Indexed OCR Text
Pages 181-200
- ١٨١ - قال الآلوسي: واختلف فى تعيين المراد من ذلك ، فأخرج الزبير بن بكار عن زيد بن أسلم، أن المراد : بالإدخال : دخول المدينة ، وبالإخراج : الخروج من مكة ، ويدل عليه ما أخرجه أحمد، والطبرانى، والترمذى وحسنه. والحاكم وصححه، وجماعة، عن ابن عباس قال: كان النبى - صلى الله عليه وسهم - بمكة، ثم أمر بالهجرة، فأنزل الله .- تعالى - عليه هذه الآية. وبدأ بالإدخال لأنه الأهم ... ثم قال: والأظهر أن المراد إدخاله - عليه الصلاة والسلام - إدخالا مرضيا فى كل ما يدخل فيه ويلابسه من مكان أو أمر، وإخراجه - من كل مايخرج منه خروجا مرضها .. كذلك - ، فتكون الآية عامة فى جميع الموارد والمصادر ..... (١) ويبدولنا أن المعنى الذى أشار إليه الآلوسى - رحمة الله - بأنه الأظهر، هو الذى تسكن إليه النفس ، ويدخل فيه غيره دخولا أولياء، ويكون المعنى: وقل - أيها الرسول الكريم - متضرعا إلى ربك: يارب أدخلنى إدخالا مرضيا صادقا فى كل ما أدخل فيه من أمر أو مكان ، وأخرجنى كذلك إخراجا طيبا صادقا من كل أمر أومكان . والمراد بالسلطان فى قوله - تعالى -: ((واجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا، الحجة البيئة الواضحة التى تقنع العقول ، والقوة الغالبة التى ترهب المبطلين . أی : واجعل لى - با إلهى - من عندك حجة تنصرنى بها على من خالفنى ، وقوة تعيغنى بها على إقامة دينك ، وإزالة الشرك والكفر . وقد وضح صاحب الكشاف هذا المعنى فقال: قوله: (( واجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا، أى : حجة قنصرنى على من خالفنى ، أو ملكا وعزا قويا ناصرا للإسلام على الكفر ، مظهرا له عليه ، فأجيبت دعوته بقوله : ١٠) تفسير الآلوسى = ١٥ ص ٤٣ !. - ٫٨٢ ٠ ((والله يعصمك من الناس ((فإن حزب الله هم الغالبون)) ليظهره على الدین كله ,ایستخلفتهم فى الأرض، ووعدهلینزعن ملك فارس والروم فيجعله له . . وعنه صلى الله عليه وسلم - أنه إستعمال ((عتاب بن أسيد، على أمل مكا وقال : انطلق فقد استعملتك على أهل الله، فكان شديدا على المريب. لينا على المؤمن ، وقال: لا والله لا أعلم متخلفا يتخلف عن الصلاة فى جماعة إلا ضربت عنقه، فإنه لا يتخلف عن الصلاة إلا منافق . فقال أهل مكة: يارسول الله لقد استعملت على أهل الله ((عتاب بن أسيد، أعرابيا جافيا . فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((إنى رأيت فيما يرى النائم كأن عتاب بن أسيد أتى باب الجنة، فأخذ بحلقة الباب فقطقلها قلقالا شديدا، حتى فتح له فدخلها ، فأعز الله به الإسلام لنصرته المسلمين على من يريد ظلمهم ، فذلك السلطان التصير ،(١) . وقال ابن كثير - بعد أن ساق بعض الأقوال فى معنى الآية الكريمة - قوله: ((واجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا، قال الحسن البصرى فى تفسيرها: وعده ربه لينزعن ملك فارس والروم وليجعلته له. وقال قتادة فيها: إن فى الله علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان. فسأل سلطانا نصير الكتاب الله. ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله، فإن السلطان رحمة من الله جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بض فأكل شديدهم ضعيفهم ... ثم قال ابن كثير: واختار ابن جرير قول الحسن وقتادة، وهو الأرجح، لأنه لابد مع الحق من قهر مان عاداه وناوأه، ولهذا يقول - تعالى -: «لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنزلنا الحديد فيه باس شديد ومنافع للناس ... . (١) تفسير الكشاف < ٢ ص ٦٩٨ - ١٨٣ - وفى الحديث: (( إن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن، أى: ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام ، ما لا يمتنع كثير من الناس عن ارتكابه بالقرآن وما فيه من الوعيد الأكيد ، والتهديد الشديد، وهذا هو الواقع ،(١) . وفى قوله - تعالى -: ((وأجعل لى من لدنك)، تصوير بديع لشدة القرب والاتصال بالله - تعالى -، واستمداد العون منه - سبحانه - مباشرة، واللجوء إلى حماه بدون وساطة من أحد . ثم بشره - سبحانه - بأن النصر له آت لا ريب فيه فقال - تعالى - ((وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا)). والحق فى لغة العرب : الشىء الثابت الذى ليس يزائل ولا مضمحل . والباطل على النقيض منه . والمراد بالحق هنا: حقائق الإسلام : تعاليمه التى جاء بها النبي - صلى الله عليه وسلم - من عند ربه - عز وجل - والمراد بالباطل: الشرك والمعاصى التى ما أنزل الله بها من سلطان والمراد بزهوته: ذهابه وزواله . يقال : فلان زهقت روحه ، إذا خرجت من جسده وفارق الحياة . أى: وقل - أيها الرسول الكريم - على سبيل الشكر لربك، والاعتراف له بالنعمة، والاستبشار بنصره، قل : جاء الحق الذى أرسلنى به الله - تعالى- وظهر على كل ما يخالفه من شرك وكفر، وزهق الباطل ، وأضمحل وجوده وزالت دولته، إن الباطل كان زهوقا ، أى : كان غير مستقر وغير ثابت فى كل وقت. كما قال - تعالى -: ((قل إن ربى يقذف بالحق علام الغيوب. قل جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد،(٢). (١) تفسير ابن كثير - ٣ ص ٥٩ (٢) سورة سبأ الآيتان ٤٨، ٤٩ - ١٨٤ - وكما قال - سبحانه -: ((بل فقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ... ،(١) . وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآية أحاديث منها : ما أخرجه الشيخان عن ابن مسعود - رضى الله عنه - قال: دخل النبى - صلى الله عليه وسلم - مكة - عند فتحها - وحول البيت ستون وثلثمائة صنم. فجعل يطعتها بعود فى يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، , جاء الحق وما يبدى. الباطل وما يعيد)). وأخرج ابن أبى شيبة وأبو يعلى وابن المنذر عن جابر قال : دخلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مکة ، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنا، فأمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأكبت على وجها. وقال ((جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، (٢). وقال القرطى: فى هذه الآية دليل على كسر قصب المشركين ، وجميع الأوثان إذا غلب عليهم ، ويدخل بالمعنى كسر آلة الباطل كله ، ومالا يصلح إلا لمعصية الله كالطابير والعيدان والمزامير التى لا معنى لها إلا اللهو بها عن ذكر الله تعالى ... (٣) وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أمرت المسلمين فى شخص نبيهم - صلى الله عليه وسلم - بالمداومة على كل ما يقربهم من الله - تعالى -، ولاسيما الصلاة التى هى صلة بين العبد وربه، وبشرت النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنحه المقام المحمود من ربه - عز وجل، وبأن مامعه من حق وصدق , سيزهق مامع أعدائه من باطل و كذب ، فإن سنة الله - تعالى - قد اقتضت أن تكون العاقبة للمتقين . (١) سورة الأغنياء الآية ١٨ . (٢) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٥٩ . (٣) تفسير القرطى - ١٠ ص ٣١٤. - ١٨٥ -- ثم مدح - سبحانه - القرآن الكريم الذى أنزله على قلب نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم - وبين أحوال الإنسان فى حالتى اليسر والعسر، والرخاء والشدة ، وأن كل إنسان يعمل فى هذه الدنيا على حسب طبيعته وزيته وميوله ، فقال - تعالى - : ((وتنَزِّلُ من القرآنِ ما هُوَ شفاءٌ ورَحمةٌ للمؤمِنِينَ ولا يزيدٌ الظَّالِنَ إلاَّ خساراً (٨٢) وإذا أَنْعَمِنَاَ على الإنسَنِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِحَاتِه وإذَا مَسَّهُ الشرءّ كانَ يُوسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يعَمَلُ عَلَى شَآكِلَتِهِ، فَرِبْكُم أَعْلَمُ مِنْ هُوَ أَهْدَی سبیلا (٨٤) . قال الفخر الرازى - رحمه الله -: اعلم أنه - تعالى - لما أطنب فى شرح الإلهيات والنبوات، والحشر والمعاد والبعث، وإثبات القضاء والقدر، ثم أتبعه بالأمر بالصلاة، ونبه على ما فيها من الأسرار ، وإنما ذكر على ذلك فى القرآن، أتبعه ببيان كون القرآن شفاء ورحمة . فقال - تعالى -: موقزل من القرآن ماهو شفاء ورحمة للمؤمنين .. ثم قال: ولفظة ((من)، ههنا)، ليست للتبعيض ، بل هى للجنس كقوله : (((فاجتنبوا الرجس من الأوثان)). والمعنى: وننزل من هذا الجنس الذى هو قرآن ماهو شفاء، جميع الفرآن