Indexed OCR Text

Pages 1-20

التفسير الوسيط
للقرآن الكريم
تفسير سُورة مَرِيٌ
دكتور
2.1
محمد سيد طنطاوي
مفتى جمهورية مصر العربية
الجزء السادس عشر
الطبعة الثانية
٥١٤٠٨ - ١٩٨٧ م
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

مَطْبَعَة السّعادة،
سيدأن احمد ماهر- شارع الجداوي رقم ١٢
ت: ١٩٠٧٣٧٩ ست ١١٩٩٧٠

بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ رَبَِّ تَقَبِّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّيِعُ الَلِيمِ﴾
(( صدق الله العظيم))

١٩
المقدّمه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله
وأصحابه وأتباعه، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين .
وبعد: فهذا تفسير لسورة ((مريم) أكتبه بعد أن كتبت قبله تفاسير
لسور: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنعام، الأعراف، الأنفال،
التوبة، يونس، هود، يوسف، الرعد، إبراهيم، الحجر، النحل، الإسراء،
الكهف ...
والله - تعالى - أسأل، أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، ونافعا
لعباده، وشفيما لنا يوم نلقاه، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى اته
بقلب سليم .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟
القاهرة - مدينة نصر
١٦ من شوال سنة ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤/٧/١٥ م
د / محمد سيد طنطاوى
مفتى جمهورية مصر العربية

تعريف بسورة مريم
١ - سورة مريم من السور المكية .
قال القرطبى: وهى مكية بالإجماع. وهى تسعون وثمان آيات(١).
وقال ابن كثير : وقد روى محمد بن إسحاق فى السيرة ، من حديث أم سلمة،
وأحمد بن حنبل عن ابن مسعود فى قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة ،
أن جعفر بن أبى طالب - رضى الله عنه - قرأ صدر هذه السورة على النجاشى (٢)
وكان نزولها بعد سورة فاطر (٣).
٢ - ويبدو أن تسميتها بهذا الاسم كان بتوقيف من النبى - صلى الله
عليه وسلم -، فقد أخرج الطبرانى والديلمى ، من طريق أبى بكر بن عبد الله
ابن أبى مريم، من أبيه عن جده، قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم -
فقلت: ولدت لى الليلة جارية . فقال: والليلة أنزلت على سورة مريم.
وجاء فيما روى عن ابن عباس، تسميتها بسورة (( كهيعص،(٤).
وقد تكرر اسم مريم فى القرآن ثلاثين مرة ، ولم تذكر امرأة سواها
باسمها الصريح.
٣ - والذى يقرأ هذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل، يراها زاخرة
بالحديث عن عدد من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - .
(١) تفسير القرطبى جـ ١١ ص ٧٢.
(٢) تفسير ابن كثير ج ٣ ص ٠١١٠
(٣) الإنقان فى علوم القرآن السيوطى جـ ١ ص ٢٧.
(٤) تفسير الآلوسى ج ١٦ ص ٥٦.

- ٨ -
فقد افتتحت بالحديث عن تلك الدعوات التى تضرع بها زكريا إلى ربه،
لکی یهب له وليا، يرثه ويرث من آل يعقوب.
وقد استجاب الله - تعالى - دعاء زكريا، فوهبه يحى كما قال - تعالى - :
(((يازكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا)).
٤ - ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن قصة مريم ، بصورة فيها شىء من
التفصيل ، فذكرت اعتزالها لقومها ، وما دار بينهم وبينها من محاورات ،
ومولدها لميسى وإتيانها به قومها، وما دار بينها وبينهم فى شأنه. ثم ختمت
هذه القصة بالقول الحق فى شأن عيسى، قال - تعالى -: (ذلك عيسى ابن مريم
قول الحق الذى فيه يمترون. ما كان له أن يتخذ من ولد - سبحانه -، إذا
قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا
صراط مستقيم)».
· - ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن طرف من قصة إبراهيم وموسى
وإسماعيل وإدريس، وختمت حديثها عن الرسل الكرام بقوله - تعالى -:
«أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم، ومن حملنا مع نوح.
ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل. ومن هدينا واجتبينا، إذا قتلى عليهم آيات الرحمن
خروا سجدا وبکیا ..
٦ - ثم حكمت السورة الكريمة أنماطا من الشبهات التى تفوه بها الضالون،
ومن هذه الشبهات ما يتعلق بالبعث والنشور ، ومنها ما يتعلق بموقفهم من
القرآن الكريم إومنها ما يتعلق بزعمهم أن الله ولدا ... وقد ردت على كل
شبهة من هذه الشبهات بما يبطلها ، ويخرس ألسنة قائليها .
ومن ذلك قوله - تعالى -: «ويقول الإنسان أنذا مامت لسوف أخرج
حيا . أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئًا ....
وقوله - سبحانه -: ((أفرأيت الذى كفر بآياتنا قال لأوتين مالا وولدا.

