Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ الجزء السادس عشر ولا شك أن ماحكاهالله - تعالى - عنفرعون من قو له ,مزر بما باموسى)). يدل على نهاية الغرور والفجور والجحود، وشبيه بذلك قوله - سبحانه- حكاية عنه: «وقار فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيرى .. )) وقوله - تعالى -: ((خشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى)). ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك أن موسى قد رد على فرعون ردا بخرسه ويكبته فقال: ((قال ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى». وقوله « خلقه، مصدر بمعنى اسم المفعول، وهو المفعول الثانى لقوله «أعطى، والمفعول الأول قوله: « كل شىء)). والعلماء فى تفسير هذه الآية الكريمة إتجاهات يؤيد بعضه بعضا، منها ما يراه بعضهم من أن معنى الآية الكريمة : ١ - قال موسى فى رده على فرعون: يا فرعون ربنا وربك هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذى أعطى كل مخلوق من مخلوقاته ، وكل شىء من الأشياء، الصورة التى تلائمه، والهيئة التى تتحقق معها منفعته ومصاحته، ثم هداه إلى وظيفته التى خلقه من أجلها، وأمده بالوسائل والملكات التى. تحقق هذه الوظيفة . وثم فى قوله ((ثم هدى، للتراخى فى الرتبة، إذ اهتداء المخلوق إلى وظيفته مرتبة تعلو كثيرا عن خلقه دون أن يفقه شيئا . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: «أعطى كل شىء صورته وشكله الذى يطابق المنفعة المنوطة به ، كما أعطى العين الهيئة التى تطابق الإبصار والأذن الشكل الذي يوافق السمع وكذلك الأنف واليد والرجل واللسان ، كل واحد منها مطابق لما علق به من منفعة غير ناب عنه. ((ثم هدى، أى: عرفه كيف يرتفق بما أعطى، وكيف يتوصل إليه ولله ١٤٢ سورة طه در هذا الجواب، وما أخصره وما أبينه، لمن ألقى الذهن، ونظر بعين الإنصاف وكان طالبا للحق ، (١) . ٢ - ومنهم من يرى أن المعنى: قال موسى لفرعون: ربنا الذى أعطى كل شىء نظير خلقه فى "صورة والهيئة، كالذكور من بنى آدم ,أعطاهم نظير خلقهم من الإناث أزواجا، وكالذكور من البها ئم أعطاها فظير خلقها فى صورتها وهيئها من الإناث أزواجا ... ثم هدى الجميع اسائر منافعهم من المطاعم والمشارب ووسائل التناسل . وقد صدر الإمام ابن جرير تفسيره الآية هذا المعنى فقال ما بلغه: « رقوله: ((قال ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه، يعنى نظير خلقه فى الصورة والهيئة ... ثم هداهم لدأنى الذى منه النسل والتماء كيف يأتيه، ولسائر منافعه من المطاعم والمشارب وغير ذلك .(٢). ٣ - ويرى بعضهم أن: المعنى أعطى كل شىء صلاحه ثم هداه إلى ما يصلحه . ٤ -- ومنهم من يرى أن قوله (( خلقه، هو المفعول الأول لأعطئ، وأن. قوله (( كل شىء)) هو المفعول الثانى فيكون المعنى: قال موسى لفرعون: ربنا» الذى أعطى الخلائق كل شىء يحتاجون إليه . ثم هداهم إلى طريق استعماله والانتفاع به . ويبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع لهذه المعانى جميعها، لأنه - سبحانه - هو الذى أعطى خلقه كل شىء يحتاجون إليه فى معاشهم، فلم هداهم إلى طرق الانتفاع بما أعطاهم كما أعطى كل نوع من أنواع خلقه الصورة التى تناسبه، والشكل الذى يتناسب مع جنسه (( صنع الله الذى أتقن كل شىء)). (١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٠٦٧ (٢) تفر ابن جرير «٦. ص ١٣١ ١٤٣ الجزء السادس عشر ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله فرعون لموسى فقال: «فما ما بال القرون الأولى » . والبال فى الأصل: الفكر. تقول: خطر ببالى كذا، أى : بفكرى وعقلى، ثم أطلق على الحال التى يهتم بشأنها . وهذا الإطلاق هو المراد هنا. أى: قال فرعون بعد أن رد عليه موسى هذا الرد الحكيم: ياموسى فا حال القرون الأولى. كقوم نوح وعاد وثمود ... الذين كذ والنيا.هم، وعبدوأ غير الله - تعالى - الذى تدعو نی لعبادته ؟ وسؤاله هذا يدل على خبثه ومكره، لأنه لما سمع من موسى الجواب المفحم له على سؤاله السابق «من ربكما ياموسى، أراد أن يصرف الحديث إلى منحى آخر يتعلق بأمور لا صلة لها برسالة موسى إليه وهى دعوته لعبادة الله - تعالى - وحده، وإطلاق سراح بنى إسرائيل من الأسر . ولذا رد عليه موسى - عليه السلام - بما يخرس لسانه، ويبطل كيده، فقال - كما حكى القرآن عنه - «علمها عند ربى فى كتاب لا يضل ربي ولا ينسى . أى: علم حال هذه القرون الأولى محفوظ عند ربى وحده فى كتاب هو اللوح المحفوظ: وهو - سبحانه - لا يخفى عليه شيء من حالهم، وسيجازيهم بما يستحقون من أراب أو عقاب . وقوله ، لا يضل ربی ولا ينسى، مؤكدا لما قبله. أى: لا يخطئ. ربى فى علبه، ولا ينسى شيئا مما علمه لأنه ميزه عن ذلك. فالضلال هنا بمعنى الخطأ وقلة الإدراك . وجمع - سبحانه - بين نفى الضلال والنسيان، لإفادة تنزهه عن أن يغيب. شىء من أحوال هذا الكون عن علمه الشامل لكل شىء، ولبيان أن علمه اق بقاء أبديا لا فسیان معه ، ولا زوال له . ١٤٤ سورة طه ثم بين له آثار علم الله - تعالى - وقدرته فقال: «الذى جعل لكم الأرض مهدا ..... أى : هو - سبحانه - الذى جعل لكم الأرض معهدة كالفراش، ليتسنى لكم الاقتفاع بخيراتها وقرأ الأكثرون من السبعة, (مهادا، أى: فراشا. والمهاد فى الأصل ما يمهد للصبى لينام. لميه. ((وسلك لكم فيها سبلا)، والسلك: الإدخال. أى: وجعل الكم فى داخلها طرقا تنتقلون فيها من مكان إلى مكان، ومن بلدة إلى أخرى، لقضاء مصالحكم . ((وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتر)، والأزواج: الأصناف. أى: وأنزل - سبحانه - بقدرته من السماء ماء نافعا كثيرا. فأخرجنا بسبب هذا الماء من الأرض أصنافا شتى - أى متفرقة - من النبات، هذه الأصناف مختلفة المنافع والألوان والطعوم والروائح، ما يدل على كالقدرتنا، ونفاذ إرادقنا . وفى قوله (( فأخرجنا)) النبات من الغيبة إلى التكام بصيغة التعظيم، التنبيه على عظم شأن هذا الإخراج، وأثره الكبير فى حياة الناس . فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على أربع منن قد امتن الله بها على عباده، وهى تمهيد الأرض، وجعل الطرق فيها، وإنزال المطر من السماء، وإخراج النبات المتنوع من الأرض . وهذه المنن وإن كانت ظاهرة وواضحة فى جميع نجاج الأرض ، إلا أنها أظهر ما تكون وأوضح ما تكون فى أرض مصر التى كان يعيش فيها فرعون، حيث تبدو الأرض فيها منبسطة ممهدة على جانبى النيل الممتد امتداد كبيراً . ١٤٠ الجزء السادس عشر وكان الأجدر بفرعون - لو كان يعقل - أن يخلص العبادة لواهب هذه المتن، ومسدى هذه النعم، وهو الله رب العالمين. والأمر فى قوله - سبحانه ـ((كلوا وارعوا أنعامكم، الإباحة. أى: هذه الأرض وما اشتملت عليه من طرق ومن نبات شتى هى لمنفعتكم ومصلحتكم ، فكلوا - أيها الناس - من هذه الثمار المتنوعة التى انشقت عنها الأرض ، وارعوا أنعامكم من إبل وبقر وغنم فى المكان الصالح للرعى من هذه الأرض، واشكر وا الله - تعالى - على هذه النعم لكى بزیدکے منها . واسم الإشارة فى قوله ، إن فى ذلك لآيات لأولى النهى)) يعود إلى المذكور من تلك الفعم السابقة . و«النهى، جمع نهيه - بضم النون وإسكان الهاء - وهى العقل. سمى بذلك لأنه يتمهى صاحبه عما لا يليق. تقول العرب: نمو الرجل - ككرم - إذا كمات نهيته. أى عقله . والمعنى: إن فى ذلك الذى ذكر ناه لكم من نعمة تمهيد الأرض ، وجعل الطرق فيها. وإنزال المطر عليها، وإخراج النبات منها ... إن فى كل ذلك لآيات وعظات وعبر، لأصحاب العقول السليمة ، والأفكار القويمة. ثم بين - سبحانه - أن هذه الأرض منها خلق الإنسان، وإليها يود، ومنها يبعث الحساب يوم القيامة، فقال - تعالى -: (منها خلقناكم، وبها نعید کم ومنها نخرجكم تارة أخرى). والضمير فى ((منها وفيها، يعود إلى الأرض المذكورة قبل ذلك فى قوله - تعالى -: ((الذى جعل لكم الأرض مهدا .. ، والقارة: بمعنى المرة. (١٠ - -ورة نه ! ١٤٦ سورة