Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
الجزء الخامس عشر
المسىء، كما اقتضت حكمتنا - أيضاً- أن نصير ما على هذه الأرض عند إنقضاء
عمر الدنيا ترابا قاحلا لا نبات فيه، ويعقب ذلك الجزاء على الأعمال ،
وسننتقم لك من أعدائك ,فاصبر صبرا جميلا. إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا)).
وفى التعبير عما على الأرض بالزينة، إشارة إلى أن ما عليها مهما حسن
شكله، وعظم ثمنه. فهو إلى زوال ، شأنه فى ذلك شأن ما بتزين به الرجال
والنساء من ملابس وغيرها ، يتزينون بها لوقت ما ثم يتركونها ونتركهم.
وقوله ((لنبلوهم أيهم أحسن عملا، تعليل لما اقتضته حكمته من جعل
ما على الأرض زيقة لها .
أى: فعلنا ذلك لتختبر الناس على ألسنة وسلنا، أبهم أحسن عملا،
بحيث يكون عمله مطابقا لما جئت به - أيها الرسول الكريم -، وخالصا
لوجهنا ، ومبنيا على أساس الإيمان والعقيدة الصحيحة.
قال تعالى: تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير. الذى
خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا .. ، .
وفى الحديث الشريف: إن الدنيا حلوة خضرة ، وإن الله مستخلفكم
فيها فناظر كيف تعملون ، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء ، فإن أول فتنة
بنى إسرائيل كانت فى النساء ».
وقوله - سبحانه -: ((وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا)) زيادة فى
التزهيد فى زينتها، حيث إن مصيرها إلى الزوال ، وحض على التزود من
العمل الصالح الذى يؤدى بالإنسان إلى السعادة الباقية الدائمة .
وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد قررت أن الثناء الكامل إنما هو الله
- عز وجل -، وأن الكتاب الذى أنزله على عبده ونبيه - صلى الله عليه وسلم.
لا عوج فيه ولا ميل، وأن وظيفة هذا الكتاب إنذار الكافرين بالعقاب،
وقبشير المؤمنين بالثواب، كما أن من وظيفته تثبيت قلبه - صلى الله عليه وسلم-

٢٢
سو
وتسليته عما أصابه من أعدائه، ببيان أن الله - تعالى - قد جعل هذه الدنيا بما
فيها من زينة، دار إختبار وإمتحان ليتبين المحسن من المسىء ، وليجازى
- سبحانه - الذين أساؤا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك قصة أصحاب الكهف ، وبين أن قصتهم
ليست عجيبة بالنسبة لقدرته - عز وجل - فقد أوجد - سبحانه - ماهو أعجب
وأعظم من ذلك ، فقال - تعالى - :
((أمْ حَسِبْتَ أنَّ أَصَابَ الكَهْفِ والرَّفيم كانُوا من آياتِنَاَ عجباً (٩)
إِذْ أَوَى الفِيَةُ إلى الكهفِ فقالُوا رَبَّنَا آتِنَ مِنْ لهُنْكَ رَحمةً، وهَبِىءُ
لنا مِنْ أمرِنَاَ رشداً (١٠) فَضَرَيْنَ عَلَى آذَانِم فى الكَهْفِ سِنِينَ
عَدداً (١١) ثم بَتْنَاهُم لَتَعْلَم أىُّ الْخِزْبِيْنِ أحْصَى لما لِتُوا أَمداً (١٢).
قال الإمام الرازى : اعلم أن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف ،
وسألوا عنها الرسول - صلى الله عليه وسلم- على سبيل الامتحان، فقال - تعالى-
أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا؟ لا تحسبن ذلك
فإن آياتنا كلها عجب فإن من كان قادرا على خلق السموات والأرض، وعلى
تزبين الأرض بما عليها من نبات وحيوان ومعادن ، ثم يجعلها بعد ذلك صعيدا
جرزا خالية من الكل ، كيف يستبعد من قدرته وحفظه ورحمته حفظ طائفة
من الناس مدة ثلاثمائة سنة وأكثر فى النوم .... (١)
وعلى ذلك يكون المقصود بهذه الآيات الكريمة ، بيان أن قصة أصحاب
الكهف ليست شيئاً عجبا بالنسبة لقدرة الله - تعالى -.
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول قصة أصحاب الكهف روايات
(١) تفسير الفخر الرازى - ٢١ / ٨٢

٢٣
جر .... س عشر
ملخصها : أن قريشا بعثت النضر بن الحارث ، وعقبة بن أبي معيط ، إلى
أحبار اليهود بالمدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد - صلى الله عليه وسلم -،
وصفوا لهم صفتة، وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول . وعندهم
من العلم ما ليس عندنا من علم الأنبياء .
تخرجا حتى قدما المدينة، فسألا أحبار اليهود عن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - ووصفوا لهم أمره .
فقالوا لهما سلوه عن ثلاث تأمر کم هن . فإن أخبر كم بهن، فهو في مرسل
وإن لم يفعل فالرجل متقول .
سلوه عن فتية ذهبوا فى الدهر الأول ماذا كان من خبرهم . فإنهم قد كان
من خبرهم ، فإنهم قد كان لهم حديث عجيب .
وسلوه عن رجل طواف طاف المشارق والمغارب ماذا كان من خبره؟
وسلوه عن الروح، ماهو ؟ فإن أخبركم بذلك فهو فى فاتبعوه .
فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش. فقالا: يا معشر قريش ،
قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد ، قد أمرنا أحبار يهودان ناله
عن أمور .
ثم جاءوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا يا محمد أخبرنا،
ثم سألوه عما قالته لهم يهود .
فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأجيبكم غدا بما سألتم عنه
ولم يستثن -: أى. ولم يقل إن شاء الله - فانصرفوا عنه.
ومكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس عشرة ليلة. لا يحدث الله
إليه فى ذلك وحيا ، ولا يأتيه جبريل - عليه السلام - حتى أرجف أهل مكة
وقالوا: وعدنا محمد غدا ، واليوم خمسة عشرة قد أصبحنا فيها، لا يخبرنا بشىء
عماسألناه عنه. وحتى أحزن سول الله - صلى الله عليه وسلم - مكث الوحى عنه،

