Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
دس عشر
ولفظ: ((قول، فيه قراءتان سبعيتان: إحداهما قراءة الجمهور بضم اللام،
والثانية قراءة ابن عامر وعاصم، بفتحها.
وعلى القراءة بالرفع يكون ((قول الحق، خبر مبتدأ محذوف، فيكون
المعنى: ذلك الذى أخبر ناك عنه بشأن عيسى وأمه هو الحق - عز وجل -
وهو قول لا يحوم حوله باطل، ولا يخالطه ريب أوشك. فلفظ والحق))
يصح أن يراد به الله - سبحانه - لأنه من أسمائه، ويصح أن يراد به ما هو
عند الباطل ، وهو الصدق والثبوت .
وعلى قراءة النصب يكون لفظ «قول) مصدراً مؤكدا لمضمون الجملة.
أى: ذلك الذى قصصناه عليك - أيها الرسول الكريم- من شأن عيسى ابن
مريم، هو القول الثابت الصادق ، الذى أقول فيه قول الحق .
والإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته أى: القول الحق. كقوله
- تعالى - ((وعد الصدق، أى: الوعـ الصدق.
وقوله : « الذى فيه يمترون ((بيان لموقف الكافرين من هذا القول الحق
الذى ذكره الله - تعالى - عن عيسى وأمه. و((الذى)) هو صفة المقول، أو للحق،
و(((يمترون)) يشكون من المرية بمعنى الشك والجدل ....
أى: ذلك الذى ذكر ناه لك من خبر عيسى هو القول الحق، الذى شك
فى صدقه الكافرون، وتنازع فيه الضالون ، فلا تلتفت إلى شكهم وكفرم
بل ذرهم فى طغيانهم يعمهون .
ثم نزه - سبحانه - ذاته عن أن يكون له ولد فقال: ((ما كان له أن يتخذ
من ولد سبحانه ... )، أى: ما يصح وما يستقيم وما يتصور فى حقه - تعالى -
أن يتخذ ولدا، لأنه منزه عن ذلك، لأن الولد إنما يتخذه القانون للامتداد،
ويتخذه الضعفاء للنصرة، والله - تعالى - هو الباقى بها. أبديا، وهو القوى
القادر الذى لا يعجزه شيء .

٤٢
و٠- ٢٠٧
و«من» فى قوله , من ولد، لتأكيد هذا النفى وتعميمه
وفى معنى هذه الآية جاءت آيات كثيرة منها قوله - تعالى-فى هذه السورة:
((وقالوا اتخذ الرحمن ولداً. لقد جئتم شيئاً إدا. تكاد السموات يتفطرون
منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا. أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغى
للرحمن أن يتخذ ولدا،.
ثم بين - سبحانه - ما يدل على غناه عن الولد والوالد والصاحب والشريك
فقال: (( إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون)) أى: لا يتصور فى حقه
- سبحانه - إتخاذ الولد، لأنه إذا أراد قضاء أمر، فإنما يقول له كن فيكون
فى الحال ، بدون تأخير أو تردد .
و قوله - تعالى - «وإن الله ربی وربكم فاعبدوه ... ، قر أه ابن عامر
والكوفيون بكسر همزة (« إن. على الاستئناف. أى: وإن عيسى - عليه
السلام - قد قال لقومه - أيضا - وإن الله - تعالى - هوربى وهو ربكم فأخلصو اله
العبادة والطاعة، وهذا الذى أمر تكم به هو الصراط المستقيم الذى لا يضل
سالکـ.
وقرأ الباقون بفتح همزة, أن، بتقدير حذف حرف الجرأى: وقال
عيسى لقومه: ولأن الله ربى وربكم فاعبدوه ... كما فى قوله - تعالى -:
((وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحداً، أى: ولأن المساجدفقه ...
ثم بين - سبحانه - موقف أهل الكتاب من عيسى - عليه السلام - فقال:
((فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم)).
والأحزاب جمع حزب . والمراد بهم فرق اليهودو النصارى الذين اختلفوا
فى شأنه - عليه السلام -، فمنهم من اتهم أمه بما هى بريئة منه، وهم اليهودكمافى
قوله:( وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما،.
ومنهم من قال ،و ابن الله، أو هو الله، أو إله مع الله، أو هو ثالث

٤٣
، السادس عشر
ثلاثة ... إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة التى حكاها القرآن عن الضالين
وتم النصارى .
ولفظ ((ويل)) مصدر لا فعل له من لفظه، وهو كلمة عذاب ووعيد.
و «مشهد)» يصح أن يكون مصدراً ميمياً بمعنى الشهود والحضور.
والمعنى : هكذا قال عيسى - عليه السلام - لقومه: أعبدوا الله ر ہی وربكم،
ولكن الفرق الضالة من اليهود والنصارى اختلفوا فيما بينهم فى شأنه اختلافا
كبيراً، وضلوا ضلالا بعيدا، حيث وصفوه بما هو برىء منه، فويل لهؤلاء
الكافرين من شهود ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة ، حيث سيلقون عذابا
شديدا من الله بسبب ما نطقوا به من زور وبهتان.
وعبر عنهم بالموصول فى قوله ((للذين كفروا، إيذانا بكفرهم جميعاً،
: وإشعارا بعلة الحكم .
قال أبو حيان: ((ومعنى: ((من بينهم، أن الاختلاف لم يخرج عنهم،
بل كانوا هم المختلفين دون غيرهم ، (١).
وجاء التعبير فى قوله (( من مشهد يوم عظيم، بالتنكير، للتهويل من شأن
هذا المشهد، ومن شأن هذا اليوم وهو يوم القيامة ، الذى يشهده الثقلان
وغيرهما من مخلوقات الله - تعالى -.
وقوله - سبحانه -: ((أسمع بهم وأبصر يوم يأتوتنا .... ، تهكم بهم،
وقوعد لهم بالعذاب الشديد ، فهو تأكيد لما قبله .
و((أسمع بهم وأبصر)) صيغتا تعجب، أفظهما لفظ الأمر، ومعناهما التعجيب،
أى : حمل المخاطب على التعجب ، وفاعلهما الضمير المجرور بالباء، وهى زائدة
(١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان ج ٦ ص ١٩١