شفاء ورحمة للمؤمنين )) (٩) . ومما لاشك فيه، أن قراءة القرآن، والعمل بأحكامه وآدابه وتوجيهاته .. شفاء للنفوس من الوسوسة، والقلق، والحيرة، والنفاق ، والرذائل المختلفة ، ورحمة للمؤمنين من العذاب الذى يحزنهم وبشقيهم ، (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ٤٢٢. - ١٨٦ - إنه شفاء ورحمة لمن خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان، فأشرقت بنور ربها، وتفتحت لتلقى ما فى القرآن من هدايات وإرشادات . إنه شفاء للنفوس من الأمراض القلبية كالحسد والطمع والانحراف عن طريق الحق , وشفاء لها من الأمراض الجسمانية. قال لقرطى عند تفسير لهذه الآية: اختلف العلماء فى كونة - أى القرآن .. شفاء على قولين : أحدهما : أنه شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها وإزالة الريب، ولكشف غطاء القلب من مرض الجهل . الثاني: أنه شفاء من الأمراض الظاهرة بالرقى والتعوذ ونحوه وقدروى الأئمة - واللفظ للدار قطنى - عن أبى سعيد الخدرى قال: بعثنارسول الله -صلى الله عليه وسلم. فى سرية ثلاثين راكب قال : فنزلنا على قوم من العرب فسألناهم أن يضيفونا فأبوا . قال : فلدغ سيد الحى ، فأقوفا فقالوا: أفيكم أحد يرقى من العقرب؟ قال: قلت أنا نعم، ولكن لا أفعل حتى تعطونا فقالوا: فإنا نعطيكم ثلاثين شاة ، قال: فقرأت عليه ((الحمد لله رب العالمين، سبع مرات فيراً. فبعثوا إلينا بالنزل وبعثوا الينا بالشاء . فأكلنا الطعام أنا وأصحابى، وأبوا أن يأكلوا من الغنم ، حتى أنينا رسول الله صلى الله عليه وسلم - فأخبرته الخبر، فقال ((ما يدريك أنها رقية، ؟ قلت: يارسول الله، شىء أبقى فى روعى. قال: , كلوا وأطعمونا من الغنم)) (١) والذى تطمئن إليه النفس أن قراءة القرآن الكريم، والعمل بما فيه من هدايات وإرشادات وتشريعات ... كل ذلك يؤدى - بإذن الله تعالى - إلى الشفاء من أمراض القلوب ومن أمراض الأجسام. قال بعض العلماء: وقوله - تعالى - فى هذه الآية ((ما هو شفاء)) يشمل كونه شفاء للقلب من أمراضه، كالشك والنفاق وغير ذلك . وكونه شفاء (١) تفسير القرطبى - ١٠ ص ٣٠٦٦ - ١٨٧ - للأجسام إذا رقى عليها به ، كما تدل له قصة الذى رقى الرجل اللديغ بالفاتحة ، وهى صحيحة مشهورة ، (١) وبعد أن بين - سبحانه - أثر القرآنبالنسبة للمؤمنين ، أتبع ذلك بيان أثره بالنسبة للظالمين، فقال: ((ولا يزيد الظالمين إلا خارا، أى: ولا يزيد مافنزله من قرآن الظالمين إلاخارا وهلا كا، بسبب عنادهم وجحوهم للحق بعد إذ تبين . قال الألوسى: وإسناد الزيادة المذكورة إلى القرآن. من أنهم المزدادون فى ذلك لسوء صنيعهم ، باعتباره سببا لذلك، وفيه تعجيب من أمردون حيث كونه مداراً للشفاء والشقاء. كماء صار فى الأصداف درا وفى ثغر الأفاعى صار سما (٢) وشبيه بهذه الآية قوله تعالى -، وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول يقول أيكم زادته هذه إيمان، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون. وأما الذين فى قلوبهم مرض فزادتهم رجا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (٣) وقوله - تعالى - ((قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء، والذين لا يؤمنون فى آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد، (٤) ثم صور - سبحانه - حال الإنسان عند اليسر والعسر، وعند الرخاء والشدة فقال - تعالى -: ((وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه، وإذا مسه الشر كان يشوسا ) (١) أضواء البيان - ٣ - ٦٢٤ المرحوم الشيخ محمد الأمين الشنقيطى. (٢) تفسير الآلوسى = ١٥ ص ١٤٦ (٣) سورة التوبة ١٢٤، ١٢٥ (٤) سورة فصلت الآية ٤٤ - ١٨٨ - أى: (وإذا أنعمنا على الإنان، بنعمة الصحة والغنى وما يشبههما مما يسره ويبهجه « أعرض عن طاعتنا وشكرنا ((ونأى بجانبه، أى: وإبتعد عنا، وولانا ظهره والنأى : البعد، يقال : مكان ذاء ، أى بعيد، ونأى فلان عن الشىء نايا وإذا إبتعد عنه. وقوله - تعالى:« نأى بجانبه، تأكيد الإعراض، لأن الإعراض عن الشىء أن يوليه عرض وجهه، والنأى بالجانب : أن يلوى عنه عطفه، ويوليه ظهره، ويظهر الإستكبار والغرور. وقوله - تعالى -: ((وإذا مسه الشركان يئوسا، أى: وإذا مس الشر هذا الإنسان من فقر أو مرض، كان ينوسا وقنوطا من رحمة الله - تعالى - فهو فى حالة الصحة والغنى يبطر ويتكبر ويطغى. وفى حالة الفقر والمرض بيتس ويقنط ويستولى عليه الحزن والهم. والمراد بالإنسان هنا جنسه، إذ ليس جميع الناس على هذه الحالة، وإنما منهم المؤمنون الصادقون الذين يشكرون الله - تعالى - على نعمه، ويذكرونه ويطيعونه فى السراء والضراء. قال - تعالى -: ولئن أذقنا الإنسان منا فعمة ثم نزعناها منه إنه ليشوس كفور. وامن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عنى إنه لفرح بخور . إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير ،(١). فأنت ترى أن الله - تعالى - قد استثنى الذين صبروا وعملوا الصالحات. من رذيلة الجحود عند اليسر ، واليأس عند العسر. قال الألوسى ما ملخصه: والمراد بالإنسان فى قوله - تعالى - ، وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ... ، جنسه، إذ يكفى فى صحة الحكم (١) سورة هود الآيات من ٩ - ٠١١ - ١٨١ - وجوده فى بعض الأفراد ، ولا يضر وجود نقيض فى البعض الآخر ، وقيل: المراد به الوليد بن المغيرة)،. وفى إسناد المساس إلى الشر بعد إسناد الإمام إلى ضميره - تعالى-، إيذان بأن الخير مراد بالذات ، والشر ليس كذلك لأن ذلك هو الذى يقتضيه الكرم المطلق، والرحمة الواسعة، وإلى ذلك الإشارة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((اللهم إن الخير بيديك والشر ليس إليك)، (١). وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسبه الشر فيوس قنوط)،(٢) . وقوله - سبحانه -: « وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوابها، وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون،(٣). ثم بين - سبحانه - أنه لا يخفى عليه شيء من أحوال الناس وأعمالهم فقال: ((قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا)). والتنوين فى قوله ((كل) عوض عن المضاف إليه. أى: كل فرد. وقوله: (( شاكلته)): أى: طريقته ومذهبه الذى يشاكل ويناسب حاله فى الهداية أو الضلالة . مأخوذ من قولهم : طريق ذو شواكل، وهى الطرق التى تتشعب منه وتتشابه معه فى الشكل ، فسميت عادة المرء بها ، لأنها تشاكل حاله . قال القرطبى قوله ((قل كل يعمل على شاكلته)) قال ابن عباس: على ناحيته. وقال مجاهد : على طبيعته . وقال قتادة: فيته . وقال ابن زيد: على دينه . وقال الفراء: على طريقته ومذهبه الذى جبل عليه ... (١) تفسير الآلوسى < ١٥ ص ١٤٧، (٢) سورة فصلت الآية ٤٩. (٢) سورة الروم الآية ٣٦. - ١٩٠ - وقبل: هو مأخوذمن الشكل. يقال: است على شكلى ولاشا كلى. فالشكل: هو المثل والنظير، كقوله - تعالى -: ((وآخر من شكله أزواج)). و"شكل - بكر الشين - الهيئة. يقال: جاءية حسنة الشكل. أى الهيئة. وهذه الأقوال كلها متقاربة، (١). والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - للناس: كل واحد منكم - أيها الناس- يعمل على شاكلته وطريقته التى تشاكل حاله ، وتناسب اتجاهه، وقتلاءم مع سلوكه وعقيدته، فربكم الذي خلقكم وتعهدكم بالرعاية ، أعلم بمن هو أهدى سبيلا، وأقرم طريقا، وسيجازى - سبحانه - الذين أساءوا بما عملوا ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى . فالآية الكريمة تبشر أصحاب النفوس الطاهرة والأعمال الصالحة، بالعاقبة الحميدة، وتهدد المنحرفين عن طريق الحق , المتبعين لخطوات الشيطان، بسوء المصير، لأن الله - تعالى - لا تخفى عليه خافية، وسجازى كل إنسان بما يستحقه (( فمن يعمل مثقال ذرة خيرايره. ومن يعمل مثقال ذرة شرايره)). ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك جانبا من الأسئلة التى كانت توجه إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، كما ذكر الإجابة عليها لكى بجابه النبي - صلى الله عليه وسلم - بها السائلين، فقال - تعالى -: (( ويَشْلُونَكَ عن الروحِ قُلِ الروحُ من أمْرِ رَبِى، وما أُوتِيتُم من العِلْم إلاَّ قليلاً (٨٥) ولثْن شِئْنَ لنَّذْهَبَنَّ بالذِى أَوْحَيْنَاَ إليكَ، ثمَّ لا ◌َتَجِدُ لكَ بِهِ عَلَيْنَاَ وكيلاً (٨٦) إلاَّ رحمةً من ربِّكَ إن فضلَهُ كانَ عليكَ كبيراً (٨٧) قُلْ لَِّ اجتمعَتِ الإنسُ والجِنُّ على أنْ يَأْتُوا بمثلِ هذا القرآنِ لا يَأْتُونَ بمثله، ولو كانَ بَعْضُهم لبَعْضٍ ظهِيراً (٨٨) ولقدْ (١) تفسير القرطبى حـ ١٠ ص ٠٣٢٢ - ١٩١ - صرَّفْناً للناسِ فى هذَا القرآنِ من كلِّ مثَلٍ ، فَأَبَى أَ كثرُ الناسِ إلا كفُوراً (٨٩). ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى -: (ويسألونك عن الروح» روايات منها: ما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن مسعود قال: بينا أنا أمشى مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فى حرث وهو متوكى. على عسيب - أى على عصا - إذمر اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقالوا: يا محمد ما الروح؟ فأمسك الغبى - صلى الله عليه وسلم - فلم يرد عليهم شيئا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقدمى، فلما نزل الوحى قال: «ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى ... .. قال الإمام ابن كثير بعد أن ذكر هذه الرواية وغيرها : وهذا السياق يقتضى فيما يظهر بادى الرأى، أن هذه الآية مدنية ، وأنها نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة ، مع أن السورة كلها مكية . وقد يجاب عن هذا بأنه قد تكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية، كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك . أو أنه نزل عليه الوحى بأنه يجيبهم عما سألوه بالآية المتقدم إنزالها عليه، وهى هذه الآية :. ويسألونك عن الروح ... )). ومما يدل على نزول هذه الآية بمكة ما أخرجه الإمام أحمد عن ابن عباس قال: قلت قريش ليهود. أعطوناشيئا نسأل عنه هذا الرجل ؟ فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت: ويسألونك عن الروح ... الآية)(١). وكلمة الروح تطلق فى القرآن الكريم على أمور منها : (١) تفسير ابن كثير ج ٣ ص ٦٠ - ١٩٢ -- الوحى، كما فى قوله - تعالى -: « يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده ... )،(١) . ومنها : القوة والثبات كما فى قوله - تعالى -: « أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ... ))(٢) . ومنها: جبريل، كما فى قوله - تعالى -: ((نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين ... ،(٣). ومنها: القرآن كما فى قوله - سبحانه -: « وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ... ، (٤). ومنها: عيسى ابن مريم، كما فى قوله - تعالى -: ((إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ... )،(٥). وجمهور العلماء على أن المراد بالروح فى قوله - تعالى - : ((ويسألونك عن الروح ... ): ما يحيا به بدن الإنسان ، وبه تكون حياته ، وبمفارقته للجسد يموت الإنسان، وأن السؤال إنما هو عن حقيقة الروح، إذ معرفة حقيقة الشىء. تسبق معرفة أحواله. وقيل المراد بالروح هنا: القرآن الكريم ، وقيل : جبريل، وقيل: عيسى إلى غير ذلك من الأقوال التى أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرة أقوال. ويبدو لنا أن ماذهب إليه جمهور المفسرين ، أولى بالاتباع، لأن قوله - تعالى - بعد ذلك: ((قل الروح من أمرربى)) يؤيد هذا الاتجاه. قال الألوسى: الظاهر عند المنصف ، أن السؤال كان عن حقيقة الروح الذى هو مدار البدن الإنسانى، ومبدأ حياته، لأن ذلك من أدق الأمور التى (١) سورة غافر الآية ١٥ (٢) سورة الشعراء الآية ١٩٢، ١٩٤ (٤) سورة الشورى الآية ٥٢ (٢) سورة المجادلة الآية ٢٢ (٥) سورة النساء الآية ١٧١ - ١٩٣ - لا يسع أحدا إنكارها، ويشرئب الجميع إلى معرفتها، وتتوفر دواعى العقلاء إليها، وتسكل الأذهان عنها، ولاتكاد تعلم إلا بوحى ... ))(١). و((من، فى قوله: ((قل الروح من أمر ربى، بيانية. والمراد بالأمر هنا. الشأن . والمعنى: ويسألك بعض الناس - أيها الرسول - عن حقيقة الروح، قل لهم على سبيل الإرشاد والزجر: الروح شىء من جنس الأشياء التى استأثر الله - تعالى - وحده بعلم حقيقتها وجوهرها . وقال - سبحانه - ((قل الروح)) بالإظهار، لكمال العناية بشأن المسئول عنه . وإضافة