Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
اجزء السادس عشر
فيه، ، فأوحى إليهم، أى: فأشار إليهم أو كتب لهم دون أن ينطق بلسانه
((أن سبحوا)) لقه - تعالى - وقدسوه ,بكرة، أى: فى أوائل النهار ((وعشيا)
أى: فى أواخره .
وقد ذكر - سبحانه - فى آية أخرى، مايشير إلى أن هذا المحراب الذى
خرج منه زكريا - عليه السلام - على قومه، هو ذلك المكان الذى بشره الله
- تعالى - فيه بيحي .
قال - تعالى -: ( فنادته الملائكة وهوقائم يصلى فى المحراب أن الله يبشرك
بيحيى، مصدقا بكلمة من اللّه وسيدا وحصوراً ونبيا من الصالحين،(١).
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوبها البليغ جانبا من رحمة
الله - تعالى - بعده زكريا، ومن الدعوات التى تضرع بها إلى خالقه
- عز وجل -، وأن الله - تعالى - قد أجاب له دعاءه ,وبشره بيحي، وعرفه
بالعلامة التى بها يعرف وقوع مابشره به ، زيادة فى اطمئنانه وسروره.
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن يحيى ، فبينت ما أمره الله
- تعالى - ه، وما منحه من صفات فاضلة. فقال - تعالى -:
((يا يحيى خُذِ الكتابَ بَقُومٍ وَآتبناءُ الحُكُم صبياً (١٢) وحناناً
مِنْ لُنَّا وزكاةٌ وكانَ تقِيًّا (١٣) وبَرًّا بوَالدَ يهِ ولم يكُنْ جَبَّاراً
عَصِيًّا (١٤) وسلامٌ عَلَيْهِ يومَ وُلدَ ويومَ يموتُ، ويومَ يُبْعَثَ
حَيًّا (١٥))).
وقوله - سبحانه -: ((يا يحيى خذ الكتاب بقوة، مقول لقول محذوف،
والسر فى حذفه المسارعة إلى الإخبار بإنجاز الوعد الكريم.
والتقدير : وبعد أن ولد يحيى، ونما وترعرع قلنا له عن طريق وحينا:
يا يحيى خذ الكتاب الذى هو التوراة («بقوة)) أى: بجد واجتهاد، وتفهم لمعناه
(١) سورة آل عمران الآية ٠٣٩

٢٢
سورہ م۔۔۔
على الوجه الصحيح ، وتطبيق ما اشتمل عليه من أحكام وآداب ، فإن بركا
العلم فى العمل به .
والجار والمجرور,بقوة، حال من فاعل خذ وهو يحمى، والباء للملابسة
أى : خذه حالة كونك متلبا بحفظه وتنفيذ أحكامه بشدة وثبات.
وقوله: ((وآتيناه الحكم صبيا، أى: وأعطيناه بقدرتنا وفضلنا والحكم.
أی : فهم الکتاب والعمل بأحكامه ، وهو فى سن الصبا .
قيل : كان سنه ثلاث سنين ، وقال سبع سنين .
قال الآلومى: ((أخرج أبو نعيم، وابن مردوية، والديلى، عن ابن
عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال فى ذلك: «أعطى الفهم والعبادة
وهو ابن سبع سنين)،(١) .
وقال الجمل فى حاشيته : فإن قلت: كيف يصح حصول المقل والفطنة
والنبوة حال الصبا؟
قلت: لأن أصل النبوة مبنى على خرق العادات . إذا ثبت هذا. فلا تمنع
صيرورة الصبى نبيا. وقيل: أراد بالحكم فهم الكتاب فقرأ التوراة وهو
صغير ... )،(٢) .
والذى تطمئن إليه النفس وعليه جمهور المفسرين أن المراد بالحكمهنا:
العلم النافع مع العمل به ، وذلك عن طريق حفظ التوراة وفهمها وتطبيق
أحكامها .
قال ابن كثير: قوله: ((وآتيناه الحكم صبيا، أى: الفهم والعلم
والجد والعزم، والإقبال على الخير، والإكباب عليه، والاجتهاد فيه، وهو
صغير حدث .
قال عبد الله بن المبارك : قال معمر: قال الصبيان ليحيى بن زكريا:
(١) تفسير الآلوسى = ١٦ ص ٧٢
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ص ٥٤

٢٣
اجزء السادس عشر
أذهب بنا لعب، فقال: ما للعب خلقنا. قال: فلهذا أنزل الله: «وآتيناه
الحكم صبيا، !! ).
وقوله - تعالى -: ((وحتانا من لدنا وزكاة وكان تقياء «طوف على
, الحكم)).
أى : وأعطيناه الحكم صبيا، وأعطينا، حنانا ....
قال القرطى ما ملخصه: الحنان : الشفقة والرحمة والمحبة ، وهو فعل من
أفعال النفس ...
وأصله: من حنان الفاقة على ولدها ... قال طرفة :
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض (٢)
والمعنى: منحفا ((يحى)) الحكم صبيا، ومنحناه من عندنا وحدنا رحمة عظيمة
عليه ورحمة فى قلبه جعلته يعطف على غيره، وأعطيناه كذلك «زكاة، أى:
طهارة فى النفس ، أبعدته عن ارتكاب مانهى الله عنه، وجعلته سباقا لفعل
الخير ، وكان تقيا، أى مطيعا لنا فى كل ما نأمره به ، أو ننهاه عنه.
ثم أضاف - سبحانه - إلى تلك الصفات الكريمة ليحيى صفات أخرى
فقال: ((وبرا بوالديه، أى: وجعلناه كثير البر بوالديه، والإحسان إليهما.
((ولم يكن جبارا، أى: مستكبرا متعاليا مغرورا. عصيا، أى: ولم يكن
ذا معصية ومخالفة لأمر ربه .
ثم ختم - سبحانه - هذه الصفات ببيان العاقبة الحسنة التى أدخرها ليحيى
- عليه السلام - فقال: (( وسلام عليه يوم ولد)، أى: وتحية وأمان له منا
يوم ولادته ((ويوم يموت، ويفارق هذه الدنيا ((ويوم يبعث حيا)) للحساب
يوم القيامة .
(١) تفسير ابن كثير جـ م ص ١١٣
(٢) تفسير القرطبى : ١١ ص ٨٧

