Indexed OCR Text
Pages 221-240
فهرس إجمالى لتفسير ((سورة طه)) رقم الآية الآية المفسرة الصفحة رقم الـ المقدمة ١٠١ ١ وهل أتاك حديث موسى ... ١٧ ومانك بيمينك باموسى ... ٣٦ ٤٢ ٤٩ ٦١ ٧١ فل قد أوتيت مؤلك ياموسى ... اذهب أنت وأخوك بآياتى ولاتفيا فى ذكرى ... قال فمن ربكما ياموسى ... قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الأ كذبا ... قال آمنتم له قبل أن آذن لكم ... ولقد أوحيا إلى موسى أن أسر بمبادى ... وما أحجام عن قومك ياموسى ... ولقد قال لهم هارون من قبل . . قال ياهارون ما منعك إذ وأيتهم ضلوا ... قال فما خطبك إسادرى ... كذلك نقضى عليك من أبناء ماقد سبق ... ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفاء .. وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً ... ولقد عهدنا إلى آدم من قبل ... ١٠٥ ١١٣ ١١٥ ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ... ١٢٤ فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك ... ١٣٠ وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه ... ١٣٣ ب:". ١٠٦ ١١١ ١١٨ ١٢٥ ١٣٢ ١٣٩ ١٥١ ١٥٩ ١٦٤ ١٦٩ ١٧٦ ١٧٨ ١٨٠ ١٨٦ ١٩٠ ١٩٦ ١٩٨ ٢٠٦ ٢١٠ ٢١٥ ٨٣ ٩٠ ٩٢ ٩٩ طه . ما أنزلنا عليك القرآن المشقى ... التفسير الوسيط للقرآن الكريم تَفَسْيرُ سُودَة الأَاءُ دكتور محمد سيد طنطاوي مفتى جمهورية مصر العربية الجزء السابع عشر الطبعة الثانية ١٤٠٨ ٠ - ١٩٨٧ م حقوق الطبع محفوظة للمؤلف حِسِّهُالَمِلَيْ المقدّمَه الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين . وبعد: فهذا تفسير تحليلى لسورة ( الأنبياء) وأسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعاً لعباده وشفيعا لنا يوم نلقاه . ( يوم لا ينفع مال ولا بنون . إلا من أتى الله بقلب سليم). وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ المؤلف د / محمد سيد طنطاوى بسم الله الرحمن الرحيم ﴿رَبَِّ تَقَبِّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَّ السَّبِعُ العَلِيم) (صدق الله العظيم)) تمهيد بين يدى السورة ١ - سورة الأنبياء، من السور المكية. وعدد آياتها اثنتا عشرة ومائة عند الكوفيين . وعند غيرهم إحدى عشرة آية ومائة . وكانت نزولها بعد سورة إبراهيم . قال الآلوسي : وهى سورة عظيمة ، فيها موعظة خيمة، فقد أخرج ابن مردويه وأبو نعم فى الحلية ، وابن عساكر ، عن عامر بن ربيعة أنه نزل به رجل من العرب فأكرمه عامر، وكلم فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجاءه الرجل فقال: إنى استقطعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واديا مافى العرب واد أفضل منه . وقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك . فقال عامر: لا حاجة لى فى ذلك ، فقد نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا . ثم قرأ: ((اقترب للناس حسابهم وم فى غفلة معرضون ... ))(١). ٢ - وعندما نقرأ هذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل، نراها فى مطلعها تسوق لنا مايهز القلوب، ويحملها على الاستعداد لاستقبال يوم القيامة بالإيمان والعمل الصالح، ويزجرها عن الغفلة والإعراض. (١) تفسير الآلوسى + ١٧ ص ٢ - ٢٢٢ - قال - تعالى -: «اقترب للناس حسابهم وهم فى غفلة معرضون . ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون ... )). ٣ - ثم تحكى السورة بعد ذلك ألوانا من الشبهات التى أثارها المشركون. حول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحول دعوته، وردت عليهم بما يبطل شبهاتهم وأقوالهم، فقال - تعالى -: ((بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه، بل هو شاعر، فليأتنا بآية كما أرسل الأولون)). ((ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم ؤمنون. وما جملنام جداً لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين .... ٤ - ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك أدلة متعددة على وحدانية الله - تعالى - وعلى شمول قدرته، منها قوله - عز وجل -: «أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون. لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، فسبحان اقه رب العرش عما يصفون . لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . .... وقوله - سبحانه -: ((أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما، وجعلنا من الماء كل شىء حى أفلا يؤمنون، وجعلنا فى الأرض رواسى أن تميدبهم، وجعلنا فيها جاجا سبلا لعلهم يهتدون، وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون ... ». ٥ - وبعد أن ذكرت السورة ألوانا من نعم الله على خلقه، وحكت جانبا من تصرفات المشركين السيئة مع النبى - صلى الله عليه وسلم - أقبعت ذلك بتسليته - صلى الله عليه وسلم - عما قالوه فى شأنه . قال - تعالى -: ((ولقد استهزىء برسل من قبلك ـفاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون» . ٦ - ثم عرضت السورة الكريمة جانبا من قصص بعض الأنبياء، قارة = ٢٣٠ - على سبيل الإجمال، وتارة بشىء من التفصيل، فتحدثت عن موسى وهارون، وعن إبراهيم ولوط، وعن إسجاق ويعقوب، وعن نوح وأيوب، وعن داود وسليمان، وعن إسماعيل وإدريس، وعن يونس وزكريا . وفى نهاية حديثها عنهم - صلوات الله وسلامه عليهم - عقبت بالمقصود الأساسى من رسالتهم، وهو دعوة الناس جميعا إلى إخلاص العبادة لله - تعالى -، وأنهم جميعا قد جاءوا برسالة واحدة فى جوهرها، فقال - تعالى -: ((إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)). ٧ - ثم تحدثت فى أواخرها عن أشراط الساعة، وعن أهوالها ، وعن أحوال الناس فيها ... قال - تعالى -: «حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون . واقترب الوعد الحق فإذا هى شاخصة أبصار الذين كفروا، يا ويلنا قد كنا فى غفلة من هذا بل كنا ظالمين .... ٨ - ثم ختم - سبحانه - سورة الأنبياء بالحديث عن سنة من سننه التى لا تتخلف. وعن رسالة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وعن موقفه من أعدائه، فقال - تعالى - : ( ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادى الصالحون. إن فى هذا لبلاغا لقوم عابدين. وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. قل إنما يوحى إلى أنما إحكم إله واحد فهل أنتم مسلمون. فإن تولوا فقل أذفتكم على سواء، وإن أدرى أقريب أم بعيد ما توعدون. إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تسكتمون . وإن أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين. قال رب أحكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون». - ٢٣٤ - وبعد : فهذا عرض إجمالى لسورة الأنبياء، ومنه نرى أنها قد أقامته. ألوانا من الأدلة على