Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ الجزء السابع عشر وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت أولئك المشركين بجانب من نعم الله - تعالى - عليهم، وحضتهم على التدبر والاتعاظ، وأنذرتهم بسوء العاقبة إذا ما استمروا فى كفرهم وشركهم، وصورت لهم دقة الحساب يوم القيامة ، وأن كل إنسان سيحاسب على عمله سواء أ كان صغيراً أم كبيرا، ولا يظلم ربك أحدا . وبعد أن فصل - سبحانه - الحديث عن دلائل التوحيد والنبوة والمعاد، ورد على المشركين ردا يفحمهم ، أتبع ذلك بالحديث عن قصص بعض الأنبياء تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتثبيتا لقلبه، فقال - تعالى -: (((ولقدْ آتَيْناَ مُوسَى وهارونَ الفُرقانَ وضياء وذكراً للمتقينَ (٤٨) الذِينَ يَخْشَونَ ربهم بِالغَيَبِ وم من الساعةِ مشفِقُونَ (٤٩) وهذا ذِ كْرٌّ مَبَارَكٌ أَنْزِلْنَ، أَفْتُمْ لَهُ منكِرُونَ (٥٠))). والمراد بالفرقان وبالضياء وبالذكر: التوراة، فيكون الكلام من عطف الصفات. والمعنى: ولقد أعطينا موسى وهارون - عليهما السلام- كتاب التوراة ليكون فارقا بين الحق والباطل، وليكون - أيضاً - ضياء يستضى به أتباعه من ظلمات الكفر والضلالة، وليكون ذكراً حسنا لهم، وموعظة يتعظون بما اشتعل عليه من آداب وأحكام. قال الآلوسي: ((قوله - سبحانه -: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا .... نوع تفصيلى لما أجمل فى قوله - تعالى - قبل ذلك: «وما أرسلنا قبلك إلا رجالا فوحى إليهم .. )). : وتصديره بالتوكيد القسمى لإظهار كمال الاعتناء بمضمونه. والمراد : بالفرقان: التوراة، وكذا بالضياء والذكر. والعطف كما فى قوله : ٢٨٢ سورة الأنبياء إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة فى المزدحم وقيل: الفرقان هنا: النصر على الأعداء .. والضياء التوراة أو الشريعة .. وعن الضحاك: أن الفرقان فرق البحر ... )(١). وخص المتقين بالذكر ، لأنهم هم الذين انتفعوا بما اشتمل عليه هذا الكتاب من هدايات . وقوله - تعالى -: ((الذين يخشون ربهم بالغيب .. ، صفة مدح للمتقين. أى: آتينا موسى وهارون الكتاب الجامع لصفات الخير ليكون هداية للمتقين ، الذین من صفاتهم أنهم يخافون ربهم وهو غیر مرئی لهم، ويخشون عذابه فى السر والعلانية «وهم من الساعة مشفقون، أى: وهم من الساعة وما يقع فيها من حساب دقيق خائفون وجلون وليسوا كأولئك الكافرين الجاحدين الذين يستعجلون حدوثها . وخصت الساعة بالذكر مع أنها داخلة فى الإيمان بالغيب، للعناية بشأنها حيث إنها من أعظم المخلوقات، ولشدتها على من أنكرها واستعجل قيامها. واسم الإشارة فى قوله: ((وهذا ذكر مبارك أنزلناه، القرآن الكريم. أى: وهذا القرآن الذى أنزلناه على عبدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - هو ذكر وشرف لكم، وهو كذلك كثير الخيرات والبركات لمن اتبع توجيهاته . والاستفهام فى قوله: ((أفانتم له منكرون)) للتوبيخ والإنكار . والخطاب للمشركين . أى: كيف تنكرون كونه من عند الله مع أنكم بمقتضى فصاحتكم تدر كون من بلاغته ، ما لا يدركه غيركم ، ومع أنكم تعترفون بنزول التوراة على موسى وهارون ، إن إنكاركم الكون القرآن من عند الله، لهو دليل واضح على جحود} للحق بعد أن تبين لكم . (١) تفسير الآلوسي = ١٧ ص ٠٥٧ ٢٨٣ الجزء السابع عشر قال الجمل: ((وتقديم الجار والمجرور على المتعلق، دل على التخصيص. أى: أفأنتم للقرآن عامة دون كتاب اليهود تشكرون فإنهم كانوا يراجعون اليهود فيما عن لهم من المشكلات ،(١). ثم تسوق السورة بعد بشىء من التفصيل قصة إبراهيم - عليه السلام - مع قومه ، وما دار بينه وبينهم من محاورات ومحاولات فتقول : ((واقَدْ آتَيْنَ إبراهيمَ رشدَه من قبلُ وكَنَّا به عالِينَ (٥١) إذْ قالَ لأبيدٍ وقومهِ ما هذِه التماثيلُ التى أَنْتُم لها عاكَفُونَ (٤٢) قالوا وَجَدْنَ آباءناً لها عابدينَ (٥٣) قالَ لقد كنتَمَ أنتَّمْ وَآبَاؤُ كُم فى ضلالٍ مبينٍ(٥٤) قالوا أَجِئْتَناَ بالحقّ أمْ أنْتَ مِنَ اللَّعبين (٥٥) قالَ بلْ رِبُّكُم ربُ السمواتِ والأرضِ الذى فطرَ هُنَّ وأناَ عَلَى ذلِكُم من الشاهدينَ (٥٦) وتا الله لأكيدَنَّ أَصنامُكُم بعدأن تولُّوا مُدبِرِينَ (٥٧) فجعلهم جُذَاذً إلاَّ كبيراً لَهُم لعلَهُم إليه يرْجعونَ (٥٨))). وقصة إبراهيم - عليه السلام - مع قو ٩٠، قد وردت فى سور متعددة منها: سورة البقرة، والعنكبوت ، والصافات ... وهذا تحدثنا سورة الأنبياء عن جانب من قوة إيمانه - عليه السلام - وعن سلامة حجته ، وعن تصميمه على تنفيذ ما يرضى الله - تعالى - بالقول والعمل. والمراد بالرشد : الهداية إلى الحق والبعد عن إرتكاب ما نهى الله - تعالى - عنه . والمراد بقوله - تعالى - ((من قبل، أى: من قبل أن يكون فييا. والمعنى: ولقد آتينا - بفضلنا وإحساننا - إبراهيم - عليه السلام - الرشد (١) حاشية الجمل على الجلالين + ٣ ص ١٢٣ ٢٨٤ سورة الأنبياء إلى الحق، والهداية إلى الطريق المستقيم، من قبل، أى: من قبل النبوة بأن جنبناه ما كان عليه قومه من كفر وضلال . وقد ا كنفى الإمام ابن كثير بهذا المعنى فى قوله - تعالى - ((من قبل، فقال: يخبر - تعالى - عن خليله إبراهيم - عليه السلام -، أنه آ قاء رشده من قبل. أى: من صغره ألهمه الحق والحجة على قومه، كما قال - تعالى -: «وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ... ، (١). ومن المفسرين من يرى أن المقصود بقوله - تعالى -,من قبل، أى. من قبل موسى وهارون ، فقد كان الحديث عنهما قبل ذلك بقليل فى قوله - تعالى -: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا المتقين .. ))، فيكون المعنى: ولقد آتينا إبراهيم رشده وهداء، ووفقتاه للنظر والاستدلال على الحق. من قبل موسى وهارون، لأنه يسبقهما فى الزمان. وقد رجح هذا المعنى الإمام الآلومى فقال: ((ولقد آتينا إبراهيم رشده. أى: الرشد اللائق به وبأمثاله من الرسل الكبار، وهو الرشد الكامل. أعنى: الاهتداء إلى وجوه الصلاح فى الدين والدنيا .. ((من قبل)) أى: من قبل موسى وهارون . وقيل: من قبل البلوغ ... والأول مروى عن ابن عباس وابن عمر. وهو الوجه الأوفق لفظاً ومعنى، أما لفظا فالغرب. وأما معنى فلأن ذكر الأنبياء - عليهم السلام - للتأسى. وكان القياس أن يذكر نوح ثم إبراهيم ثم موسى، لكن روعى فى ذلك ترشيح القسلى والتأمى، فقد ذكر موسى، لأن حاله ومافاساه من قومه ... أشبه بحال نبينا - صلى الله عليه وسلم - )،(٢) . ويبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع للعينين. أى: أن الله - تعالى - قد (١) تفسير ابن كثير جـ ٥ س ٣٤١ (٢) تفسير الآلوسى = ١٧ ص ٠٥٨ ٢٨٥ الجزء السابع عشر أعطى إبراهيم رشده، من قبل النبوة، ومن قبل موسى وهارون لسبقه لهما فى الزمان . وقوله: ((وكنا به عالمين) بيان لكمال علم الله - تعالى - أى: وكنا به وبأحواله وبسائر شئونه عالمين، بحيث لا يخفى علينا شىء من أحواله أو من أحوال غيره. وقوله: (( إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون)) بيان لما جاء به إبراهيم أباه وقومه من قول سديد يدل على شجاعته ورشده. أى: وكنا به عالمين. وقت أن قال لأبيه وقومه على سبيل الإرشاد والتنبيه: ماهذه التماثيل الباطلة التى أقبلتم عليها، وصرتم ملازمين لعبادتها بدون انقطاع . وسؤاله - عليه السلام - لهما بما التى هى لبيان الحقيقة، من باب تجاهل العارف، لأنه يعلم أن هذه الأصنام مصنوعة من الأحجار أو ما يشبها، وإنما أراد بسؤاله تنبيههم إلى فساد فعلهم . حيث عبدوا ما يصنعونه بأيديهم. وعبر عن الأصنام بالنمائيل ، زيادة فى التحقير من أمرها، والتوهين من شأنها ، فإن التمثال هو الشىء المصنوع من الأحجار أو الحديد أو نحو ذلك، على هيئة مخلوق من مخلوقات الله - تعالى -، كالإنسان والحيوان، يقال: مثلت الشىء بالشىء إذا شبهته به . فهو - عليه السلام - سماها باسمها الحقيقى الذى تستحقه ، دون أن يجاريهم فى تسميتها آلهة . وقوله: (« عاكفون)) من العكوف بمعنى المداومة والملازمة. يقال : عکف فلان علی الشىء، إذا