٢٤
سورة مريم
وخص - سبحانه - هذه الأوقات الثلاثة بالذكر، لأنها أحوج إلى الرعاية
من غيرها .
قال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون المرء فى ثلاثة مواطن : يوم يولد
فيرى نفسه خارجا مما كان فيه . ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عايتهم.
ويوم يبعث فيرى نفسه فى محشر عظيم .
وبعد هذا الحديث عن جانب من قصة زكريا ويحيى - عليهما السلام -،
انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن قصة أخرى أعجب من قصة ميلاد
يحى، ألا هى قصة مريم وميلادها لأبنها - عليه السلام - فقال - تعالى -:
((واذكُرْ فى الكتابِ مَرْيم إذٍ انتبذَتْ مِنْ أهلهاً مكاناً
شَرْقِيّا (١٦) فاتخذَتْ مِن دُونهم حجاباً فأرسْناَ إليها رُوحَناً فتمثَّلَ لما
بشراً سويًّا (١٧) قالَتْ إِنّى أعوذُ بالرَّحنِ منكَ إن كنتَ تقيًّا (١٨)
قال إنما أنا رسولُ ربِّكِ لْأهبَ لكِ غلامًا زكيًا (١٩) قالتْ أَنى يكونُ
لى فلامٌ ولم يمسَسْنِى بشرٌ ولم أكُ بغدًا (٣٠) قال كذلكٍ قَالَ رَبُّكِ هُو
علىّ هَيٌِّ ولنَجْعَلُهُ آيةً للناسِ ورحمةً مِذَّ وكانَ أمراً مقضِيًّا (٢١))).
قال ابن كثير: لما ذكر - تعالى - قصة زكريا-عليه السلام - وأنه أوجد
منه فى حال كبره وعقم زوجته ولدا زكيا طاهرا مباركا، عطف بذكرقصة
مريم، فى إيجادها ولدها عيسى - عليه السلام - منها من غير أب.
وهى مريم ابنة عمران - من سلالة داود - عليه السلام - وكانت من بيت
طاهر فى بنى إسرائيل ... ونشأت نشأة عظيمة، فكانت إحدى العابدات
الناسكات ...
وكانت فى كفالة زوج أختها زكريا - عليه السلام - ورأى لها من

٢٥
الجزء السادس عشر
الكرامات الهائلة ما بهره ... )،(١).
والمعنى: وأذكر - أيها الرسول الكريم - ((فى الكتاب، أى فى هذه
السورة الكريمة، أو فى القرآن الكريم، خبر مريم وقصتها (( إذ انتبذت من
أهلها مكاناً شرقياً، أى: وقد أن تنحت عنهم واعتزلتهم فى مكان إلى الناحية
الشرقية من بيت المقدس ، أو من بيتها الذى كانت تسكنه .
وفى التعبير بقوله - تعالى - ((إذ انتبذت من أهلها)) إشارة إلى شدة عزلتها
عن أهلها إذ النبذ معناه: الطرح والرمى، فكأنها ألقت بنفسها فى هذا المكان
لتتخلى للعبادة والطاعة ، والتقرب إلى الله - تعالى - بصالح الأعمال.
قال القرطبى: (واختلف الناس لم انتبذت، فقال السدى: انتبذت لتطهر
من حيض أو نفاس . وقال غيره: لتعبد الله، وهذا حسن . وذلك أن مريم
كانت وقفا على سدانة المعبد وخدمته والعبادة فيه، فتنحت من الناس لذلك،
ودخلت فى المسجد إلى جانب المحراب فى شرقيه لتخلو للعبادة ..
فقوله ((مكانا شرقيا، أى: مكانا من جانب الشرق. والشرق - بسكون
الراء - المكان الذى تشرق فيه الشمس. والشرق - بفتح الراء - الشمس.
وإنما خص المكان بالشرق ، لأنهم كانوا يعظمون جهة المشرق ،
حيث تطلع الأنوار ... ، (٢)
وقوله: ((فاتخذت من دونهم حجابا، تأكيد لانتباذها من أهلها،
واعتزالها إياه .
أى: اذكر وقت أن اعتزلت أهلها، فى مكان يلى شرق بيت المقدس،
فاتخذت بينها وبينهم حجابا وسارا لتتفرغ لعبادة ربها.
ثم بين - سبحانه - ما أكرمها به فى حال خلوتها فقال: «فأرسلنا إليها
روحنا فتمثل لها بشراسويا ،.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٠١١٤
(٢) تفسير القرطبى : ١١ ص ٩٠.