٢٤
سورة الكهف
وشق عليه ما تكلم به أهل مكة ، ثم جاءه جبريل من عند الله بسورة أصحاب
الكهف، فيها معانيته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية
والرجل الطواف، وقول الله - تعالى - ((ويسألونك عن الروح قل الروح من
أمر ربى، وما أوقيمٍ من العلم إلا قليلا، (١).
والخطاب فى قوله - تعالى -، أم حسبت ... )، الرسول - صلى الله عليه
وسلم - ويدخل فيه غيره من المكلفين .
و((أم)) فى هذه الآية هى المنقطعة، وتفسر عند الجمهور بمعنى بل والهمزة
أى: بل أحبت، وعند بعض العلماء تفر بمعنى بل، فتكون للانتقال
من كلام إلى آخر . أى : بل حسبت . ويرى بعضهم أنها هنا بمعنى الهمزة
التى للاستفهام الإنكارى أى: أحسبت أن أصحاب الكهف والرقيم.
والكهف: هو النقب المتسع فى الجبل ، فإن لم يكن فيه سعة فهو غار ،
وجمعه كهوف .
والمراد به هنا : ذلك الكهف الذى اتخذه هؤلاء الفتية مستقرالهم.
وأما الرقيم فقد ذكروا فى المراد به أقوالا متعددة منها : أنه اسم كلبهم ،
ومنها أنه اسم الجبل أو الوادى الذى كان فيه الكيف، ومنها أنه اسم القرية التى
خرج منها هؤلاء الفتية .
ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن المراد به اللوح الذى كتبت فيه
أسماؤهم وأنسابهم وقصتهم ، فيكون الرقيم بمعنى المرقوم - فهو فعيل بمعنى
مفعول - ومأخوذ من رقمت الكتاب إذا كتبته .
ومنه قوله - تعالى - ((كلا إن كتاب الأبرار افى عليين . وما أدراك
ما عليون كتاب مرقوم ،(٢) .
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٠١٢٢
(٢) سورة المطففين الآيات ١٨ - ٠٢٠

٢٥
الجزء الخامس عشر
أى مكتوب .
قال بعض العلماء: والظاهر أن أصحاب الكهف والرقيم: طائفة واحدة
أضيفت إلى شيئين :
أحدهما معطوف على الآخر ، خلافا لمن قال أن أصحاب المكهف طائفة
وأصحاب الرقيم طائفة أخرى وأن الله قص على نبيه فى هذه السورة الكريمة
قصة أصحاب الكهف، ولم يذكر له شيئا عن أصحاب الرقيم . وخلافا لمن
زعم أن أصحاب الكهف هم الثلاثة الذين سقطت عليهم صخرة فدت عليهم
باب الكهف فدعوا الله بصالح أعمالهم فانفرجت، وهم البار بوالديه .
والعفيف، والمستأجر. وقصتهم مشهورة ثابتة فى الصحيح، إلا أن تفسير
الآية بأنهم هم المراد بعيد كما ترى)،(١).
والمعنى: أظننت - أيها الرسول الكريم - أن ما قصصناه عليك من شأن
هؤلاء الفتية، كان من بين آياتنا الدالة على قدرتنا شيئا عجبا ؟ لا لا نظن ذلك
فإن قدرتنا لا يعجزها شى . .
ثم حكى - سبحانه - ما قالوه عندما حطوا رحالهم فى الكهف فقال: إذا
أوى الفتية إلى الكهف فقالوا: ربنا آتنا من لدنك رحمة. وهيء لنا من
أمرنا رشدا )) .
و(( إذا هنا ظرف منصوب بفعل تقديره)): أذكر.
و «أوى، فعل ماض - من باب ضرب - تقول: أرى فلان إلى مسكنه
يأوى إذا نزله بنفسه . واستقر فية .
و، الفتية)): جمع قلة لفتى. وهو وصف للإنسان عندما يكون فى
مطلع شبابه .
(١) تفسير أضواء البيان ج ٤ ص ٢٠.