٤٤
سورة.
فيهما لزوما والمعنى : ما أسمع هؤلاء الكافرين وما أبصرهم فى ذلك اليوم ،
لما تخلع قلوبهم. ويسود وجوههم. مع أنهم كانوا فى الدنيا صما وعميانا عن
الحق الذى جاءتهم به رسلهم .
فالمراد باليوم فى قوله: (( لكن الظالمون اليوم فى ضلال مبين، هو
ما كانوافيه فى الدنيا من ضلال وغفلة عن الحق .
أى: أن هؤلاء القوم ما أعجب حالهم: إنهم لا يسمعون ولا يبصرون فى
الدنيا حين يكون السمع والبصر وسيلة الهدى والنجاة. وهم أسمع ما يكون
السمع وأبصر ما يكون البصر، عندما يكون السمع والبصر وسيلة للخزى
والعذاب فى الآخرة .
ثم أمر الله - تعالى - فيبه محمداً - صلى الله عليه وسلم - بأن يخوف
المشركين من أهوال يوم القيامة، فقال: ((وأنذرهم يوم الحسرة إذا قضى
الأمر وهم فى غفلة وم لا يؤمنون)).
والإنذار : الإعلام بالخوف منه على وجه الترهيب والتحذير، وأشد
ما تخوف به يوم القيامة .
والحسرة : أشد الندم على الأمر الذى فات وانقضى ولا يمكن تداركه.
أى : وأنذر أيها الرسول الكريم - المشركين، وخوفهم من أهوال يوم
القيامة ، يوم يتحسر الظالمون على تفريطهم فى طاعة الله، ولكن هذا التحسر
أن ينفعهم ، لأن حكم الله قد نفذ فيهم. وقضى الأمر بنجاة المؤمنين،
وبعذاب الفاسقين ، وذهب أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار .
وقوله: (( وهم فى غفلة وهم لا يؤمنون)) حال من الضمير المنصوب فى
(( أنذرم ..
أى: أنذرهم لأنهم فى حالة يحتاجون فيها إلى الإنذار وهى الغفلة وعدم
الإيمان .

٤٥
الجزء السادس عشر
هذا، وقد جاء فى الحديث الصحيح ما يدل على أن المراد بقوله -تعالى-
((إذا قضى الأمر».
أى: ذبح الموت . فقد روى البخارى عن أبى سعيد الخدرى قال: قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادى
مناد: يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون ؛ فيقول: هل تعرفون هذاكميةولون
نعم. هذا الموت وكلهم قد رآه. ثم ينادى يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون
فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم. هذا الموت وكلهم قدراً .. فيذبح.
ثم يقول: يا أهل الجنة خلود بلا موت؛ ويا أهل النار خلود بلاءوت. ثم قرأ
- صلى الله عليه وسلم - ((وأنذرهم يوم الحسرة إذا قضى الأمر وهم فى غفلة
وهم لا يؤمنون)،(١) .
ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته، وشمول ملكه فقال: « إنا
نحن نرث الأرض ومن عليها .. ، أى : إنا نحن وحدنا الذين نميت جميع
الخلائق الساكنين بالأرض، فلا يبقى لأحد غيرنا من سلطان عليهم أو عليها،
وهؤلاء الخلائق جميعا(( إلينا، وحدنا «يرجعون)، يوم القيامة، فنحاسبهم على
أعمالهم .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((وإنا لنحن نحى وفميت ونحن
الوارثون».
وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثقنا عن جانب من قصة زكريا
ويحي، ومن قصة مريم وعيسى، حديثا يهدى إلى الرشد، ويزيد المؤمنين إيمانا
على إيمانهم ، ويقذف بحقه على باطل المبطلين فيدمغه فإذا هو زائق .
ثم أوردت السورة الكريمة القصة الثالثة وهى قصة إبراهيم -عليه السلام-
ومادار بينه وبين أبيه من حوار . قال - تعالى -:
(١) راحم تفسر ان كشرح ٣ ص ٠١٢٢