٢٦
سورة مريم
أى: فأرسلنا إليها روحنا وهو جبريل - عليه السلام - فتشبه لها
فى صورة بشر سوى معتدل الهيئة، كامل البنية، كأحسن ما يكون
الإنان.
يقال: رجل سوى ، إذا كان قام الخلقة عظيم الخلق ، لا يعيبه فى شأن
من شئونه إفراط أو تفريط .
والإضافة فى قوله (« روحنا)) للتشريف والتمكريم. وسمى جبريل - عليه
السلام - روحا لمشابهة الروح الحقيقية فى أن كلا منهما مادة الحياة للبشر.
جبريل من حيث ما يحمل من الرسالة الإلهية تحيا به القلوب، والروح تحيا
به الأجسام .
وإنما تمثل لها جبريل - عليه السلام - فى صورة بشر سوى. لتستأنس
بكلامه، وتتلقى منه ما يلقى إليها من كلماته ، ولو بدا لها فى صورته التى خلقه
الله - تعالى - عليها، لنفرت منه ، ولم تستطع مكالمته .
وقوله: (( بشراً سويا)) حال من ضمير الفاعل فى قوله (( فتمثل لها)).
أم حکی ۔ سبحانه۔ بعد ذلك ما دار بين مر یم وبين جھر یل من حوار
ونقاش فقال: (( قالت إنى أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا)).
أى: قالت لجبريل - عليه السلام - الذى تمثل لها فى صورة اشر سوى:
إنى أعوذ وألتجىء إلى الرحمن منك، إن كنت من يتقى الله ويخشاه.
وخصت الرحمن بالذكر. لتثير مشاعر التقوى فى نفسه، إذ من شأن
الإنسان التقى أن ينتفض وجدانه عند ذكر الرحمن ، وأن يرجع عن كل سوء
يخطر بباله .
وجواب هذا الشرط محذوف، أى: إن كنت تقيا، فابتعد عنى، واتر كنى
فى خلونى لأتفرغ لعبادة الله - تعالى -.
وبهذا القول الذى حكاه القرآن عن مريم، تكون قد جمعت بين الاعتصام

٢٧
بر .. سادس عشر
بربها وبين تخويف من تخاطبه وترهيبه من عذاب الله. إن سولت له نفسه
إرادتها بسوء. كما أن قولها هذا، يدل على أنها قد بلغت أسمى درجات العفة
والطهر والبعد عن الربية ، فهى تقول له هذا القول، وهى تراه بشرا سوياً،
وفى مكان بمعزل عن الناس ...
وهنا يجيبها جبريل - كما حكى القرآن عنه - بقوله: ((قال إنما أنا رسول
ربك لأهب لك غلاما زكيا)).
أى: قال لها جبريل ليدخل السكون والاطمئنان على قلبها: إنما أنا يامريم
رسول ربك الذى استعذت به. والتجأت إليه، فلا تخافى ولا نجزعى وقد
أرسانى - سبحانه - إليك، لأهب لك بإذنه وقدرته غلاما ز كيا، أى : ولدا
طاهراً من الذنوب والمعاصى ، كثير الخير والبركات .
ونسب الهبة لنفسه، لكونه سبباً فيها. وقرأ نافع وأبو عمرو: دايهب
لك ، بالياء المفتوحة بعد اللام أى : أيهب لك ربك غلاما زكيا .
وهنا تزداد حيرة مريم ، ويشتد عجبها فتقول : : أنى يكون لى غلام ولم
يمسسنى بشر ، ولم أك بغياء.
أى: قالت على سبيل التعجب ما سمعته. كيف يكون لى غلام ، والحال
أنى لم يمسنى بشر من الرجال عن طريق الزواج الذى أحله الله - تعالى -،
ولم أك فى يوم من الأيام بغيا، أى فاجرة تبغى الرجال . أو يبغونها للزنى بها.
يقال: بغت المرأة قبغى إذا جرت وتجاوزت حدود الشرف والعفاف.
قال صاحب الكشاف: ((جعل المس عبارة عن النكاح الحلال، لأنه
كناية عنه. كقوله - تعالى - ((من قبل أن تمسومن)، والزنا ليس كذلك، إنما
يقال فيه: نجر بها وخبث بها وما أشبه ذلك ، وليس بقمن أن تراعى فيه
الكنايات والآداب. والبغى: الفاجرة التى تبغى الرجال ... ، (١).
وعلى هذا الرأى الذى ذهب إليه صاحب الكشاف، يكون ما حكاه القرآن
عن مريم من قولها: ((ولم يمسسنى بشر ... )) المقصود به النكاح الحلال.
(١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٠١٠

