Indexed OCR Text
Pages 121-140
-- ١٢١ - فيكون المعنى: وإذا قرأت القرآن - أيها الرسول الكريم - جعلنا بينك وبين هؤلاء الكافرين ، حجابا ساترا لك عنهم بحيث لا يرونك، عندما تكون المصلحة فى ذلك . وقد أستشهد أصحاب هذا القول بما أخرجه الحافظ أبو يعلى عن أسماء بنت أبى بكر قالت: لما نزلت سورة ((تبت يد أبي لهب)) جاءت العوراء أم جميل ولها ولولة، وفى يدها فهر - أى حجر - وهى تقول: مذعما أنينا ، وأمره عصينا، ودينه قلينا: ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس، وأبو بكر إلى جنيه . فقال أبو بكر: يارسول الله، لقد أقبلت هذه وأخاى أن تراك، فقال - صلى الله عليه وسلم -: إنها لن ترانى، وقرأ قرآنالإعتصم بة منها، - دها قرأه -: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لايؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ). فجاءت حتى قامت على أبى بكر ، فلم تر النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت: يا أبا بكر ، بلغنى أن صاحبك هجانى: فقال أبو بكر : لاورب هذا البيت ما هجاك . فانصرفت وهى تقول: لقد علمت قريش أنى بنت سيدها)، (١) ومن المفسرين الذين إستظهروا هذا القول، الإمام القرطبى ، فقد قال بعد أن ذكر ماروى عن أسماء بنت أبى بكر - رضى الله عنهما - : وقال سعيد بن جبير: لما نزلت سورة ((قبت يدا أبى لهب وتب)، جاءت أمرأة أبى لهب إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ومعه أبوبكر، فقال أبو بكر لو تنحيت عنها لثلا تسمعك ما يؤذيك فإنها أمرأة بذيه . (١) تفسیر إبن کثیر < ٥ ص ٨٩ - ١٢١ - فقال - صلى الله عليه وسلم -". إنه سيحال بينى وبينها، فلم زه. فقالت لأبى بكر: يا أبا بكر هجانا صاحبك . فقال أبو بكر : والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله . فاقدفعت راجعة. فقال أبو بكر : يا رسول الله، أما رأتك ؟ قال: لا. ما زال ملك بينى وبينها يسترفى حتى ذهبت)، ثم قال القرطبى: وقيل: الحجاب المستور ، طبع الله على قلوبهم حتى لا يفقهوه؛ ولا يدر كرا ما فيه من الحكمة. قال قتادة. وقال الحسن : أى أنهم لإعراضهم عن قراءتك ا، وتخافلهم عنك كمن بينك وبينه حجاب فى عدم رؤيته لك ، حتى كأن على قلوبهم أغطية ... ثم قال: والقول الأول أظهر فى الآية)، (١) ويبدو لنا أن كلا القولين صحيح فى ذاته ، وأن كل واحد منهما يحكى حالات معينة ، ويشهد لذلك ما نقله الجمل فى حاشية على الجلالين عن شيخه فقد قال - رحمه الله -. قوله (( حجا با مستورا)، أى: ساترا لك عنهم فلا يرونك وهذا بالنسبة لبعضهم، كان يحجب بصره عن رؤية النبى - صلى الله عليه وسلم إذا أراد، بمكروه وهو يقرأ القرآن وبعضهم كان يحجب قلبه عن إدراكمعافى القرآن ... وبعضهم كان ينفر عند قراءة القرآن .. (٢) وقوله - تعالى -: ((وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك فى القرآن وحده ولكون على أدبارهم نفورا، يؤكد أن المشركين كانواطوائف متعدده بالنسبه لموقفهم من القرآن الكريم، ومن النبى - صلى الله عليه وسلم - أى: وجعلنا على قلوب هؤلاء الذين يؤمنون بالآخرة ((أكنة أن يفقهوه)). أى: أغطيه تسترها وتمنعها من فقه القرآن الكريم، وفهمه فهما سلميما. (١) تفسير القرطبى = ١٠ ص ٢٦٩ (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٢٦٨ - بتصرف وتلخيص - - ١٢٢ -٠ وجعلنا - أيضا -: ((فى آذانهم وقر!