طه أى: من هذه الأرض خلقنا أباكم آدم، وأنتم تبع له، وفرع عنه، كما قال - تعالى -: ((إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم، خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون .. وقوله: ((وفيها نعيدكم، أى: وفى الأرض نعيدكم عند موتكم، حيث تكون محل دفتكم واستقرار أجسادكم. . وقوله: ((ومنها نخرجكم تارة أخرى، أى: ومن الأرض نخرجكم مرة أخرى أحياء يوم القيامة ، للحساب والجزاء . قال - تعالى -: «درهم يخوضوا وبلعبواحتى بلاقوا يومهم الذى يوعدون يوم يخرجون من الأحداث سراعا كأنهم إلى قصب يوفضون)،(١). وقال - سبحانه -: ( ونفخ فى الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون قالوا ياويلنا من بعثنا من مرقدنا، هذا ماوعد الرحمن وصدق المرسلون،(٢). قال ابن کثیر : ((وهذه الآية کقوله - تعالى - : (( قال فيها تحيون، وفيها تموتون، ومنها تخرجون)، (٢). وفى الحديث الذى فى السنن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حضر جنازة فلما دفن الميت أخذ قبضة من التراب فألقاها فى القبر ثم قال , ومنها خلقناكم، ثم أخذ أخرى وقال: «وفيها نعيدكم، ثم أخرى وقال: ((ومنها نخرجكم تارة أخرى ،(٤). وقوله - تعالى -: ((ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى » بيان للموقف (١) سورة المعارج الآيتان ٤٢، ٠٤٣ (٢) سورة يس الآيتان ٥١، ٥٢. (٣) سورة الأعراف الآية ٢٥. (٤) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٢٩٢. ١٤٧ الجزء السادس عشر الجحودى الذى وقفه فرعون من الحجج والمعجزات التى طرحها أمامه موسى - عليه السلام -. وأربناه: من الرؤية البصرية المتعدية إلى مفعول واحد. فلما دخلت عليها الهمزة تعدت إلى اثنين أولهما الهاء والثانى آياتنا . والإضافة فى «آياتنا، قائمة مقام التعريف العهدى. أى: آبائنا المعهودة لحومى ، والتى على رأسها اليد والعصا .. والمعنى: ولقد أرينا فرعون بعينيه آياتنا كلها الدالة على وحد انيتفاوقد وتنا وصدق نبينا موسى ، فكانت نتيجة ذلك أن كذب بها، وأبى أن يستجيب للحق ... كما قال - تعالى -: («وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين)(١). وكما قال - سبحانه -: «فلما جاءهم بآياتنا إذا م منها يضحكون، (٢). والآية الكريمة تؤكدجحودفرعون وطغيانه بجملة من المؤكدات، وهى لام القسم، وقد، والرؤية البصرية، ولفظ كل الدال على الشمول والإحاطة. والفاء فى قوله , فكذب، للتعقيب، أى: فكذب بدون تريث أو تمل. والمفعول محذوف. أی : فکنب الآيات أو فكذب موسی بدون تردد أو تأخير . والتعبير بقوله ((فكذب وأبى، لزيادة ذمه وتحقير شأنه. لأنه لم يكتف بالتكذيب بل أضاف إلى ذلك الامتناع عن قبول الآيات، والجحود لها، والمالى على من جاء بها كما ينبى. عنه قوله - تعالى - بعد ذلك .. قال أجئتنا (١) سورة الأعراف الآية ١٣٢ تدور: (٢) سورة الزخرف الآية ٠٤٧ ١٤٨ سورة طه لتخرجنا من أرضنا بسحرك ياموسى)) أى: قال فرعون لموسى على سبيل التهديد والوعيد: ياموسى أجئتنا من المكان الذى هربت إليه، ومعك «قه. الآيات التى رأيناها، لكى تخرجنا من أرضنا التى عشنافيها وهى أرض مصر بسبب ما أظهرته أمامنا من سحر وخفة يد . وسمى اللعين ماجاء به موسى - عليه السلام - من معجزات سحرأ، ليزيل من أذهان قومه أثر هذه المعجزات الباهرة وقال: « لتخر جنا من أرضنا، ليحمن أتباعه على الوقوف فىو جه،و سی . بإبراز أن موسى جاء ليحتل أرضهم، ويجوز أموالهم، ويجعل السلطان لغيرهم .. وقد تكرر هذا المعنى فى آيات كثيرة منه قوله - تعالى -: ((قال الملأ حوله إن هذا الساحر عليم . يريد أن يخرجكم من أرضكم بحر، فماذا تأمرون)، (١). وقوله - سبحانه -: ((قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا، وتكون لكما الكبرياء فى الأرض، وما نحن لكما بمؤمنين))(٢). ثم أضاف فرعون إلى تمديده لموسى تهديداً آخر فقال: ((فلنأتبنك بسحر مثله ، فاجعل بيننا وبينك موعداً لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى)). وقوله: ((فلنأتينك .. )) جواب لقسم محذوف. أى: والله لنأتينك. بسحر مثله .. قال الجمل: ((وقوله: ((موعدا) يجوز أن يكون زمانا، ويرجحه قوله: ((قال موعدكم يوم الزينة)). والمعنى: عين لنا وقت اجتماع؛ ولذلك أجابهم بقوله: ((موعدكم يوم. (١) سورة الشعراء الآيتان ٣٤، ٣٥ (٢) -ورة ،ونس الآية ٧٨ ١٤٩ الجزء السادس عشر الزينة)). وبجوز أن يكون مكانا، والمعنى: بين لنا مكانا معلوما نعرفه نحن وأنت فنأتيه، وهذا يؤيده قوله: ((مكانا سوى)». ويجوز أن يكون مصدرا ، ويؤيده هذا قوله , لا نخلفه نحن ولا أنت)، لأن المواعدة توصف بالخلف وعدمه ... ،(١) . وقوله: (( لا تخلفه) من الاخلاف بمعنى عدم إنجاز الوعد. وقوله: ((و)))) قرأه ابن عامر وعاصم وحمزة بضم السين، وقراء الباقون بالكسر ومعنى القراءتين واحد. وأصله من الاستواء. يقال: مكان سوى وسواء. أى: عدل ووسط، بحيث يستوى طرفاه بالنسبة للفريقين . أى: قال فرعون لموسى مهددا ومتوعدا: أجثقنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك باموسى ، والله لنأتيتك بسحر مثل محرك ، فاجعل بيننا وينك موعدا للمباراة والمنازلة، لا نخاف نحن ولا أنت هذا الموعد ، وأن يكون مكان منازلتنا لك فى مكان بتوسط المدينة ، بحيث يستطيع سكانها أن يحضروا إليه . والمتأمل فى الآية الكريمة يرى أن فرعون قد قال ماقال لموسى وهو كأنه قد جمع أطراف النصر بين يديه . ويشهد لذلك: تصديره كلامه بالقسم ((فلنأتينك)، .. وتركه لموسى اختيار الموعد الذى يناسبه ((فاجعل بيننا وبينك موعدا)) واشتراطه عدم الخلف فى الوعد(( لا نخلفه نحن ولا أنت)) واقتراحه أن يكون مكان المبارزة فى وسط المدينة ، حتى يراها جميع الناس ((مكانا سوى)). ولقد حکی القرآن أن موسى - عليه السلام - قد قيل تحدی فرعون، ورد عليه بقوله: «قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى)). (١) حاشية الجمل على الجلالين = ٣ ص ٩٧ ١٥٠ سورة طه والمراد بيوم الزينة : يوم كانوا يتزينون فيه، ويجتمعون فيه، لأنه يوم عيد لهم . قيل: إنه كان يوم عاشوراء، وقيل : يوم النيروز ... أى: قال موسى لفرعون: موعد المنازلة بينى وبينكم هو يوم زيقتكم وعيدكم، وفى هذا اليوم أطلب منكم أن يجمع الناس جميعا فى وقت الضحى عند ارتفاع الشمس ، لكى يشهدوا ما سيكون بينى وبين سحرتك يافرعون . وبذلك نرى أن موسى - عليه السلام - قد قابل تهديد فرعون له ، بتهديد أشد وأعظم، فقد طلب منه ان يكون موعد المبارزة يوم العيد، كما طلب منه - أيضا - أن يجمع الناس فى وقت الضحى لكى يشاهدوا تلك المباراة. قال صاحب الكشاف: «وإنما واعدهم موسى ذلك اليوم ، ليكون على كلمة الله، وظهور دينه، وكبت الكافر، وزهوق البإحال على ر.وس الأشهاد وفى المجمع الخاص لنقوى رغبة من رغب فى اتباع الحق، وبكل حد المبطلين وأشياءهم ، ويكثر الحديث بذلك فى كل بدو وحضر ، ويشبع فى جميع أهل الوبر والمدر ،(١). ثم حكى القرآن ما كان من فرعون بعد أن حدد موسى - عليه السلام - موعد المبارزة فقال: «فتولى فرعون لجمع كيده ثم أتى)). أى: وبعد أن استمع فرعون إلى موسى، انصرف من المجلس، وولى مدبرا (( لجمع كيده)». أى: فجمع كبار سحرته من أطراف مملكته «ثم أتى جم فى الموعد المحدد، ليتحدى موسى - عليه السلام - . وإلى هنا نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوبها البليغ جانبا من (١) تأخير الكشاف ج ٣ ص ٧١ ١٥١ الجزء السادس عشر المحاورات التى دارت بين موسى وفرعون، وأرينا كيف واجه موسى طفيان فرعون وغروره، برباطة جأش، وقوة إرادة، ومضاء عزيمة ... ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى الحديث عما دار بين موسى والسحرة من محاورات ، انتهت بإيمانهم وإعترافهم بالحق الذى جاء به موسى من عقد ربه، قال - تعالى - : ((قال لَهُمْ مُوسَى وَيْلِكُم لا تَفَتْرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا فِيُسْحِكُم بعذابٍ وقد خابَ مَنِ افترَى (٦١) فتنازَعُوا أمْرَهُم بينَهُم وأسرُّوا النَّجوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هذَانٍ لساحرانٍ يُرِ يدَانٍ أنْ يُخْرِجَا ثُم من أرضِكُم بِسِحْرهما ويَذْهَبَا بطرِيقَتَكُم المثَلَى (٦٣) فَأْجِعُوا كَيدَ كُمْ ثم ائْتُوا صفًّا وقدْ أفَلَحَ اليومَ مَنِ اسْتَعلى (٦٤) قالُوا يا مُوسَى إِمَّا أنْ تَلْقِىَ وإمّا أنْ تكونَ أُولَ مَنْ أَلقى (٦٥) قَالَ بَلْ الْقُوا، فإذا حبالهم وعِصِيُهُم بِخَيَلُ إِلَيهِ مِن سِحْرِمِ أنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجسَ فِى نَفْسِةِ خيفَةً مُوسَى (٦٧) فُلنَا لاَ تَخْفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَألتقٍ مافى مِنِكَ تَلْقَفْ مَا صَنْعُوا إِنَّا صنَعُوا كَيْهَ ساحرٍ ولا يُفْلِحُ الساحرُ حيثُ أَنَى (٦٩) فأُلقِىَ السحَرةُ سُجَّدًا قَالُواْ آمَنَّا بربْ مارُونَ ومُوسَى (٧٠) )) . مقوله - تعالى - : «قال لهم موسى ويا حم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب)) ... حكاية لما وجهه موسى - عليه السلام - من نصح وإنذار . قيل: كان عددهم اثنين وسبعين. وقيل أكثر من ذلك. ١٥٢ سورة طه قال الجمل: قوله (فيسحتكم) قرأ الأخوان وحفص عن عاصم فيسحتكم - بضم الياء وكسر الحاء .. وقرأ الباقون بفتحهما. فقراءة الأخوين من أسحت الرباعى، وهى لغة بجد وتميم. وقراءة الباقين من سحت الثلاثى- وبابه قطع - وهى لغة الحجازيين . وأصل هذه المادة. الدلالة على الاستقصاء، والنفاد ومنه سحد السالق الشعر، أى : استقصاء فلم يترك منه شيئاً، ويستعمل فى الإهلاك والإذهاب. ونصبه بإضمار أن فى جواب النهى )،(١). أى: قال موسى عليه السلام - للسحرة الذين التقى بهم وجها لوجه بعد أن حشدهم فرعون أمامه، قال لهم: الويل والهلاك لمكم ، لاتفتروا على الله - تعالى - كذباً، بأن تقفوا فى وجهى، ونزعموا أن معجزاتى هى أوع من السحر ، فإنكم لو فعلتم ذلك أهلككم الله - تعالى - وأبادكم بعذاب عظيم من عنده وجملة («وقد خاب من افترى، معترضة لتقرير وتأكيد ما قبلها. أى: وقد خاب وخسر كل من قال على الله - تعالى - قولا باطلا لا حقيقة له ، وفرعون أول المبطلين المفترين الخاسرين، فاحذروا أن تسيروا فى ر كابه، أو أن تطيعوا له أمراً. ويبدو أن هذه النصيحة الصادقه المخلصة كان لها أثرها الطيب فى نفوس بعض السحرة، بدليل قوله - تعالى - بعد ذلك ((فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى)، والنجوى: المسارة فى الحديث . أى: وبعد أن سمع السحرة من موسى نصيحته لهم. وتهديده لهم بالاستتصال والهلاك إذا ما استمروا فى ضلالهم، اختلفوا فيما بينهم، ((وأسروا النجوى)) أى: وبالغوا فى إخفاء ما يتسارون به عن موسى وأخيه - عليهما السلام -. (١) حاشية الجمل على الجلالين ج٣ ص ٩٨. ١٥٣ الجزء السادس عشر فمنهم من قال - كما روى عن قتادة - : إن كان ما جاءنا به موسى سحرا فسنخطبه ، وإن كان من عند الله فسيكون له أمر . ومنهم من قال بعد أن سمع كلام موسى : ما هذا بقول ساخر. ومنهم من أخذ فى حض زملائه المترددين على منازلة موسى -عليه السلام-، لأنه جاء هو وأخوه لتغيير عقائد الناس ولا كتساب الجاه والسلطان، ولسلب المنافع التى تأتى - أى للسحرة - عن طريق السحر ... ويبدو أن هذا الفريق الأخير هو الذى استطاع أن ينتصر على غيره من السحرة فى النهاية، بدليل قوله - تعالى - بعد ذلك: «قالوا إن هذان لساحر ان يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما، ويذهبا بطريقتكم المثلى . فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى ،. فهاتان الآيتان تشيران إلى خوف السحرة من موسى وهارون. وإلى أنهم بذلوا أقصى جهدهم فى تجميع صفوفهم ، وفى تشجيع بعضهم لبعض، حتى لا يستلب موسى - عليه السلام - منهم جاههم وسلطانهم ومنافعهم ... أى: قال السحرة بعضهم لبعض بطريق التناجى والإسرار، ما استقر عليه رأيهم، من أن موسى