٢٦
سورة التى
وقوله: ((وهىء لنا من أمرناء: من التهيئة بمعنى: قيسير الأمر وتقريبه
وتسهيله حتى لا يخالطه عسر أو مشقة .
والمراد بالأمر هنا: ما كانوا عليه من تركهم لأهليهم ومساكنهم، ومن
مفارقتهم لما كان عليه أعداؤهم من عقائد فاسدة .
والرشد: الاهتداء إلى الطريق المستقيم مع البقاءعليه. وهو ضد الفى .
يقال : رشد فلان يرشد رشدا ورشادا، أصاب الحق .
أى: وأذكر - أيها الرسول الكريم - للناس ليعتبروا، وقت أن خرج
هؤلاء الفتية من مساكنهم، تاركين كل شىء خلفهم من أجل سلامة عقيدتهم
فالتجأوا إلى الكهف، واتخذوه مأوى لهم، وتضرعوا إلى خالقهم قائلين :
بأربنا آتنا من لدنك رحمة ، تهدى بها قلوبنا، وتصلح بها شأننا، وتردبها
الفتن عنا ، كما نسألك باربنا أن تهى لنا من أمرنا الذى نحن عليه، وهو:
فرارنا بديننا، وثباتنا على إيماننا، ما يزيدنا سدادا وتوفيقا لطاعتك .
وقال - سبحانه -: ((إذا أوى الفتية ... ) بالإظهار - مع أنه قد سبق
الحديث عنهم بأنهم أصحاب الكهف لتحقيق ما كانوا عليه من فتوة، والتخصيص
على وصفهم الدال على قلتهم، وعلى أنهم شباب فى مقتبل أعمارهم ، ومع ذلك
ضحوا بكل شىء فى سبيل عقيدتهم .
والتعبير بالفعل, أوى، يشعر بأنهم بمجرد عثورهم على الكهف. ألقوا
وحالهم فيه واستقروابه استقرار من عثر على ضالته ، وآ ثروه على مساكنهم
المربحة، لأنه واراهم عن أعين القوم الظالمين .
والتعبير بالفاء فى قوله - سبحانه - ((فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة .. »
يدل على أنهم بمجرد استقرارهم فى الكهف ابتهلوا إلى الله - تعالى- بهذا الدعاء
الجامع لكل خير:
والتنوين فى قوله: ((رحمة)): للتهويل والتنويع. أى: آننا يا ربنا

-
خامس عشر
٢٧
ياربنا من عندك وحدك لا من غيرك. رحمة عظيمة شاملة لجميع أحوالنا
وشئوننا. فهى تشمل الأمان فى المنزل، والسعة فى الرزق ؛ والمغفرة
الذنب .
قال القرطبى ما ملخصه : هذه الآية صريحة فى الفرار بالدين وهجرة
والأهل والأوطان .. خوف الفتنة، ورجاء السلامة بالدين والنجاة من فتنة
الكافرين .. ،(١) .
ثم بين - سبحانه - ما حدث لهؤلاء الفتية بعد أن لجأوا إلى الكهف ،
وبعد أن دعوا الله بهذا الدعاء الشامل لكل خير. فقال: « فضربنا على آذانهم
فى الكهف سنين عددا،.
وأصل الضرب فى كلام العرب يرجع إلى معنى التقاء طاهر جسم، بظاهر
جسم آخر بشدة.
يقال: ضرب فلان بيده الأرض إذا ألصقها بها بشدة، وتفرعت عن هذا
المعنى معان أخرى ترجع إلى شدة الصوق .
والمراد بالضرب هنا القوم الطويل الذى غشاهم الله - تعالى - به فصاروا
لايحسون شيئا مما حولهم، ومفعول ضربنا محذوف .
والمعنى: بعد أن استقر هؤلاء الفتية فى الكهف ((وتضرعوا إلينا بهذا
الدعاء العظيم ، ضربنا على آذانهم وهم فى الكهف حجابا ثقيلا مانعا من
السماع، فصاروا لايسمعون شيئا يوقظهم ، واستمروا فى قومهم العميق هذا
(((سنين، ذات عدد كثير، بينها - سبحانه - بعد ذلك فى قوله: ((ولبثوا فى
كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً، .
وخص - سبحانه - الآذان بالضرب، مع أن مشاعر هم كلها كانت محجوبة
عن اليقظة، لأن الآذان هى الطريق الأول للتيقظ . ولأنه لا يثقل النوم إلا
عندما تتعطل وظيفة السمع .
(١) راجع تفسير القرطبى : ١٠ ص ٠٣٦٠

٢٨
سورة الكهف
وقد ورد أن النبى - صلى الله عليه وسلم - عندما علم أن رجلالا يستيقظ
مبكرا أن قال فى شأنه؛ , ذلك رجل قد بال الشيطان فى أذنه، أى: فمنعها
من التبكير واليقظة قبل طلوع الشمس.
والتعبير بالضرب - كما سبق أن أشرنا - للدلالة على قوة المباشرة. وشدة
اللصوق واللزوم، ومنه قوله تعالى - ((وضربت عليهم الذلة والمسكنة، أى:
القصقنا بهم التصافاء لافكاك لهم منه، ولا مهرب لهم عنه.
ثم بين - سبحانه - ما حدث لهم بعد هذا النوم الطويل فقال: ثم بعثنام
لتعلم أى الحز بين أحصى لما لبثوا أمدأ ، .
وأصل البعث فى اللغة: إثارة الشىء من محله وتحريكه بعد سكون، ومنه
قولهم: بعث فلان الناقة - إذا أنارها من مبركها للسير، ويستعمل بمعنى
الإيقاظ وهو المقصودهنا من قوله (( بعتنام، أى: أيقظنام بعد رقادم
الطويل .
وقوله (( لنعلم أى الحزبين٠٠٠)) بيان للحكمة التى من أجلها أيقظهم الله
من أو مه.م .
وكثير من المفسرين على أن الحزبين أحدهما: أصحاب الكهف والثانى:
أهل المدينة الذين أيقظ الله أهل الكهف من رقادهم فى عهدهم ، وكان عندهم
معرفة بشأنهم .
وقيل: هما حزبان من أهل المدينة الذين بعث هؤلاء الفتية فى زماتهم ،
إلا أن أهل هذه المدينة كان منهم حزب مؤمن وآخر كافر .
وقيل : هما حزبان من المؤمنين كانوا موجودين فى زمن بعث هؤلاء
الفتية، وهذان الحز بان اختلفوا فيما بينهم فى المدة التى مكتها هؤلاء الفتية
رقوداً .
والذى تطمئن إليه النفس أن الحزبين كليهما من أصحاب الكهف، لأن
الله - تعالى - قد قال بعد ذلك - وكذلك بشناهم - أى الفتية - ليتساءلوا