، أى: صمما وثقلا عظيما يمنعهم من سماعه سماعا ينفعهم . وقوله - سبحانه -: ((وإذا ذكرت رياء فى القرآن وحده والكوا على أدبارهم ففوراً، بيان الرذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة. أى: وإذا ذكرت أيها الرسول الكريم - ربك فى القرآن وحده . دون أن تذكر معه آلهتهم المزعومة انفضوامن حولك ورجعوا على أعقابهمنافرين شاردين, كأنهم حر مستنفرة . فرت من قسورة)). وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد صورتا قبائح المشركين المتنوعة أبلغ تصوير ، لتزيد فى فضيحتهم وجهلهم ، ونتجعل المؤمنين يزدادون إيمانا على إيمانهم. ثم ساق - سبحانه - مايدل على كمال علمه. وأنه - تعالى - سيجازى هؤلاء الكافرين بما يستحقون من عقوبات ، فقال- عز وجل - نحن أعلم بما يستمعون به. إذ يستمعون إليك وإذا هم نجوى، إذ يقول الظالمون إن تقبعون إلا رجلا مسحوراً)). والياء فى قوله - سبحانه - ((بما يستمعون)، متعلقة بأعلم، ومفعول ((يستمعون)) محذوف، تقديره، القرآن. قال الآلوسى: قوله: (( نحن أعلم بما يستمعون به، أى: متلبسين به من اللغو والاستخفاف، والاستهزاء بك وبالقرآن. يروى أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقوم عن يمينه رجلا من بنى عبد الدار، وعن يساره رجلان منهم، فيصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار - إذا قرأ القرآن .. وبحوز أن تكون الباء للسببية أو بمعنى اللام. أى : نحن أعلم بما يستمعون بسببه أو لأجله من الهزء، وهم متعلقة بيستمعون ... وأفعل التفضيل فى العلم والجهل يتعدى بالباء،، وفى سوى ذلك يتعدى باللام، فيقال: هو أكمى ٠ ١٢٤ ٠ للفقراء، والمراد من كونه - سبحانه - أعلم بذلك: الوعيد لهم ... (١). وإذ فى قوله« إذ يستمعون إليك وإذهم نجوى، ظرف لأعلم. ولفظ ((نجوى)) مصدر معنى التناجى والمسارة فى الحديث. وقد جعلوا عين النجوى على سبيل المبالغة ، كما فى قولهم : قوم عدل . ويجوز أن يكون جمع نجى، كقتلى جمع قتيل « أى: وإذا هم متناجون فى أمرك . والمعنى: نحن - أيها الرسول الكريم - على علم قام بأحوال المشركين عند استماعهم للقرآن الكريم . حين تتلوه عليهم، وبالطريقة للتى يستمعون إليك. وعلى علم تام بأحوالهم حين يستمعون إليك فرادى، وحين يستمعون إليك ثم يتناجون فيما بينهم بالإثم والعدوان ، والتواصى بمعصيتك . فالجملة الكريمة وعيد شديد للمشر كين على استماعهم المصحوب بالاستهزاء والسخرية من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن القرآن، وتسلية له - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه منهم، وبيان الشمول علم الله - تعالى- لكل أحو الهم الظاهرة والخفية . وقوله - تعالى - (((إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحور!)) بدل من قوله - تعالى - (( وإذهم نجوى)). والمسحور . هو الذى سحر فاختلط عقله ، وزالت عنه الهيئة السوية . أى: ونحن أعلم بهؤلاء الأشقياء - أيضا - عندما يقول بعضهم لبعض: لا تقبعوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - فيما يدعو إليه، فإنكم إن اتبعتموه تكونون قد اتبعتم رجلا مسحورا، أصابة السحر فأخرجه عن وعبه وعقله . (١) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ٠٨٩ - ١٢٥ - وقال - سبحانه - ((إذ يقول الظالمون)) بالإظهار دون الإضمار، التسجيل الظهم عليهم فيما تفوهو به، وأنهم سيستحقون عقوبة الظالم . وقوله - تعالى - (( انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا، تسلية عظيمة - الرسول - صلى الله عليه وسلم، وتثبيت له وللمؤمنين على الطريق الحق الذى هداهم الله - تعالى - إليه . أى: انظر ونأمل - أيها الرسول الكريم - كيف أن هؤلاء المشركين) قد بلغ بهم الجحود والفجور، أنهم مثلوا لك الأمثال ، فوصفوك قارة بأنك مسحور ، وقارة بأنك شاعر . وهم فى وصفهم هذا، قد ضلوا عن الحق ضلالا بعيدا، وصاروا كالجيران الذى التبست عليه الطرق ، فأمسى لا يعرف السبيل الذى يسلكه. هذا، وقد ذكر الإمام ابن كثير رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآيات، ما يدل على أن المشركين كانوا يستمعون إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم- عند قراءته للقرآن ، فقال : قال محمد بن إسحاق فى السيرة: حدثنى محمد بن مسلم بن شهاب الزهرى ، أنه حدث أن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق ... خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلى بالليل فى بيته، فأخذ كل واحد منهم مجلسا يستمع إليه ، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا. حتى إذا تفوقوا . حتى إذا جمستهم الطريق ، فتلا وموا ، وقال بعضهم لبعض : لاتعودوا , فلو رآكم بعض سفها تكم لأوقعتم فى نفسه شيئا، ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة العالية ، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، حتى إذا جمعتهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قال أول مرة ، ثم انصرفوا. - ١٢٦ - حتى إذا كانت الليلة الثالثة، أخذ كل رجل منهم مجلسه. فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، جمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: حتى نتعاهد لا نعود فتعاهدوا على ذلك ثم تفرة، !. فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان ابن حرب فى بيته، فقال: أخبرنى يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال أبو سفيان: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها ، وسمعت أشياء ما عرفت معناها . ولا مایراد بها . فقال الأخفس: وأنا والذى حلفت به.قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل . فدخل عليه بيته فقال: يا أيا الحكم ، ما رأيك فيما سمعت من محمد - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال: ماذا سمعت؟ ! تنازعت وبنو عبد مناف الشرف: أطعموافأطعمنا، وحملوا حملنا، وأعطو او أعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرس رهان قالوا : منا بنى يأتيه الوحى من السماء ، فمتى قدرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه. قال: فقام عنه الأخنس وز كها). ثم حكى - سبحانه - أقوالهم الباطلة ، فى شأن البعث والحساب يوم القيامة ورد عليها بما يزهق باطلهم ، فقال - تعالى -: ((وقالُوا أَئِذَا كُنَّا عظامًا ورفاتً، أئنًّا لمبعوثون خلقاً جديداً (٤٩) قُلْ كُونُوا حجارةً أو حديداً (٥٠) أو خلقً مما يُكْبُرُ فى صُدورِثُ، فسيقولُون من يُصِدُنَاَ، قَلِ الذى فطرنْ أَولَ مرةٍ، فَسَبُنْفِضُون إليكَ (١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٨١ طبعة دار الشعب - القاهرة. ١٢٧٠٠٠ - رءوسَهم ويقولُون متَّ هُوَ، قلْ عسَى أن يكونَ قريباً (٥١) يومَ يَدْعُوكُمْ فتستجيبُونَ بحمدهٍ , وتظنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قليلاً (٥٢))) . قال الإمام الرازى : اعلم أنه - تعلم لما تكلم أولا فى الإلهيات، ثم أتبعه بذكر شبهاتهم فى النبوات ، ذكر فى هذه الآية شبهات القوم فى إنكار المعاد والبعث والقيامة ... ،(١). والرفات: ما تكسر وبلى من كل شىء كالفتات. يقال: رفت فلان الشىء يرفته - بكسر الفاء وضمها -، إذا كسره وجعله يشبه التراب. والاستفهام فى قوله - تعالى -: ((أتذا كنا ... )، وفى قوله (( أتنالمبعوثون .. ، للاستبعاد والإنكار . أى : وقال الكافرون المنكرون لوحدانية الله - تعالى -، ولنبوة النبى - صلى الله علية وسلم -، والبعث والحساب، قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - على سبيل الإنكار والاستبعاد، أئذا كنا يا محمد ، عظاما بالية ، ورفاقا يشبه التراب فى تفتته ودقته ، أثنا لمعادون إلى الحياة مرة أخرى ، بحيث تعود إلينا أرواحنا، وقدب الحياة فينا ثانية ، وفبعث على هيئة خلق جديد ، غير الذى کتا علیه فی الدنیا ؟ وقولهم هذا ، يدل على جهلهم المطبق، بقدرة الله - تعالى - التى لا يعجزها شىء، وكرر - سبحانه - الاستفهام فى الآية الكريمة ، الإشعار بإيفالهم فى الجحود والإنكار . والعامل فى (( إذا ، محذوف، والتقدير: أنبعث أو أنحشر إذا كنا عظاما ورفائا، وقد دل على هذا المحذوف قوله - تعالى - : ((مبعوثون)). وقوله - سبحانه -: ((قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا ما يكبر فى (١) تفسير الفخر الرازى - ٢٠ ص ٠٢٢٤ - ١٢٨ - صدوركم، أمر من الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بالرد عليهم فيما استبعدوه وأذكروه من إعادتهم إلى الحياة بعد موقهم. أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل الرد على استبعادهم، والتحقير من شأنهم، والتعجيز لهم: (( كونوا)) - إن استطعتم - ٠حجاره)) كالتى تعبدونها من دون الله، ((أو حديدا، كالذى تستعملونه فى شئون حياتكم،( أو)) كونوا, خلقا، أى: مخلوقا سوى الجارة والحديد,مما يكبر، أى: يعظم ويستبعد (« فى صدوركم)) المظلمة قبوله للحياه، قل لهم: كوفوا أى شىء من ذلك أو عيره إن استطعتم -، فإن الله - تعالى - لا يعجزه أن يعيدكم إلى الحياة مره أخوى، لكى يحاسبكم على أعمالكم، وبجازيكم عليها بما تستحقون من عقاب . فالمقصود من الجملة الكريمة ، بيان أن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها شىء .. قال الجمل: أجابهم الله - تعالى - بما معناه: تحولوا بعد الموت إلى صفة نزعمون أنها أشد منافاة للحياة، وأبعد عن قبولها، كصفة الحجرية والحديدية ونحوهما . فليس المراد الأمر، بل المراد أنكم لو كنتم كذلك لما أجز ثم الله - تعالى - عن الإعاده))(١). وقوله - تعالى -: ((فسيقولون من يعيدنا)، أى: فسيقولون لك - أيها الرسول الكريم - من يعيدنا إلى الحياه مره أخرى بعد أن تكون حجاره أو حديدا أو غيرهما ؟ وقوله - سبحانه -: ((قل الذى فطركم أول مرة)، رد على جهالاتهم وإنكارهم للبعث والحساب . أى: قل لهم: الله - تعالى - الذى فطركم وخلقكم، أول مرة، على غير (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٢ ص ٦٢٩ - ١٢٩ - مثال سابق ، قادر على أن يعيدكم إلى الحياة مرة أخرى. كما قال - تعالى -: ((وهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه، وله المثل الأعلى فى السموات والأرض وهو العزيز الحكيم)،(١). أم بين - سبحانه ما يكون منهم من استهزاء وسوء أدب عندما يسمعون من الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذه الإجابات السديدة، فقال:» فينغضون إليك ر.وسهم ويقولون متى هو ،. أى: فسيحر كون إليك رءوسهم عندما يسمعون ردك عليهم ، ويقولون على سبيل الاستهزاء والسخرية والتكذيب , متى (وذلك اليوم الذى سنعود فيه إلى الحياة بعد أن نصير عظاما ورفانا . فالجملة الكريمة تصور تصويرا بليغا ماجبلوا عليه من تكذيب بيوم القيامة ومن استهزاء بمن يذكرهم بأحوال ذلك اليوم العصيب . ومن استبعاد لحصوله كما قال - تعالى -: حكاية عنهم فى آية أخرى. ((ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين .. وقوله - تعالى - : ((قل عسى أن يكون قريبا، تذييل قصد به التهديد والوعيد لهم . أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل التأنيب والوعيد: عسى هذا اليوم الذى تستبعدون حصوله، يكون قريبا جدا وقوعه . ولا شك فى أنه قريب، لأن عسى فى كلام الله - تعالى - لما هو محقق الوقوع ، وكل ما هو محقق الوقوع فهو قريب ، ولأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: بعثت أنا والساعة كهاتين - وأشار بالسبابة والوسطى . . ثم بين - سبحانه - أحوالهم عندما يدعون فى هذا اليوم الهائل الشديد فقال: ((يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده ٠ .. ،. (١) سورة الروم الآية ٢٧. (٩ - سورة الإسراء: - ١٣٠ - والظرف (( يوم)) منصوب بفعل مضمر أى: أذكروا يوم يدعوكم ... ، ويجوز أن يكون منصوبا على البدلية من ((قريبا)). والداعى لهم هو « إسرافيل)) - عليه السلام - عندما يأذن الله - تعالى -له بالنفخ فى الصور . كما قال - تعالى - : وففخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله، ثم نفخ فيه أخرى فإذاهم قيام ينظرون))(٤). وكما قال - سبحانه -: فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شىء فكر. خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر . مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر »(٢). وقوله ((بحمده)، حال من ضمير المخاطبين وهم الكفار، والباء للملابسة. أى: اذكروا - أيها المكذبون - يوم يدعوكم الداعى إلى البعث والنشور فتلبون نداءه بسرعة وانقياد ، حال كونهم حامدين الله - تعالى - على كمال قدرته، وناسين ما كنتم تزعمون فى الدنيا من أنه لا بعث ولا حساب ... قال صاحب الكشاف: وقوله (( بحمده)) حال منهم. أى: حامدين،وهى مبالغة فى انقبادهم للبعث، كقولك لمن تأمره بركوب ما يشق عليه فيتأبى ويتمنع، ستركبه وأنت حامد شاكر، يعنى: أنك تحمل عليه وتفسر قسرا، حتى أنك تلين لين المسمح - أى الذليل - الراغب فيه، الحامد عليه. وعن سعيد بن جبير : ينفضون التراب عن رءوسهم ويقولون: سبحانك اللهم وبحمدك،(٣). وقوله « فتستجيبون بمعنى تجيبون، إلا أن الاستجابة تقتضى طلب الموافقة ، فهى أوكد من الإجابة ، وأسرع فى التلبية . (١) سورة الزمر - الآية ٦٨ (٢) سورة القمر . الآيات ٦، ٧، ٨ (٣) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٦٧٢ - ١٣١ - وجملة (( وتظنون إن لبثتم إلا قليلا)) حالية، أى: والحال أنكم تظنون عند بعثكم أنكم مالينتم فى الدنيا أو فى قبور كم إلازمنا قليلا . قال قتاده: إن الدنيا تحقرت فى أعينهم وقلَّت، حين رأوا يوم القيامة، لهول مايرون فقالوا هذه المقالة . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: قال كم لبنتم فى الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين(١). وقوله - تعالى -: ونفخ فى الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون. قالوا ياويلنا من بعثنا من مرقدنا؟ هذا ماوعد الرحمن وصدق المرسلون(١). وقوله تعالى -: كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أوضحاه!(٢). ثم ترك القرآن الكريم أولئك الذين كفروا بالبعث والنشور فى طغيانهم جعمون، ووجه خطابه إلى المؤمنين، آمرا إياهم بأن يقولوا الكلمة الطيبة ، ومبينا لهم ولغيرهم، أن مصائرهم بيد الله - تعالى - وحده، فقال - تعالى -: ((وَقُلْ لعبَدِى يَقُولُوا الَّتِى هِىَ أَحْمَنُ، إنَّ الشيطانَ ازَعُ بِذَهُم إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ للإِنْسَانِ عَدُوَّا مُبِناً (٥٣) رَبْكُمْ أَعَلَمُ بِكُم، إنْ يَتَأْ يَرْتَعَْكُم، وإنْ يَشَأْ يعذَّبِكُم، وما أَرْسَلْنَكَ عليهمْ وكيلاً (٥٤) وربْكَ أَعْلَمُ بَمن فى السمواتِ والْأرْضِ، ولقدْ فَضَّلْنَاَ بَضَ النِّّنّ ◌َى أ) بَعْضٍ، وَآتَيْنَ دَاوَ زبوراً (٥٥) )) . قال القرطى: قوله - تعالى -: ((وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن .. )) الآية (١) سورة المؤمنون الآية ١١٣،١١٣ (٢) سورة يس الآيات ٥٢،٥١ (٣) سورة النازعات الآية ٤٦ - ١٣٢ -- نزلت فى عمر بن الخطاب . وذلك أن رجلا من العرب شتمه ، وسبه عمر وم. بقتله ، فكادت تثير فتنة، فأنزل الله فيه: ((وقل امبادى يقولوا التى هى أحسن). وقيل : نزلت لما قال المسلمون : إيذن لنا يارسول الله فى قتال المشركين، فقد طال إيذاؤهم لنا فقال: (( لم أومر بعد بالقتال،(١). والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لمبادى المؤمنين، أن يقولوا عند محاورتهم لغيرهم ، الكلمة التى هى أحسن ، والعبارة التى هى أرق وألطف . وذلك لأن الكلمة الطيبة ، تزيد فى المودة التى بين المؤمنين، وتكسر حدة العداوة التى بينهم وبين أعدائهم . قال - تعالى -: ولا تستوى الحسنة ولا السيئة، أدفع بالتى هى أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم)) (١). قال الآلوسي: ومقول فعل الأمر محذوف، أى: قل لهم قولوا التى هى أحسن يقولوا ذلك. نجزم بقولوا لأنه جواب الأمر. وإلى هذا ذهب الأخفش. وقال