Indexed OCR Text
Pages 161-180
- ١٦ - وقوله - سيجانه -: (( وإذا غشيهم موجه كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين. فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد ((وما يححد بآياتنا إلا كل ختار كفور))(١) ثم بين - سبحانه - أن قدرته لا يعجز ما شىء، لا فى البحر ولا فى البر ولا فى غير هما فقال: « أنا عنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا، ثم لاتجدوا لكم وكيلا، والهمزة فى قوله (( أفأمنتم)) للاستفهام الإنكارى، والفاء عاصفة على محذوف، والتقدير : أنجوتم فأمنتى . وقوله (( يخف، من الخسف وهو انهيار الأرض بالشىء، وتغييبه فى باطنها و((جانب البر، فاحية الأرض، وسماء - سبحانه - جانبا، لأن البحر يمثل جانبا من الأرض ، والبر يمثل جانبا آخر . والخاصب : الريح الشديدة، التى ترمى بالحصباء، وهى الحجارة الصغيرة. يقال. حصب فلان فلانا ، إذا رماه بالحصباء . والمعنى: أنبجو تم من الغرق - أيها الناس - ففرحتم وأمنتم ونسيتم أن الله - تعالى - إذا كان قد أنجاكم (من الغرق، فهو قادر على أن يخسف بكم جانب الأرض ، وقادر كذلك على أن يرسل عليكم ريحا شديدة ترميكم بالحصباء التى تهلككم ؛ ثم لا تجدوا لكم وكيلا تكلون إليه أموركم، ونصيرا ينصركم وبحفظكم من عذاب الله - تعالى -. إن كنتم قد أمنتم عذاب الله بعد نجاتكم من الغرق، فأتم جاهلون، لأن قدرة الله -تعالى - لا يعجزها أن تأخذ كم أخذ عزيز مقتدر سواء أكنتم فى البحر أو فى البر أو فى غير هما ، إذ جميع جوانب هذا الكون فى قبضة الله - تعالى- وتحت سيطرته . قال صاحب الكشاف: فإن قلت فما معنى ذكر الجانب؟ قلت: معناه. أن الجوانب والجهات كلها فى قدرته سواء. وله فى كل جانب برا كان أو بحرا سبب مرصد من أسباب الهلكة، ليس جانب البحر وحده مختصا بذلك، (١) سورة لقمان الآية ٣٣. (١١ - سورة الإسراء) ١١٢٠٠ - بل إن كان العرق فى جانب البحر ، ففى جانب البر ماهو مثله وهو الخسف، لأنه تغييب تحت التراب، كما أن الغرق تغييب تحت الماء فالبر والبحر عنده سيان، يقدر فى البر على نحو ما يقدر علية فى البحر ، فعلى العاقل أن يستوى خوفه من اته فى جميع الجوانب وحيث كان ،(١). ثم ساق - سبحانه - مثالا آخر للدلالة على شمول قدرته، فقال - تعالى -: ((أم أمنتم أن يعيد كم فيه تارة أخرى، فيرسل عليكم قاصفا من الريح، فيغرقكم بما كفرتم، ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا). و((أم) هنا يجوز أن تكون متصلة؛ بمعنى: أى الأمرين حاصل . ويجوز أن تكون منقطعة بمعنى بل. والقاصف ،ن الريح: هو الريح العاتية الشديدة ((التى تقصف وتحطم كل مامرت به من أشجار وغيرها . يقال: قصف فلان الشىء، إذا كسره . والتبيع : فعيل بمعنى فاعل ، وهو المطالب غيره بحق سواء أ كان هذا الحق دينا أو ثأرا أو غيرهما ، مع مداومته على هذا الطلب . والمعنى: بل أ أمنتم - أيها الناس - ((أن يعيدكم، الله - تعالى - «فيه، أى: فى البحر، لسبب من الأسباب التى تحملكم على العودة إليه أخرى , فيرسل عليكم)، - سبحانه - وأنتم فى البحر ((قاصفا من الريح)) العاتية الشديدة التى تحطم سفنكم ,فيغرقكم، بسبب كفركم وجحودكم لنعمه، , ثم لاتجدوا لكم علينا به تبييعا، أى: إننا من السهل علينا أن نفعل معكم ذلك وأكثر منه، ثم لا تجدوا لكم أحدا ينصركم علينا، أويطالبنا بحق لكم علينا، فنحن لانسأل عما تفعل ، وأنتم المسئولون. فالاستفهام هنا - أيضا - للانكار والتوبيخ . (١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٠٦٧٩ - ١٦٣ - وقال - سبحانه - (( أن يعيدكم فيه، ولم يقل أن يعيدكم إليه، للاشعار باستقرارهم فيه، وأنه - تعالى - لا يعجزه أن يفعل ذلك. و التعبير بقوله «قاصفا من الريح، فيه من الترهيب والإنذار ما فيه لأن لفظ القسف يدل بمعناه اللغوى على التحطيم والتكسير. وقال - سبحانه - (( بما كفرتم)) لبيان أن الله - تعالى- ماظلهم بإهلاكهم، وإنماهم الذين عرضوا أنفسهم لذلك بسبب كفرهم وإعراضهم عن طاعته - سبحانه -. والضمير فى (( به، يعود إلى الإهلاك بالإغراق المفهوم من قوله «فيغرقكم بما كفرتم، أى: لا تجدون تبيعا يقيمنا بشاركم بسبب ذلك الإغراق الذى أوقعناء بكم. وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد ساقت