لازمه وواظب علیه، ومنه الاعتكاف لآ نه حبس النفس عن التصرفات العادية . وفى التعبير عن عبادتهم لها بالعكوف عليها ، تقطيع لفعلهم وتنفير لهم ٢٨٦ الجزء السابع عشر منه ، حيث أنكبو على تعظيم من لا يستحق التعظيم، وتعلقوا بعبادة تماثيل هم صنعوها بأيديهم. وقوله - سبحانه: ((قالوا وجدنا آباء نالها عابدين، حكاية لما قالوه فى ردم على إبراهيم - عليه السلام - وهو رد يدل على تحجر عقولهم، وانطماس بصائرهم حيث قلدوا فعل آبائهم بدون تدبر أو تفكر. أى : قالوا فى جوابهم على إبراهيم - عليه السلام- وجدنا آباءنا يعبدون هذه النهائيل فرنا على طريقتهم. وهنا يرد عليهم إبراهيم بقوله: ((لقد كنتم أنتم وآباؤكم فى ضلال عبين . أى: لقد كنتم أنتم وآباؤكم الذين وجدتموهم يعبدون هذه الأصنام، فى ضلال عجيب لا يقادر قدره، وفى فساد ظاهر واضح لا يخفى أمره على عاقل، لأن كل عاقل يعلم أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة أو التقديس أو العكوف عليها، والباطل لا يصير حقا يفعل الآباء له . وعندما واجههم إبراهيم - عليه السلام - بهذا الحكم البين الصريح، قالوا له: ((أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين». أى: أجئتنا يا إبراهيم بالحق الذى يجب علينا إتباعه، أم أنت من اللاعبين اللاهين الذين يقولون ما يقولون بقصد الهزل والملاعية. وسؤالهم هذا يدل على تزعزع عقيدتهم ، وشكهم فيما هم عليه من باطل ، إلا أن التفليد لآبائهم . جعلهم يعطلون عقولهم ,ويستحبون العمى على الهدى . ويجوز أن يكون سؤالهم هذا من باب الإنكار عليه. واستبعاد أن يكون آباؤهم على باطل، وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: ((بقوا متعجبين من تضليله إياهم، وحسبوا أن ما قاله إنما قاله على وجه المزاح ٢٨٧ الجزء السابع عشر والمداعبة، لا على طريق الجد، فقالوا له: هذا الذى جئتنا به، أهو جد وحق أم لعب وهزل ،(١) . وقد رد عليهم إبراهيم- عليه السلام - ردا حاسما يدل على قوة يقينه فقال: ( بل ربكم رب السموات والأرض الذى فطر هن ... )). أى: قال لهم إبراهيم بلغة الواثق بأنه على الحق: أنا لست مازلا فيما أقوله لكم (( وإنما أنا جاد كل الجد فى إخباركم، أن الله - تعالى .. وحده. هو رہکم وربآبائكم، ورب السموات والأرض، فهو الذى خلفين وأنشأهن بما فيهن من مخلوقات بقدرته التى لا يعجزها شىء. وقوله: ((وأنا على ذلكم من الشاهدين، تذييل المقصودبه تأكيدما أخبرم به ، وما دعام إليه. أى: وأنا على أن الله - تعالى - هو ربكم ورب كل شىء من الشاهدين ، الذين يثقون فى صدق ما يقولون ثقة الشاهد على شىء لايشك فى صحته . ثم أضاف إلى هذا التأكيد القولى، تأ كيداً آخر فعلى، فقال لهم: «وتاانه لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدیرین». أى: وحق أنه الذى فطركم وفطر كل شىء: لأجتهدن فى تحطيم أصنامكم، بعد أن تنصرفوا بعيدا عنها. وتولوها أدباركم. وأصل الكيد: الاحتيال فى إيجاد ما يضر مع إظهار خلافه. وقد عبر به إبراهيم عن تكسير الأصنام وتحطيمها، لأن ذلك يحتاج إلى احتيال وحسن تدبير. وقد نفذ إبراهيم ما قوعد به الأصنام ، فقد انتهز فرصة ذهاب قومه بعيدا عنها خطمها، قال تعالى -, فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون)). (١) تفسير الكشاف =٣ ص١٢٢ ٢٨٨ سورة الأنبياء والفاء فى قوله: ((فجعلهم، فصيحة، والجذاذ القطع الصغيرة جمع جذاذة من الجذ بمعنى القطع والكسر. أى: فولوا مدبرين عن الأصنام. جعلها بفأسه قطعا صغيرة، بأن حطمها عن آخرها - سوى "صنم الأكبر لم يخطمه بل تركه من غير تكسير . لعلهم إليه يرجعون فيسألونه كيف وفعت هذه الواقعة وهو حاضر، ولم يستطع الدفاع عن إخوته الصغار ؟ !!. ولعل إبراهيم - عليه السلام - قد فعل ذلك ليقيم لهم أوضح الأدلة على أن هذه الأصنام لا تصلح أن تكون آلهة ، لأنها لم تستطع الدفاع عن نفسها، وليحملهم على التفكير فى أن الذى يجب أن يكون معبودا، إنماهو الله الخالق لمكل شىء، والقادر على كل شىء. قال الألوسى ما ملخصه: «وقوله: «لعلهم إليه يرجعون، ليبان وجه الكسر واستبقاء الكبير. وضمير ((إليه، عائد إلى إبراهيم. أى: لعلهم يرجعون إلى إبراهيم ، فيحاجهم ويبكهم ... وعن الكلبى: أن الضمير للكبير: أى: لعلهم يرجعون إلى الكبير، كما يرجع إلى العالم فى حل المشكلات فيقولون له. ما لهؤلاء مكسورة، ومالك صحيحاً، والفأس فى عنقك أو فى يدك؟ وحينئذ يقبين لهم أنه عاجز لا ينفع ولا يضر، ويظهر أنهم فى عبادته على جهل عظيم .... )،(١). وعاد القوم إلى أصنامهم عد تركهم إياها لفترة من الوقت، فوجد وها قد تحطمت إلا ذلك الكبير، «أصابهم ما أصابهم من الذهول والعجب، وصور القرآن الكريم ذلك فيقول : ((قَالُوا مَنْ فعَل هذَا بآلهتِنَا إنه لِنَّ الظالمِينَ (٥٩) قالوا سمِعْناً فتى (١) تفسير الألوسى ج ١٧ ص ٦٢. ٢٨٩ الجزء السابع عشر يذكُرُمُ يقالُ لَهُ إبرَاهِيمُ (٦٠) قالوا فأْتُوا بِهِ عَلَى أَمْيُنِ النَّاسِ لعَلَّهم ◌ِشهدُونَ (٦١) قالوا أَأَنتَ فعلتَ هذَا بآلهتنا يا إبرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ ◌َلْ فَعله كبيرُمُ هذَا فا أَلُوهُم إنْ كَانُوا يَنْطِقون (٦٣) فَرجَمُوا إِلى أنْفُسِهِم فقالوا إنكُم أنتََّ الظالِمُون (٦٤) ثُمَّ نكِوا عَلَى رُءوسِهِم لقد عَلِمِت ما هؤلاء ينطقِونَ (٦٥))). أى: وحين رجع القوم من عيدهم ورأوا ماحل بأصنامهم ((قالوا، على سبيل التفجع والإنكار: (( من فعل هذا، الفعل المنيع ((بآلهتنا)) الى نعظمها ((إنه)) أى هذا الفاعل (( لمن الظالمين، لهذه الآلهة . لإقدامه على إهانتها وهى الجديرة بالتعظيم - فى زعمهم -، ولمن الظالمين لنفسه حيث سيعرضها العقوبة منا . (قالوا، أى: بعضهم وهم الذين سمعوا من إبراهيم قوله: « وقا الله أكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين. (( سمعنا فى يذكرهم يقال له إبراهيم، والمراد بالذكر هنا: الذكر بالسوء والذم . أى: سمعنا فى يذكرهم بالنقص والذم والتهديد بالكيد ، وهذا الفتى يقال له إبراهيم، ولعله هو الذى فعل بهم ما فعل. وهنا تشاوروا فيما بينهم وقالوا: إذا كان الأمر كذلك: «فاقوا به، وأحضروه «على أعين الناس، أى: أمام أعينهم ليتمكنوا من رؤيته على أنم وجه («لعلهم يشهدون، مساءلتنا له، ومواجهتنا إياه بالعقوبة التى يستحقها على فعله هذا، أو يشهدون عليه بأنه هو الذى حطم الأصنام. قال ابن كثير: (( وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم، أن يقبير فى هذا الحفل العظيم، كثرة جهلهم، وقلة عقلهم ، فى عبادة هذه الأصنام ، التى (١٩ -- سورة الأنبياء ) ٠ ٢٩٠ سورة الأنبياء لا تدفع عن نفسها ضراء ولا تملك لها نفعا ... ، (١). وجاءوا بإبراهيم - عليه السلام - وقالوا له على سبيل الاستنكار والتهديد: (أأنت فعلت هذا، التكسير والتحطيم ((بآلهتنا، التى نعبدها, با إبراهيم)»؟ وهنا يرد عليهم إبراهيم - عليه السلام - بتهكم ظاهر، واستهزاء واضح فيقول: (( بل فعله كبيرهم هذا)، يعنى الذى تركه بدون تحطيم، فإن كنتم لم تصدقوا أولى ((فاسألوم)) عمن فعل بهم ذلك، إن كانوا ينطقون، أى: إن كانوا من يتمكن من النطق أجابوكم وأخبروكم عمن فعل بهم ما فعل . فأنت ترى أن إبراهيم - عليه السلام - لم يقصد بقوله هذا الإخبار بأن كبير الأصنام هو الذى حطمها، أو سؤالهم للأصنام عمن حطمها، وإنما الذى يقصده هو الإستهزاء بهم، والسخرية بأفكارهم، فكأنه يقول لهم: إن هذه المائيل التى تعبدونها من دون الله، لا تدرى إن كنت أنا الذى حطمتها أم هذا الصنم الكبير، وأنتم تعرفون أنى قد بقيت قريبا منها بعد أن وليتم عنها مديرين، وإذا كان الأمر كذلك فانظروا من الذى حطمها إن كانت امكم عقول تعقل؟ قال صاحب الكشاف: «هذا - أى قول إبراهيم لهم: بل فعله كبيرهم هذا - من معاريض الكلام، ولطائف هذا النوع لا يتغلغل فيها إلا أذهان الراضية من علماء المعانى . والقول فيه أن قصد إبراهيم - عليه السلام - لم يكن إلى أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم، وإنما قصد تقريره لنفسه، وإثباته لها على أسلوب تعريض، يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجة وتبكيتهم. : وهذا كما لو قال لك صاحبك، وقد كتبت كتابا بخط رشيق - وأنت شهير حسن الخط ـ: أأنت كتبت هذا؟ وصاحبك أمى لا يحسن الخط ، ولا يقدر (١) تفسير ابن كثير جوس ٠٣٤٣ ٢٩١ الجزء السابع عشر إلا على خرمشة فاسدة - أى كتابة رديئة - فقلت له: بل كتبته أنت، كانقصدك هذا الجواب، تقرير أن هذه الكتابة لك، مع الاستهزاء به .. ، (١). وهذا التفسير الآية الكريمة من أن إبراهيم - عليه السلام - قد قال لقومه ما قال على سبيل الاستهزاء بهم، هو الذى تطمئن إليه قلوبنا، وقد تركنا أقوالا أخرى للفسرين فى معنى الآية، نظراً لضعف هذه الأقوال بالنسبة لهذا القول . . وقوله - سبحانه -: ((فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون)) بيان الأثر الذى أحدثه رد إبراهيم - عليه السلام -. أى: أنهم بعد أن قال لهم إبراهيم ، بل فعله كبيرهم هذا فاسألوم إن كانوا بنطقون، أخذوا فى التفكر والتدبر، فرجعوا إلى أنفسهم باللوم ، وقال بعضهم لبعض إنكم أنتم الظالمون، حيث عبدتم ما لا يستطيع الدفاع عن نفسه أو حيث تركتم آلهتكم بدون حراسة .. ي( ولكن هذا الأثر، وهذا اللوم لأنفسهم، لم يلبث إلا قليلا حتى تبدد، بسبب استيلاء العناد والجحود عليهم، فقد صور القرآن حالهم بعد ذلك فقال: « ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون)). وقوله: (( فكسوا)) فعل مبنى للمجهول من النكس، وهو قلب الشىء من حال إلى حال، وأصله: قلب الشىء بحيث يصير أعلاه أسفله. أى: ثم انقلبوا من لومهم لأنفسهم لعبادتهم لما لا يقدر على رفع الأذى عنه، إلى التصميم على كفرهم وضلالهم، فقالوا لإبراهيم على سبيل التهديد: لقد علمت أن هذه الأصنام لا تنطق، فكيف تأمرنا بسؤالها؟ إن أر ك هذا لا لهو دليل على أنك تسخر بعقولنا، ونحن لن نقبل ذلك، ومننزل بك العقاب الذى تستحقه . (١) تفسير الكشاف = ٣ ص ٠١٢٤ ٢٩٢ سورة الأنبياء وقد شبه القرآن الكريم عودتهم إلى باصلهم وعنادهم ، بعد رجوعهم إلى أنفسهم باللوم ، شبه ذلك بالانتكاس ، لأنهم بمجرد أن خطرت لهم الفكرة. السليمة ، أطفأوها بالتصميم على الكفر والضلال، فكان مثلهم كمثل من انتكس على رأسه بعد أن كان ماشيا على قدميه، فياله من تصوير بديع لحالة من يعود إلى الظلام ، بعد أن يتبين له النور . والجملة الكريمة ((لقد علمت ما هؤلاء ينطقون)) جواب لقسم محذوف» مفعول لقول محذوف، والتقدير: ثم نكسوا على رءوسهم قائلين: والله لقد علمت ماهؤلاء ينطقون . ولم يملك إبراهيم إزاء انتكاسهم على رؤوسهم، إلا أن يوبخهم بعنف وضيق» - وهو الحليم لأواه المنيب - وقد قابلوا تأنيبه لهم بتوعده بالعذاب الشديده ولكن الله - تعالى - تجاه من مكرهم، قال - تعالى -: ((قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَالاَ يَتَفْسُكُمْ شيئاً ولا يَضُرُّكُم (٦٦) أُفّ لكُم ولما تعبُدُونَ من دُونِ اللهِ أفلاَ تَعقلونَ (٦٧) قالوا حَرَّقُوهُ وانصُرُوا الْمَتْكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَأَمِينَ (٦٨) قلنا يا نَارُ كُوْفِى برداً وسلاماً عَلَى إِبراهيمَ (٦٩) وأرَادُوا به كيداً فجعلْنَمُ الْأَخَرِينَ (٢٠) وَجَيْنَهُ ولوطاً إلى الأرضِ التى باركْنَاَ فيها للمالِينَ (٧١) وَوَهَبْنَاَ لَهُ إسحاقَ ويُعْقُوبَ نافِلةً، وكُلّ جعلناَ صَلِنَ (٧٢) وجعَلْنَمْ أُمّةً يهدُونَ بأمرِفَ وأَوْ حَيْنَاَ إليهِمْ فَعْلَ الخيراتٍ وإقامَ الصَّلاَةِ وإيتاء الزكاةٍ وكانُوا النَّ عَابِدِينَ (٧٣))). أى : قال إبراهيم لقومه بعد أن ضاق بهـ ذرعا: أتتركون عبادة الله الذى خلفكم، وتعبدون غيره أصناما لا تنفعكم بشىء من النفع، ولا تضرك ٢٩٣ الجزء السابع عشر بشيء من الضر، ثم يضيف إلى هذا التبكيت لهم، الضجر منهم ، فيقول: ((أي لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون)). و«أف، اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر، وأصله صوت المتضرر من استقدار الشىء واللام فى