- ٩ -
أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا . كلا سنكتب ما يقول ونمد له من
العذاب مدا . وتزئه ما يقول ويأتينا فردا ... )).
وقوله - عز وجل -: ((وقالوا اتخذ الرحمن ولدا. لقد جئتم شيئاً إدا.
تكاد السموات يتفطرن منه. وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا. أن دعوا
للرحمن ولداً. وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا ... ).
٧ - ومن هذا العرض الإجمالى لآيات السورة الكريمة، يتبين لنا أن
سورة مريم قد اهتمت بإقامة الأدلة على وحدانية الله - تعالى -، وعلى نفى
الشريك والولد عن ذاته - سبحانه -، كما اهتمت - أيضا - بإقامة الأدلة على
أن البعث حق ، وعلى أن الناس سيحاسبون على أعمالهم يوم القيامة .
كما ذخرت السورة بالحديث عن قصص بعض الأنبياء - عليهم الصلاة
والسلام - قارة بشىء من التفصيل كما فى قصة زكريا وعيسى ابن مريم، وتارة
بشىء من الاختصار والتركيز كما فى قصة إبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس.
كما نراها بوضوح تحكى شبهات المشركين، ثم ترد عليها بما يبطلها ...
وقد ساقت السورة ماساقت من قضايا، بأسلوب عاطفى بديع، يهيج
المشاعر نحو الخير والحق والفضيلة ، وينفر من الشر والباطل والرذيلة،
ويطلع العقول على نماذج شتى من مظاهر رحمة الله - تعالى - بعباده الصالحين
ترى ذلك فى مثل قوله - تعالى -: ((ذكر رحمة عبده زكريا ... )).
وفى مثل قوله - سبحانه -: ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل
لهم الرحمن ودا ..
٨ - قال بعض العلماء ما ملخصه: والظل الغالب فى جو السورة هو ظل
الرحمة والرضا والإنعام. فهى تبدأ بذكر رحمة ربك لعبده زكريا. ويتكرر
لفظ الرحمة ومعناها وظلها فى ثنايا السورة كثيرا. ويكثر فيها اسم ((الرحمن)).

- ١٠ -
وإنك لتحس لمسات الرحمة الندية. ودبيها الطيف فى الكلمات.
والعبارات والظلال، كما تحس إنتفاضات الكون وارتجافاته لوقع كلمة الشرك
التى لا تطيقها فطرته ...
كذلك تحس أن للسورة إيقاعا موسيقيا خاصا، حتى جرس ألفاظها
وفواصلها فيه رخاء، وفيه عمق كألفاظ: رضيا، سريا، حفيا، نجيا ...
فأما المواضع التى تقتضى الشدة والعنف ، فتجىء فيها الفاصلة مشددة فى
الغالب، كألفاظ: ضدأ، هدا، إدا، أزا(١).
٨ - وبعد: فهذا تعريف لسورة مريم، نرجو أن يكون القارىء له،
قد أخذ صورة مركزة عن أهم المقاصد التى اشتملت عليها السورة الكريمة.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه وسلم ؟
ء
(١) من تفسير فى ظلال القرآن : ١٦ ص ٤٢٢ المرحوم سيد قطب.

