدرى وما أعرف ، أقريب أم بعيد ماتوعدون به من العذاب ، أو من غلبة المسلمين عليكم ، أو من قيام الساعة ، فإن علم ذلك وغيره إلى الله - تعالى .. وحده ، وما أنا إلى مبلغ عنه . فرو - سبحانه - الذى يعلم ما تجهرون به وماتسرونه من أقوال وأعمال. ويعلم - أيضا - ما تكتمونه فى نفوسكم من كفر وجحود وكراهية لى ولأتباعى، وسيعاقبكم - سبحانه - على ذلك العقاب الذى تستحقونه. وقوله - سبحانه -:. وإن أدرى لعله فتنة لملكم ومتاع إلى حين، زيادة فى تأكيد أن على ما سينزل بهم من عقاب مرده إلى الله - تعالى - وحده. أى: وإنى - أيضا - ما أدرى، لعل تأخير عقابكم - بعد أن أعرضتم عن دعوتى - باب الامتحان والاختبار لكم، أو من باب الاستدراج لكم إلى حين مقدر عنده - سبحانه -، ثم يأخذكم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر. وفى إسناد على ماسينزل بهم إلى الله - تعالى - وحده، تخويف لهم أى: تخويف، وأدب ليس بعده أدب من النبى - صلى الله عليه وسلم - مع الله - عز وجل -. ٢٢٤ سورة الأنبياء ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله: ((قال رب احكم بالحق، وربنا الرحمن المستعان)، أى: قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد أن بلغ الرسالة و أدى الأمانة وهو يتضرع إلى ربه : رب احكم بینی وبینهؤلاء الذين أذنتهم على سواء بالحق («وربنا الرحمن، أى: الكثير الرحمة على عباده (((المستعان)) أى: المطلوب منه العون , على ماتصفون، أى: على ما تصفونه بالسنتكم من أنواع الكتب والزور والبهتان . وقرأ أكثر القراء السبعة ((قل رب احكم بالحق ... )) بصيغة الأمر. وهذه القراءة تدل على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أمره الله - تعالى - أن يقول ذلك . وصيفة ((قال .... تدل على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد امتثل أمر ربه، فقال ما أمره بقوله . وبعد: فهذا تفسير لسورة الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام - نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟ القاهرة . مدينة نصر د. محمد سيد طنطاوى الجمعة ١٤٠٥/١/١٧هـ - ١٩٨٤/١٠/١٢ م فهرس إجمالى لتفسير ((سورة الأنبياء)) رقم الآية الآية المفسرة المقدمة والتمهيد ١ ٧ اقترب للناس حسابهم ... وما أرسلنا قبلك إلا وجالا ... ١٠ لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم ... وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ... ١٦ ٢١ أم اتخذوا آلهة من الأرض ... ٢٦ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ... أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ٣٠ وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد ... ٢٤ قل من يكلؤكم بالليل والنهار ... ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ... ولقد آتينا إبراهيم رغده من قبل ... قالوا من فعل هذا بآلهتنا ... قال أتعبدون من دون الله مالاينفعكم ... ولو طا آتيناه حكما وعلما ... ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا ه ... وداود وسلمان إذا مكان فى الحرث ... وأيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الضر ... وإسماعيل وإدريس وذا الكفل ... وذا النون إذ ذهب مغاضبا وذكريا إذ نادى ربه ... ٤٢ ٤٨ ٠١ ٠٩ ٦٦ ٧٤ ٧٦ ٧٨ ٨٣ ٨٥ ٨٧ ٨٩ والن أحصنت فرجها ... ٠٠٠ إن هذه أمتكم أمة واحدة ٩١ ٩٢ ٩٣ واقطعوا أمرهم بينهم ... إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ... ١٠١ يوم تطوى السماء كطى السجل 8- كتب ... ١٠٤ رقم الصفحة ٢٢٩ ٢٣٥ ٢٤٢ ٢٤٤ ٢٥٠ ٢٥٣ ٢٥٧ ٢٦٠ ٢٦٦ ٢٧٤ ٢٨١ ٢٨٣ ٢٨٨ ٢٩٢ ٢٩٧ ٢٩٩ ٣٠٠ ٣٠٩ ٣٠٢ ٣١٢ ٣١٦ ٣١٧ ٣١٨ ٣١٩ ٣٢٥ ٣٢٧ التفسير الوسيط القرآن الكريم ٨ د ٩٠ دكتور محمد سيد طنطاوي مفتى جمهورية مصرالعربية الجزء السابع عشر الطبعة الثانية ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٧ م حقوق الطبع محفوظة للمؤلف بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ رَبَِّ تَقَبِّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّبِعُ العَلِيم) ((صدق الله العظيم،