وهارون ساحران ويريدان)، عن طريق سحرهما ,(أن يخرجا، السحرة من أرضهم مصر، ليستولياهما وأنباعهما عليها. ويريدان كذلك أن يذهبا بطريقتكم المعلى. أى بمذهبكم ود نكم الذى هو أمثل المذاهب وأفضلها، وبملككم الذى أنتم فيه، ويعيشكم الذى تنعمون به. فالمثلى: مؤنث أمثل بمعنى أشرف وأفضل. وإنما أقت باعتبار التعبير بالطريقة هذا. وهناك قراءات فى قوله - ت-الى -: ((إن هذان لساحران)) ذكرها الإمام القرطى . فقال ما ملخصه: ((قوله - تعالى -: ((إن هذان لساحر ان)، قرأ أبو عمرو: (((إن هذين لساحران)، ورويت - هذه القراءة - عن عثمان وعائشة وغيرهما من الصحابة .... ١٥٤ سورة طه وقرأ الزهرى والخليل ابن أحمد وعاصم فى رواية حفص عنه (إن هذاز) بتخفيف(( إن),لساحران)) .... وهذه القراءة سلمت من مخالفة المصحف ومن فساد الإعراب، ويكون معناها: ما هذان إلا ساحر ان. وقرأ المدنيون والكوفيون: ((إن هذان بتشديدإن (١ساحرازفوافقوا الصحف وخالفوا الإعراب. فهذه ثلاث قراءات قدرواها الجماعة من الأئمة ... والعلماء فى قراءة أهل المدينة والكوفة ستة أقوال: الأول أضالمة بنى الحارث بن كعب وربيد وخثعم ... يجعلون رفع المثنى ونصبه وخفض) الألف .. وهذا القول من أحسن ما حملت عليه الآية .. ،(١). والغاء فى قوله - تعالى - ((فأجمعوا كيدكم .... نصيحة، أى: إذا كان الأمر كذلك من أن موسى وهارون قد حضراليخر جاكم من أرضكم بسحرهما ... ((فأجمعوا كيدكم، أى: فأحكموا سحركم وأعزموا عليه ولا تجعلوه متفرقا . يقال: أجمع فلان رأيه وأزمعه، إذا عزم عليه وأحكمه واستعد لتنفيذه وقوله (( ثم ائتواصفا)، أى: ثم انتوا جميعا (مصطفين، حتى يكون أمركم أكثر هيبة فى النفوس، وأعظم وقعا على القلوب، وادعى إلى الترابط والثبات وقوله (، وقد أفلح اليوم من استعلى، تذييل، ؤكد لما قبله. أى: وقد أفلح وفاز بالمطلوب فى يوم النزال من طلب العلو، وسعى من أجله، واستطاع أن يتغلب على خصمه، لأننا إذا تغلبنا على موسى كانت لنا أدوائز العظمى، وإذا تغلب علينا خصر نا خسارة ليس هناك ماهو أشد منها. وحانت ساعة المبارزة والمنازلة، فتقدم السحرة نحو موسى-عليه السلام- وقالوا له - كما حكى القرآن عنهم -: «ياموسى إما أن قاقي وإما تكون أول ہں أاقی ، . (١) راجع تفسير القرطي : ١١ ص ٢١٦ ١٥٥ الجزء السادس عشر والإلقاء فى الأصل: طرح التىء، ومفعول (تلقى، محذوف للعلم به، والمراد به العصا . أى: قال السحرة لموسى على سبيل التخيير الذى يبدو فيه التحدى والتلويح بالقرة: ياموسى إما أن تلقى أنت عصاك قبلنا، وإما تتر كنا الناقى حبالنا وعصينا قبلك. قال الألوسى : خيروه - عليه السلام - وقدموه على أنفسهم إظهارا الثقة بأسرهم . وقيل . مراعاة للأدب معه - عليه السلام - وأن مع ما فى حيزها منصوب بفعل مضمر. أى: إما تختار إلقاءك أو تختار كوننا أول من ألقى. أو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى: « الأمر إما إلقاء ك أو كوننا أول من ألقى .... (١). ثم حكى القرآن بعد ذلك أن موسى - عليه السلام - ترك فرصة البدام. واستبقى لنفسه الجولة الأخيرة، فقال - تعالى -: ((قال بل ألقوا، فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى)). والتخيل: هو إبداء أمرلاحقيقة له. ومنه الخيال ، وهو الطيف الطارق فى النوم . أى: قال موسى - عليه السلام - للسحرة فى الرد على تخييرم له : أبدؤا أنتم بإلقاء ما معكم من حبال وعصى. والفاء فى قوله: «فإذا حبالهم وعصيهم ... ، فصيحة وهى معطوفة على كلام محذوف ، وإذا هى الفجائية . أى : قال لهم موسى بل ألقوا أنتم أولا. فامتثلوا أمره وألقوا ما معهم فإذا حبالهم وعصيهم التى طرحوها، جعلت موسى - اعدة اهتزازها في الص غر بهاء يخيل إليه من شدة سحرهم , أن هذه الحبال والعصى حيات نسعى على بطونها. قال ابن كثير: ((وذلك أنهم أودعوها من الزئبق ما كانت تتحرك بيه (١) تفسير الآلوسى :١٦ ٢٢٦. ھے ١٥٦ سورة طه وتضطرب وتمبد، بحيث يخيل للناظر أنها تسعى باختيارها، وإنما كانت حيلة، وكانوا جما غفيرا، وجمعا كبيرا - أى السحرة .