٢٨
سورة مريم
ويرى آخرون أن المقصود به ما يشمل الحلال والحرام، أى: ولم يمسسنى
بشر كائناً من كان لابنكاح ولا يزنى، ويكون قوله: « ولم أك بغيا ، من باب
التخصيص بعد التعميم، ويؤيد هذا الرأى قوله - تعالى - ,قالت دب أفى
يكون لى ولد ولم مسسنى بشر، قال كذلك الله يخلق مايشاء إذاقضى أمرا فإنما
يقول له كن فيكون،(١).
ويؤيده أيضاً أن لفظ، بشر، نكرة فى سياق النفى فيعم كل بشر سواء
أكان زوجاً أم غير زوج .
قال القرطبى: قوله: (ولم أك بغياء أى: زانية. وذكرت هذا تأكيدا،
لأن قولها ((ولم يمسسنى بشر)» يشمل الحلال والحرام ... ، (٢).
وقال الجمل فى حاشيته ماملخصه : «وإنما تعجیت ما بشرها به جبريل لأنها
عرفت بالعادة أن الولادة لا تكون إلا بعد الاتصال برجل ... فليس فى قولها
هذا دلالة على أنها لم تعلم أنه - تعالى - قادر على خلق الولد ابتداء . وكيف قد
عرفت أن أبا البشر قد خلقه الله - تعالى - من غير أب أو أم ... ،(٣).
وقوله - تعالى -: «قال كذلك قال ربك هو على هين ٠٠٠، رد من
جبريل عليها.
أى: قال الأمر كذلك أى: كما ذكرت من أن بشرا لم يمسك ومن أنك
لم تكونى فى يوم من الأيام بغيا . أو الأمر كذلك من أتى أرسلؤ ربك
لأهب لك غلاما زكيا من غير أن يكون له أب .
وقوله ((قال ربك هو على مين، بيان لمظهر من مظاهر قدرة الله - تعالى-
التى لا يعجزها شىء، أى: قال ربك هو أى: خلق ولدك من غير أب ((على
هين)، أى: سهل يسير لأن قدرتنا لا يعجزها شىء.
(١) سورة آل عمران الآية ٤٧.
(٢) تفسير القرطبى جـ١١ ص ٠٩١
(٣) حاشية الجمل على الجلالين ج ٣ ص ٠٥٦

٢٩
الجزء السادس عشر
وقوله - سبحانه -((ولنجعله آية للناس، تعليل لمعلل محذوى، أى:
ولنجعل وجود الغلام منك من غير أن يمسك بشر « آية، عظيمة، وأمرا
عجابا ، يدل دلالة واضحة على قدرتنا ، أمام الناس جميعا، فإن قدر تنالا يعجزها
ذلك، كما لا يعجزها أن توجد بشرا من غير أب وأم كما فعلنا مع آدم، أو من
غير أم كما فعلنا مع حواء، أو من أب وأم كما فعلنا مع سائر البشر.
وقوله: (( ورحمة منا، معطوف على ما قبله، أى: ولنجعل هذا الغلام
الذى وهبناه لك من غير أب رحمة عظيمة منا لمن آمن به ، واقبع دعوته.
وكان وجود هذا الغلام منك على هذه الكيفية (( أمرا مقضيا، أى: مقدرا
فى الأزل مسطورا فى اللوح المحفوظ ، ولابدمن وقوعه بدون تغيير أو تبديل.
وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة، قد حكمت لنا جانبا من حالة مريم
ومن الحوار الذى جرى بينها وبين جبريل - عليه السلام - الذى تمثل لها
فى صورة بشر سوى .
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن مشهد آخر من مشاهد تلك
القصة العجيبة ، حكت فيه حالتها عند حملها بعيسى، وعندما جاءها المخاض ..
فقال - تعالى - :
((جمَلَتْهُ قَاتَبَذَتْ بهِ مكاناً قصِيًّا (٢٢) فأجاءها المخاضُ إلى جذعٍ
النحلةِ قَالَتْ يا لَيْتِى مِتُ قبلَ هذَا وكنتُ نَسْياً منْسِيًا (٢٣) فناداها
مِنْ تحتِها أنْ لا تَحزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وهُزَّى
إليكِ يحِذْعِ النَّخْلةِ تُساقط عليكِ رُطّبًا جَنِيًّا (٢٥) فكُلى واشرَبى
وقرِّى عَيْنَاً، فإِمَّا تَرَيِنَّ من البَشر أحداً فُقُولِ إِنِى نَذَرْتُ الرَّحمنِ
صوماً فَلَن أُكَلِّمَ اليومَ إنْسِيًّا (٢٦)».

٣٠
سورة مريم
قال ابن كثير رحمه الله - يقول - تعالى - مخبرا عن مريم، أنها لما قال
لها جبريل عن الله - تعالى - ما قال: أنها استسلمت لقضائه - تعالى -، فذكر
غير واحد من علماء السلف ، أن الملك وهو جبريل - عليه السلام - عند ذلك
نفخ فى جيب درعها، فزات النفخة حتى ولجت فى الفرج، حملت بالولد باذن
الله - تعالى -...
والمشهور عن الجمهور أنهاحملت به تسعة أشهر. قال عكرمة: ثمانية أشهر ..
وعن ابن عباس أنه قال : لم يكن إلا أن حملت فوضعت. وهذا غريب، وكأنه
مأخوذ من ظاهر قوله - تعالى -: «حملته فانتبذت به مكاناقصيا فأجاءها المخاض
إلى جذع النخلة)). فالفاء وإن كانت للتعقيب لكن تعقيب كل شىء بحسبه.
فالمشهور الظاهر - والله على كل شىء قدير - أنها حملت به كما تحمل النساء
بأولادهن ... (١).
والفاء فى قوله - تعالى -: ((لحملته .. ، هى الفصيحة؛ أى: وبعد أن قال
جبريل لمريم إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ... نفخ فيها جملته،
أى: عيسى، فانتبذت به، أى: فتنحت به وهو فى بطنها ،مكانا قصيا، أى:
إلى مكان بعيد عن المكان الذى يسكنه أهلها .
يقال: قصى فلان عن فلان قصواً وقصوا. إذا بعد عنه. ويقال:
فلان بمکان قصی ، أى : بعيد .
وجمهور العلماء على أن هذا المكان القصى، كان بيت لحم بفلسطين . .
قال ابن عباس : أقصى الوادى ، وهو وادى بيت لحم ، فرارا من قومها
أن يعيروما بولادتها من غير زوج.(٢).
ثم حكى - سبحانه - ما اعتراها من حزن عندما أحست بقرب الولادة
فقال: ((فأجاءها الخاضر إلى جذع لفحلة قالت ياليتنى مت قبل هذا وكنت
نسيا منا،،
(١) تفسير ابن كثير جـ م ص ١١٦
(٢) حاشية الجمل على الجلالين = ٣ ص ٥٧