٤٦
سورة مريم
((واذكُرْ فى الكتابِ إِبراهِيمَ إنَّهُ صِدِيقاً مِيًا (٤١) إِذْ قَالَ لأبيهِ
يا أَبتِ لِمَ تَعْبُدُ مالا يسعُ ولا يبصرُ ولا يُعْنِى عنكَ شيئاً (٤٢) يا أبَتِ
إنى قد جاءبى من العلم مالم يأتِكَ فاتَِّعِى أهدِكَ صِرَاطاً سَوّيًا (٤٣)
يا أبتِ لا تَعْدِ الشيطانَ إنَّ الشيطانَ كانَ الرحمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يا أبتِ
إنى أخافُ أنْ يمسَّكَ عذابٌ من الرحمنِ فتكونَ للشيطانِ ولِيًّا (٤٥)
قالَ أراغِبٌ أنت عَنْ الْمَتِى يا إبراهيمُ، لئنْ لم تَفْسِهِ لأرُعَنَّك،
والحجرْفى ملِيًّا (٤٦) قال سلامٌ عليك سأستَغْفِرُ لكَ ربى إنَّه كانَ بی
حفيً (٤٧) وأعتزِ لكُم وما تدْعُونَ من دونِ اللهِ وأدعُو ربى عسَى أنْ
لا أكونَ بدعاء ربِّى شقيً (٤٨) فلمَّا اعتزَ لهُم وما يعُدونَ من دونٍ
الله وهبتَ لهُ إسحاقَ ويعقوب وكلّ جعَلْنَاَ نبيًّا (٤٩) ووهَبْناَ لَهُم
من رْمتناَ وجعلناَ لهُم لسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠))).
قال الإمام الرازى ماملخصه: «اعلم أن الغرض من هذه السورة، بيان
التوحيد والنبوة والحشر، والمنكرون للتوحيد فريقان: فريق أثبت معبودا
غير الله حيا عائلا وهم النصارى ومن على شاكلتهم، وفرق أثبت )معبودا غير
الجماد ليس بحى ولا عاقل، وهم عبدة الأوثان . والفريقان وإن اشتركا فى
الضلال إلا أن ضلال الفريق الثانى أعظم. ولما بين - سبحانه - ضلال
الفريق الأول - وهم النصارى - ، اتبعه بذكر الفريق الثانى: وهم عبدة
الأونان قوم إبراهيم - عليه السلام (١).
وإبراهيم - عليه السلام - هو من أولى العزم من الرسل، وهو الذى
(١) تفسير الفخر الرازى = ٥ ص ٥٥٤

٤٧
الجزء السادس عشر
جعل الله فى ذريته النبوة والكتاب، وهو الذى وصفه الله - تعالى - بجملة
من الصفات الكريمة، منها قوله - تعالى -: ((إن إبراهيم الحليم أواه
مغيب))(١) ..
أى: واذكر - أيها الرسول الكريم - للناس فى هذا القرآن قصة أبيهم
إبراهيم - عليه السلام -، لمكى يعتبروا ويتعظوا ويقتدوا بهذا التى الكريم فى
قوة إيمانه، وصفاء يقينه ، وجميل أخلاقه ...
وقوله: « إنه كان صديقا نبيا، إستئناف مسوق لتعليل موجب الأمر فى
قوله: ((واذكر)).
والصديق: صيغة مبالغة من الصدق . أى: إنه كان ملازما للصدق فى كل
أقواله وأفعاله وأحواله ، كما كان نبيا من أولى العزم، الذين فضلهم الله على
غيرهم من الرسل الكرام.
ثم بين - سبحانه - مظاهر صدقه وإخلاصه لدعوة الحق فقال: ((إذاقال
لأبيه يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئًا)).
والظرف (( إذ) بدل اشتمال من ((إبراهيم، وجملة ((إنه كان صديقا نبيا))
معترضة بين البدل والمبدل منه لتعظيم شأنه - عليه السلام -.
والتاءفى قوله (( يا أبت)) عوض عن ياء المتكلم، إذالأصل يا أبى، وناداه
بهذا الوصف دون أن يذكر اسمه: زيادة فى احترامه واستمالة قلبه للحق .
أى: واذكر خبر إبراهيم وقت أن قال لأبيه آ زر مستعطفا إياه: يا أبت
لماذا تعيد شيئا لا يسمع من بناديه ، ولا يبصر من يقف أمامه ، ولا يغنى عنك
شيئا من الأغناء، لأنه لا يملك لنفسه - فضلا عن غيره - نفعا ولا ضرا.
ثم دعاه إلى اتباع الحق بالطف أسلوب فقال: « يا أبت إنى قد جاءنى من
(١) سورة هود . الآية ٧٥