ألوانا من نعم الله - تعالى - على الناس ، وحذرتهم من جحود هذه النعم ، حتى لا يتعرضوا لعذاب الله ، الذى قد ينزل بهم وهم فى البحر أو فى البر أو فى غير هما . ثم ذكر - سبحانه - تكريمه لبنى آدم، وتفضيلهم على كثير من مخلوقاته، وأحوالهم فى الآخرة ، فقال - تعالى -: ((ولقد كرَّمْنَاَ بنى آدمَ، وحَلْنَهُم فى البرِّ والبَحْرِ، ورزَقْنَهُم مِنَ الطيباتٍ، وفضَّلْنَهُم على كَثبرٍ مِمِن خَلَقْاَ تفضيلاً (٦٩) يومَ نِدْعُو كلَّ أَنَسٍ بِإِمَمِهِمْ، فَن أُوَبِىَ كتابَهَ بيِهِ، فَأُولِكَ يقرَ ءُونَ كتابَهُمْ، ولا يُظَمُونَ فَتَيلاً (٢٠) ومَنْ كانَ فى هذهِ أعْمَى، فَهُوَ فى الآخِرَةِ أَعْمَى وأضَلُّ بِيلاً (٧١). قال الآلوسي: قوله: ((ولقد كرمنا بني آدم ... ، أى : حملنا هم قاطبة برهم وفاجرهم، ذوى كرم، أى: شرف وممامن جمة لا يحيط بها نطاق الحصر ... ١) (١) تفسير الألوسى « ١٥ ص ٠١١٧ - ١٦٤ - ومن مظاهر تكريم الله - تعالى - لبنى آدم، أنه خلقهم فى أحسن تقويم». كما قال - تعالى -: ((لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم»، وأنه ميزهم بالعقل والنطق والاستعدادات المتعددة، التى جملتهم أهلالحمل الأمانة، كما قال - سبحانه -: «إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان .... (١) وأنه مخر الكثير من مخلوقاته لمنفعتهم ومصلحتهم، قال - تعالى -: الله الذى خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم، وسخر لكم الفلك لتجرى فى البحر بأمره وسخر لكم الأنهار. وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، وسخر لكم الليل والنهار. وآتاكم من كل ماسألتموه وإن تعدوا نعمة الله لاتحصوها، إن الإنسان لظلوم كفار.(٢). وأنه سجل هذا التكريم فى القرآن الكريم، الذى لا يأتيه الباطل من بين. يديه ولامن خلفه ، وكفاهم بذلك شرفا وخرا . وقوله - تعالى . . وحملناهم فى البر والبحر، بيان لنوع من أنواع هذا التكريم. أى : وحملنا هم بقدرتنا ورعايتنا فى البر على الدواب وغير ذلك من وسائل الانتقال كالقطارات والسيارات وغيرها، وحملناهم فى البحر على السفن وعابرات البحار التى تنقلهم من مكان إلى آخر . وقوله: (( ورزقناهم من الطيبات) بيان لنوع آخر من أنواع التكريم. أى : ورزقناهم بفضلنا وإحساننا من طيبات المطاعم والمشارب والملابس ، التى يستلذونها ، ولا يستغنون عنها فى حياتهم . وقوله: (( وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا)» بيان لنوع ثالث من أنواع التكريم، أى: وبسبب هذا التكريم فضلناهم على كثير من مخلوقاتنا التى لا تحصى، تفضيلا عظيما. (١) سورة الأحزاب الآية ٠٧٢ (٢) سورة إبراهيم الآية ٢٢ -٠٢٤ - ١٦٥ - وعلى هذا التفسير يكون التفضيل لونا من ألوان التكريم الذى منحه الله ۔ تعالی ۔ لبنی آدم . وبعضهم يرى أن هناك فرقا بين التكريم والتفضيل ، ومن هذا البعض الإمام الفخر الرازى، فقد قال - رحمه الله - ما ملخصه: لقد قال الله - تعالى - فى أول الآية ((ولقد كرمنا بني آدم)) وقال فى آخرها(وفضلناهم على كثير من خلقنا تفضيلا)). ولابد من الفرق بين هذا التكريم والتفضيل وإلالزم التكرار . والأقرب أن يقال: إنه -تعالى- فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية، مثل : العقل ، والنطق، والصورة الحسنة ... ثم إنه - تعالى - عرضه بواسطة ذلك لاكتساب العقائد الحقه، والأخلاق الفاضلة. فالأول: هو التكريم، والثانى: هو التفضيل))(١). وكأن الفخر الرازى يرى أن التمكريم يرجع إلى الصفات الخلقية التى إمتاز بها بنو آدم ، أما التفضيل فيرجع إلى مااكتسبوه من عقائد سليمة ، وأخلاق قويمة . هذا، وقد أخذ صاحب الكشاف من هذه الجملة وهى قوله - تعالى -: (((وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا)) أن الملائكة أفضل من البشر، لأنهم - أى الملائكة - هم المقصودون بالقليل الذى لم يفضل عليه بنو آدم. قال - رحمة الله -: قوله: ((وفضلناهم على كثير ممن خلقنا ٠٠٠، هو ماسوى الملائكة وحسب بنى آدم تفضيلا، أن ترفع عليهم الملائكة -وهممـ، ومنزلتهم عند الله منزلتهم ... ))(٢) ويرى كثير من المفسرين أن المراد بالتفضيل هنا : تفضيل الحنفس ، ولا يلزم منه تفضیل کل فرد علی کل فرد . (١) تفسير الفخر الرازى = ٥ ص٠٤٢١ (٢) تفسير الكثاف = ٢ ص ٠٦٨١ - ١٦٦ ٠ قال الجمل ما ملخصه: ((وفضلناهم على كثير من خلقنا تفضيلا)) المراد تفضيل جنس البشر على أجناس غيره كالملائكة ، ولا يلزم من تفضيل جنس البشر على جنس الملك تفضيل الأفراد، إذ الملائكة فى جملتهم أفضل من الشر غير الأنبياء، وصلحاء البشر - كالصديق - أفضل من عوام الملائكة، أى: غير الرؤساء منهم، على المعتمد من طريقة التفضيل، (١). والذى تطمئن إليه النفس فى هذه المسألة - والله أعلم - ، : أن الأنييا. - عليهم الصلاة والسلام - أفضل من الملائكة جميعا، لأن الله - تعالى - قد أمر الملائكة بالسجود لآدم الذى جعله خليفة له فى أرضه، دون غيره من الملائكة ... وأن الرسل ،ن الملائكة - کجبريل وإسرافيل وعزرائيل وميكائيل - أفضل من عموم البشر - سوى الأنبياء -، لأن هؤلاء الرسل قد اصطفاه الله - تعالى - واختارهم لوظائف معينة، قال -تعالى - (الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس ». وأن صلحاء البشر - كالعشرة المبشرين بالجنة - أفضل من عامة الملائكة، لأن الملائكة ليست فيهم شهوة تدفعهم إلى مخالفة ما أمر الله به ... أما بنو آدم فقد ركب الله - تعالى - فيهم شهوة داعية إلى إرتكاب المعصية، ومقاومة هذه الشهوات جهاد يؤدى إلى رفع الدرجات ... ومن العلماء الذين بسطوا القول فى هذه المسألة الإمام الفخر الرازى، فظيرجع إليه من شاء(٢) . وقوله - سبحانه -: (( يوم ندعو كل أناس بإمامهم ، شروع فى بيان تفاوت أحوال بنى آدم فى الآخرة ، بعد بيان حالهم فى الدنيا . (١) حاشية الجمل على الجلالين ــ ٢ ص ٠٦٣٨ (٢) تفسير الفخر الرازى - ٥ ص ٠٤٢١ ١٦٧٠٠ - وتفظ « يوم، منصوب بفعل محمدوف، أى: وأذكر يوم ندعو كل أناس بإمامهم. والمراد إمامهم هنا: كتاب أعمالهم. وقد اختار هذا القول الإمام ابن كثير ورجحه فقال: يخبر الله - تعالى- عن يوم القيامة، أنه يحاسب كل أمة بإمامهم، وقد اختلفوا فى ذلك . فقال مجاهد وقتادة أى: بنبيهم: وهذا كقوله - تعالى -: ((ولمكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضى بينهم بالقسط ) ... وقال ابن زيد: بإمامهم أى بكتابهم الذى أنزل على نيهم من التشريع ، وأختاره ابن جرير ... وروى العوفى عن ابن عباس فى قوله: ((يوم ندعو كل أناس بإمامهم)) أى : بكتاب أعمالهم ... وهذا القول هو الأرجح لقوله - تعالى -: «وكل شىء أحصيناه فى إمام مبين، وقال - تعالى -: ( ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين ما فيه)) .. ويحتمل أن المراد بإمامهم: أى كل قوم بمن يأتمون به ، فأهل الإيمان اتتموا بالأنبياء - عليهم السلام -، وأهل الكفر التموا بأمتهم فى الكفر ... وفى الصحيحين: (( لتقبع كل أمة ما كانت تعبد، فيقبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت ... الحديث، ... ثم قال - رحمه الله - ولكن المراد ههنا بالإمام، هو كتاب الأعمال))(١). والمعنى: واذكر - أيها العاقل لتعتبر وتتعظ - يوم ندعو كل أناس من بنى آدم الذين كرمناهم وفضلناهم على كثير من خلقنا، بكتاب أعمالهم الذى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها . ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الذين أخلصوا دينهم الله فقال - تعالى -: ((فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرء ون كتابهم، ولا يظلمون فتيلا)). (١) تفسير ابن كثير ج ٣ ص ٠٥٢ - ١٦٨ - أى: فمن أوتى من بنى آدم يوم القيامة، كتابه بيمينه، بأن ثقلت موازين حسناته على سيئاته، فأولئك السعداء يقرءون كتابهم بسرور وابتهاج، ولا ينقصون من أجورهم قدر فتيل ، وهو الخيط المستطيل فى شق النواة، وبه يضرب المثل فى الشيء القليل و((من) فى قوله (( فمن أوتى)) يجوز أن تكون شرطية، وأن تكون موصولة، ودخلت الفاء فى الخبر وهو ((فأولئك، لشبهه بالشرط . وجاء التعبير فى قوله (( أوتي كتابه بيمينه) بالإفراد, حلا على لفظ من، وجاء التعبير بالجمع فى (( أولئك، حملا على معناها. وفى قوله - سبحانه - ((بيمينه، تشريف وتبشير لصاحب هذا الكتاب الملى. بالإيمان والعمل الصالح وقال - سبحانه -: «فأولئك يقرءون كتابهم، بالإظهار، ولم يقل: يقرءونه، لمزيد العناية بهؤلاء السعداء، ولبيان أن هذا الكتاب تبتهج النفوس بتكرار أسه . ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من أوتي كتابه بشماله فقال: ( ومن كان فى هذه أعمى فهو فى الآخرة أعمى وأضل سبيلا)». والمراد بالعمى هنا: عمى القلب لاعمى العين ، بدليل قوله - تعالى-ب ((فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور)). والمعنى: ومن كان من بنى آدم فى هذه الدنيا أعمى القلب ، مطموس البصيرة ، بسبب إيثاره الكفر على الإيمان، فهو فى الدار الآخرة أشد عمى، وأضل سبيلا منه فى الدنيا، لأنه فى الدنيا كمان فى إمكانه أن يتدارك ما فاته أما فى الآخرة فلا تدارك لما فاته . وعبر - سبحانه - عن الذى أوتى كتابة بشماله بقوله - ((ومن كان فى هذه أعمى ، للإرشاد إلى العلة التى بسببها أصابه الشقاء فى الآخرة، وهى - فقدانه النظر السليم ، وإيثاره الغى على الرشد ، والباطل على الحق .. - ١٦٩ - وما يدل على أن المراد به من أوتي كتابه بشماله، متقابلته لمن أوتي كتابه بيمينه، كما جاء فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى -: فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول: هاؤم اقرء وا كتابيه . إنى ظننت أنى ملاق حسابيه . فهو فى عيشة راضية . فى جنة عالية. قطوفها دانية. كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم فى الأيام الخالية. وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول: ياليتنى لم أوت كتابيه)،(١). وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لبنى آدم من التكريم والتفضيل ما من شأنه أن يحملهم على إخلاص العبادة لخالقهم، وعلى أمتثال أمره، واجتناب نهيه، لكى يكونوا من السعدا. فى دنياهم وآخر تهم . ثم حكى - سبحانه - جانبا من المسالك الخبيثة، التى سلكها المشركون مع النبى - صلى الله عليه وسلم - لزحزحته عن التمسك بدعوته، وكيف أن الله - تعالى - قد عصمه من كيدهم ، فقال - سبحانه -: ((وإنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذى أَوْحَيْناَ إليكَ، لتُفْتَرَى عَلَيْأَ غيرَهُ ، وإذاً لاتَّخِذُ وكَ خليلاً (٧٢) ولوْلاَ أن تَبَّتَكَ ، لقد كِدْتَ تركنُ إليهِمْ شيئاً قليلاً (٧٣) إذاَ لْأَذَقْنَكَ ضِْفَ الحياةِ وضِعْفَ المَاتٍ ثم لا يجدُ لكَ علينا نصِيراً (٧٤) وإنْ كادُوا لِيَسْتَفِزُّونَكَ من الأرضِ ليُخرِجُوكَ منها، وإِذاً لا يِبَثُونَ خِلافَكَ إلاَّ قليلاً (٧٥) سُنََّ مَنْ قَد أَرسَلْنَا قِبَلَكَ مِنْ رُسُلِنا ولا تَجِدُ لِسُفَِّنَ تحويلاً (٧٦)). ذكر المفسرون فى سبب نزول الآية الأولى من هذه الآيات روايات منها ماجاء عن سعيد بن جبير أنه قال: كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يستسلم الحجر الأسود فى طوافه ، فمنعته قريش وقالوا : لا ندعك نستلم حتى قلم بآلهتنا ... فأبى الله - تعالى - ذلك، وأنزل عليه هذه الآية . (١) سورة الحاقة الآيات من ١٩ إلى ٢٧. - ١٧٠ - وروى عطاء عن ابن عباس قال : نزلت فى وفد تقيف، أقوا النبى - صلى الله عليه وسلم - فسألوه شططا: وقالوا: متعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يهدى لها. وحرم وادينا كماحرمت مكة ، حتى تعرف العرب فضلنا عليهم ... فنزلت هذه الآية(١) . و ((إن، فى قوله ((وإن كادوا ليفتنوك ... ، مخففة من الثقيلة، وأسمها ضمير الشأن . و((كاد)) من أفعال المقاربة. و«يفتنونك، من الفتنة، وأصلها الاختبار والامتحان . يقال: فتن الصائغ الذهب، أى: اختبره ليعرف جيده من خبيثه ، ويقال: فتنت الرجل عن رأيه، إذا أزلته عما كان عليه، وهو المراد هنا . والمعنى: وإن شأن هؤلاء المشركين، أنهم قاربوا فى ظنهم الباطل، وزعمهم الكاذب ، أن يخدعوك ويفتنوك - أيها الرسول الكريم - عما أوحينا إليك من هذا القرآن، لكى افترى علينا غيره، وتتقول علينا أقوالا ما أنزل الله بها سلطان . وقوله: ((وإذا لاتخذوك خليلا، بيان لحالهم مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - لو أنه أطاعهم فيما اقتر حوه عليه. قال الجمل ماملخصه: ((وإذا حرف جواب وجزاء يقدر بو الشرطية. وقوله: (( لاتخذوك)) جواب قسم محذوف تقديره: والله لاتخذرك . وهو مستقبل فى المعنى، لأن إذا تقتضى الاستقبال، إذ معناها المجازاة، وهذا كقوله - تعالى - ، ولتن أرسلنا ربحا فر أوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون» أى : ايظلوا، (٢). (١) تفسير القرطبي ج ١٠ ص ٢٩٩ (٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ٢ ص ٦٣٩ - ١٧١ - والمعنى: لو أنك - أيها الرسول الكريم - وافقتهم على مقترحاتهم الفاسدة لأحبوا ذلك منك، واصاروا أصدقاء لك فى مستقبل أيامك. وقد بين ،قرآن الكريم فى كثير من آياته، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أعرض عن مقترحاتهم ورفضها، ولم يلتفت إليها، ومن ذلك قوله - تعالى -: ((: إذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجرن لقاءما أنت بقرآن غير هذا أو بدله، قل مايكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى، إن أقبع إلا ما يوحى إلى، إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم . قل لو شاء الله ما قلوته عليكم ولا أدراكم به، فقد لبنت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون،(١) . ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال (, ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركز إليهم شيئا قليلا)، أى: ولولا تثبيتنا إياك - أيها الرسول الكريم - على ما أنت عليه من الحق والصدق، بأن عصمناك من كيدهم لقاربت أن تميل إليهم ميلا قليلا، بسبب شدة إحتيالهم وخداعهم. قال بعض العلماء: وهذه الآية أوضحت غاية الإيضاح، براءة نبينا صلى الله عليه وسلم - من مقاربة الركون إلى الكفار، فضلا عن نفس الركون لأن ((لولا، حرف إمتناع لوجود، فمقاربة الركون منعتها ، لولا، الامتناعية لوجود التثبيت من الله - تعالى -، لأكرم خلقه - صلى الله عليه وسلم - فاقضح يقينا إنتفاء مقاربة الركون - أى الميل -، فضلا عن الركون نفسه. وهذه الآية تبين ما قبلها ، وأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقارب الركون إليهم مطلقا. لأن قوله: ((لقد كدت تركن اليهم شيئا قليلا)): أى قاربت تركن اليهم، هو عين الممنوع بلولا الإمتناعية)، (٢) (١) سورة يونس الآيتان ١٨،١٥ (٢) تفسير أضواء البيان =٣ ٥ ٣٢١ للشيخ محمد الأمين الشنقيطى. - ٠٠١٧٢ ومما يشهد بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يقارب الركون من مقترحات الكافرين ، قول أبن عباس - رضى الله عنهما: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معصوما، ولكن هذا تعريف الأمة، لثلاير كن أحد منهم إلى المشركين فى شىء من أحكام الله - تعالى - وشرائعه. وعن قتادة أنه قال: لما نزلت هذه الآية، قال النبى - صلى الله عليه وسلم (((اللهم لا تكانى إلى نفسي طرفة عين» ثم بين - سبحانه - ما كان سيترتب على الركون اليهم - على سبيل الفرض من عقاب فقال - تعالى -: ((إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف المات ، ثم لا تجد لك علينا نصيرا ، والضعف : عبارة عن أن يضم إلى شى. مثله . أى: لو قاربت - أيها الرسول الكريم - أن تركن اليهم أقل ركون، أو تميل اليهم أدنى ميل، لأنزلنا بك عذابا مضاعفا فى الدنيا وعذابا مضاعفا فى الآخرة ، ثم لاتجد لك بعد ذلك نصيرا ينصرك علينا، أو ظهيرا يدفع عنك عذابنا، أويحميك منه، كما قال - تعالى -: ((ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذفا منه باليمين . ثم لقطعنا منه الوتين ، والسبب فى تضعيف العذاب ، أن الخطأ يعظم بمقدار عظم صاحبه ، ويصغر بمقدار صغره، ورحم الله القائل : وكبائر الرجل الصغير مغاثر وصغائر الرجل الكبير كبائر والرسول - صلى الله عليه وسلم - هو أعظم الخلق على الإطلاق ، لذا قوعده الله - تعالى - بمضاعفة العذاب، لو ركن إلى المشركين أدنى ركون. وقريب من هذا المعنى قوله - تعالى - يانساء النبى من بأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ، وكان ذلك على الله يسيرا، (١) (١) سورة الأحزاب الآية ٣٠ - ١٧٢ - قال صاحب الكشاف: وفى ذكــ الكيدودة وتقليلها ، مع إتباعها الوعيد الشديد بالعذاب المضاعف فى الدارين، دليل ين على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عظم شأن فاعله وإرتفاع منزلته ، وفيه دليل على أن أدنى مداهنه للغواة ، مضادة للّه وخروج عن ولايته، وسبب موجب لغضبه وفكاله . فعلى المؤمن إذا قلا هذه الآيات أن يجشو عندها ويتدبر ها فهى جديرة بالتدير وبأن يستشعر الناظر فيها الخشبة