الزجاج: إن قوله ((يقولوا، هو المقول، وجزمه بلام الأمر محذوفة ، أى: قل لهم ليقولوا ... )،(١). وقوله - سبحانه -: (( إن الشيطان ينزغ بينهم، تعليل للأمر السابق. : أى : إن الشيطان يتربص بكم، ويتلمس السقطات التى تقع من أفواهكم، والعثرات التى تنطق بها ألسنتكم، لكى يشيع الشر بينكم، ويبذر بذور السوء والبغضاء فى صفوفكم ، ويهيج أعداءكم عليكم . وينزغ بمعنى يفسد. يقال: نزعه - كنفعه - ينزغه، إذا طعن فيه وأغتابه، (١) راجع تفسير القرطبى ج ١٠ س ٢٧٦ (٢) سورة فصلت الآية ٣٤ (٣) تفسير الألوسى ج ١٥ ص ٩٤ - ١٣٢ - وقوله: « إن الشيطان كان الإنسان عدوا مبينا، تعليل لحرص الشيطان على الإفساد بينهم . أى إن الشيطان حريص على الإفساد بين الناس ، لأنه ظاهر العداوة لهم منذ القدم ولقد حذرنا الله - سبحانه - من الشيطان وكيده فى كثير من آيات القرآن الكريم، ومن ذلك قوله - تعالى -: «إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا، إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، (١). وقوله - تعالى -: (يا بنى آدم لا يفتنكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ايريهما سوءثهما، إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء الذين لا يؤمنون)، (٢). قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: بأمر الله - تبارك وتعالى - عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يأمر عباد الله المؤمنين، أن يقولوا فى مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن ، والكلمة الطيبة ، فإنهم إن لم يفعلوا ذلك نزغ الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال ، ووقع الشر والمخاصمة والمقائلة ، فإنه عدو لآدم وذريته ... وعداوته ظاهرة بينه، ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة ، فإن الشيطان ينزغ فى يده. أى : فربما أصابه بها . روى الإمام أحمد عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال لا يشيرن أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدرى أحدكم، لعل الشيطان أن ينزغ فى يده، فيقع فى حفرة من النار ،(٣). ثم بين - سبحانه - أن مصير جميع الخلائق إليه، وأنه محيط بأحوالهم فقال - ربكم أعلم بكم، إن يدأ يرحمكم، وإن يشأ يعذبكم ... )). (١) سورة فاطر. الآية ٦ (٢) سورة الأعراف . الآية ٢٧ (٣) تفسير ابن كثير ج ٣ ص ٤٥ - ١٣٤ ٠٠ أى: ربكم - أيها الناس - أعلم بكم من أنفسكم، وهو - سبحانه - إن يشأ، بفضله رحمكم، أن يوفقكم اطاعته وتقواه، وإن يشأ بعدله يعذبكم، بسبب معاصيكم وفسوقكم عن أمره، لا يسأل - عز وجل - عما يفعل، , ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين). وقوله - تعالى -: ((وما أرسلناك عليهم وكيلا، بيان الوظيفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أى : وما أرسلناك - أنها الرسول الكريم - إلى الناس، لتكون حفيظا ورقيبا ; وموكولا إليك أمرهم فى إجبارهم وإكراههم على الدخول فى الإسلام، وإنما أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا. وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا . ثم إنتقل - سبحانه - من بیان كال علمه بأحوال الناس، إلی بیان كمال علمه بجميع من فى السموات والأرض؛ فقال - تعالى -: ((وربك أعلم بمن فى السموات والأرض )). أى: وربك - أيها الرسول الكريم - أعلم بأحوال من فى السموات والأرض من إنس وجن وملك، وغير ذلك، ولا يخفى عليه شيء من ظواهرم أو بواطنهم، ولا يعزب من علمه - تعالى - شىء من طاعتهم أو معصيتهم ، ولا يعلم أحد سواه من هو أهل منهم للتشرف بحمل رسالته، وتبليغ وحيه كما قال - تعالى -: ((الله أعلم حيث يجعل رسالته)) وقوله - سبحانه - . ((ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتيناداود زبوا)) بيان لمظهر من مظاهر علمه المطلق، وفضله