كلمة « أمر، إلى لفظ الرب - عز وجل - ، من باب الاختصاص العلمى، إذ الرب وحده هو العليم بشأنها، وليس من باب الاختصاص الوجودى، لأن الروح وغيرها من مخلوقات الله - تعالى -. وفى هذه الإضافة ما فيها من تشريف المضاف، حيث أضيف هذا الأمر إلى الله - تعالى - وحده . قال القرطبى: وقوله - تعالى -، قل الروح من أمر ربى، دليل على خلق الروح، أى: هو أمر عظيم، وشأن كبير من أمر الله - تعالى-، مبهما له وتاركا تفصيله، ليعرف الإنسان على القطع عجزه عن علم حقيقة نفسه مع العلم بوجودها. وإذا كان الإنسان فى معرفة نفسه هكذا، كان عجزه عن إدراك حقيقة الحق أولى. وحكمة ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له ، دلاله على أنه عن إدراك خالقه أعجز ،(٢)، (١) تفسير الآلوسي ج ١٥ ص ١٥١ (٢) تفسير القرطبي ج ١٠ ص ٣٢٤ (١٣ - سورة الإسراء) - ١٩٤ - وقوله: (( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا، من جملة الجواب الذى أمر أنه - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد به على السائلين عن حقيقه الروح . أى: وما أوتيتم - أيها السائلون عن الروح - من العلم إلا علما قليلا، بالنسبة إلى علمه - تعالى - الذى وسع كل شىء، ولا يخفى عليه شيء. وإن علكم مهما كثر فإنه لا يمكنه أن يتعلق بحقيقة الروح وأحوالها، لآن ذاك شیء استأمر الله - تعالی - به وحده، واقتضت حكمته-عز وجل- أن يجعله فوق مستوى عقولكم . قال صاحب الظلال عند تفسيره لهذه الآية: والمنهج الذى سار عليه القرآن - وهو المنهج الأقوم - أن يجيب الناس عماهم فى حاجة إليه، وما يستطيع إدراكهم البشرى بلوغه ومعرفته، فلا يبدد الطاقة العقلية التى وهبها الله لهم فيما لا ينتج ولا يشعر ، وفى غير مجالها الذى تملك وسائله، وبعضهم عندما سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الروح، أمره الله أن يجيبهم بأن الروح من أمره - سبحانه ..... وليس فى هذا حجر على العقل البشرى أن يعمل ، ولكن فيه قوجيها لهذا العقل أن يعمل فى حدوده ، وفى مجاله الذى يدركه . والروح غيب الله لايدركه سواء ... ولقد أبدع الإنسان فى هذه الأرض ما أبدع، ولكنه وقف حسيرا أمام ذلك السر اللطيف - الروح ، لايدرى ماهو ؟ ولاكيف جاء ؟ ولاكيف يذهب ؟ ولا أين كان ولا أين يكون ، إلا ما يخبر به العليم الخبير فى التنزيل ، (١). وقال بعض العلماء: وفى هذه الآية مايزجر الخائضين فى شأن الروح ، المتكلفين لبيان ماهيته، وإيضاح حقيقته، أبلغ زجر، ويردعهم أعظم ردع، ١١) فى ظلال القرآن ــ ١٥ ص٣٥٧. للاستاذ سيد قطب - رحمه الله -. - ١٩٥ - وقد أطالوا المقال فى هذا البحث، بمالا يتسع له المقام، وغالبه بل كله من الفضول الذى لا يأتى بنفع فى دين أو دنيا ... فقد استأثر الله - تعالى - بعلم الروح، ولم يطلع عليه أنبياءه، ولم يأذن لهم بالسؤال عنه، ولا البحث عن حقيقته، فضلا عن أمهم المقتدين بهم ... ، (١) ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر قدرته ، بعد أن بين أن الروح من أمره، فقال - تعالى -: «ولمن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا ». رائلام فى قوله((ولئن شئنا ... )، موطئه لقم محذوف، جوابه ((لنذهبن)). أى: والله لئن شئنا لنذهبن هذا القرآن الذى أو حيناه إليك _ أيها الرسول الكريم -، بحيث نزيله من صدرك، ومن صدور أتباعك، ونمحوه من الصحف حتى لا يبقى له أثر إذ أن قدرتنا لايعجزها، ولا يحول دون تنفيذ ما تريده حائل .. ثم لا تجد لك بعد ذلك من يكون وكيلاعنا. فى رد القرآن إليك بعدذها به ومحوه ، ومن يتعهد بإعادته بعد رفعه وإزالته . قال الآلوسى: وعبر عن القرآن بالموصول فى قوله , بالذى أوحينا إليك،، تفخما لشأنه، ووصفا له بما فى حيز الصلة ابتداء، إعلاما بحاله من أول الأمر ، وبأنه ليس من قبيل كلام المخلوق .. ،(٢) وقوله: ((إلا رحمة من ربك)) استثناء واستدراك على قوله: ((لنذهبن بالذى أوحينا إليك .. ، أى: والله إن شتنا إذهاب القرآن من صدرك لأذهبناه، دون أن تجد أحدا يرده عليك، لكننا لمنها ذلك بل أبقيناه فى صدرك رحمة من ربك. (١) تفسير فتح البيان الشيخ صديق حسن خان. جـ ٥ ص ٠٤٠١ ٢٠) تفسير