٤٨
سورة مريم
العلم، النافع الذى على الله - تعالى - إياه, مالم يأنك، أنت، وهذا فضل
الله يؤتيه من يشاء، ((فاتبعنى، فيما أدعوك إليه (( أهدك صراطا سويا»
أى : أهدك إلى الطريق المستقيم الذى لاءوج فيه ولا اضطراب.
ثم نهاه عن عبادة الشيطان، لأنها جهل وانحطاط فى التفكير فقال :
((يا أبت لاتعبد الشيطان، فإن عبادتك هذه الأصنام هى عبادة وطاعة الشيطان
الذى هو عدو الإنسان .
ثم عمل له هذا النهى بقوله: ((إن الشيطان كان الرحمن عصيا، أى: إن
الشيطان الذى أغراك بعبادة هذه الأصنام كان الرحمن عصيا، أى : كثير
العصيان، لا يهدى الناس إلى طاعة الله، وإنما سيهديهم إلى مخالفته ومعصيته
وموجبات غضبه .
ثم ختم هذا النداء بما يدل على حبه له، وشفقته عليه فقال: « يا أبت إنى
أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا ،.
أى: يا أبت إنى أشفق عليك من أن ينزل بك عذاب من الرحمن بسبب
إصرارك على عبادة غيره، وبذلك تصبح قرينا للشيطان فى العذاب بالنار،
لأنك انقدت له ، وخالفت طريق الحق .
هذا الأسلوب الحكيم الهادىء الرقيق .... خاطب إبراهيم أباه، وهو
يدعوه إلى عبادته - تعالى - وحده ،
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال ماملخصه: ((انظر كيف رتب إبراهيم
الكلام مع أبيه فى أحسن اتساق، وساقه أرشق مساق، مع استعمال المجاملة
واللطف والرفق واللين والأدب الجميل والخلق الحسن .
وذلك أنه طلب منه - أولا - العلة فى خطئه. طلب منبه على نماديه ،
موقظ لإفراطه وتناهيه ... حيث عبد ما ليس به حس ولا شعور .
ثم ثنى بدعوته إلى الحق مترفقا به متلطفا، فلم يصف أباه بالجهل المفرط ،

٤٩
اجزء السادس عشر
ولا نفسه بالعلم الفائق. ولكنه قال : إن معى طائفة من العلم وشيئاً منه
ليس معك .... ثم بتشتطه ونهيه عما كان عليه، بتصويره صورة يستنكرها
كل عاقل ... ثم ربع بتخويفه سوء العاقبة، وما يجره ما هو فيه من الوبال.
ولم يخل ذلك من حسن الأدب، حيث لم يصرح بأن العقاب لا حق له،
وأن العذاب لاصق به، ولكنه قال: ((إنى أخاف أن يمسك ... )).
وصدر كل نصيحة من النص تح الأربع بقوله: « يا أبت· توسلا
واستعطافا ... ،(١).
ولكن هذه النصيحة الحكيمة الغالية من إبراهيم لأبيه. لم تصادف أذنا
واعية ، ولم تحظ من أبيه بالقبول، بل قوبلت بالاستفكار والتهديد فقد قال
الأب الكافر لابنه المؤمن: «أراغب أنت عن آلهتى يا إبراهيم؟ لئن لم تفته
لأرجنك واهجرنی مایا ».
والاستفهام فى قوله، أواغب) للإنكار والتهديد والرغبة عز الدور: تركه
عمدا زهداً فيه لعدم الحاجة إليه .
ولفظ((راغب، مبتدأ، ((وأنت)) فاعل سد مد الخبر، و(مليا، أى:
زمنا طويلا. مأخوذ من الملاوة ، وهى الفترة الطويلة من الزمان وقال للبل
والنهار : الملوان .
والمعنى: قال والد إبراهيم له على سبيل التهديد والوعيد، أتارك أنت
يا إبراهيم عبادة آلهى، وكاره لتقرب الناس إليها، ومنفرهم منها. لئن لم تنته
عن هذا المسلك، « لأرجمنك، بالحجارة وبالكلام القبيح ((واهجر فى ملوا))
أن تغرب عن وجهى زمنا طويلا لا أحب أن أراك فيه .
(١) راجع تفسير الكشاف ج ٣ ص ٠١٩
(٤ - سورة مريم )

٥٠
سورة می۔۔
وهكذا قابل الأب الكافر أدب ابنه المؤمن، بالفظاظة والغلظة والتهديد
والعناد والجهالة ... شأن القلب الذى أفسده الكفر.
ولكن إبراهيم - عليه السلام - لم يقابل فظاظة أبيه وتهديده بالغضب
والضيق، بل قابل ذلك بسعة الصدر. وجميل المنطق، حيث قال له : . سلام
عليك سأستغفر لك ربى إنه كان مى حفياء.
أى : لك منى - يا أبت - السلام الذى لا يخالطه جدال وأذى، والوداع
الذى أقابل فيه إساءتك إلى بالإحسان إليك. وفضلا عن ذلك فإنى «سأستغفر
لك ربى إنه كان بى حفيا، أى: بارا بى، كثير الإحسان إلى.
يقال : فلان «فى بغلان حفاوة، إذا بالغ فى إكرامه، واهتم بشأنه ..
وقد وفى إبراهيم بوعده، حيث استمر على استغفاره لأبيه. إلى أن تبين
له أنه عدو لله - تعالى - فتبرأ منه كما قال - تعالى -:. وما كان استغفار إبراهيم
لأ بيه إلا عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنسعد ونه تبرأ منه، إن إبراهيم
لأواه حليم ، (١).
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك أن إبراهيم - عليه السلام - عندما رأى
تصميم أبيه وقومه على الكفر والضلال، قرر اعترالهم والابتعاد عنهم، فقال
- تعالى -: ((وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربى عسى أن
لا أكون بدعاء رمى شقيا ،.
أى: وقال إبراهيم - أيضاً - لأبيه، إنى بجانب استغفارى لك، ودهونى
لك بالهداية، فإنى ساعتزلك وأعتزل قومك؛ وأعتزل عبسادة أصنامكم التى
تعبدونهما من دون الله وأرتحلى عنكم جميعاً إلى أرض الله الواسعة، وأخص
ربى وخالقى بالعبادة والطاعة والدعاء، فقد عودنى - سبحانه - أن لا يخيب
دعائی و تصرعی إلیه .
(١) سورة التوبة الآية ٠١١٤