٢٩
الجزء الخامس عشر
بينهم ، قال قائل منهم كم لبثتم ، قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ، قالوا ربكم أعلم
بما لبقم .....
قال الألوسى: « ثم بعثناهم، أى: أيقظنام وأثر ناهم من قومهم (( لنعلم
أى الحزبين ، أى: منهم، وهم القائلون (( لبثنا يوما أو بعض يوم)، والقائلون
((ربكم أعلم بما لبثتم)).
وقيل : أحد الحزبين الفتية الذين ظنوا قلة زمان لبثهم، والثانى أهل
المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم وكان عندهم تاريخ غيبتهم ... والظاهر
الأول لأن اللام للعهد، ولا عهد لغير من سمعت ،(١).
والمراد بالعلم فى قوله (, لتعلم ... )، إظهار المعلوم، أى ثم بعثناهم لتعلم
ذلك علما يظهر الحقيقة التى لا حقيقة سواها للناس .
ويجوز أن يكون العلم هنا بمعنى التمييز، أى: ثم بعثناهم لميز أى الحزبين
أحصى لما لبثوا أبدا .
فهو من باب ذكر السبب وإرادة المسبب، إذ العلم سبب للتمييز .
ولفظ («أحصى، يرى صاحب الكشاف ومن تابعه أنه فعل ماض، ولفظ
(((أهدا، مفعوله، و((ما)، فى قوله ((لما لبئوا)) مصدرية، فيكون المعنى،
ثم بعثناهم لتعلم أى الحزبين أضبط أمدا - أى مدة - للبثهم فى الكهف.
قال صاحب الكشاف: و((أحصى، فعل ماض، أى: أيهم اضبط ((أمدا)
لأوقات لبهم .
فإن قلت: فما تقول فيمن جعله من أفعل التفضيل؟ قلت: ليس بالوجه
السديد ، وذلك أن بناءه من غير الثلاثى المجرد ليس بقياس ... والقياس على
الشاذ فى غير القرآن متنع فكيف به ... (٢) ؟
(١) تفسير الآلوسي = ١٥ ص ٢١٢
(٢) راجع الكشاف ج ٢ ص ٤٧٤

٣٠
سورة الكهف
وبعضهم يرى أن لفظ ((أحصى، صيغة تفضيل، وأن قوله ((أمدا) منصوب
على أنه تمييز وفى إظهار هذه الحقيقة للناس ، وهى أن الله - تعالى - قد ضرب
النوم على آذان هؤلاء الفتية ثلاثمائة سنين وإزدادوا تسعا، ثم بعثهم بعد ذلك
دون أن يتغير حالهم، أقول: فى إظهار هذه الحقيقة دليل واضح على قدرة
الله - تعالى - وعلى وجوب إخلاص العبادة له، وعلى أن البعث بعد الموت
حق لا ريب فيه .
وبذلك تكون هذه الآيات قد ماقت لناقصة أصحاب الكهف على سبيل
الإجمال والاختصار، ثم جاءت آيات بعد ذلك لتحكى لناقصتهم على سبيل
التفصيل والبسط ، وهذه الآيات هى قوله - تعالى -:
(( نحنُ نَقُصُ عليكَ نبأَّهُم بالحقَّ، إنَّهُمْ فِيَةٌ آمَنُوا بربهم وزِدْنَهُم
هُدّى (١٣) ورَبَطْنَا عَلَى قُلوبهم إِذْ قَمُوا فقالوا ربَُّ رَبُّ السَّمواتِ
والأرضِ لن نَدْعُوَ من دُونِهِ إلهاً لقدْ قَلْنَاَ إذًا شطَطاً (١٤) هؤلاء
قَوْمُنَا اتَخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلْمَةً، لولاَ يَأْتُونَ عَلَيْهم بسُلطانٍ بِيٍِّ ، فَنْ
أظلمٌ مِمَّنِ افترَى عَلَى اللهِ كَذِبًا (١٥) وإذ اعتَزَلْتُمُوهُم وما يعْبُدُونَ
إلا اللّهَ فَأَوُوا إِلى الكَهْفِ ينشُرْ لِكُم رِبْكُم مِنْ رَحْمَتِهِ ، وَيُهيء
لِكُم مِنْ أمرِ ثُم مِرْفَقً (١٦))).
أى: ((نحن)) وحدنا يا محمد، نقص عليك وعلى أمتك خبر هؤلاء الفتية
قصصاً لحمته وسداه الحق والصدق، لأنه قصص من ربك الذى لا يخفى عليه.
شىء فى الأرض ولا فى السماء .
وقوله: (( إنهم فتية آمنوا بر)، وزدناهم هدى، كلام مستأنف جواب عن
مؤل تقديره ماقصتهم وماشأنهم بالتفصيل؟
أى: إنهم فتية أخلصوا العبادة خالقهم، وأسلموا وجوههم لبارتهم،