الألوسى ج ١٥ ص ٦٤. ٠=١٩٦ - قال الجمل: وفى هذا الاستثناء قولان: أحدهما: أنه استثناء متصل: لأن الرحمة تندرج فى قوله « وكيلا،. أى: إلا رحمة منا فإنها إن فالتك فلعها تسترده عليك والثانى: أنه منقطع، فيتقدر بلكن أوبيل، و((من ربك ، يجوز أن يتعلق بمحذوف صفة لرحمه . أى لكن رحمة ربك تر كته عير مذهوب به - )،(١) . وقوله« إن فضله كان عليك كبيراً)» بيان لما امتن الله به على نبيه - صلى الله عليه وسلم -. أى: إن فضله كان عليك كبيرا، حيث أنزل القرآن عليك، وأبقاه فى فى صدرك دون أن يزيله منه ، وجعلك سيد ولد آدم، وخاتم رسله ، وأعطاك المقام المحمود يوم القيامة . قال صاحب الكشاف: وهذا امتنان عظيم من الله - تعالى - ببقاء القرآن محفوظا، بعد المنة العظيمة فى تنزيله وتحفيظه. فعلى كل ذى علم أن لا يغفل عن هانين المنتين والقيام بشكرهما . وهمامنة الله عليه بحفظه العلم، ورسوخه. فى صدره، ومنته عليه فى بقاء المحفوظ)،(٢). ثم أمر الله - تعالى - فبيه أن يتحدى المشركين بهذا القرآن فقال - تعالى -: ((قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، . أى: قل - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين الذين قالوا - كما حكى الله عنهم ــ ((لو نشاء لقلنا مثل هذا))، قل لهم على سبيل التحدى والتعجيز: والله لئن اجتمعت الإنس والجن، واتفقوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، الذى أنزله الله - تعالى - من عنده على قلبى ... لا يستطيعون ذلك. ولو كان بعضهم. لبعض مظاهرا ومعينا ومناصرا، فى تحقيق ما يتمنونه من الإتيان بمثله . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٦٤٦. (٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٠٦٩١ - ١٩٧ =- وخص ـ سبحانه ـ((الإنس والجن، بالذكر، لأن المنكر كون القرآن من عند الله، من جنسهما لامن جنس غيرهما كالملائكة - مثلا -، فإنهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون مايؤمرون، ولأن التحدى إنما هو هو للافس والجن الذين أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم ، هدايتهم إلى الصراط المستقيم . وقال - سبحانه -: ((لا يأتون بمثله)) فأظهر فى مقام الإضمار، ولم يكتف بأن يقول : لا يأتون به ، لدفع توهم أن يتبادر إلى الذهن أن له مثلا معينا ، وللاشعار بأن المقصود ففى المثل على أى صفة كانت هذه المثلية، سواء أ كانت فى بلاغته ، أم فى حسن نظمه، أم فى إخباره عن المغيبات ، أم فى غير ذلك من وجوه إنجازه . وقوله: ((ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا)) معطوف على مقدر، أى : لا يستطيعون الإتيان بمثله لولم يكن بعضهم ظهيرا ونصيرا لبعض، ولو كان بعضهم ظهيرا ونصيرا لبعض لما استطاعوا أيضا . والمقصود أنهم لا يستطيعون الإتيان بمثله على أية حال من الأحوال ؛ وبأية صورة من الصور ، لأنه متى افتفى إتيانهم بمثله مع المظاهرة والمعاونة، انتفى من باب الأولى الإتيان بمثله مع عدمهما. وقوله: ((لبعض، متعلق بقوله (( ظهيرا ). ولقد بين - سبحانه - فى آيات أخرى أنهم لن يستطيعوا الإتيان بعشر سور من مثله ، بل بسورة واحدة من مثله . قال - تعالى -: ((أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين،(١). (١) سورة هود الآية ١٣. - ١٩٨ - وقال - سبحانه -: ((وإن كنتم في ريب مانزلنا على عبد فأتوا بسورة من مثله، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين)) (١). ومع عجز المشركين عن الإتيان بسورة من مثل القرآن الكريم، إلا أنهم استمروا فى «غیاتهم يعدون، وأبوا التذكر والتدبر، ولقد مور -سبحانه - . أحو الهم أكمل تصوير فقال: ((ولقد صرفنا فى هذا القرآن من كل مثل،فأبى. أكثر الناس إلا كفورا). أى: ولقد صرفنا وكررنا وفوعنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل ، أى: من كل معنى بديع، هو كالمثل فى بلاغته، وإقناعه للنفوس، وشرحه الصدور ، واشتماله على الفوائد الجمة ... ومفعول: ((صرفنا، محذوف، والتقدير: ولقد صرفنا الهدايات والعبر بوجوه متعددة .. وقوله - تعالى -: ((فأبى أكثر الناس إلا كفورا، بيان لموقف الفاسقين عن أمر ربهم من