٣١
الجزء السادس عشر
وقوله: ((فأجاءها، أى: فألجأها، يقال: أجأته إلى كذا، بمعنى : ألجأته
واضطروته إليه. ويقال: جاء فلان، وأجاءه غيره، إذا حمله على المجىء،
ومنه قول الشاعر :
أجاءته الخافة والرجاء
وجار سار معتمدا علينا
قال صاحب الكشاف: أجاء: منقول من جاء، إلا أن استعماله قد تغير
بعد النقل إلى معنى الإلجاء. ألا تراك تقول: جئت المكان واجاءفيهزید ،كما
تقول: بلغته وأبلغنيه ... )) (١).
والمخاض: وجع الولادة. بقال: مخضت المرأة - بكسر الخاء - نمخض
- بفتحها - إذا دنا وقت ولادتها مأخوذ من المخض، وهو الحركة الشديدة .
وسمى بذلك لشدة تحرك الجنين فى بطن الأم عند قرب خروجه .
وجذع النخلة : ساقها الذى تقوم عليه .
أى : وبعد أن حملت مريم بعيسى، وابتعدت به وهو محمول فى بطنها عن
قومها، وحان وقت ولادتها، ألجأها المخاض إلى جذع النخلة لتتكى. عليه
عند الولادة ...
فاعتراها فى تلك الساعة ما اعتراها من هم وحزن وقالت: « يا ليتنى مت
قبل هذاء. الحمل والخاض الذى حل بى ((وكنت نسياً منسياً)) أى: وكنت شيئاً
منسياً متروكاً، لا يهتم به أحد، وكل شىء فسى وترك ولم يطلب فهو بسى
و نسی .
قال: القرطى: (( والنسى فى كلام العرب: الشىء الحقير الذى من شأنه
أن ينسى ولا يتألم لفقده، كالوقد، والحبل للمسافر .. وقرى: ((فسيا) بفتح
النون وهما لغتان مثل: الوتر والوتر ... ، (٢).
(١) تفسير الكتاب ج٣ ص ٠١١
(٢) تفسير القرطبى جـ١١ من٠٩٢

٣٢
سورة ريم
قال الآلوسى ما ملخصه: وإنما قالت ذلك مع أنها كانت تعلم ما جرى
بينها وبين جبريل من الوعد الكريم استحياء من الناس، وخوفا من
لا تمتهم ، أو حذرا من وقوع الناس فى المعصية بسبب كلامهم فى شأنها .
وتمنى الموت لمثل ذلك لا كرامية فيه - لأنه لا يتعلق بأمر دينى -
نعم يكره أن يتمنى المرء الموت لأمر دنيوى كمرض أو فقر .. ففى صحيح
مسلم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يتمنين أحدكم الموت لضرر
نزل به ، فإن كان لا بد متمنياً فليقل: اللهم أحينى ما كانت الحياة خير الى،
وتوفنى إذا كانت الوفاة خيراً لى ،
ومن ظن أن تمنى مريم الموت كان لشدة الوجع فقد أساء الظن ١١).
ثم ذكر - سبحانه - جانباً من إكرامه لمريم فى تلك الساعات العصيبة
من حياتها فقال: « فناداها من تحتها أن لا تحزنى. قد جعل ربك تحتك سريا.
وهذى إليك بجزع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً، فكلى واشربى وقرى
عينا .....
والذى فاداها يرى بعضهم أنه جبريل - عليه السلام -. وقوله٠من تحتها،
فيه قراء تان سبعيتان: إحداهما: بكسر الميم فى لفظ ((من)) على أنه حرف
جر، وخفض تاء, نحتها، على أنه مجرور بحرف الجر والفاعل محذوف. أى:
فناداها جبريل من مكان تحتها ، أى : أسفل منها ،
والثانية: بفتح الميم فى لفظه من)) على أنه إسم موصول، فاعل نادى
وبفتح التاء فى ((تحتها، على الظرفية - أى: فناداها الذى هو تحتها، وهو
جبريل - عليه السلام -
قال القرطبى: قوله - تعالى - (( فناداها من تحتها)).
قال ابن عباس : المراد بمن تحتها جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به
(١) تفسير الآلوسي ١٦٥ ص ٨٢.