٠١
الجزء السادس عشر
وفى تصدير كلامه بلفظ« عسى، دليل على تواضعه، وعلى أدبه مع خالقه
- تعالى -.
ثم بين - سبحانه - ما ترتب على اعتزال إبراهيم الشرك والمشر كين فقال:
((قلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله، وهبنا له إسحاق ويعقوب
وكلا جعلنا نبيا. ووهبنا لهم من رحمتنا، وجعلنا لهم لسان صدق عليا».
أى : أين اعتزل إبراهيم - عليه السلام - أباه وقومه وآلهتهم الباطلة.
ثم نضيعه، وإنما أكرمناه وتفضلنا عليه بأن وهبنا له إسحاق ويعقوب ليأنس
بهما بعد أن فارق أباه وقوعه من أجل إعلاء كلمتنا « وكلا جعلنا نبياً، أى:
وكل واحد منهما جعلماه نبياً ((ووهبنا لهم)، أى: لإبراهيم وإسحاق ويعقوب
(((من رحمتنا، بأن جعلناهم أنبياء، ومنحناهم الكثير من فضلنا وإحساننا
ورزقنا .
(( وجعلنا لهم لسان صدق عليا، بأن صيرنا الناس يثنون عليهم ويمدحونهم
ويذكرونهم بالذكر الجميل، لخصالهم الحميدة ، وأخلاقهم الكريمة .
وهكذا نرى أن اعتزال الشرك والمشر كين، والفسق والفاسقين ، يؤدى
إلى السعادة الدينية والدنيوية، وما أصدق قوله - تعالى -: «فلما اعتزلهم وما
يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا فيها».
ثم مدح الله - تعالى - موسى - عليه السلام - وهو واحد من أولى العزم
من الرسل، وينتهى نسبه إلى إبراهيم - عليه السلام - فقال - تعالى -:
((واذكر فى السكتاب مُوسَى إِنّه كان مُخلصاً وكانَ رسولاً ندًا (٥١)
وناديناهُ مِنْ جانبِ الأُورِ الْأيمَنِ وقَرَّبناء نجيًا (٥٢) ووهبْتَلهُ مِنْ
وْمَتِنَاَ أخَهُ مارُونَ نِيًّا (٥٣)» .
ولفظ ,مخلصا، فيه قراء تان سبعيتان، إحداهما بفتح اللام - بصيغة.

٥٢
سورة مريم
اسم المفعول - أى: أخلصه انه - تعالى - لذاته، واصطفاء، كما قال - تعالى -:
((قال يا موسى إنى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامى ... )، (١) . .
والثانية بكسر اللام - بصيغة اسم الفاعل - أى: كان مخلصالنا فى عبادته
وطاعته .
والمعنى: واذكر - أيها الرسول الكريم - للناس خبر أخيك موسى - عليه
السلام - إنه كان من الذين أخلصناء واصطفيناهم لحمل رسالتنا، وكان من
الذين أخلصوا لنا وحدنا العبادة والطاعة، وكان - أيضا - ((رسولا، من
جهتنا لتبليغ ما أمرفاه بتبليغه، وكان كذلك «نبيا، رفيع القدر، عالى المكانة
والمنزلة، فقد جمع الله - تعالى - له بين هاتين الصفتين الساميتين. صفة الرسالة
وصفة النبوة .
وقوله - تعالى -: ((وناديناه، من جانب الطور الأيمن، وقربناء نجيا،
بيان لفضائل أخرى منحها الله - تعالى - لموسى - عليه السلام -.
والطور: جبل بين مصر وقرى مدين. الأيمن: أى الذى يلى يمين
موسى .
قال الآلوسي: (( والأيمن: صفة لجانب لقوله - تعالى - فى آية أخرى:
(( جانب الطور الأيمن)) بالنصب. أى: فاديناه من ناحيته اليمنى، من اليمين
المقابل لليسار. والمراد به يمين موسى، أى: الناحية التى تلى بعينه (« إذ الجبل
نفسه لا ميمنة له ولا ميسرة .
وبجوز أن يكون الأيمن من اليمن وهو البركة ، وهو صفة لجانب-أيضا -:
أى: من جانب الميمون المبارك ...
والمراد من ندائه من ذلك الجانب: ظهور كلامه - تعالى - من تلك الجهة،
والظاهر أنه - عليه السلام - إنما سمع اللفظ .... ، (٢).
(١) سورة الأعراف، الآية ١٤٤.
(٢) تفسير الآلومى ١٦ ص ٠١٠٣