وإزدياد التصلب فى دين الله،(١) ثم ذكر - سبحانه - مكيدة أخرى من مكايد المشركين ، وهى محاولتهم إخراج النبى - صلى الله عليه وسلم - من بلده، لكى يعكفوا على عسادة آلهتهم الباطلة دون أن ينهاهم عن ذلك أحد، فقال - تعالى -: ((وإن كادوا ليستفرونك من الأرض ليخرجوك منها ... » قال الإمام إبن كثير عند تفسيرة لهذه الآية ما ملخصه : قيل نزلت فى اليهود إذ أشاروا على النبى - صلى الله عليه وسلم .. بسكنى الشام، بلاد الأنبياء وترك سكنى المدينة وهذا القول ضعيف لأن هذه الآية مكية وسكنى المدينة .. كان بعد ذلك . ثم قال : وقيل نزلت فى كفار قريش ، حين هموا بإخراج الرسول - صلى الله عليه وسلم - من بين أظهرهم، فتوعدهم الله - تعالى - بهذه الآية، وأنهم لو أخرجوه لما لبثوا بعدة بمكة الازمنا يسيرا ... (٢). وما ذهب اليه إبن كثير - رحمة الله - من أن الآية مكية، هو الذى تسكن إليه النفس. فيكون المعنى: ((وإن كادوا، أى: كفار مكة , ليستفزونك من الأرض ، أى : ليزعجونك ويحملونك على الخروج من الأرض التى على ترابها ولدت وفيها نشأت ، وهى أرض مكة . (١) تفسير الكشاف حـ ٢ ص ٦٨٥ (٢) تفسير ابن كثير حـ ٣ صـ ٥٣ ٠٠ ١٧٤ - وقوله: ( وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا، بيان لسوء مصيرهم إذا ما أخرجوه - صلى الله عليه وسلم .. من مكة. أى: ولو أنهم استفزوك وأجبروك على الخروج إجبارا، لما لبثوا (( خلافك، أى: بعد خروجك الازمنا قليلا، ثم يصيهم ما يصيبهم من الهلاك والنقم . ومع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم قد خرج من مكة مها جرابارربه إلا أنه - سبحانه .. قد مكن نبيه .. صلى الله عليه وسلم .. وأصحابه من مشر كى مكة فى غزوة بدر ، فقتلوا منهم سبعين، وأسروا نحو ذلك، وكانت المدة بين هجرته - صلى الله عليه وسلم - وبين غزوة بدر تقل عن سنتين. وهكذا حقق الله - تعالى - وعده لنبيه صلى الله عليه وسلم - وأنزل وعيده باعداته . ثم بين - سبحانه - أن نصرة رسله سنة من سننه التى لا تتخلف فقال: (( سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا، ولا تجد لسنتنا تحويلا. ولفظ «سنة)) منصوب على أنه مصدر مؤكد. أى: سن الله ماقصه عليك سنة، وهذه السنة هى أننا لا نترك بدون عقاب أمة أخرجت رسولها من أرضه، وقد فعلنا ذلك مع الأقوام السابقين الذين أخرجوا أنبياءهم من ديارهم ولا تجد - أيها الرسول الكريم - لسنقنا وطريقتنا تحويلا أو تبديلا، ولولا أننا قد منحنا عن قومك عذاب الاستئصال لوجودك فيهم ، لأملكنام بسبب إيذائهم لك، وتطاولهم عليك. قال - تعالى -: ((وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم ... » وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكمت لنا جانبا من المسالك الخبيثة التى إتبعها المشركون مع النبى - صلى الله عليه وسلم - كما حكت لنا ألوانا من فضل امه - تعالی - علی نبیه - صلی الله علیه وسلم ، حیث عصمه،ن أیر کون الیهم ووعده بالنصر عليهم. - ١٧٥ - ثم أرشد الله- تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - إلى ما يعينه على التغلب على كيد المشركين ، وإلى ما يزيده رفعة فى الدرجة ، وبشره بأن ما معه من حق، سيزهق ما مع أعدائه من با ل فقالى - تعالى. ((أَفِمِ الصَّلاةَ لِدُأُوكِ الشّمسِ إلى غسَقِ الليلِ، وقُرْآنَ الفجرِ، إِنَّ قرآنَ الفجرِ كانَ مَشْهوداً (٧٨) ومن الليلِ فَتَهِجَّدْ بهِ نافِلةً لكَ، عسَى أن يَبْعَثَكَ ربُّكَ مَقامً محموداً (٧٩) وقُلْ ربَّ أَدْخِلْنِى مُدْخَل صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي من لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيراً (٨٠) وقَلْ جاء الحقُّ وزهقَ الباطِلُ، إنَّ الباطلَ كانَ زهوقاً (٨١))). قال الإمام الرازى ما ملخصه: وفى نظم هذه الآيات مع ما قبلها وجوه الأول: أنه - تعالى - لما قرر الإلهيات والمعاد والنبوات، أردفها بذكر الأمر بالطاعات . وأشرف الطاعات . بعد الإيمان الصلاة ؛ فلهذا أمر بها. الثانى: أنه - تعالى - لما قال: ((وإن كادوا لمتفرونك من الأرض ليخرجوك منها.)) أمره - تعالى .. بالإقبال على عبادته لكى ينصره عليهم .. كما قال .. تعالى ... ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون. فسبح بحمدربك وكن من الساجدين . واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ... )) (١) وقوله . سبحانه ـ(( أقم الصلاة لدلوك الشمس، أى: داوم .. أيها الرسول الكريم .. على إقامة الصلاة، من وقت زوالها وميلها عن وسط السماء جهة الغرب. يقال: دلمكت الشمس قدلك .. بضم اللام .. إذا مالت وانتقلت من وسط السماء إلى ما يليه. ومادة «دلك، تدل على التحول والانتقال (١) تفسير الفخر الرازى < ٥ ٥ ١٢٧ - ١٧٦ - ولذلك سمى الدلاك بهذا الاسم. لأن يده لاتكاد تستقر على مكان معين من الجسم . وتفسير دلوك الشمس هنا بمعنى ميلها وزوالها عن كبد السماء ، مروى عن جمع من الصحابة والتابعين منهم عمر بن الخطاب ، وابنه عبد اللّه، وأفس ، وابن عباس ، والحسن ، ومجاهد . وقيل المراد بدلوك الشمس هنا غروبها . وقد روى ذلك عن على ، وابن مسعود ، و ابن زيد . قال بعض العلماء: والقول الأول عليه الجمهور، وقالوا الصلاة التى أمر بها ابتداء من هذا الوقت، هى صلاة الظهر ، وقد أيدوا هذا القول بوجودمنها: ماروى عن جابر أنه قال ، طعم عندى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ثم خرجوا حين زالت الشمس، فقال - صلى الله عليه وسلم - هذا حين دلكت الشمس . ومن الوجوه - أيضا - النقل عن أهل اللغه، فقد قالوا: إن الدلوك فى كلام العرب: الزوال ، ولذا قيل للشمس إذا زالت . دالكا(١). وقوله: (( إلى غسق الليل، أى: إلى شدة ظلمته. قال القرطبى: يقال: غسق الليل غسوقا . وأصل الكلمة من السيلان. يقال: غسقت العين إذا سالت تفق. وغسق الجرح عسقانا، أى: سال منه ماء أصفر ... وغسق الليل : اجتماع الليل وظلمته . وقال: أبو عبيدة: الغسق: سواد الليل ... )،(٢). والمراد من الصلاة التى تقام من بعد دلوك الشمس إلى غسق الليل : صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء . (١) تفسير آيات الأحكام ج ٣ ص ٦٠ المرحوم الشيخ محمد على السايس. (٣) تفسير القرطبي جـ ١٠ ص ٠٢٠٤ - ١٧٧ - وقوله - تعالى -: ((وقرآن الفجر، معطوف على مفعول ,رقم، وهو الصلاة . والمراد بقرآن الفجر : صلاة الفجر وسميت قرآنا، لأن القراءة ركن من أركانها ، من تسمية الشىء باسم جزئه، كتسمية الصلاة ركوعا وسجوداً وقنوتا . وقوله «إن قرآن الفجر كان مشهودا، تنويه بشأن صلاة الفجر، وإعلاء من شأنها . أى : داوم - أيها الرسول الكريم - على أداء صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وداوم على صلاة الفجر - أيضا - فإن صلاتها مشهودة من الملائكة ومن الصالحين من عباد الله - عز وجل - . قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: وقد ثبقت السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قواترا من أفعاله وأقواله بتفاصيل هذه الأوقات على ما عليه أهل الإسلام اليوم ، ما تلقوه خلفا عن سلف ، وقرنا بعد قرن . روى البخارى عن أبى هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: فضل صلاة الجمع على صلاة الواحد ، خمس وعشرون درجة ، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار فى صلاة الفجر » . يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: ((وقرآن الفجر إذ قرآن الفجر كان مشهودا .... )(١) . وقال الإمام الفخر الرازى : وفى الآية احتمال, وهو أن يكون المرادمن قوله - تعالى -: ((إن قرآن الفجر كان مشهوداً)، الترغيب فى أن تؤدى هذه الصلاة بالجماعة. ويكون المعنى: إن صلاة الفجر مشهودة بالجماعة الكثيرة)،(٢). (١) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٥٤، (٢) تفسير الفخر الرازى ج ٥ ص ٠٤٢٩ ٠ ١٢ - سورة الإسراء. - ١٧٨ - وقوله - سبحانه - ((ومن الليل ((فتهجد به نافلة لك، إرشاد إلى عبادة أخرى من العبادات تطهر القلب، وتسمو بالنفس إلى مراقى الفلاح ، وتعينها على التغلب على الهموم والآلام . والجار والمجرور ((ومن الليل، متعلق بقوله (( فتهجد، أى. تهجد بالقرآن بعض الليل . أو متعلق بمحذوف تقديره: وقم قومة من الليل فتهجد و (من)) للتبعيض . قال الجمل : والمعروف فى كلام العرب أن الهجود عبارة عن النوم بالليل. يقال: هجد فلان ، إذا نام بالليل . ثم لما رأينا فى عرف الشرع أنه يقال لمن انتبه بالليل من قومه وقام إلى الصلاة أنه متهجد، وجب أن يقال: سمى ذلك