وحدانية الله - تعالى -، وعلى صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن يوم القيامة حق ... كما حكمت شبهات المشركين وردت عليها بما يبطلها، كما ساقت نماذج متعددة من قصص الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -. ٠ ٠ التفسير قال الله تعالى: ((اقتربَ للنَّاسِ حِسَبَهم وهُمْ فِى غَفْلةٍ مُعرِضُون (١) ما يَأْتِيهِم من ذِكْرٍ مِنْ رِبِهِم ◌ُحْدَث إلاَّ استعُوهُ وهُمْ يِسْبُونَ (٢) لامِيةً قلوبُهم وأَسَرُّوا النّجْوى الذين ظلّمُوا هَل هذَا إلا بشرٌ مِثلِكُم أفْتَّاتُونَ السَّحر وأنتم تُبْصِرُونَ (٣) قالَ ربّى يعلّمُ القولَ فى السَّماء والأرضِ وهُو السميعُ العليمُ (٤) بلْ قَالُوا أَعْفَتُ أحلامٍ بل افتَرَاهُ بلْ هُو شَأمرٌ فَيَأْتِنَا بآيةٍ كَما أُرسِلَ الْأُولُونَ (٥) ما آمنَتْ قبلَهُم من قريةٍ أَهْلَكْنَهَا أفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦))). وقوله - سبحانه -: «اقترب، من القرب الذى هو عند البعد. والمعنى: قرب الزمن الذى يحاسب فيه الناس على أعمالهم فى الدنيا، والحال أن الكافرين منهم فى غفلة تامة عن هذا الحساب، وفى إعراض مستمر عن الاستعداد له بالإيمان والعمل الصالح . قال الإمام ابن كثير: هذا تنبيه من الله - عز وجل - على إقتراب الساعة ودفوها، وأن الناس فى غفلة عنها ، أى لا يعملون لها، ولا يستعدون من أجلها . قال - تعالى -: ((أتى أمر الله فلا تستعجلوه ... ) وقال: ((اقتربت الساعة وانشق القمر. وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر،(١). وعبر سبحانه - بالقرب مع أنه قد معنى على نزول هذه الآية وأمثالها أكثر من أربعة عشر قرنا، لأن كل آت وإن طالت أوقات استقباله وترقبه، (١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٠٣٢٤ ٢٣٦ سورة الأنبياء قريب الوقوع، ولأن ذلك الوقت وإن كان كبيرا فى عرف الناس ، إلا أنه عند الله - تعالى - قليل، كما قال - سبحانه -: ((ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده، وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ،(!). وقال - تعالى -: ((إنهم يرونه بعيدا. وزراء قريبا)، (٢), وقال - سبحانه -: «اقترب للناس ... )) بلفظ العموم، مع أن ما بعده من ألفاظ الغفلة والإعراض يشعر بأن المراد بهم الكافرون، للتنبيه على أن الحساب سيشمل الجميع ، إلا أنه بالنسبة للكافرين سيكون حسابا عسيرا. قال صاحب الكشاف: «وصفهم بالغفلة مع الإعراض، على معنى : أنهم غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكرون فى عاقبتهم، ولا يتفطنون لما ترجع إليه خاتمة أمرهم، مع اقتضاء عقولهم أنه لابد من جزاء للمحسن والمسىء. وإذا فرعت لهم العصا. وفيهوا عن سنة الغفلة، وفطنوا لذلك بما بتلى عليهم من الآيات والنذر، أعرضوا وسدوا أسماعهم ونفروا، (٣). وفى التعبير عن اقتراب يوم القيامة باقتراب الحساب ، زيادة فى الترهيب والتخويف ، وفى الحض على الاستعداد لهذا اليوم ، لأنه يوم يحاسب فيه الناس على أعمالهم فى الدنيا حسابا دقيقا، ولن نملك فيه نفس لنفس شيئا، وإنما يجازى فيه كل إنسان بحسب عمله. وقوله - سبحانه -: « ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون، بيان لمواقف مؤلاء الغافلين اللاهين من يذكرهم بأهو الـ ذلك اليوم. والمراد بالذكر: ما ينزل من آيات القرآن عن النبى - صلى الله عليه وسلم - والمراد بالمحدث : الحديث العهد بالنزول على النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو صفة لذكر . (١) سورة الحج الآية ٤٧ (٣) تفسير الكشاف = ٣ ص ١٠١ (٢) سورة المعارج الآية ٧،٦ ٢٣٧ الجزء السابع عشر أى : أن هؤلاء الغافلين المعرضين عن الاستعداد ليوم الحساب، لايصل إلى أسماعهم شىء من القرآن الكريم ، الذى أنزله الله - تعالى - على قلب نبيه - صلى الله عليه وسلم - آية فآية، أو سورة بعد سورة فى أوقات متقاربة، إلا استمعوا إلى هذا القرآن المحدث تنزيله على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهم يلعبون ، دون أن يحرك منهم عاطفة نحو الإيمان به ، فهم لانطماس بصيرتهم ، وقسوة قلوبهم ، وجحود نفوسهم للحق ، لا يتعاون ولا يعتبرون . وقوله: ((ما يأتيهم من ذكر ... ، يشعر بأن مانزل من قرآن قد وصل إليهم دون أن يتعبوا أنفسهم فى الحصول عليه، بل أقام وهم فى أماكنهم بدون سعى إليه . وقوله : ذكر، فاعل و («من» مزيدة للتأكيد. وقوله ((من ربهم)) متعلق بمحذوف صفة لذكر، و((من)، لابتداء الغاية أى: ما يأتيهم من ذكر كائن من ربهم وخالقهم ورازقهم ، فى حال من الأحوال ، إلا استمعوه وهم هازلون مستهترون. وقوله: ((لاهية قلوبهم، حال أخرى من أحوالهم الغريبة التى تدل على نهاية طغيانهم ونجورهم ، لأنهم بجانب إستماعهم إلى ما ينزل من القرآن بلعب وغفلة، تستقبله قلوبهم - التى هى محل التدبر والتفكر - بلهو واستخفاف. ثم حكى - سبحانه - لوناس ألوان مكرهم وخبثهم فقال: ((وأسروا النجوى الذين ظلموا، والنجوى: المسارة بالحديث، وإخفاؤه عن الناس. أى: بعد أن استمعوا إلى القرآن بإعراض ولهو واستهتار، اختلى بعضهم ببعض، وبالغوا فى إخفاء مايضمرونه من سوء نحو النبى - صلى الله عليه وسلم - ونحو ما جاء به من عند الله - تعالى -، وحاولوا أن يظهروا ذلك فيما بينهم حسب، مبالغة منهم فى المكر السيء الذى حاق بهم. ٢٣٨ سورة الأنبياء وفوله - سبحانه -: ((هل هذا إلا بشر مثلكم، أفتأتون السحر وأنتم. تبصرون)، بيان لما قالوه فى تناجيهم من سو .. والاستفهام للنفى والافكار . أى: أنهم قالوا فى تناجيهم: ماهذا الذى يدعى النبوة، وهو محمد - صلى اته عليه وسلم - لا بشر مثلكم، ولا يمكن أن يكون رسولا، وماجاء نابه إنما هو السحر بعينه، فكيف تذهبون إليه، وتقبلون منه ما يدعيه، والحال أنكم تعاينون بأبصاركم سحره. وما حملهم على هذا القول الباطل إلا توعمهم أن لا يكون من البشر، وأن كل ما يظهر على يد مدعى النبوة من البشر من خوارق، إنما هو قبيل السحر. قال الألوسى: ((وأرادوا بقولهم: ((ما هذا إلا بشر مثلكم، أى: من جنسكم، وما أتى به سحر، تعلمون ذلك فتأتونه وتحضرونه على وجه الإذعان والقبول وأنتم تعاينون أنه سحر. قالوا ذلك بناء على ما ارتكز فى اعتقادم الزائغ أن الرسول لا يكون إلا ملكا، وأن كل ما يظهر على يد البشر من الخوارق من قبيل السحر. وعنوا بالسحر. هنا القرآن الكريم، ففى ذلك إنكار لحقيته على أبلغ وجه، قاقلهم الله - تعالى - أنى يؤفكون. وإنما أسروا ذلك ، لأنه كان على طريق توثيق العهد، وترتيب مبادى ء الشر والفساد وتمهيد مقدمات المكر والكيد فى هدم أمر النبوة. وإطفاء أور الدين، يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.