، فأ فى كل منهم مصا وحلا، حتى صار الوادى ملآن حيات، يركب بعضها بعضاً .. ، (١). ويبدو أن فعل السحرة هذا، قد أثر فى موسى - عليه السلام - بدليل قوله - تعالى - : « فأوجس فى تفه خيفة موسى .. ،. والإيجاس: الإخفاء والإضمار. والخيفة: الخوف. أى: فأخفى موسى - عليه السلام - فى نفسه شيئا من الخوف، حير رأى حبال السحرة و عصبهم كأنها حيات تسعى على بطونها، وخوفه هذا حدث له بمقتضى الطبيعة البشرية عندما رأى هذا الأمر الهائل من السحر، وبمقتضى أن يؤثر هذا السحر فى نفوس الناس فيصرفهم عما سيفعله . وهنا ثبته الله - تعالى - وقواه، وأوحى إليه - سبحانه - بقوله:, قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى». أى : قلنا له عندما أوجس فى نفسه خيفة من فعل السحرة : لا تخف ياموسى مما فعلوه، إنك أنت الأعلى عليهم بالغلبة والظفر. أنت الأعلى لأن معك الحق ومعهم الباضل. وقد أكد الله - تعالى - هذه البشارة لموسى بجملة من المؤ كدات أحدها: إن المؤكدة، وثانيها: تكرير وثالثها: التعبير الملو المفيد الاستعلاءعليهم. وقوله - سبحانه -: ((وأاق ما فى يمينك تلقف ما صنعوا ... ، زيادة فى فى تشجيعه وليته . وتلفف من اللقف بمعنى الأخذ للشىء بسرعة وخفة . يقال: لقف فلان بلقفه لقفا ولقفانا، إذا تناوله بسرعة وحذق باليد أو بالفم. وفى هذه الكلمة ثلاث قراءات سبعية، أحدها: ((تلقف)) بتماء مفتوحة (١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٢٩٤ - طبعة دار الشعب - . ١٥٧ الجزء السادس عشر مخففة، بعدها لام مفتوحة، ثم قاف مشددة وفاء ساكنة، وأصل الفعل تتلذف، حذفت إحداهما تخفيفا، وهو مجزوم فى جواب الأمر وهو. ألق)). وثانيها: ((تلقف، كالقراءة السابقة مع ضم الفاء، على أن الفعل خبر لمبتدأ محذوف . أى: وألق ما فى يمينك فهى تلقف ماصنعوا. وثالثها: (( تلقف)، بفتح التاء وسكون اللام وفتح القاف المخففة وجزم الفعل كالقراءة الأولى . والمراد بما فى يمينه عصاه، كما جاء ذلك صريحا فى آيات أخرى منها قوله - تعالى -: ((فألقى موسى عصاء فإذا هى تلقف ما يأفكون). وعبر عنها بقوله ((ما فى يمينك، على سبيل التهويل من شأنها، أو لتذكير. بما شاهده منها بعد أن قال انه - تعالى - له قبل ذلك, وماتلك بيمينك ياموسى ... قال ألقها ياموسى، فألقاها فإذا هى حية تسعى ... ». والمعنى: وألق ياموسى ما فى يمينك تبتلع كل ماصنعه السحرة من تمويه وتزوير وتخييل ، جعل الناس يتوهمون أن حبالهم وعصيهم تسعى. قال ابن كثير: ((وذلك أنها صارت تنينا هائلا - أى حية عظيمة - ذاعيون وقوائم وعنق ورأس وأضراسى، جعلت تقبع تلك الحبال والعصى حتى لم تبق منها شيئا إلا تلقفته وابتلعته، والسحرة والناس ينظرون إلى ذلك عيانا جهارا نهاراً ... فقامت المعجزة، واتضح البرهان، وبطل ما كانوا يعملون)،(!). وقوله: ((إنما صنعواكيد ساحر، تعليل لقومه ,تلقف ما صنعوا، و(( ما)، موصولة وهى اسم إن، و(« كيد)) خبرها، والعائد محذوف. والتقدير : وألق ياموسى عصاك تلقف ماصنعوه، فإن الذى صنعوه إنما کید من جنس کید السحرة وصفعهم وتمویهم .. ، (١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٠٢٦١ ١٥٨ سورة طه ((ولا يفلح الساحر، أى ولا يفوز هذا الجنس من الناس , حيث أتى)، أى : حيث كان ، حيث ظرف مكان أربد به التعميم. أى: أن الساحر لا يفلح ولا يفوز أينما كان، وحيثما، أقبل وأبى اتجه، لأنه يصنع للناس التخييل والنموبه والتزوير والتزييف الحقائق. قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: لم وحد ساحر ولم يجمع؟ قلت لأن القصد فى هذا الكلام إلى معنى الجنسية، لا إلى معنى العدد . فلو جمع لخيل أن المقصود هو العدد)) (١) . ثم كانت بعد ذلك المفاجأة الكبرى فقد آمن السحرة حين رأوا مارأوا بعد أن ألقى موسى ما فى يمينه، قال - تعالى -: «فألقى السحرة سجدا قالواآمنا برب هارون وموسى)). قال الآلوسي: (والفاء فى قوله ((فألقى ... )) فصيحة معربة من جل غنوة عن التصريح . أى: فزال الخوف، وألقى موسى ما فى يمينه، وصارت حية، وتلقفت حبالهم وعصيهم، وعلم السحرة أن ذلك معجزة، خروا سجدا لله على وجوههم قائلين آمنا برب موسى ... ))(٢). والحق أن التعبير بقوله - تعالى - ,فألفى السحرة سجدا .. ، يدل على قوة البرمان الذى عاينوه، حتى لكأنهم أمسكهم إنسان وألقاهم ساجدين بالقوة لعظم المعجزة التى عاينوها، وأطلق - سبحانه - عليهم اسم السحرة فى حال سجودهم له - تعالى - وإيمانهم به، نظرا إلى حالهم الماضية. وهكذا النفوس النقية عندما يتبين لها الحق، لا تلبث أن تفى إليه ، وتستجيب لأهله قال الكرخى: خروا ساجدين لله لأنهم كانوا فى أعلى (١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٢٩٦. (٢) تفسير الآلوسي = ١٦ مس ٢٣٠. ١٥٩ الجزء السادس عشر طبقات السحر ، فلما رأوا مافعله موسى خارجا عن صناعتهم، عرفوا أنه ليس من السحر البتة (١) وقال صاحب الكشاب: ما أعجب أمرهم، فـ ألقوا حبالهم وعصيهم الكفر والجحود . ثم ألقوارء وسهم بعد ساعة للشكر والجود. فما أعظم الفرق بين الإلقاءين ،(٢) . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ماتوعد فرعون به السحرة ، وموقفهم من الوعيد فقال - تعالى - : ((قالَ آمَنْتُلُهُ قبلَ أنْ آذَنْ الكم، إنّهُ لَكَبِيرُ الذى علمُكُم السحرَ. الأقطعن أيديَكُم وأرجلكم مِنْ خِلافٍ ولأصلِِّنَّكُم فى جُذُوعٍ النخل، ولتعلمُنَّ أَيُّناً أشدُّ عذاباً وأَبْقَى (٧١) قَالُوا لَنْ نؤْثِرَكَ على ما جاءنَ من البيناتِ والذى فطرَ نَا فاقضِ ما أنتَ قاضٍ إنما تقضِى هذه الحياةَ الدُّنْيَاَ (٧٢) إِنَّا آمنًا بربنا ليغفر لنا خطاياناً وما أَكْرهتناَ عليه من السحرِ واللهُ خيرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يأْتِ ربِّه مجرماً فإنَّ له جهّمَ لا يموتُ فيها ولا يحي (٧٤) ومَنْ يأته مؤمناً قد عملَ الصالحات فأولئك لهم الدرجاتُ العلى (٧٥) جناتُ عدنٍ تجرى من تحتها الأنهارَ خالدين فيها، وذلكَ جزاء مَنْ تَزَلَّى (٧٦))». أى: قال فرعون للسحرة بعد أن شاهدهم وقد خروا لله - تعالى - ساجدين: , آمنتم له قبل أن آذن لكم، أى: هل آمنتم لموسى وصدقتموه فى دعونه وانقدتم له، قبل أن أعطيكم الإذن بذلك. فالاستفهام للتقريع والتهديد. (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٣ ص ٠١٠١ (٢° تعبر الكشاف م . ص ٧٥. ١٦٠ سورة طه . إنه لكبيركم الذى علمكم السحر، أى: إن موسى الذى انقدتم له لهو كبيركم وشيخكم الذى علمكم فنون السحر، فأنتم تواطأ منه . .آمنتم به لأنكم من أتباعه . وغرضه من هذا القول صرف الناس عن التأسى بهم، وعن الإيمان بالحق الذى آمن به السحرة والظهور أمام قومه بمظهر الثبات والتماسك بعد أن استبد به وبهم الخوف والهلع. من حول ما رأوه. ثم أضاف إلى قوله هذا تهديداً أشد فقال: «فلأفطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف، ولاصلبتكم فى جذوع النخل، . أى : فواقه الأقطعن أيديكم اليمينى - مثلا - مع أرجلكم اليسرى، ولأصلبنكم على جذوع النخل . لتكونوا عبرة لغيركم من تسول له نفسه أن يفعل فعلكم . فالمراد من قوله ((من خلاف)) أى: من الجهة المخالفة أو من الجانب بأن يقطع اليد اليمنى ومعها الرجل اليسرى ، لأن ذلك أشد على الإنسان من قطعهما من جهـه واحدة إذ قطعهما من جهة واحدة يبقى عنده شىء كامل صحيح، بخلاف قطعهما من جهتين مختلفتين «إنه إفساد للجانبين. واختار أن يصلبهم فى جذوع النخل، لأن هذه الجذوع أخشن من غيرها والتصليب عليها أشق من التصليب على غيرها، وأظهر الرائى لعلوها عن سواها. فهو لطفيانه وبجوره اختار أقسى ألوان العذاب ، لعقاب هؤلاء المؤمنين. قال الجمل: (قوله (( ولأصلينكم فى جذوع النخل، يحتمل أن يكون حقيقة . وفى التغير أنه نقر جذوع النخل حن جوفها ووضعهم فيها فماتوا جوعاً وعطشاً . ويحتمل أن يكون مجازاً وله وجهان : أحدهما: أنه وضع حرفاً مكانه