العميم، وعطائه الواسع والزبور: هو الكتاب الذى أنزله الله - تعالى - على داود - عليه السلام أى: ولقد فضلنا - على علم وحكمة منا - بعض النبيين على بعض، بأن جعلنا منهم من كلم الله، ومنهم من إتخذناه خليلا لنا، ومنهم من آتيناه البينات وأيدناه بروح القدس،ومنهم من آتيناه الزبوروهو داود -عليه السلام- ١٣٥٠٠ - قال الإمام إبن كثير: وقوله - تعالى -: ((ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض)، وقوله - تعالى - ,تلك الرسول فضلنا بعضهم على بعض ... ، لاينافى ماثبت من الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: « لا تفضلوا بين الأنبياء ، فإن المراد من ذلك هو التفضيل بمجرد التشهى والعصبية، لا بمقتضى الدليل ، فإذا دل الدليل على شىء وجب إتباعه، ولا خلاف أن الرسل أفضل عن بقية الأنبياء، وأن أولى العزم منهم أفضلهم ، وهم الخمسة المذكورون فصا فى قوله - تعالى -: وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى إبن مريم ... )) ولا خلاف فى أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - أفضلهم ... ،(9) وإنما خص كتاب داود بالذكر ، لأن اليهود زعموا أنه لا فى بعد موسى، ولا كتاب بعد التوراة، فكذبهم الله - تعالى - فى ذلك، ولأن فى هذا الإيتاء إشارة إلى أن تفضيل داود لم يكن بسبب ما أعطاه الله من ملك، بل بسبب ما أعطاه من كتاب فيه إشارة إلى تفضيل الرسول - صلى الله عليه وسلم- وأمته، قال - تعالى -: ((ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الأرض برثها عبادي الصالحون ، (٢) والمراد بالعباد الصالحين: محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمته. قال صاحب الكشاف: فإن قلت : هلاعرف الزبور، كما عرف فى قوله: (( لقد كتبنا فى الزبور .. ،؟ قلت: يجوز أن يكون الزيود وزبور، كالعباس وعباس ، والفضل وفضل. وبحوز أن يريد: وآتينا داود بعض الزبر- وهى الكتب ، وأن يريد ماذكر فيه - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الزبور، فمى ذلك زبورا: لأنه بعضها كما سمى بعض القرآن قرآنا ، (٣) (١) تفسير ابن كثير جـ ٣ ٠٥ ٤٦ (٢) سورة الأنبياء الآيه ١٠٥ (٣) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٦٧٢ = ١٢٦ - ثم أمر الله - تعالى - فبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يتحدى المشركين، بأن يبين لهم : أن آلهتهم المزعومة لاتملك دفع الضر عنهم ، أو جلب الخير لهم، بل إن هذه الآلهة لتخاف عذاب الله، وترجو رحمته ، فقال - سبحانه -: ((قُل ادْعُوا الذينَ زَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ، فلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّر عَنَكُم ولا تَحوِيلاً (٥٦) أولئِكَ الذينَ يَدْعُونَ بِبْتَغُونَ إلى ربهم الوسيلةَ أيُّهم أقرَبُ، ويرجُونَ رحمته ويخافُونَ عذابَه، إنَّ عذابَ رَبَّكَ كَانَ محذُوراً (٥٧))) . أورد المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها : قال ابن كثير : قال العوفى عن ابن عباس فى قوله: (( قل أدعوا الذين زعتم من دونه ... ». قال : كان أهل الشرك يقولون نعبد الملائكة والمسيح وعزيرا. وروى البخارى وغيره عن ابن مسعود فى قوله: (( أولئك الذين يدعون)) قال : كان فاس من الإنس يعبدون فاسا من الجن ، فأسلم الجن وتمسك هؤلاء - أى الإنس - بدينهم ... فنزلت هذه الآية (١). وقال القرطبى : لما ابتليت قريش بالقحط ، وشكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنزل الله هذه الآية: ((قل أدعوا الذين زعمتم من دوفــه ٫٠٠٠(٢) والمراد بالزعم هنا : الظن الكاذب الذى لا أساس له من الحقيقة والواقع. قال الألوسى ماملخصه: والزعم قريب من الظن، ويقال إنه القول (١) تفسير ابن كثير حـ ٢ ص ٤٦ (٢) تفسير القرطبي ــ ١٠ ص ٧٩ - ١٣٧ - المشكوك فيه، ويستعمل بمعنى الكذب، حتى قال ابن عباس: كل ماورد فى القرآن زعم فهو كذب . وقد يطلق على القول انحقق، والصدق الذى لاشك فيه ... فقد ورد عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: زعم جبريل كذا ..... وهو مما يتعدى إلى مفعولين، وقد حذفا هنا، أى: زعمتموهم آلهة .. والظاهر أن المراد من الموصول - الذين - كل من عبد من دون الله من العقلا.»