٣٣
الجزء السادس عشر
قومها ... ففى هذا لها آية وأمارة أن هذا من الأمور الحاقة للعادة، التى الله
- تعالى - فيها مراد عظيم)) (١).
ويرى بعض المفسرين أن المنادى ((وعيسى - عليه السلام - فيكون المعنى:
فناداها إبنها عيسى الذى كان عندما وضعته موجودا تحتها .
وقد رجح الإمام ابن جرير هذا الرأى فقال: ((وأولى القولين فى ذلك
عندنا قول من قال: الذى فاداها إبنها عيسى، وذلك أنه من كتابة - أى ضمير
ذكره أقرب منه من ذكر جبريل، فرده على الذى هو أقرب إليه من رده
على الذى هو أبعد إليه، ألا ترى أنه فى سياق قوله - تعالى - :. فحملته
فانتبذت به مكانا قصيا .. ، ثم قيل: فناداها نسقا على ذلك ، ولعلة أخرى
وهى قوله: «فأشارت إليه .. )، ولمتشر إليه - إن شاء الله - إلا وقد علمت أنه
قاطق فى حاله تلك .... (٢)
ويبدو لنا أن ماذهب إليه ابن جرير من کون الذی نادی مريم هو إبنها
عيسى، أقرب إلى الصواب، لأن هذا النداء منه لها فى تلك الساعة، فيه مافيه
من إدخال الطمأنينة والسكينة على قلبها .
أى: فناداها إبنها عيسى الذى كان أسفل منها عندما وضعته، مطمئنا إياها
بعد أن قالت: ياليتنى مت قبل هـ ذا الذى حدث لى .... ناداها بقوله « أن
لا تحزنى، يا أماه , قد جعل ربك تحتك سريا، أى جدولا صغيراً من الماء،
لتأخذى منه ما أنت فى حاجة إليه. وسمى النهر الصغير من الماء سريا، لأن
الماء يسرى فيه .
وقيل: المراد بالسرى: عيسى - عليه السلام - مأخوذ من السرو بمعنى
الرفعة والشرف .
(١) تفسير القرطبى = ١١ ص ٩٢
(٢) تفسير ابن جرير حـ ١٦ من ٥٢
( ٣ - سورة مريم)

٣٤
سورڈ مےم
يقال: سرو الرجل يسرو - كشرف بشرف - فهو سرى، إذا علا قدره
وعظم أمره . ومنه قول الشاعر :
لا يصلح الناس فوضى لاسراة لهم
ولا سراة إذا جهالهم سادوا
أى: قد جعل ربك تحتك يا مريم إنسانا رفيع القدر، وهو إبنك عيسى
والجملة الكريمة تعليل لانتفاء الحزن المفهوم من النهى بقوله: (( أن لا تحزنى))
قال بعض العلماء ما ملخصه : وأظهر القولين عندى أن السرى فى الآية النهر
الصغير لأمرين :
أحدهما: القرينة من القرآن، لأن قوله بعدذلك «فكلى واشربى، قرينة
على أن ذلك المأكول والمشروب هو ما تقدم الامتنان به فى قوله . . قد جعل
ربك تحتك سريا ،.
الثانى: ما جاء عن ابن عمر من أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم -
يقول : إن السری الذی قال الله لمر یم : « قد جعل ربك تحتها سریا ، نهر
أخرجه أقله لها لتشرب منه ...
فهذا الحديث - وإن كانت طرقه لا يحلو شىء منها من ضعف - أقرب إلى
الصواب من دعوى أن السرى عيسى بغير دليل يجب الرجوع إليه،(١).
وقوله - سبحانه -: ((وهزى إليك بجذع النخلة)). معطوف على ما قاله
عيسى لأمه مريم، والباء فى قوله ، بجذع)) مزيدة للتوكيد، لأن فعل الهز
يتعدى بنفسه .
أى: وحركى نحوك أو جهة اليمين أو الشمال جذع النخلة ، تساقط عليك
((رطبا، وهو ما نضج واستوى من التمر((جنيا)) أى: صالحا للأخذ
والاجتناء ((فكلى)) من ذلك الرطب ((واشربى)) من ذلك السرى، ((وقرى
عينا، أى: طيبى نفسا بوجودى تحتك، وأطردى عنك الأحزان .
(١) تفسير أضواء البيان الشيخ الشقيطى - رحمه الله - ٥٠ ص ٢٤٨

٣٥
الجزء السادس عشر
يقال: قرت عين فلان، إذا رأت ما كانت متشوقة إلى رؤيته ، مأخوذ
من القرار بمعنى الاستقرار والسكون ، لأن العين إذا رأت ما نحبه سكنت
إليه ، ولم تنظر إلى غيره .
وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، أن مباشرة الأسباب فى طلب
الرزق أمر واجب وأن ذلك لا ينافى التوكل على الله، لأن المؤمن يتعاطى
الأسباب امتثالا لأمر ربه مع علمه ويقينه أنه لا يقع فى ملكه- سبحانه - إلا
ما يشاؤه ویریده.
وهنا قد أمر الله - تعالى - مريم - على لسان مولودها - بأن تهز الدخلة
ليتساقط لها الرطب، مع قدرته - سبحانه - على إنزال الرطب إليها من غير
هز أو تحريك ، ورحم الله القائل :
وهزى إليك الجذع بساقط الرطب
ألم تر أن لقه قال لمريم
جنته، ولكن كل شىء له سبب
ولو شاء أن تجنیه من غیر هزه
كما أخذوا منها أن خير ما تأ كله المرأة بعد ولادتها الرطب، قالوا: لأنه لو كان
شىء أحسن للنفساء من الرطب لأطعمه الله - تعالى - لمريم.
وقوله - سبحانه -: ((فإما ترين من البشر أحدا فقولى إنى نذرت للرحمن
صوما فلن أ كلم اليوم إنسيا، حكاية منه - تعالى - لبقية كلام عيسى لأمه.
ولفظ ((إما ، من كب من ((إن) الشرطية، و((ما)) المزيدة لتوكيد
الشرط . ((ترين)، هل الشرط، وجوابه ((فقول)،، وبين هذا الجواب
وشرطه كلام محذوف يرشد إليه السياق .
والمعنى: أن عيسى - عليه السلام - قال لأمه: لا تحزنى يا أماه بسبب
وجودى بدون أب، وقرى عينا، وطیی نفسا لذاك؛ فإما ترين من البشر
أحدا كائنا من كان فسألك عن أمرى وشانى فقول له «إنى نذرت للرحمن