التفسير
قال الله تعالى: ((كَريمَيص (١) ذِكْرُ رَيْمَةٍ رَبَّكَ عَبدَهُ زكريا (٢)
إذْ نادَى ربَّهُ ندَاء خفيًا (٣) قالَ ربِّ إنِّى ومَنَ العَظْمُ مِنَّ وَاشْتَعَلَ
الرَّسُ شَيْبًا ولم أكُنْ بدُعائِكَ ربِّ شَقِيًّا (٤) وإنى خِفْتُ الموالِيَ من
قَدَائِى وَكَانَتِ امر أتى عاقِراً فَهِبْ لى من الدُّنْكَ وَلَّا (٥) يرثُنِى ويرثُ
مِنْ آلِ يعْقُوبَ واجمَلْهُ ربِّ رَضِيًّا (٦))).
سورة («مريم، من السور القرآنية التى افتتحت ببعض حروف التهجى.
وقد سبق أن تمكلمنا بشىء من التفصيل، عن آراء العلماء فى المراد بهذه
الحروف التى افتتحت بها بعض السور، وذلك عند تفسيرنا اسور: البقرة،
وآل عمران، والأعراف، ويونس ...
ورجحنا أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت فى إفتتاح بعض سور
القرآن، على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن .
فكان الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله
- تعالى -، هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس مانؤلفون به
كلامكم ، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون
منها حروفكم، فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله، أو
عشر سور من مثله، بل بسورة واحدة من مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق
لکی بعاونكم فى ذلك ...
فلما عجزوا - وهم أهل الفصاحة والبيان - ثبت أن غيرم أعجز، وأن

١٢
سورة مريم
-
هذا القرآن من عند الله ((ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا
کثیراً ، .
وقوله - تعالى -: ((ذكر رحمة ربك عبده زكرياء خبر لمبتدأ محذوف.
أى : المتلو عليك ذكر رحمة ربك عبده زكريا .
ولفظ ((ذكر)) مصدر مضاف لمفعوله. ولفظ «رحمة، مصدر مضاف
لفاعله وهو ربك، و«عبده)) مفعول به المصدر الذى هو رحمة .
((وزكريا، هو واحد من أنبياء الله الكرام، وينتهى نسبه إلى يعقوب بن
إسحاق بن إبراهيم - عليهم السلام -.
والمعنى: هذا الذى تذكره لك يا محمد، هو جانب من قصة عبدناز كريا،
وطرف من مظاهر الرحمة الى اختصصناء بها، ومنحناه إياها .
وقوله: « إذ نادى ربه نداء خفياً، ظرف لرحمة ربك. والمراد بالنداء:
الدعاء الذی تضرع به ز کریا إلى ربه - عز وجل - .
أى : هذا الذى قر أناه عليك يا محمد فى أول هذه السورة. وذكر ناه لك،
هو جانب من رحمتنا لعبدنا زكريا. وقت أن نادانا وتضرع إلينا فى خفاء
وستر، ملتمسا منا الذرية الصالحة .
وإنما أخفى زكريا دعاءه، لأن هذا الإخفاء فيه بعد عن الرياء ، وقرب
من الإخلاص، وقد أمر الله - تعالى - به فى قوله: « ادعوا ربكم تضرعا
وخفية إنه لا يحب المعتدين، .
ويبدو أن هذا الدعاء قد تضرع به زکریا إلى ربه. فى أوقات تردده على
مريم، وإطلاعه على ما أعطاها الله - تعالى - من رزق وفير .
ويشهد لذلك قوله - تعالى -: «فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها
نباتا حسنا وكفلها زكريا ، كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها

١٣
الجزء السادس عشر
ووقا، قال يامريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء
بغير حساب)).
هنالك دما ز كريا ربه قال رب هب لى من لدنك ذرية طيبة إنك سميع
الدعاء، (١).
ثم بين - سبحانه - ما نادى به زكريا ربه فقال: ((قال رب إنى وهن
العظم منى ... ، والوهن: الضعف. يقال ومن الجسم بهن - من باب وعد -
إذا ضعف .
وخص العظم بالذكر ، لأنه دعامة البدن ، وعماد الجسم، وبه قوامه ، فإذا
ضعف كان غيره من أجزاء الجسم أضعف. وأفرد لفظ العظم لإرادة الجنس.
(( واشتعل الرأس شيبا، والمراد باشتعال الرأس شيبا: إنتشار بياض
الشيب فيه . والألف واللام فى لفظ « الرأس، قاما مقام المضاف إليه.
والمراد: واشتعل رأسى شيبا، وهذا يدل على تقدم السن، كما يشهد له
قوله - تعالى -ـ ,وقد بلغت من الكبر عتيا، وقوله - عز وجل -: (وقد
بلغنى الكبر .....
قال صاحب الكشاف: «شبه الشيب بشواظ النار فى بياضه وإنتشاره
فى الشعر .. باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسندالاشتعال
إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس، وأخرج الشيب مميزاً ولم يضف إلى
الرأس إكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا، فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد
لها بالبلاغة ... .(٢) .
(١) سورة آل عمران من الآيتان ٣٨٠٣٧
(٢) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٤
مصر

١٤
سورة مريم
وقوله: ((ولم أكن بدعائك رب شقيا، أى: ولم أكن فيما مضى من
عمرى مخيب الدعاء وإنما تعودت منك يا إلهى إجابة دعائى، وما دام الأمر
كذلك فأجب دعائى فى الزمان الآتى من عمرى، كما أجبته فى الزمان
الماضى منه .
فأنت ترى أن زكريا - عليه السلام - قد أظهر فى دعائه أسمى ألوان الأدب
مع خالقه، حيث توسل إليه - سبحانه - بضعف بدنه، وبتقدم سنه، وبما
عوده إياه من إجابة دعائه فى الماضى .
ثم حكى - سبحانه - بعض الأسباب الأخرى لإلحاح زكريا فى الدعاء
فقال: « وإفى خفت الموالى من وراقى، وكانت امرأتى عاقرا فهي لى من
لد نك و لیا . ير ثنی ویرث من آل يعقوب .
والموالى: جمع مولى. والمراد بهم هنا: عصبته وأبناء عمومته الذين يلون
أمره من بعد موته ، وكان لا يثق فيهم لسوء سلوكهم.
والعاقر : العقيم الذى لا يلد ، ويطلق على الرجل والمرأة ، يقال : امرأة
عاقر ، ورجل عاقر ،
أى: وإنى - يا إلهى - قد خفت ما يفعله أقاربى ((من ورائى)) أى: من
بعد موتى، من تضييع لأمورالدين، ومن عدم القيام بحقه . .وكانت امرأتى
عاقرا، لا تلد قط لا فى شبابها ولا فى غير شبابها، ((فهب لى)) يا إلهى ((من
لدنك، أى: من عندك ((وليا، أى: ولدا من صلى، هذا الولد « يرثنى))
فى العلم والغبوة ((ويرث)) أيضا, من آل يعقوب)) ابن إسمعاق بن إبراهيم
العلم والنبوة والصفات الحميدة ((واجعله)، يارب ((رضيا)) أى: رضيا عندك
فى أقواله وأفعاله وسائر تصرفاته .
ففى هاتين الآيتين نرى زكريا يجتهد فى الدعاء بأن يرزقه الله الولد، لامن
أجل شهوة دنيوية ، وإنما من أجل مصلحة الدين والخوف من تضييعه وتمدبله