قوله (( لكم)) لبيان المتضجر لأجله. أى: سحقا وقبحا لكم، ولما تعبدونه من أصنام متجاوزين بها عبادة الله - تعالى - عن جهل وسخف وطغيان . « أفلا تعقلون، ما أنتم فيه من ضلال واضح، فترجعون عنه إلى عبادة الواحد القهار . وعندما وصل إبراهيم فى توبيخهم وتبكيتهم إلى هذا الحد، أخذتهم العزة بالإثم، شأنهم فى ذلك شأن كل طاغية جهول ، يلجأ إلى القوة الغاشمة بعد أن تبطل حجته، فقالوا فيما بينهم: « حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ». أى: قال بعضهم لبعض بعد أن عجزوا عن مقارعة الحجة بالحجة ، وبعد أن رأوا إبراهيم قد أفحمهم بمنطقة الحكيم: ((حرقوه، أى: بالنار، فإنها أشد العقوبات . قيل : إن الذى افترح عليهم ذلك هو رئيسهم: نمروذ بن كنعان. وقيل: هو رجل من الفرس اسمه: هينون ... وقوله: ((وأنصروا آلهتكم .. )) بيان السبب تحريقه بالنار. أى: حرقوه بالنار من أجل الانتصار لآلهتكم التى حامها فى غيبتكم «إن كنتم فاعلين،. أى: إن كنتم بحق تريدون أن تنصروا آلهتكم نصرا يرضيها، فأحرقوه بالنار. ٢٩٤ سورة الأنبياء قال صاحب الكشاف: « أجمعوا رأيهم - لما غلبوا - بإهلاك: وهكذا. المبطل إذا قرعت شبيهته بالحجة وافتضح. لم يكن أحد أبغض إليه من الحق. ولم يبق له مفزع إلا مناصبته، كما فعلت قريش برسول الله - صلى اله عليه .. وسلم - حين عجزوا عن المعارضة . والذى أشار بإحراقه: نمروذ . وعن ابن عمر: رجل من أعراب. العجم .. واختاروا المعاقبة بالنار لأنها أهول ما يعاقب به وأفظعه، ولذلك جاء: لا يعذب بالنار إلا خالقها. (٢) . وقوله -: «قلنا يا نار كونى بردا وسلاما على إبراهيم .. ، مسبوق بكلام محذوف يفهم من سياق القصة . والتقدير: وأحضر قوم إبراهيم الحطب، وأضرموا فير انا عظيمة، وألقوا بإبراهيم فيها، فلما فعلوا ذلك قلنا يانار كونى - بقدرتنا وأمرنا .. ذات برد، وذات سلام على إبراهيم، فكانت كما أمرها الله - تعالى -، وصدق. - سبحانه - إذ يقول: (« بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ،(٢). وتحولت النار إلى برد وسلام على إبراهيم، وأراد الكافرون به کیدا ، أى إحراقا بالضار ((فجعلناهم، بإرادتنا وقدرتنا ((الأخسرين)، حيث لم يصلوا إلى مايريدون، ولم يحققوا النصر لآلهتهم، بل رد اقه - تعالى - كيدم. فى نحورهم . وقال - سبحانه - ((فجعلناهم الأخسرين، بالإطلاق لتشمل خسارتهم كل خسارة سواء أ كانت دنيوية أم أخروية. وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآبات آثارا منها: أن إبراهيم (١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ١٢٦. (٢) سورة البقرة الآية ١١٧ ٢٩٥ الجزء السابع عشر - عليه السلام - حين جىء به إلى النار، قالت الملائكة: ياربنا ما فى الأرض أحد بعبدك سوى إبراهيم، وأنه الآن يحرق فأذن لنا فى نصرته !! فقال - سبحانه -: إن إستغات بأحد منكم فلينصره. وإن لم يدع غيرى فأنا أعلم به، وأنا وليه ، دخلوا بينى وبينه، فهو خليلى ليس لى خليل غيره . فأنى جبريل - عليه السلام - إلى إبراهيم، فقال: ألك حاجة ؟ فقال إبراهيم: أما إليك فلا ، وأما إلى الله فنعم !! فقال له جبريل: فم لا نسأله؟ فقال إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - : حسي من سؤالى علمه بحالى .. ))(١). ثم بين - سبحانه - نعما أخرى أنعم بها على إبراهيم فقال: ((ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي بار كنا فيها للعالمين .... والضمير فى قوله. ((ونجيناه)) يعود إلى إبراهيم. و«لوطاء هو ابن أخيه ، و قيل : ابن عمه. والمراد ((بالأرض التي بار كنا فيها، أرض الشام على الصحيح. وعدى (( نجيناه)) إلى، لتضمينه معنى أخر جناه. أى: وأخر جناه ولوطا إلى الأرض التى باركنا فيها، بأن جعلناها مهبطا للوحى ، ومبعثا الرسل لمدة طويلة، وبأن جعلناها كذلك عامرة بالخيرات وبالأموال وبالثمرات للأجيال المتعاقبة . والآية الكريمة تشير إلى هجرة إبراهيم ومعه لوط - عليهما السلام- ·فى أرض العراق التى كانا يقيمان فيها، إلى أرض الشام، فرارا