،(!) هذا، ودعوى المشركين أن الرسول لا يكون بشرا، قد حكاها القرآن فى كثير من آياته، ومن ذلك قوله - تعالى -: ((وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى، إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا))(*). (١) تفسير الآلوسى : ١٩ ص ٩. (٢) سورة الإسراء الآية ٩١ ٢٣٩ الجزء السابع عشر وقد رد الله - تعالى - عليهم هذه الدعوى الكاذبة فى كثير من آيات كتابه - أيضا -، ومن ذلك قوله عز وجل -: ( وما أرسلناك من قبلك إلا رجالا فوحى إليهم من أهل القرى .... ) (١). ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما لقته لنبيه - صلى الله عليه وسلم - من الرد عليهم، فقال : «قال ربى يعلم القول فى السماء والأرض وهو السميع العليم)». أى: قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى الرد على ما تناجوا به سرا: وبى الذى أرسلنى لإخراجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. يعلم ما تقولونه سواء أكان سرا أم جراء وسواء أ كان القائل موجوداً فى السماء أم فى الأرض ، وهو وحده السميع بجميع ما يسمع ، العليم بكل شىء فى هذا الكون. وما دام الأمر كذلك فأنا سأمضى فى طريق مبلغا رسالته - سبحانه -. أما أنتم فسترون سوء عاقبتكم إذا ما سرتم فى طريق الكفر والعناد. وفى قراءة سبعية بلفظ ((قل)) على الأمر النبى - صلى الله عليه وسلم -. أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - دبى يعلم القول فى السماء والأرض وهو السميع العليم . وقوله - تعالى -: ((بل قالوا أضغاث أحلام ، بل افتراه، بل هو شاعر.» أضراب من جهته - تعالى -، وإنتقال من حكاية قولهم السابق. هل هذا إلا بشر مثلكم ... ، إلى حكاية أقوال أخرى باطلة قالوها فى شأنه - صلى الله عليه وسلم - وفى شأن ما جاء به. أى: أن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بما قالوه قبل ذلك فى شأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أنه بشر وما جاء به سحر، بل أضافوا إلى ذلك (١) سورة يوسف الآية ١٠٩. ٢٤٠ سورة الأنياء أن القرآن أضغاث أحلام. أى: أخلاط كأخلاط الأحلام، وأنه أباطيل لا حقيقة لها. والأضغاث: جمع ضغت. وأصله ما جمع من أنواع شتى من الثبات ثم حزم فى حزمة واحدة. والأحلام: جمع حلم - بضم الحاء وسكون اللام - وهو ما يراه النائم ما لیس بحسن . وقد أستعير هذا التركيب لما يراه النائم من وساوس وأحلام خلال قومه « بل افتراه، أى: اختلق هذا القرآن من عند نفسه . ((بل هو شاعر، أى: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - شاعر - فر زعمهم- وما أتى به هو نوع من الشعر التخييلى الذى لا حقيقة له . ثم أضافوا إلى هذا التخطيط واضطراب قولهم: «فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ». ومرادهم بالآية هنا: آية كونية، والجملة جواب الشرط محذوف يفصح عنه السياق «والتقدير: إن لم يكن كما قلنا فى شأنه من أنه (شاعر بل كان رسولا حقا. فليأتنا بخارق يدل على صدقه كنافة صالح، وعصا موسى، وإحياء عيسى للأموات ... فإن المرسلين السابقين فعلوا ذلك . وكأنهم - لا نطماس بصائرهم وشدة جهالاتهم - لا يعتبرون القرآن الذى هو آية الآيات - لا يعتبرونه آية ومعجزة تدل على صدقه - صلى الله عليه وسلم - . فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد صورت تخبط هؤلاء المشركين تصويراً حكيما، شأنهم فى ذلك شأن الحائر المضطرب الذى لا يستطيع الثبات على قرار، بل هو لتمحله وتعلله ينتقل من دعوى باطلة إلى أخرى أشد منها بطلاناً ...