٣٦
سورة مريم
صوما ، أى: صمتا عن الكلام ،فلن أكلم اليوم إنسيا) لا فى شأن هذا المولود
ولا فى شأن غيره، وإنما سأترك الكلام لابنى ليشرح لكم حقيقة أمره.
قالوا: ((إنما منعت من الكلام لأمرين: أحدهما: أن يكون عيسى هو
المتكلم عنها ليكون أقوى لحجتها فى إزالة التهمة عنها، وفى هذا دلالة على
تفويض الكلام إلى الأفضل .
والثانى: «كراهة مجادلة السفهاء، وفيه أن السكوت عن السفيه واجب،
ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها ، (١).
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد حكمت لنا بأسلوبها البليغ الحكيم
مافعلته مريم عندما شعرت بالحمل ، وماقالته عندما أحست بقرب الولادة،
وما قاله لها مولودها عيسى من كلام جميل طيب، لإدخال الطمأنينة على قلبها.
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن مشهد آخر من مشاهد تلك
القصة العجيبة، مشهد مريم عندما جاءت بوليدها إلى قومها، وما قالوه لها،
وما قاله وليدها لهم ...
استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى ذلك فيقول:
((فأتَتْ به قومَها تحملُه، قالُوا يا مريمُ لقَدْ جِئتٍ شيئً فريًّا (٢٧)
يا أختَ هَرونَ ما كان أبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ ومَا كَانَتْ أُمّكِ بَنِيًّا (٢٨)
فأشارَتْ إليهٍ قَالُوا كيفَ نُكَلِّمَ من كانَ فى المهدِ صبيًّا (٢٩) قالَ إنى
عبدُ الهِ آتانىَ الكتابَ وجَعَلِ نبيًّا (٣٠) وجعلنىِ مُباركاً أيْنَما
كنتُ وَأَوْصائى بالصلاةِ والزكاةٍ ما دمتُ حيًّا (٣١) وبَرًّا بوالدَتى
ولمْ يُعْنى جباراً شقيًا (٣٢) والسَّلامُ علىّ يومَ وُلدتُ ويوْمَ أموتُ
ويومَ أُبمَتُ حيًّا (٣٣))).
(١) تفسير الفخر الرازى : ● ص ٣٥°.

٣٧
-
وقوله - سبحانه -: ((فأقت به قومها تحمله ... ، معطوف على كلام
محذوف يفهم من سياق القصة .
والتقدير: وبعد أن استمعت مريم إلى ما قاله لها اتها عيسى - عليه السلام-
اطمأنت نفسها، وقرت عينها، فأنت به أى بمولودها عيسى إلى قومها. وهى
تحمله معها من المكان القصى الذى اعتزلت فيه قومها,
قال الآلوسى (أى: جاءتهم مع ولدها حاملة إياه، على أن الماء المصاحبة.
وجملة , تعمله، فى موضع الحال من ضمير مريم ... وكان هذا الحجى. على
ما أخرج سعيد بن منصور ، وابن عساكر عن ابن عباس بعد أربعين يوما
حين طهرت من نفاسها ...
وظاهر الآية والأخبار « أنها جاءتهم به من غير طلب منهم .... )، (١) .
ثم حكى - سبحانه - ماقاله قومها عندما رأوها ومعهاوليدها فقال: (قالوا
يامريم لقد جئت شيئا فرياء.
أى: قالوا لها على سبيل الإنكار: يامريم لقد جئت أى فعلت شيئا منكرا
مجيبا فى بابه ، حیث أتيت بولد من غير زوج نعرفه لك .
والفرى: مأخوذ من فريت الجلد إذا قطعته ، أى : شيئا قاطعا وخارةا
العادة، ومرادهم: أنها أنت بولدها عن طريق غير شرعى، كما قال - تعالى-
فى آية أخرى: (( وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما)).
ويدل على أن مرادهم هذا، قولهم بعد ذلك: ((با أخت هارون ما كان
أبوك امرأ سو ...
أى: ما كان أبوك رجلا زانيا أو معروفا بالفحش ,وما كانت أمك
بنيا، أى: تتعاطى الزنا. يقال: بغت المرأة ، إذا لجرت وابتعدت عن طريق
الطهر والعفاف .
(١) تفسير الآلوسي : ١٦ ص ٨٧

٣٨
٠
وليس المراد بهارون: هارون بن عمر أن أخاموسى، وإنما المراد به رجل
من قومها معروف بالصلاح والتقوى، فشبهت به، أى: يا أخت هارون فى
الصلاح والتقوى .
أو المراد به أخ لها كان يسمى بهذا الاسم.
قال الألوسى ما ملخصه: ((وقوله: ((يا أخت هارون .. ، إستئناف التجديد
التعبير ، وتأكيد التوبيخ . وليس المراد بهارون أخا موسى بن عمران - عليهما
السلام - لما أخرج أحمد، ومسلم، والترمذى، والنسائى، والطبرانى، وابن حبان،
وغيرهم عن المغيرة بن شعبة قال: بعثنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى
أهل نجران فقالوا: أرأيت ماتقرء ون: ((يا أخت هارون، وموسى قبل عيسى
بكذا وكذا . قال : فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فقال: (( ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم)) ...
وعن قتادة قال: « هو رجل صالح فى بنى إسرائيل. والأخت على هذا
بمعنى المشابهة، وشبهوها به تهكما، أو لما رأوا قبل من صلاحها .... (١)
وعلى أية حال فإن مرادهم بقولهم هذا، هو اتهام مريم بما هى بريئة منه،
والتعجب من حالها، حيث انحدرت من أصول صالحة ظاهرة، ومع ذلك
لم تنتهج نهجهم .
وهنا نجد مريم تبدأ فى الدفاع عن نفسها، عن طريق وليدها ,فأشارت
إليه ».
أى: فأشارت إلى ابنها عيسى، ولسان حالها يقول لهم: وجهوا كلامكم
إليه فإنه سيخبركم بحقيقة الأمر .
ولكنهم لم يقتنعوا بإشارتها بل قالوا لها: «كيف نكلم من كان
فى المهد صبیا ».
(١) تفسير الآلوسى = ١٦ ص ٨٨