١٥
الجزء السادس عشر
والحرص على من يرثه فى علمه ونبوته، ويكون مرضيا عنده - عز وجل -.
قال الآلوسى ما ملخصه: ((وقوله «من ورائى، المرادبه بعد موتى، والجار
والمجرور متعلق بحذوف ينساق إليه الذهن أى: خفت فعل الموالى من ورائى
أو جور الموالى ... وهم عصبة الرجل ... وكانوا على سائر الأقوال شرار
بنى إسرائيل، خاف أن لا يحسنوا خلافته فى أمته ،(١) .
وفى قوله ((فهب لى من لدنك وليا، إعتراف عميق بقدرة الله - تعالى-
لأن مثل هذا العطاء لايرجى إلا منه - عز وجل -، بعد أن تقدمت بزكريا
المن، وبعد أن عهد من زوجه العقم وعدم الولادة.
. وقد أشار - سبحانه - فى آبة أخرى إلى أنه أزال عنها العقم وأصلحها
للولادة فقال: «وزکریا إذ نادی ر به رب لا تذرقی فردا وأنت خير الوارثين
فاستجبنا له ووهبنا له بحى وأصلحْنا له زوجه .... )،(٢) أى: وجعلناها
صالحة للولادة بعد أن كانت عقيماً من حين شبابها إلى شيها ..
والمراد بالوارثة فى قوله « يرثنى، وراثة العلم والنبوة والصفات الحميدة
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: وقوله: ((وإنى خفت الموالى من ورائى))
قرأ الأكثرون بنصب الياء من الموالى على أنه مفعول، وعن الكسائى أنه
سکن الياء . .
ووجه خوفه أنه خشى أن يتصرفوا من بعده فى الناس تصرفا سيثا .
فسأل الله ولدا يكون نبيا من بعده ليسوسهم بنبوته ... لا أنه خشى من
ورائتهم له ماله . فإن النى أعظم منزلة وأجل قدرا من أن يشفق على ماله إلى
هذا الحد، وأن يأنف من وراثة عصبته له، ويسأل أن يكون له ولد ليحوز
میر ائه دونهم .
(١) تفسير الآلوسي = ١٦ ص ٦١
.(٢) سورة الأنبياء الآيتان ٩٠٠٨٩

١٦
سورة مريم
وقد ثبت فى الصحيحين من غير وجه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال: ( لا نورث ما تركنا صدقة) وفى رواية عند الترمذى بإسناد صحيح:
(نحن معاشر الأنبياء لانورث).
وعلى هذا فتعين حمل قوله ((فهب لى من لدنك وليا يرثنى)) على ميراث
النبوة ولهذا قال: ((ويرث من آل يعقوب)، كقوله: ((وورث سليمان
داود، أى: فى النبوة، إذ لو كان فى المال لما خصه من بين إخوته بذلك ،
ولما كان فى الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر فى جميع الشرائع
والملل، أن الولد يرث أباه، فلولا أنها ورائة خاصة لما أخبر بها، وكل هذا
يقرره ويثبته ماصح فى الحديث: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا
فهو صدقة »(١) .
وقال بعض العلماء ما ملخصه: ومعنى ( يرثنى، أى: إرث علم ونبوة،
ودعوة إلى الله والقيام بدينه ، لا إرت مال، ويدل لذلك أمران.
أحدهما قوله: ((ويرث من آل يعقوب)، ومعلوم أن آل يعقوب إنقرضوا
من زمان ، فلا يورث عنهم إلا العلم والنبوة والدين .
والأمر الثانى ما جاء من الأدلة أن الأنبياء - صلوات الله وسلامه
عليهم - لا يورث عنهم المال، وإنما يورث عنهم العلم والدين ، فمن ذلك
ما أخرجه الشيخان عن أبى بكر الصديق أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
قال: ((لا نورث ما تركنا صدقة))(٢).
ثم بين القرآن الكريم أن انه - تعالى - قد أجاب بفضله وكرمه دعاء عبده
زكريا . كما بين ما قاله زكريا عندما بشره ربه بغلام إسمه يحمى فقال - تعالى-
(١) راجع تفسير ابن كثير حـ ٣ ص ١١١
(٢) راجع تفسير أضواء البيان حـ ٤ ص ١٩٦ الشيخ الشنقيطى - رحمه الله -