٣١
الجزء الخامس عشر
وآمنوا بربوبيته -سبحانه - إيمانا عميقاً ثابتاً، فزادهم اله يركة هذا الإخلاص
والثبات على الحق، هداية على هــايتهم، وإيمانا على إيمانهم.
وقوله - سبحانه - ((نحن نقص عليك فبأهم بالحق)) إيماء إلى أن قصة
هؤلاء الفتية كانت معروفة لبعض الناس ، إلا أن معرفتهم بها كانت مشوبة
بالخرافات والأباطيل .
قال ابن كثير: ما ملخصه : ذكر الله - تعالى - أنهم كانوا فتية - أى
شبابا -، وهم أقبل للحق من الشيوخ، الذين عتوا فى دين الباطل، ولهذا
كان أكثر المستجيبين لله ولرسوله شبابا، وأما المشايخ من قريش، فمامتهم
بقوا على دينهم، ولم يسلم منهم إلا القليل .
واستدل غير واحد من الأئمة كالبخارى وغيره بقوله « وزدناهم
هدى ، إلى أن الإيمان يزيد وبنقص ... )، (١).
ثم حكى - سبحانه - جانبا من مظاهر هدايته لهم فقال: ((وربطنا على
قلوبهم إذ قاموا ،
وأصل الربط: الشد ، يقال، ربطت الدابة، أى: شددتها برباط ،
والمراد به هنا: ما غرسه الله فى قلوبهم من قوة، وثبات على الحق، وعبر
على فراق أهليهم : ومنه قولهم : هلان رابط الجأش ، إذا كان لا يفزع
عند الشدائد والكروب .
والمراد بقيامهم : عقدهم العزم على مفارقة ما عليه قومهم من باطل ،
وتصميمهم على ذلك تصميما لا تزحزحه الخطوب مهما كانت جسيمة.
ويصح أن يكون المراد بقيامهم : وقوفهم فى وجه ملكهم الجبار بثبات
وقوة، دون أن يبالوا به عندما أمرهم بعبادة ما يعبده قومهم، وإعلانهم دين
التوحيد، ونبذهم لكل ما سواه من شرك وضلال .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ١٣٦

٣٢
سورة الكهف
د'P
قال الفرضى ما ملخصه: قوله - تعالى - ((إذا قاموا، يحتمل ثلاثة ممان.
أحدها: أن يكون هذا وصف مقامهم بين يدى الملك الكافر ، وهو مقام
يحتاج إلى الربط على القلب حيث خالفوا دينه، ورفضوا مادعاهم إليه.
والمعنى الثانى فيما قيل: إنهم أولاد عظماء تلك المدينه خرجوا واجتمعوا
وراءها من غير ميعاد، وتعاهدوا على عبادة الله وحده .
والمعنى الثالث: أن يعبر بالقيام عن انبعاثهم بالعزم إلى الهروب إلى الله
- تعالى - ومناذة الناس، كما تقول: قام فلام إلى أمر كذا، إذا عزم عليه
بغاية الحمد,(١).
وعلى أية حال فالجملة الكريمة تفيد أن هؤلاء الفتية كانت الوبهم ثابتة
واسخة،، مطمئنة إلى الحق الذى اهتدت إليه، معتزة بالإيمان الذى أشربته،
مستبشرة بالإخاء الذى جمع بينها على غير ميعاد, وصدق رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - إذ يقول: الأرواح جنود مجنده ,فما تعارف منها ائتلف
وما تناكر منها اختلف)» .
ثم حكى - سبحانه - ما قالوه بعد أن استقر الإيمان فى نفوسهم فقال:
((فقالوا ربنا رب السموات والأرض، لن ندعو من دونه إلها ٠ .. ،.
أى: أعلنوا براءتهم من كل خضوع لغير الله - عز وجل - حين قاموا
فى وجه أعدائهم ، وقالوا بكل شجاعة وجرأة: ربنا - سبحانه - هو رب
السموات والأرض ، وهو خالقهما وخالق كل شىء ، ولن نعبد -واه أى
معبود آخر .
وفقوا عبادتهم لغيره - سبحانه - يحرف - ((ان، للإشعار بتصميمهم على
ذلك فى كل زمان وفى كل مكان ، إذ النفى بلن أبلغ من النفى بغيرها .
قال الآلوسي: وقد يقال؛ إنهم أشاروا بالجملة الأولى - وهى : ربنا رب
(١) تفسير القرطبي : ١٠ ص ٣٦٥.

٣٣
الجزء الخامس عشر
السموات والأرض - إلى توحيد الربوبية، وأشاروا بالجملة الثانية - ان
ندعو من دونه إلها - إلى توحيد الألوهية ، وهما أمران متغايران ، وعبدة
:الأوثان لا يقولون بهذا، ويقولون بالأول: ولئن سألتهم من خلق السموات
والأرض ليقوان الله، وحكى - سبحانه - عنهم أنهم يقولون: ((ما نعبدم
إلا ليقربونا إلى الله زلفى) وصح أنهم كانوا يقولون: لبيك لاشريك لك،
إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك))(١) .
وقرله - سبحانه - ((لقد قلنا إذا شططا، تأكيد لبراءتهم من كل عبادة
لغير اله - تعالى -.
والشطط : مصدر معناه مجاوزة الحد فى كل شىء، ومنه: أشط الان فى
السوم، إذا جاوز الحد، وأشط فى الحكم إذا جاوز حدود العدل: وهو صفة
لموصوف محذوف وفى الكلام قسم مقدر ، واللام فى «لقد، واقعه فى جوابه،
و((إذا) حرف جواب وجزاء فتدل على شرط مقدر.
أى: ربنا رب السموات والأرض، أن ندعو من دونه إلها . ولو فرض
أننا دعونا وعبدنا من دونه إلها آخر، واله لنكونن فى هذه الحالة قد قلنا إذا
قولا شطما، أى : بعيدا بعدا واضحا عن دائرة الحق والصواب .
. فالآية الكريمة تدل على قوة إيمان هؤلاء الفتية، وعلى أن من كان كذلك
ثبت لقه - تعالى - قليه، وقواه على تحمل الشدائد، كما تدل أن من أشرك مع
الله - تعالى - إلها آخر، يكون بسبب هذا الإشراك، قد جاء بأمر شطط بعيد
كل البعد عن الحق والصواب وصدق الله إذ يقول: ((ومن يشرك بالله فكانما
خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح فى مكان سحيق ،(٢).
ثم حكى - سبحانه - عن هؤلاء الفتية أنهم لم يكتفوا إعلان إيمانهم
(١) تفسير الآلوسي : ١٥ ص ١٠٢١٩
(٢) سورة الحج الآية ٣١.
(٣ - سورة الكهف )