٥٣
الجزء السادس عشر
وقوله: « وقربناه نجيا، أى: وقربناه تقريب تشريف وتكريم حالة
مناجاته لنا ، حيث أسمعناه كلامنا ، واصطفيناه لحمل رسالتنا إلى الناس.
فقوله (( نجيا)) من المناجاة وهى المسارة بالكلام، وهو حال من مفعول
● قربناه، أى: وقربنا موسى منا حال كونه مناجيا لنا .
وقوله - تعالى -: (( ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا، بيان لمظهر
آخر من مظاهر فضل الله - تعالى - على عبده موسى.
أى: ووهبنا لموسى من أجل رحمتنا له. وعطفنا عليه، أخاه هارون
ليكون عونا له فى أداء رسالته كما قال - تعالى- حكاية عنه: «واجعل لى وزيراً
من أهلى . هارون أخى أشدد به أزرى. وأشركه فى أمرى ... ».
وقوله: (( فيا، حال من هارون، أى: حال كونه نبيا من أنبياء الله
- عز وجل - .
هذا ، وما ذكره الله - تعالى - هنا مجملا عن ندائه لموسى من جانب
الطور الأيمن ، قد جاء مفصلا فى مواطن أخرى منها قوله - تعالى -: (فلما
قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله
أمكثوا إنى آ نست ناراً لعلى آتيكم منها بخبر أو جذوة من الغار لعلكم تصالون.
فلما أتاها نودى من شاطىء الواد الأيمن فى البقعة المباركة من الشجرة، أن
يا موسى إنى أنا الله رب العالمين ..... (١).
ثم ساق - سبحانه - جانبا من فضائل إسماعيل - عليه السلام-وهو الفرع
الثانى من ذرية إبراهيم فقال - تعالى -:
((واذكُر فى الكتابِ إسماعيلَ إنه كانَ صادقَ الوَعْدِ وكانَ
رسولاً نبيًّا (٥٤) وكانَ يأْمُر أهلَه بالصَّلاةِ والزكاةِ وكَانَ عِندَ ربَهُ
مَرْضِيًّا (٥٥))).
(١) سورة القصص الآيتان ٠٣٠،٢٩

٠٤
سوره مریم
أى: واذكر فى هذا الكتاب لقومك - أيها الرسول الكريم- خبر جدك
إسماعيل بن إبراهيم - عليهما السلام - لكى يتأسوا به فى صفاته الجليلة ، إنه
"كان صادق الوعد، يكفي للدلالة على صدق وعده، وشدة وفائه، أنه وعد
أباه بصبره على ذبحه فلم يخلف وعده. ل قال - كما حكى القرآن عنه -: "! أبت
افعل ما تؤمر ستجد نى إن شاء الله من الصابرين» .
ووصف بصدق الوعد وإن كان غيره من النبيين كذلك. تشريفا وتكريما
له، ولأن هذا الوضف من الأوصاف التى اكتملت شهرتها فيه.
وقد مدح الله - تعالى - الأوفياء بعمودهم فى آيات كثيرة منها قوله -تعالى-
(( والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرين فى البأساء والضراء وحين البأس،
أولئك الذين صدقوا، وأولئك هم المتقون)).
وروى الإمام الطبر انى عن ابن مسعود قال: لا يعد أحدكم أخاه ثم لا ينجزاه،
فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((العدة دين)).
وقال القرطبى: والعرب تمتدح بالوفاء، وتذم بالخلف والعذر ، وكذلك
سائر الأمم ، ولقد أحسن القائل:
متى ما يقل حر لصاحب حاجة
فعم، يقضها، والجر الوعد ضامن
وقوله - تعالى -: («وكان رسولا نبيا، أى: وكان من رسلنا الذين
أرسلناهم لتبليغ شريعتنا، ومن أنبيائنا الذين رفعنا منزلتهم وأعلينا قدرهم.
قالوا : وكانت رسالته بشريعة أبيه إلى قبيلة جرهم من عرب اليمن، الذين
نزلوا على أمه هاجر بوادى مكا حين خلفها إبراهيم هى وابتها بذلك الوادى،
فسكنوا هناك حتى كبر إسماعيل وزوجوه منهم، وأرسله الله - تعالى-
إلیہم(١).
ثم وصفه أنه - تعالى - بصفة كريمة ثالثة فقال: «وكان يأمر أهله بالصلاة
والزكاة .... ،
(١) حاشية الجمل على الجلالين = ٣ ص ٥٧

٥٥
الجزء السادس عشر
أى: وكان بجانب حرصه على أداء هاتين الفريضتين، يأمر أهله وأقرب
الناس إليه بالحرص على أدائهما، لكى يكون هو وأهل قدوة لغيرهم فى العمل الصالح.
وكان النبى - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك الذى أثنى الله به على نبيه
إسماعيل استجابة لقوله تعالى: (( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ....
قال الإمام ابن كثير: وقد جاء فى الحديث عن أبى هريرة قال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -: ((رحم الله - رجلا قام من الميل فصلى وأيقظ امرأته،
فإن أبت نضح فى وجهها الماء رحم الله امرأة قامت من الليل وأيقظت زوجها
فإن أبى نضحت فى وجهه الماء ،
وعن أبى سعيد عن النبى - صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا استيقظ الرجل
من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركمتين، كتبا من الذاكرين الله كثيرا
والذاكرات ،.
ثم ختم - سبحانه - هذه الصفات الجميلة التى مدح بها نبيه إسماعيل فقال:
« وكان عند ربه مرضيا،.
-أى: وكان إسماعيل عندربه مرضى الخصال، لاستقامته فى أقواله
وأفعاله، وللصدق فى وعده، ولأمره أهله بالصلاة والزكاة ، ولا شك أن من
جمع هذه المناقب كان من رضى الله عنهم ورضوا عنه.
ثم ختم الله هذا الحديث عن بعض الأنبياء، بذكر جانب من قصة إدراس
- عليه السلام - فقال :
(( واذكرْ فى الكتاب إدريسَ إنه كان صديقاً نبيًّا (٥٦) ورفعْنَاءُ
مكاناً عليًا (٥٧))).
قال الألوسى ما ملخصه: «وإدريس هو فى قبل نوح وبينهما ألف سنة
وهو أخنوع ابن يرد .... بن شبث بن آدم. وهو أول من نظر فى النجوم
والحساب، وأول رسول بعد آدم .... ،(١)
(١) راجع تفسير الآلوسى + ١٦ ص ١٠٥