هدايات القرآن الكريم وتوجيهاته، وأوامره ونواهيه. أى: فأبى أكثر الناس الاستجابة لهديه، وامتنعوا عن الإيمان بأنه من عند الله - تعالى -، وجحدوآ ياته وإرشاداته، وعموا وصموا عن الحق الذى جاءهم به من نزل عليه القرآن، وهو رسوله الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال - سبحانه -: ((فأنى أكثر الناس ، بالإظهار فى مقام الإضمار ، للتأكيد والتوضيح . والمراد بأكثر الناس: أولئك الذين بلغهم القرآن الكريم، واستمعوا إلى آياته وتوجيهاته وتشريعاته وآدابه، ولكنهم أستحبوا الكفر على الإيمان ، وآثروا الضلالة على الهداية . (١) سورة البقرة الآية ٠٢٣ - ١٩٩ - وعبر - سبحانه - بالأكثر، إنصافا للقلة المؤمنة التى فتحت صدورها للقرآن ، فآمنت به ، وعملت بما فيه من أوامر وقواه ... قال الجمل: فإن قيل: كيف جاز قوله ((فأبى أكثر الناس إلا كفورا) حيث وقع الاستثناء المفرغ فى الإثبات ، مع أنه لا يصح، إذ لا يصح أن تقول: ضربت إلا زبدا . فالجواب: أن لفظة « أبى، تفيد النفى، فكانه قيل: فلم يرضوا إلا كفورا »(١) . وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت مايدل على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وعلمه، وفضله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - وعلى الناس، وعلى أن هذا القرآن من عند الله، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ، . ثم حكى - سبحانه - بعض المطالب المتعفتة التى البها المشركون من النبى - صلى الله عليه وسلم -، فقال - تعالى -: ((وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حتى تفجُر لناَ مِنَ الأرْضِ ينُوغاً (٩٠) أو تكونٌ لكَّ جنةٌ مِنْ نخيلٍ وعنَبٍ فَتُفَجَّرَ الأنهارَ خِلالَها تفجِيراً (٩١) أَوْ تُسقِطَ السَّماءِ كما زَّعمتَ عَلَيْاَ كِسَفَاَ، أَو تَانِىَ باللهِ والملائكةِ قيلاً (٩٢) أو يكونَ لكَ بيتٌ من زُخرفٍ أو تَرْقَى فى السَّماءِ، وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُفِّكَ حتى تُنْزِّلَ علينا كتاباً نقرؤه ، قل سبحانَ ربِّى هل كنتُ إلا بشراً رسولاً (٩٣)). ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات رواية طويلة ملخصها : أن نفرا من زعماء قريش اجتمعوا عند الكعبة، وطلبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءهم، فقالوا له يا محمد: إنا قدبعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا والله (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٦٤٧. ٢٠٠٠ . مافعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخات على قومك !! لقد شتمت الآباء، وعبت الدين . وسفهت الأحلام، وشتمت الآلهة ... فإن كنت جئت بهذا الحديث تطلب مالا، جمعنالك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت تطلب شرفاً فينا، سودفاك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا ... فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مابى شىء ما تقولون، ولكن الله بعثنى إليكم رسولا، وأنزل على كتابا، وأمرنى أن أكون بشيرا ونذرا، فبلغتكم رسالة ربی و نصحت لكم ، فإن تقبلوا منی فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تزدوه على أصبر لأمر الله - تعالى - حتى يحكم بينى وبينكم. فنالوا له يا محمد : فإن كنت صادقاً فيما تقول، فل لنا ربك الذى يعتك، فليسير عنا هذا الجبل الذى قد ضيق علينا، وليبسط لنا بلادنا، ويفجر فيها الأنهار ، ويبعث من معنى من آبائنا ، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل ... وسله أن يبعث معك ملكا يصدقك، وأسأله أن يجعل لنا جنانا وقصورا أو كنوزا من ذهب وفضة . فقال - صلى الله عليه وسلم - ما بعثت بهذا - فقالوا: فأسقط السماء - كمازعمت - علينا كسفا ... وقال أحدهم: لا أومن بك أبدا ، حتى تتخذ الك سلما إلى السماء ترقى فيه ، ونحن ننظر إليك .. فانصرف - صلى الله عليه وسلم - عنهم حزينا، لما رأى من قباءدهم عن الهدى ، فانزل الله عليه هذه الآيات تسلية له ... ))(١) (١) راجع تفسير ابن جرير <١٥ ص ١١٠ وتفسير ابن كثير جـ ٥ص١١٥ وتفسير القرطبي = ١٠ ص ٠٣٢٨