٣٤
سورة الكهف
الصادق ، بل أضافوا إلى ذلك إستنكارهم لما عليه قومهم من شرك فقال :
,هؤلاء قومنا إتخذوا من دوفه آحة لولا يأتون عليهم بسلطان بين ... ».
و«هؤلاء، مبتدأ، و.قومناء عطف بيان، وجملة, إنخذوا من دونه
آلهة ، هى الخبر .
و ((لولا، للتحضيض، وهر الطلب بشدة. والمقصود بالتحضيض هنا
الإنكار والتعجيز ، إذ من المعلوم أن قومهم لن يستطيعوا أن يقيموا الدليل
على صحة ماهم عليه من شرك .
والمراد بالسلطان البين : الحجة الواضحة .
أى: أن أولئك الفتية بعد أن إجتمعوا، وتعاهدوا على عبادة الله - تعالى-
وحده، وفبذ الشرك والشركاء قالوا على سبيل الإنكار والاحتقار لمما عليه
قومهم: هؤلاء قومنا بلغ بهم السفه والجهل، أنهم إنخذوا مع الله - تعالى -
أصناما يشركونها معه فى العبادة، هلا أتى هؤلاء السفهاء بحجة ظاهرة تؤيد
دعواهم بأن هذه الأصنام تصلح آلهة لاشك أنهم لن يستطيعوا ذلك.
قال صاحب الكشاف وقوله: ((لولا يأتون عليهم بسلطان بين، تبكيت
لأن الإتيان بالسنطان على صحة عبادة الأوثان محال . وهو دليل على فساد
التقليد، وأنه لا بد فى الدين من حجة حتى يصح ويثبت)، (١).
وشبيه بهذه الآية فى تعجيز المشركين وتجهياهم قوله تعالى: قل هل عندكم
من علم فتخرجوه لنا، إن تتبعون إلا الظن، وإن أقم إلا تخرصون، (٢).
وقوله - سبحانه -: «قل أر أيتم ما تدعون من دون الله، أرونى ماذا
خلقوا من الأرض ، أم لهم شرك فى السموات ، أنتونى بكتاب من قبل هذا
أو أثارة من علم إن كنتم صادقين ، (٣):
(١) تفسير الكشاف ج ٢ من ٠٤٧٤
(٢) سورة الأنعام الآية ١٤٨.
(٣) سورة الأحقاف الآية ٤.

٣٠
الجزء الخامس عشر
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بمايدل على تكذيبهم لقومهم،
ووصفهم إياهم بالظلم فقال: (( فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ، ,
أى : لا أحد أشد ظلماً من قوم افتروا على الله - تعالى - الكذب،
حيث زعموا أن له شريكا فى العبادة والطاعة ، مع أنه - جل وعلا - منزه عن
الشريك والشركاء: (( ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)).
ثم حكى - سبحانه -بعد ذلك ما تناجوا به فيما بينهم، بعدأن وضح موقفهم
وضوحا صريحا حاسما، وبعد أن أعلنواكلمة لتوحيد بصدق وقوة ... فقال
- تعالى -: ((وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله، فأووا إلى الكهف ينشر
"-كم ربكم من رحمته ديهى. لكم من أمركم مرفقا».
و((إِذ)، يبدو أنها هنا للتعليل. والاعتزال: تجنب الشىء سواء أكان
هذا التجنب بالبدن أم بالقلب. و((ما، فى قوله (( وما يعبدون إلا الله، اسم
موصول فى محل نصب معطوف على الضمير فى قوله ((اعتزلتموهم، وقوله:
((إلا الله)) استثناء متصل، بناء على أن القوم كانوا يعبدون الله - تعالى -
ويشركون معه فى العبادة الأصنام. و((من)، قالوا إنها بمعنى العدلية.
وقوله : «مرفقاً، من الإرتفاق بمعنى الانتقاع. وقرأ نافع وأبن عامر
مرفقا - بفتح الميم وكسر الفاء ..
والمعنى: أن هؤلاء الفتية بعد أن أعلنواكلمة التوحيد، وعقدوا العزم
على مفارقة قومهم المشركين تناجوا فيما بينهم وقالوا: ولأجل ما أنتم مقدمون
عليه من اعتزالكم لقومكم الكفار، واعتزالج الذى يعبدونه من دون الله،
لأجل ذلك. فالجأوا إلى الكهف، واتخذوه مأوى ومستقرا لكم، ينشر لك
ربكم الكثير من الخير بفضله ورحمته، ويهى. لكم بدلا من أمركم الصعب.
أمراً آخر فيه اليسر والنفع .
وفى التعبير بقولهم - كما حكى القرآن عنهم . . ((ينشر لكم ربكم مز
:

٢٦
سورة الكهف
رحمته ... ، دلالة واضحة على صدق إيمانهم وحسن ظنهم الذى لا حدود له،
بربهم - عز وجل - فهم عند مافارقوا أهليهم وأموالهم وزينة الحياة، وقرروا
اللجوء إلى الكهف الضيق الخشن المظلم ... لم ييأسوا من رحمة الله، بل
أيقنوا أن الله - تعالى - -يرزقهم فيه الخير الوفير، وييسر لهم ماينتفعون به،
ببركة إخلاصهم وصدق إيمانهم
وهكذا الإيمان الصادق، يجعل صاحبه يفضل المكان الخالى من زينة
الحياة، من أجل سلامة عقيدته، على المكان الملىء باللين والرخاء الذى يحمس
فيه بالخوف على عقيدته .
فالآية الكريمة تدل على أن إعتزال الكفر والكافرين من أجل حماية
الدين ، يؤدى إلى الظفر برحمة الله وفضله وعطائه العميم وصدق الله إذ يقول
فى شأن إبراهيم - عليه السلام -، واعتز لكم وما قدعون من دون الله وادعو
وبى عسى أن لا أكون بدعاء ربى شقيا، علما اعتز لهم وما يعبدون من دون
القه وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا، ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا
لهم لسان صدق عليا ،(١).
ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن أحوال هؤلاء الفتية بعد أن
استقروا فى الكهف. وبعد أن ألقى الله - تعالى - عليهم بالنوم الطويل
فتقول :
((وترَى الشَّمسَ إِذَا طَلَمَتْ زاوَرُ عن كَهْفِبِم ذاتَ المِينِ ، وإذا
غَرَبَتْ تَقْرِضَهم ذاتَ الشَّمَالِ وهُم فى فَجْوةٍ منه، ذلِكَ مِنْ آيَاتٍ اللهِ
مَنْ يهدِ اللّهُ فُهُو المهَتَدِ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدّ لهُ وليًّا مُرْشِداً (١٧)
وتَحسَهم أيقاظاً وهُمْ رَقُودٌ، ونقلّهُم ذاتَ اليمينِ وذاتَ الثَّمالِ،
(١) سورة مريم الآيات ٤٨- ٠٥٠

٣٧
الجزء الخامس عشر
وكلُهم باسطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالوَصِيد، أو اطلعتَ عَلَيْهم لولَّيتَ منهم فراراً،
ولمُلِئْتَ مَنْهُمْ رُعْبًا (١٨))).
قال الألوسى: قوله: (( وترى الشمس ... )) بيان خالهم بعد ما أووا إلى
الكهف ... والخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لكل أحد من
يصلح ، وهو المبالغة فى الطهور، وليس المراد الإخبار بوقوع الرؤية ، بل
المراد الاخبار بكون الكهف لو رأيته ترى الشمس إذا طلعت تزاور عن
کېفهم ذات اليمين ... ، (١).
وقوله ، تزاور ، من الزور بمعنى الميل. ومنه قولهم: زار فلان صديقه،
أى: مال إليه: ومنه شهادة الزور، لأنها ميل عن الحق إلى الباطل. ويقال:
فلان أزور، إذا كان مائل الصدر، ويقال: تزاور فلان عن الشىء، إذا
إنحرف عنه .
وفى هذا المفظ ثلاث قراءات سبعية، فقد قرأ ابن عامر ( تزور)، يزنة
تحمر. وقرأ الكوفيون - عاصم وحمزة والكسائى - ((تزاور)). بفتح الزاى-
وقرأ نافع وابن کثیر وأبو عمرو « نزاور - بتشديد الزاى -. وأصله تتزاور
فحذفت إحدى التامين تخفيفا .
ومعنى: ((تقرضهم، تقطعهم وتتجاوزهم وتتركهم، من القرض بمعنى
القطع والصرم ، يقال : قرض المكان ، أى : عدل عنه وتركه .
والمعنى: أنك - أيها المخاطب - لو رأيت أهل الكهف، لرأيتهم على هذه
الصورة ، وهى أن الشمس إذا طلعت من مشرقها ، مالت عن كهفهم جهة
اليمين، وإذا غربت ، تراها عند غروبها، تميل عنهم كذلك ، فهى فى الحالتين
لا تصل إليهم، حماية من الله - تعالى - لهم، حتى لا تؤفيهم بحرها، بأن تغير
ألوانهم، وقبلی ثیاهم .
(١) تفسير الآلوسى ج ١٥ ص ٢٢١ - بتصريف يسبر -.