٥٦
سورة مريم
أى: واذكر - أيضا - فى الكتاب خبر إدريس - عليه السلام -، إنه
كان ملازما للصدق ، وكان من أكرمناهم بالنبوة.
وقوله: (( ورفعناه مكانا عليا، قالوا: هو شرف النبوة والزافى عند الله
- تعالى -، أو المراد برفعه إلى المكان العلى: إسكانه فى الجنة، إذ لا شرف
أعلى من ذلك .
روى أن التابغة الجعدى لما أنشد قوله :
بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا وإنا 'نرجوا فوق ذلك مظهرا
قال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -: إلى أين المظهر يا أبا ليلى ؟ قال:
إلى الجنة. قال: أجل إن شاء الله - تعالى -.
وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثقنا عن طرف من قصص زكريا
ويحب وعيسى وإبراهيم وإسماعيل وإدريس - عليهم الصلاة والسلام-، وقد
وصفتهم بماهم أمله من صفات كريمة، ليتأسى الناس بهم فى ذلك.
ثم نسوق السورة الكريمة بعد ذلك، وازنة بين هؤلاء الأخيار، وبينمن
جاءوا بعدهم من أقوامهم الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ، وتفتح
السورة باب التوبة ليدخله بصدق وإخلاص المخطئون ، حتى يكفر الله
- تعالى - عنهم ما فرط منهم . قال - تعالى -:
(( أُولئكَ الذينَ أَنْمَ اللهُ عليهِمْ من النَِّينَ من ذُرِيةٍ آدَمَ وَمَّنْ
◌َلْنَاً مع نوحٍ، ومن ذُرِّبةِ إبراهيمَ وإسرائيلَ ومِّنْ هَدِينا واجتَبَّناً،
إذا تَتَلَى عليهِمْ آيَاتُ الرحمنِ خرُّوا سُجَّدَاً وبُكِيًّا (٥٨) فغلّفَ مِنْ
بَعدم خلفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتبعوا الشهواتِ فَسَوف يلقَوْنَ
غيَّا (٥٩) إلاَّ من تابَ وَآمَنّ وعمِلَ صالِحًا فأولئِكَ يدخلون الجنة
ولا يُظَمونَ شيئاً (٦٠) جناتٍ عَدْنٍ التى وعد الرحمنُ عبادَه بالغَيب

٥٧
الجزء السادس عشر
إِنَّهُ كَانَ وعِدُهَ مأَيَّا (٦١) لا يسمعُونَ فيها لغواً إلا سلاماً ولهم رِزْقُهم
فيها بُكرةً وعشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الجنسةُ التى نُورِث مِنْ عبادِنا مَنْ
كانَ تَقِيًّا (٦٣) » .
وإسم الإشارة فى قوله : , أولئك الذين أنعم الله عليهم .... ، يعود إلى
الأنبياء المذكورين فى هذه السورة. وهم عشرة أولهم فى الذكر زكريا وآخرهم
إدريس.
قال القرطبى: قوله - تعالى -: « أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين
من ذرية آدم، يريد إدريس وحده ((ومن حملنا مع فو ح)، يريدإبراهيم وحده
( ومن ذرية إبراهيم، يريد إسماعيل وإسحاق ((و)، من ذرية (( إسرائيل))
يريد موسى وهارون وز كريا ويحمي وعيسى. فكان لإدريس ونوح شرف
القرب من آدم، ولإبراهيم شرف القرب من نوح. ولإسماعيل وإسحاق
ويعقوب : شرف القرب من إبراهيم(١).
وقوله: (( ومن مدينا وإجتبينا، معطوف على قوله ((من ذرية آدم))
ومن للتبعيض .
أى: ومن جملة من أنعم الله عليهم، أولئك الذين هديناهم إلى طريق الحق
وإجتبيناهم واختر ناهم لحمل رسالتنا ووحينا .
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد جمع هؤلاء المنعم عليهم جملة من المزايا
منها: أعمالهم الصالحة، ومناقبهم الحميدة التى سبق الحديث عنها، ومنها:
كونهم من نسل هؤلاء المصطفين الأخيار، ومنها أنهم من هداهم الله - تعالى-
. واصطفاه لحمل رسالته .
!
(١) تفسير القرطبى :١١ ص ٠١٣٠