٢٩
، عشر
والمهد : اسم للمضطجع الذى يهيأ للصى فى رضاعه. وهو فى الأصل مصدر
مهده يمهده إذا بسطه وسواه .
أى: كيف نكلم طفلا صغيرا ما زال فى عهده وفى حال رضاعه.
والفعل الماضى وهو (( كان)) ههنا. بمعنى الفعل المضارع المقترن بالحال.
كما يدل عليه سياق القصة .
ولكن عيسى - عليه السلام - أنطقه الله - تعالى- بما يدل على صدق مريم
وطهارتها فقال: ((قال إنى عبد الله ... ، أى: قال عيسى فى رده على المنكرين
على أمه إتيانها به: إنى عبد الله، خلقنى بقدرته، فأنا عبده وأتم - أيضاً -
عبيده، وهذا الخالق العظيم ((آ قافى المكتاب، أى: سبق فى قضائه إيتانى
الكتاب أى : الإنجيل أو التوراة، أو مجموعهما.
وعبر فى هذه الجملة وفيما بعدها بالفعل الماضى عما سيقع فى المستقبل ،
تنزيلا لتحقق الوقوع منزلة الوقوع الفعلى .
وهذا التعبير لة نظائر كثيرة فى القرآن الكريم، منها قوله - تعالى -:
, أتى أمر الله فلا تستعجلوه)).
وقوله - سبحانه - ((ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى
الأرض إلا من شاء الله. ثم نفخ فيه أخرى. فإذا هم قيام ينظرون،.
وقوله: ((وجعلنى نبياً)) أى: أدعو الناس إلى عبادته وحده« وجعلنى أيضاً
بجانب نیونی («مبار کا)، أى: کثیر الخير والبر كة (( أينما كنت)) أى: حينما
حللت جعانى مباركا ، فأينما شرطية وجوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه .
((وأوصافى بالصلاة والزكاة، أى: بالمحافظة على أدائهما , ما دمت حيا)
فى هذه الدنيا ؟
و قوله: « وبرا بو الدتی .، أمی: وجعلنی کذلك مطيعا والدقی، وباراًبها،

٤٠
سو
ومحسنا إليها، ((ولم يجعلنى)، سبحانه - فضلا منه وكرماء جارا شقيا، أى:
ولم يجعلنى مغرورا متكبرا مرتكبا المعاصى والموبقات .
( والسلام)، والأمان منه - تعالى - ((على يوم ولدت ويوم أموت،مفارقا
هذه الدنيا,ويوم أبعث حيا، للحساب والجزاء يوم القيامة.
فأنت ترى أن عيسى - عليه السلام - قدوصف نفسه بمجموعة من الصفات
الفاضلة، افتتحها بصفة العبودية لله رب العالمين، لإرشاد الناس إلى تلك الحقيقة
التى لاحق سواها، ولتحذير أعدائه من وصفه بأنه هو الله، أو هو ان اقه،
أو هو مشارك له فى العبادة ...
واختتمها برجاء الأمان له من الله - تعالى - فى كل أطوار حياته.
ثم ختم - سبحانه - هذه القصة ببيان وجه الحق فيها، وأنذر الذين وصفوا
عيسى وأمه بما هما بريئان منه بسوء المصير . فقال - تعالى -:
((ذلكَ عِيسَى ابْنُ مريمَ قولَ الحقُّ الذى فيه يمترونَ (٣٤)
ما كانَ للهِ أنْ يتخذَ من ولدٍ سبحانه، إذَا قَفى أمراً فإنما يقولُ لهُ
كُنْ فيكونُ (٣٥) وإنَّ الله ربى وربُكُم فاعبدُوه، هذا صِرَاطٌ
مستقيمٌ (٣٦) فاختلف الأحزابُ مِنْ بينهم فويلٌ للذينّ كفرُوا من
مَشْهَدِ يومٍ عظيمٍ (٣٧) أَسمِعْ بِهِمْ وأَبِصِرْ يومَ بَأْتُوتَنا، لكن
الّظالمونَ اليَوْمَ فى ضَلاَلٍ مبينٍ (٣٨) وأُنذِرْهُم يومَ الحسرةِ إِذْ قُضِىَ
الأمرُ وم فى غَقَلةٍ وم لا يؤمنونَ (٣٩) إنا نحنُ نرِثُ الْأرْضَ ومَنْ
عليها وإليناَ يرجعونَ (٤٠))).
واسم الإشارة ((ذلك)) فى قوله: ((ذلك عيسى ابن مريم)) إشارة إلى
ما ذكره الله - تعالى - قبل ذلك لعيسى من صفات حميدة، ومن أخبار صادقة
وهو مبتدأ، وعيسى خبره، وأبن مريم صفته .