٣٨
سورة ..
وقوله: ((وهم فى جيوة منه، جملة حالية. أى: والحال أنهم فى مكان
متسع من الكهف وهو وسطه. والفجوة: هى المكان المتسع ، مأخوذة من
الفجا، وهو تباعد ما بين الفخذين، ومنة قولهم: رجل أنجى، وأمرأة فجوا.
والمفسرين فى تأويل هذه الآية إتجاهان لخصهما الإمام الرازى فقال:
المفسرين هنا قولان: أولها: أن باب ذلك الكهف كان مفتوحا إلى جانب
الشمال ، فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف ، وإذا غربت كانت على
شماله، فضوء الشمس ما كان يصل إلى داخل الكهف ، وكان الهواء الطيب
والنسيم الموافق يصل .
والثانى: يرى أصحابه أنه ليس المراد ذلك ، وإنما المراد أن الشمس إذا
طلعت منع الله - تعالى - ضوءها من الوقوع عليهم، وكدا القول فى حال
غروبها، وكان ذلك فعلا غاارةا للمادة، وكرامة عظيمه خص الله بها أصحاب
الكهف ... ، (١).
ومن هذين الرأيين يتبين لنا أن أصحاب الرأى الأول ، يرجعون عدم
وصول حر الشمر إلى هؤلاء الفتية إلى أسباب طبيعية حماهم الله - تعالى - بها
ومن بينها أن الكهف كان مفتوحا إلى جهة الشمال ...
أما أصحاب الرأى الثانى فيردون عدم وصول أشعة الشمس إليهم إلى
أسباب غير طبيعية، بمعنى أن الفتية كانوا فى متسع من الكهف ، أى: فى مكان
تصيبه الشمس، إلا أن الله - تعالى - بقدرته التى لا يعجزما شىء، منع ضوء
الشمس وحرها من الوصول إليهم، خرقا للمادة على سبيل التكريم لهم .
ومع وجاهة الرأيين، إلا أن النفس أميل إلى الرأى الثاني، لأن قوله
- تعالى - «وهم فى فجوة منه، يشير إلى أنهم مع إتساع المكان الذى ينامون
فيه - وهو الفجوة - لا تصيبهم الشمس لاعند الطلوع ولا عند الغروب وهذا.
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٢١ ص ٠٩٩

٣٩
الجزء الخامس عشر
أمر خارق للعاده، ويدل على عجيب حالهم، كما أن قوله- تعالى - بعد ذلك
(( ذلك من آيات الله)، يشعر بأن أمر هؤلاء الفتية فيه غرابة، وليس أمراً
عاديا مألوفا .
قال الآلوسي : وأكثر المفسرين على أنهم لم تصبهم الشر أصلا وإن
إختلفوا فى منشأذلك ,وإختار جمع منهم، أنه لمحض حجب الله - تعالى -
الشمس على خلاف ما جرت به العادة، والاشارة تؤيد ذلك أتم تأييد ،
والاستبعاد ما لا يلتفت إليه، لا سيما فيما نحن فيه، فان شأن أصحاب الكهف
كاء على خلاف العادة ... (١) .
وعلى هذا الرأى الثانى يكون إسم الاشاره فى قوله: « ذلك من آيات الله
إلى ما فعله الله - تعالى - معهم، من حجب ضوء الشمس عنهم مع أنهم فى
متسع من الكهف .
أى : ذلك الذى فعلناه معهم من آياتنا الداله على قدرتنا الباهره، وإرادتنا
التى لا يعجزها شى . .
وأما على الرأى الأول فيكون إسم الاشارة مرجعه إلى ما سبق من
الحديث عنهم ، كهدابتهم إلى التوحيد، وإخراجهم من بين عبده الأوزان ،
ولجوتهم إلى الكهف، وجعل باب الكهف على تلك الكيفية، إلى غير ذلك
ما ذكر - سبحانه - عنهم .
أى: ذلك الذى ذكر ناه لك عنهم - أيها الرسول الكريم - هومن آبات
الله الدالة على وحدانيته وقدر ته.
ثم ختم - سبحانة - الآية بقوله: «من يهد أله فهو المهتد ومن يضلل
فلن تجد له وليا مرشدا ...
(١) تفسير الألوسى ج ١٥ ص ٢٢٣.

٤٠
سورة الكهف
أى: من يهده الله إلى طريق الحق، وبوفقه إلى الصواب، فهو المهتد
أى فهو الفائز بالحظ الأوفر فى الدارين، ومن يضلل الله - تعالى - عن
الطريق المستقيم، فلن تجد له - يا محمد - نصيرا ينصره، ومرشدا برشده إلى
طريق الحق .
كما قال تعالى -: «من يهد الله فهو المهند، ومن يضلل فأولتكم
الخاسرون . (١).
وكما قال - سبحانه -: ((ومن بهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد لهم
أولياء من دونه ... )، (٢) .
ثم صور - سبحانه - بعد ذلك مشهداعجيبا من أحوال هؤلاء الفتية فقال:
((((تحسبهم أيقاظ وهم رقود ... ))
والحسبان بمعنى الظن. والأيقاظ جمع يقظ وهو عند النائم. والرقود:
جمع راق والمراد به هنا : النائم .
أى: وتظنهم - أبها المخاطب لو قرلك أن تراحم - أيقظامنتبهين، والحال
أنهم رقود أى : قيام
وقالوا : وسبب هذا الظن والحسبان، أن عيونهم كانت مفتوحة ، وأنهم
كانوا يتقلبون من جهة إلى جهة، كما قال - تعالى - بعد ذلك: «ونقليم
ذات اليمين وذات الشمال » .
أى : ومخركهم وهم رقود إلى الجهة التى تلی أيمانهم، وإلى الجهة التى تلی
شمائلهم، رعاية منا لأجسامهم حتى لا تأكل الأرض شيئا منها بسبب حاول
رقادهم عليها .
وعدد مرات هذا التقليب لا يعلمه إلا الله - تعالى-، وما أورده المفسرون
فى ذلك لم يثبت عن طريق النقل الصحيح ، لذا ضربنا صفحا عنه.
(١) سورة الأعراف الآية ٠١٧٨ (٢) سورة الإسراء الاية ٩٧.