٥٨
سورة مريم
وقد بين - سبحانه - فى سورة النساء من أنعم عليهم : صورة أكثر شمولا
فقال: (( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذبن أنعم الله عليهم من النبيين
والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً)).
وقوله - تعالى -: ((إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا ربكيا) بان
لرقة مشاعرهم ، وشدة تأثرهم عند سماع آيات الله - تعالى -.
فالجملة الكريمة إستئناف مسوق لبيان عظم خشيتهم من الله - تعالى - أو
هى خبر لاسم الإشارة ((أولئك)، «وسجدا وبكيا، جمع ساجد وباك.
أى: أولئك الذين أنعم الله - تعالى - عليهم، من صفاتهم أنهم إذا تتلى
عليهم آيات الرحمن، المتضمنة لتمجيده وتنظيمه وحججه ... خروا على
جباههم ساجدين وباكين ، وسقطوا خاضعين خاشعين خوفا ورجاء ، وتعظيما
وتمجيداً لله رب العالمين.
وجمع - سبحانه - بين السجود والبكاء بالنسبة لهم، الإشعار بأنهم مع
تعظيمهم الشديد لمقام ربهم، فهم أصحاب قلوب رقيقة ، وعواطف جياشة
بالخوف من الله - تعالى -.
وفى معنى هذه الجملة الكريمة وردت آيات كثيرة، منها قوله - تعالى -:
((قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم بخرون
للأذقان سجدا، ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا: ويخرون.
للأذقان بیکون ويزبدهم خشوعا، (١).
وقوله - سبحانه -: «وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض
من الدمع ما عرفوا من الحق، يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين،(٢).
فهذه الآيات الكريمة تدل على أن من صفات المؤمنين الصادقين، أنهم يت أثرون
(١) سورة الإسراء الآيات من ١٠٧ - ١٠٩.
(٢) سورة المائدة الآية ٠٨٣

٥٩
بر ... دس عشر
تأثراً عظيما عند سماعهم لكلام الله - تعالى -، تأثرا يجعلهم يبكون ويسجدون
وتقشعر جلودهم ، وقوجل قلوبهم ، ونلين نفوسهم.
قال ابن كثير - رحمه الله -: (قوله - تعالى -: ((إذا تتلى عليهم آيات
الرحمن خروا سجدا وبكيا، أى: إذا سمعوا كلام اللّه المتضمن حججه
ودلائله وبراهينه سجدوا لربهم خضوعا واستكانة وشكرا على ماهم فيه من
نعم ... فلهذا أجمع العلماء على شرعية السجودههنا اقتداء بهم، واتباعا لمنوالهم
وقرأ عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - هذه الآية فسجد وقال: هذا السجود
فأين البكاء،(١) .
ثم بين - سبحانه - ماحدث من الذين جاءوا بعد هؤلاء المنعم عليهم فقال:
فخلف من بعدهم خلف ، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف
يلقون غيا ) ..
ولفظ ((الخلف، بسكون اللام - الأولاد، والواحد والجمع فيه سواء،
وأكثر ما يطلق على الأشرار والصالحين، ومنه المثل السائر: «سكت ألفا
ونطق خلفا، وقول الشاعر :
ذهب الذین یعاش فى أ كتافهم
وقيت فى خلف كجلد الأجرب
والمراد بهذا اللفظ فى الآية: اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين
الذين جاءوا بعد أنبيائهم ، ولكنهم خالفوا شريعتهم، وأهملوا ما أمروه به
وما نهوم عنه .
أما لفظ.«الخلف، بفتح اللام - فيطلق على البدل ولدا كان أو غير ولد
وأكثر إستعمالاته فى المدح، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «يحمل هذا
العلم من كل خلف عدو له .....
(١) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ١٢٧

٦٠
سورة مريم
والمعنى: خلف من بعد أولئك الأخيار الذين أنعم الله عليهم ، خلف
سوء وشر، ومن الأداء على سوئهم وفجورهم أنهم ((أضاعوا الصلاة، بأن
تركوها، أو لم يؤدوها على وجها المشروع ((واتبعوا الشهوات، التى جعلتهم
يفهمكون فى المعاصى ، ويسارعون فى اقتراف المنكرات ..
و قوله (( فسوفيلقون غیا ، بمان لسوء عاقبتهم، أى: فسوف بلقىهؤلاء
المضيءون للصلاة، المتبعون للشهوات، خسرانا وشرا فى دنياهم وآخرتهم،
بسبب ضلالهم وتنكبهم الصراط المستقيم.
فالمراد بالغى: الخسران والضلال . يقال: غوى فلان يغوى إذ ضل،
والإسم الغواية .
وقيل المراد بالغنى هنا : واد فى جهنم تستعيذ من حره أوديتها . وقيل:
هو نهر فى أسفل جهنم يسيل فيه صديد أهلها .
ثم فتح - سبحانه - للتائبين باب الرحمة فقال: « إلا من تاب وآمن وعمل
مالجا ......
أى: هذا العقاب الشديد للمضيعين للصلاة، وللمتبعين للشهوات، لكن
من ناب منهم توبة نصوحا، وآمن بالله - تعالى - حق الإيمان ، وعمل فى
دنياه الأعمال الصالحة .
((فأولئك، المنعوتون بالتوبة والإيمان والعمل الصالح ((يدخلون الجنة))
بفضله - تعالى - ورحمته ((ولا يظلمون شيئا، أى: ولا ينقصون من أجور
أعمالهم شيئا .
. وقوله ((جنات عدن التى وعد الرحمن عباده بالغيب.، بدل من الجنة فى
قوله ((فأولئك يدخلون الجنة))
أى: هؤلاء التائبون المؤمنون العاملون الصالحات . يدخلهم الله - تعالى -
جنات عدن، أى: الجنات الدائمة التى وعدهم الرحمن بدخولها، وكان هذا .
الوعد فى الدنيا قبل أن يشاهدوها أو يروها .