بدينهما. بعد أن أراد قوم إبراهيم أن يحرقوه بالنار، فأبطل الله - تعالى - كيدم ومكرهم ، وتجاه من شرم . (١) راجع تفسير الآلوسي = ١٧ ص ٦٨: ٢٩٦ سورة الآنيا. وقد أشار - سبحانه - إلى ذلك فى آيات أخرى منها قوله - تعالى -: فآمن له لوط وقال أنى مهاجر إلى ربى أنه هو العزيز الحكيم .. ، (١). وقوله - تعالى -: ((ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة ... » بين لنعمة أخرى من النعم التى أنعم الله - سبحانه بها على إبراهيم. والنافلة: الزيادة على الأصل. ولذا سميت صلاة السنن فافلة، لأنها زيادة على الصلوات المفروضة. وإسحاق هو ابن إبراهيم. ويعقوب هو ابن إسحاق . فلفظ « ناهلة ، حال من يعقوب . أی: ووهبنا لإ براهيم يعقوب حال. كونه زيادة على إسحاق. «وكلا،من المذكورين وم إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب . (وجعلنا صالحين، أى: جعلناهم أفراداً صالحين، بأن ومقناهم لما نحبه وأرضاه، وشرفنام بالنبوة والرسالة . ((وجعلناهم أئمة يهدون أمرنا، أى: وجعلنا هؤلاء المذكورين، أنمة فى الخير ، بهدون وير شدون غيرهم إلى الدين الحق بسبب إأمرنا لهم بذلك ، وتكليفهم بتبليغ وحينا إلى الناس. قال صاحب الكشاف: ((قوله - سبحانه -: ((يهدون بأمرنا، فيه ان من صلح ليكون قدوة فى دين الله، فالهداية محتومة عليه، مأمور بها من جهة اله ليس له أن يخل بها، ويتشاقل عنها، وأول ذلك أن يهتدى بنفسه، لأن الإنتفاع بهداه أعم، والنفوس إلى الإقتداء بالمهدى أميل)،(٢). وقوله: ((وأوحينا إليهم فعل الخيرات، أى: وأوحينا إليهم أن يفعلوا الطاعات ، وأن يأمروا الناس بفعلها، وأوحينا اليهم كذلك: إقام الصلاة (١) سورة العنكبوت الآية ٠٢٦ (٢) تفسير الكشاف ج٢ ص ٠٠٢٧ ٢٩٧ الجزء السابع عشر وإبقاء الزكاة، أى: أن يقيموا الصلاة وأن يؤدوا الزكاة وأن يأمروا غيرهم : بذلك . وعطف إقام الصلاة وإيتاء الزكاة على فعل الخيرات من باب عطف الخاص على العام. للاهتمام به إذ الصلاة أفضل العبادات البدنية المالية (وكانوا لنا عابدين، لا لغيرنا، فهم لم يخطر بالهم عبادة أحد سوانا، لأنهم من "المصطفين الأخيار. هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة التى وردت فى قصة إبراهيم مع قومه . يراها قد حكت لنا غيرة إبراهيم - عليه السلام - على دين الله - تعالى - وقوة عزيمته فى الدفاع عن الحق، ومجاهدته بما يعتقده بدون خوف من قومه، وجمعه فى دعوته بين القول والعمل . كما يراها قد بينت لنا أن من يدافع عن دين الله - تعالى - يدافع اله - سبحانه - عنه، وينصره على أعدائه، ويرد كيدهم في نحورهم. كما يراها - أيضا - قد أشارت إلى أن من هاجر من أرض إلى أخرى من أجل إعلاء كلمة الله - تعالى - رزقه الله نظير ذلك الخبر والبركة، والذربة الصالحة التى تهدى غيرها إلى الطريق المستقيم . ثم ساق - سبحانه - جانبا من قصة لوط - عليه السلام - مع قومه فقال - تعالى -: «ولوطاً آتَيْنَاَه حُكْمَاً وعلماً، ونجيناه منَ القَريةِ التى كانتْ تَعَمَلُ الْبَئِثَ، إِنَّهم كانُوا قوْمَ سّوه فاسِقِينَ (٧٤) وأَدْخَانَهُ فى رحمتِناَ إنَّه مِنَ الصَّالحِينَ (٧٥) )) . وقوله - تعالى -: ((ولوطا)) منصوب بفعل مضمر يفسره المذكور بعده وهو «آ تيناه». أى: وآتينا لوطا - عليه السلام - ((حكما، أى: نبوة، أو حكمة تهديه ,75 ٢٩٨ سورة الأنبياء إلى ما يجب فعله أو تركه و(علما، أى: علما كثيراً لما ينبغى علمه وفهمه . (( ونجيناه من القرية التى كانت تعمل الخبائث والمراد بالقرية: قرية سدوم التى أرسل الله - تعالى - لوطا لأهلها. والأعمال الخبيثة التى كانوا يعملونها على رأسها الإشراك باقه - تعالى-، وفاحشة اللواط التى اشهروا بها دون أن يسبقهم إليها أحد. كما قال - تعالى -: , ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بهامن أحد من العالمين أنفكم لتأتون الرجال ، وتقطعون السبيل - أى الطريق -، وتأقون فى ناديكم - أى فى مجالسكم المنكر، فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين .... (١) . أى: ونجينا لوطا بفضلنا ورحمتنا من العذاب الذى حل بأهل قريته الذين كانوا يعملون الأعمال الخبائث، كالشرك بالله - تعالى - واللواط، وقطعهم الطريق، وارتكابهم المنكر فى مجالسهم . وقوله - تعالى -: ((إنهم كانوا قوم سوء فاسقين) تعليل لنجاة لوط - عليه السلام - ما حل بهم. أى: جعلنا هذه القرية عاليها سافلها، ونجينا لوطا ومن آمر معه من العذاب الذى حل بسكانها « إنهم كانوا قوم سوء)) أى: أصحاب عمل سىء ,( فاسقين ، أى : خارجين عن طاعتنا . (( وأدخلناه، أى: لوطا(( فى رحمتنا، أى: فى أهل رحمتنا فى الدنيا والآخرة ((إنه من الصالحين)) الذين سبقت لهم منا الحسنى. ثم ذكرت السورة الكريمة جانبا من قصة نوح مع قو ٩٠. قال - تعالى - : (١) سورة العنكبوت الآية ٢٨، ٠٢٩ ٢٩٩ الجزء السابع عشر (( ونَوحاً إذ نادى من قبلُ فاسْتَجِبْنَاَ لهُ، فنجَينَهُ وأهلهُ من .الكرب العظيم (٧٦) ونصرناه من القومِ الذينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهم كانوا قَوْمَ سَوءٍ فَأَغْقناَم أجمعينَ (٧٧)». أى: واذكر - أيضا - أيها المخاطب عبدا (( نوحا)) - عليه السلام - ((إذا نادى من قبل ، أى: حين نادانا واستجار بنا من قبل زمان إبراهيم ومن جاء بعده من الأنبياء . وهذا النداء الذى نادى به نوح ربه ، قد جاء ذكره فى آيات منها قوله - تعالى -: ((ولقد ناداما نوح فلمنعم المجيبون. ونجيناه وأهله من الكرب العظيم ... ، (١). وقوله - سبحانه -: ((وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ... )،(٢) . ((فاستجبنا له، أى: أجبنا له دعاءه، ولم يخيب له رجاء فينا. ((فنجيناه وأهله، الذين آمنوا به وصدقوه ((من الكرب العظيم)، أى: من الطوفان العظيم الذى أغرق الكافرين ، والذى كانت أمواجه كالجبال . وأصل الكرب: الغم الشديد. يقال: فلان كربه هذا الأمر، إذا ضايقه وجعله فى أقصى درجات الهم والخوف. قال الألوسى: ((وكأنه على ماقيل من كرب الأرض، وهو قلبها بالحفر. إذ الغم يثير النفس إثارة ذلك ، أو من كربت الشمس إذا دقت للمغيب ، فإن الغم الشديد، تكاد شمس الروح تغرب منه ... وفى وصفه بالعظيم تأكيد ٨/ (١) سورة الصافات الآيتان ٧٥، ٧٦. (٢) سورة نوح الآية ٠٢٦ (٣) تفسير الآلوسي = ١٧ ص ٠٧٣ ٣٠٠ سورة الأنبياء ((ونصر ناه، بفضلنا وإحسانناء من القوم الذين كذبوا بآياتنا، الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا . وعلى أن نوحا رسولا من رسلنا. والمراد بهؤلاء القوم: قومه الذين لبث نوح فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما. يدعوهم إلى إخلاص العبادة لله. فلم يؤمن به إلا قليل منهم. . إنهم كانوا فوم سوء)، أى: إنهم كانوا قوما يعملون أعمال السوء والفي. (أغرقناهم أجمعين. بسبب إصرارهم على الكفر والعصيان، ولم فنج منهم إلا من اتبع فو ما عليه السلام. ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من قصة نبيين كريمين هما داود وسليمان فقال - تعالى -: ( ودَاوُدَ وَسَلَيمَانَ إذ يحُكُمَانٍ فِى الْحرثِ، إذْ تَقَشَتْ فيه عَمْ القومِ، وكَنَّا لحَكُمهمْ شاهِدينَ (٧٨) فقهّناها سليمانَ، وكُلاًّ آتْنا حُكْماً وعلماً وسَخَّرنا مَع داوُدَ الجبالَ يُسَبَّحْن والطيرّ وكُنَّا فاعلينَ (٧٩) وعلَّنَاهُ صِنْعَةَ لْبُّوسٍ لِكُم، لتحصِنكُم من بَأْسِكُم فهلْ أنتُ شاكِرُونَ (٨٠) ولسليمان الريح عاصفةً تَجْرِى بِأَمْرِهِ إلى الأرْضِ التى بارَ كْنَاَ فيها، وكَنَّا بُكُلُ شيءٍ عالِينَ (٨١) ومِنَ الشياطينٍ من يُوصُون لهُ ويعملُونَ عملاً دُونَ ذَلِكَ وَكَنَّا لَهُم مَافِظِينَ (٨٢)). وقوله - سبحانه -: ((وداود ٠٠٠)) منصوب - أيضا - بفعل مقدر، أو معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك: ((ونوحا إذ نادى ... )). وسليمان هو ابن داود، وكلاهما من أنبياء الله - تعالى -، وينتهى نسبهما. إلى يعقوب - عليه السلام - وكانت وفاتهما قبل ميلاد المسيح - عليه السلام - بألف سنة تقريبا، وقد جمع الله - تعالى - لهما بين الملك والنبوة.