١٧
الجزء السادس عشر
((ياز كَرِيًّا إِنَّا نُبَشِّرِكَ بِغُلامِ اسمُهُ يحيى، لم تَجْعَلْ له من قبلُ
سمِيًّا (٧) قالَ ربِّ أنى يكونُ لى غلامٌ وكانَتِ امرأتى عاقِراً وقَدْ
يَغْتُ من الـكِبَرِعِيًّا (٨) قالَ كَذلِكَ قَالَ رَبُّكَ هوَ علىَّ مَيِّنٌّ،
وقد خلقتُكَ مِن قبلُ ولم نكُ شَيْئًا (٩) قالَ ربِّ اجعَلْ لى آيةً ، قال
آيتُك ألاَّ تُكُلِّ الناسَ ثلاثَ ليالٍ سَوِيًّا (١٠) حَرَجَ على قومِه من
المحرابِ فَأوحَى إليْهِمْ أَنْ سَبْجوا بكرةً ومَشِيًّا (١١))).
قال القرطبى: قوله - تعالى - ((بازكريا، فى الكلام حذف، أى:
فاستجاب الله دعاءه فقال: « يازكريا إنا نبشرك بغلام أس» يحى ... »
فتضمنت هذه البشارة ثلاثة أشياء. أحدها: إجابة دعاته وهى كرامة. الثانى:
إعطاؤه الولد وهو قوة. الثالث: أن يفرد بقسميته ... ، (١).
وقد بين - سبحانه - فى آيات أخرى أن الذى بشر زكريا هو بعض
الملائكة، وأن ذلك كان وهو قائم يصلى فى المحراب، قال - تعالى -: «فنادته
الملائكة وهو قائم يصلى فى المحراب ، أن الله يبشرك بيحي ، مصدقا بكلمة
من الله، وسيدا وحصورا ونيا من الصالحين، (٢).
وقوله - سبحانه -: «اسمه يحيى، يدل على أن هذه التسمية قد سماها الله
- تعالى - ليحي، ولم يكل تسميته لزكريا أو لغيره، وهذالون من القشريف
والتكريم.
وقوله - تعالى -: (( لم تجعل له من قبل سمياء أى لم تجعل أحدامن قبل
مشاركا له فى هذا الاسم ، بل هو أول من تسمى بهذا الاسم الجميل .
(١) تفسير القرعلى ج ١١ ص ٠٨٢
(٢) سورة آل عمران الآية ٣٩.
(٢ - - ورة مريم)

١٨
سورة مريم
قال بعض العلماء: ((وقول من قال: إن معناه: لم فجعل له من قبل سميا،
أى: نظيرا يساويه فى السمو والرفعة غير صواب ، لأنه ليس بأفضل من
إبراهيم ونوح وموسى. فالقول الأول هو الصواب، ومن قال به : ابن
عباس، وقتادة، والسدى، وابن أسلم وغيرهم ... ،(١).
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك وما قاله زكريا بعد هذه البشارة السارة.
فقال تعالى: ((قال رب أنى يكون لى غلام، وكانت امرأتى عاقرا. وقد
بلغت من الكبر عتيا ».
فالجملة الكريمة إستئناف مبنى على سؤال تقديره: فإذا قال زكريا عندما
بشره الله - تعالی۔۔ بیحی ؟
ولفظ ((أنى)) بمعنى: كيف، أو بمعنى: من أبن.
أى قال زكريا مخاطبا ربه بعد أن بشره بابنه يحيى: يارب كيف يكون
لى غلام، وحال امر أتى أنها كانت عاقرا فى شبابها وفى شيخوختها، وحالى
أنا أننى قد بلغت من الكبر عتيا، أى : قد تقدمت فى السن تقدما كبيرا.
يقال : عنى الشيخ يعتوعتها - بكسر العين وضعها - إذا بلغ النهاية
فی الکبر .
قال ابن جرير، قوله: ((وقد بلغت من الكبرعتيا، يقول: وقد عتوت
من الكبر فصرت نحيل العظام يابسها ، يقال منه العود اليابس: عات وعاسٍ.
وقد عتا يعتو عقوا وعتيا ... وكل متناه فى كبر أو فساد أو كفر فهو
عات ... ،(٢) .
فإن قيل ((ما المراد باستفهام زكريا - عليه السلام - مع علمه بقدرة الله
- تعالى - على كل شىء؟
فالجواب أن استفهامه إنما هو على سبيل الاستعلام والاستخبار ، لأنه
(١) تفسير أضواء البيان حـ ٤ ص ٢١٤
(٢) تفسير ابن جرير حـ ١٦ ص ٣٣ طبعة بولاق سنة ١٣٢٨هـ