مهجدا من حيث أنه ألقى الهجرد. فالتهجد ترك المجود وهو النوم ... ))(١). والضمير فى (( به)) يعود إلى القرآن الكريم، المذكور فى قوله - تعالى - (( وقرآن الفجر))، إلا أنه ذكر فى الآية السابقة بمعنى الصلاة، وذكر منا بمعناه المشهور ، ثفى الكلام ما يسمى فى البلاغة بالاستخدام. والنافلة: الزيادة على الفريضة، والجمع قوافل. يقال : تنفل فلان على أصحابه، إذا أخذ زيادة عنهم . أى: واجعل - أيها الرسول الكريم - جانبا من الليل، تقوم فيه، لتصلى صلاة زائدة على الصلوات الخمس التى فرضها الله - تعالى - عليك وعلى أمتك. قال - تعالى -: يأيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا. أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا . قالوا: وقيام الليل كان واجبا فى حقه -صلى الله عليه وسلم - بصفة خاصة، زيادة على الصلاة المفروضة . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٠٦٤٢ - ١٧٩ - أخرج البيهقى فى سننه عن عائشة أن النبى- صلى الله عليه وسلم - قال: ثلاث هن على فرائض، وهن لمكم سنة: الوتر، والسواك وقيام الليل)). ومن العلماء من يرى أن قيام الليل كان مندوبا فى حقه -صلى الله عليه وسلم- كما هو الشأن فى أمته، ومعنى («نافلة لك، أى: زيادة فى رفع درجاتك، فإن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، أما غيرك فقد شرعنا النافلة تكفيرا لخطاياه . وقوله - عز وجل -: ((عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) بيان لما يترقب على أدائه للصلوات بخشوع وخضوع ، من سمو فى المكافة ، ورفعة فى الدرجة . وكلمة عسى فى كلام العرب تفيد التوقع، أما فى كلام الله - تعالى - فتفيد الوجوب والقطع . قال اجمل : اتفق المفسرون على أن كلمة (( عسی ، من الله - تعالى - تدخل فيما هو قطعى الوقوع، لأن لفظ عسى يفيد الإطماع، ومن أطمع إنسان فى شىء، ثم حرمه، كان عارا عليه واقه - تعالى - أكرم من أن يطمع أحد! ثم لا يعطيه ما أطمعه فيه ، . أى: داوم أيها الرسول الكريم على عبادة الله وطاعته لنبحثك يوم القيامة وتقيمك مقاما محمودا، ومكانا عاليا ، يحمدك فيه الخلائق كلهم . والمراد بالمقام المحمودهنا، هو مقام الشفاعة العظمى يوم القيامة. ليريح الناس من الكرب الشديد ، فى موقف الحساب . وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث فى فى هذا منها: ما أخرجه البخارى عن ابن عمر قال : إن الناس يصيرون يوم القيامة جثاً - جمع جدوة كخطوة وخطا - أى جماعات - كل أمة تقبع نيها يقولون: يا فلان اشفع ، يافلان اشفع، حتى تنتهى الشفاعة إلى محمد - ١٨٠ - - صلى الله عليه وسلم -، فذلك يوم يبعثه الله مقاما محمودا)). وروى الإمام أحمد والترمذى عن أبي بن كعب عن النبى - صلى الله عليه. وسلم - قال: إذا كان يوم القيامة، كنت إمام الأنبياء وخطيهم . وصاحب شفاعتهم غير نفر ». وروى ابن جرير عن أبى هريرة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - سئل عن قوله - تعالى -: «عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا، فقال: ((هو المقام. الذى أشفع لأمتى فيه »(١) . وقال الألوسى: والمراد بذلك المقام، مقام الشفاعة العظمى فى فصل القضاء حيث لا أحد إلا وهو تحت لوائه - صلى الله عليه وسلم -، فقد أخرج البخارى وغيره عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن الشمس لتدفو حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك، استغائوا. بآدم، فيقول: لست بصاحب ذلك، ثم موسى فيقول كذلك، ثم محمد فيشفع. فيقضى الله - تعالى - بين الخلق، فيمشى - صلى الله عليه وسلم - حتى يأخذ. بحلقة باب الجنة ، فيومئذ يبعثه الله - تعالى - مقاما محمودا، بحمده أهل الجمع كلهم ، (١) . ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم- بأن يكثر من اللجوء إليه عن طريق الدعاء، بعد أن أمره بذلك عن طريق المداومة على الصلاة، فقال - تعالى - : وقل رب أدخلنى مدخل صدق ، وأخر جنى مخرج صدق ، واجمل لى من لدنك سلطانا نصيرا». والمدخل والمخرج - بضم الميم فيهما - مصدر ان بمعنى الإدخال والإخراج، فهما كالمجرى والمرسى وإضافتهما إلى الصدق من إضافة الموصوف لصفته . (١) راجع تفسير ابن کثیر ج ٣ ص ٥٥ (٢) راجع تفسير الآلوسي ج ١٥ ص ١٤٠