١٩
الجزء السادس عشر
لم يكن يعلم أن الله - تعالى - سبرزقه بيحي عن طريق زوجته العاقر ، أو عن
طريق الزواج بامرأة أخرى، فاستفهم عن الحقيقة ليعرفها .
ويصح أن يكون المقصود بالاستفهام التعجب والسرور بهذا الأمر العجيب
حيث رزقه الله الولد مع تقدم سنه وسن زوجته .
ويجوز أن يكون المقصود بالاستفهام الاستبعاد لمما جرت به العادة من
أن يأتى الغلام مع تقدم سنه وسن زوجته. وليس المقصود به إستحالة ذلك
على قدرة الله - تعالى - لأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء.
ثم حكى - سبحانه - مارد به على استفهام زكريا فقال: (( قال كذلك قال
ربك هو على هين ، وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا)).
وقوله: (( كذلك، خبر لمبتدأ محذوف. أى: الأمر كذلك.
قال الآلوسي: ((وذلك إشارة إلى قول زكريا - عليه السلام - وجملة «هو
على هين، مفعول ((قال)) الثانى وجملة (,الأمر كذلك، مع جملة مقال ربك، الخ
مفعول ((قال، الأول ... )،(١)
والمعنى: قال الله - تعالى - مجيبا على استفهام زكريا، الأمر كماذكرت
يا ز كربا من كون امر أتك عاقرا، وأنت قد بلغت من الكبر عتيا، ولکن
ذلك لا يحول بيننا وبين تنفيذ إرادتنا فى منحك هذا الغلام ، فإن قدرتنا
لا يعجزها شىء، ولا تخضع لمما جرت به العادات .
وهذا الأمر وهو إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها «هو
علی هین ، أى : يسير سمل.
ثم ذكر له - سبحانه - ما هو أعجب مما سأل عنه فقال: ((وقد خلقتك من
قبل ولم تك شيئا،.
أى : لا تعجب يازكريا من أن يأتيك غلام وأنت وزوجك بتلك الحالة،
(١) تفسير الآلوسى ج ١٦ ص ٦٧.

٢٠
سورة مريم
فإنى أنا القه الذى أوجدتك من العدم ، ومن أوجدك من العدم ، فهو قادر
على أن يرزقك بهذا الغلام المذكور.
فالآية الكريمة قد ساقت بطريق منطقى برهانى ، ما يدل على كمال قدرة
أنه - تعالى -، وما يزيد فى اطمئنان قلب زكريا - عليه السلام - .
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما التمسه زكريا - عليه السلام - من خالقه
فقال: ((قال رب اجعل لى آية ... )).
أی : اجعل لی علامة استدل بها على وقوع ما بشر تنى به ، لأزداد سرورا
واطمئنانا . ولأعرف الوقت الذى تحمل فيه امرأتى بهذا الغلام فأكثر من
شكرك وذكرك .
فأجابه الله - تعالى - بقوله: (( قال آیتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال
سويا)).
أى: قال - تعالى - لعبده زكريا: يا زكريا علامة وقوع ما بشرتك به،
أنك تجد نفسك عاجزا عن أن تكلم الناس بلسانك ، لمدة ثلاث ليال بأيامهن
حال كونك سوى الخلق، سليم الحواس ليس بك من خرس أو بكم ولكنك
منوع من الكلام بأمرها وقدرتنا على سبيل خرق العادة .
فقوله: ((سويا)) حال من فاعل، تكلم)) وهو زكريا أى: حال كونك
يا زكريا سوى الخلق، سليم الجوارح، لا علة تمنعك من ذلك سوى قدرتنا .
ثم بين - سبحانه - ما كان من زكريا بعد ذلك فقال: (( خرج على قومه من
المحراب وأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا)).
والمحراب: المصلى، أو الغرفة التى كان يجلس فيها فى بيت المقدس، أو
هو المسجد، فقد كانت مساجدهم تسمى المحاريب، لأنها الأماكن التى تحارب
فيها الشياطين .
أى: خرج زكريا - عليه السلام - على قومه من المكان الذی کان یصلى