(١) والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين الذين أشركوا مع القه - تعالى - آلهة أخرى فى العباد :. قل لهم على سبيل الإرشاد والتحدى: هذه الآلهة التى تعبدونها، اطلبوا منها أن تدفع عنكم مانزنى بكم من ضر كمرض أو فقر أو قحط؛ أو أن تحوله منكم إلى غيركم ... فإذا لم تستطع ذلك - وهى بكل تأكيد لا تستطيع وان تستطيع - قاتركوا عبادتها ، وأخلصوا العبادة والطاعة لمن هو على كل شىء قدير ، وهو الله - عز وجل - . وأكتفى - سبحانه - بذكر كشف الضر، لأنه هو الذى تتطلع إليه النفوس عند نزول المصائب، أكثر من تطلعها إلى جلب النفع ، إذ عند نزول الضر ، لا تشتغل الألسنة والقلوب إلا برجاء كشفه . ثم بين - سبحانه - أن كل معبود - سوى الله - عز وجل - يفتقر إلى عونه - سبحانه -، وإلى رجاء الثواب منه، وإلى دفع العذاب عنه، فقال - تعالى .. , أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، ويرجون رحمته ويخافون عذابه ... ، واسم الإشارة (( أولئك)) يعود على المعبودين من دون الله ، وهو مبتدأ ، وخبره . (١) تفسير الآلومى = ١٥ ص ٩٧ : - ١٣٨ - قوله: « يبتغون وما عطف عليه من قوله: ، ويرجون رحمته ويخافون عذابه . . والضمير فى (( يدعون)، يعود إلى المشركين، وفى يبتغون يعود إلى المعبودين و((أيهم)) بدل من واو الفاعل فى يبتغون، و((أقرب)) خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هو أى: يبتغيها الذى هو أقرب، والجملة صلة أى . والوسيلة: ما يتقرب به الإنسان إلى خالقه من الأعمال الصالحة . والمعنى: أولئك المعبودون الذن يزعم المشركون أنهم آلهة. ويسمونهم أربابا، وينادونهم لكشف الضرعنهم، هؤلاء المعبودون( يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ، أى: يتقربون إلى خالقهم وما لك أمرهم بصالح الأعمال، ويبتغى أكثرهم صلاحا وطاعة فقه .. تعالى - الرضا منه - عز وجل - وإذا كان هذا شأن أكثرهم قربا فكيف يكون حال من هو أقل منه ؟ لاشك أنه يكون أشد طلبا لرضا الله - تعالى - وعفوه، وأشد حرصاعلى طاعته وقوله - تعالى - ((ويرجون رحمته ويحافون عذابه)) زيادة بيان لشدة حرص هؤلاء المعبودين على طاعة الله - تعالى - أى: وهم فوق ذلك يرجون رحمة الله - تعالى - وفضله، بأن يحشرهم مع الأبرار، ويخشون عذابه وفقمته ؛ ويتضرعون اليه أن يجنبهم عذاب النار ، وبالرجاء والخشية يحى الصالحون الأخيار، إذ الرجاء يدفع المؤمن إلى الإكثار من العمل الصالح ، والخشية تمنعه من الوقوع فى المعاصى . وقوله - تعالى - : ((إن عذاب ربك كان محذورا، تذبيل قصد به التعليل. لما قبله وهو خوف العذاب . - ١٢٩ - أى: إن عذاب ربك كان جديرا وقينا بأن يحذر، ويحتر! منه كل عاقل. وقدم - سبحانه - الرجاء على الخوف، لأن متعلق أسبق ، ولأنه بجانب الله - تعالى - أظهر، ففي الحديث القدسى:(( إن رحمتى سبقت غضى)). هذا، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: (قل ادعوا الذين زعمتم من دون اللّه، لا يملكون مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض، ومالهم فيهما من شرك، وماله منهم من ظهير، (١). وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد قررنا بأسلوب منطقى بليغ، أن الله - تعالى - هو الخالق لكل شىء، وأنه وحده هو المتصرف فى شئون عباده، وأن كل مخلوق سواه - سبحانه - محتاج إلى عونه وعفوه ورضاه، وأن الذين زعمهم المشركون آلهة كعيسى وعزير والملائكة ... ماهم إلا من عباد الله الذين يبتغون إليه الوسيلة ، ويرجون رحمته ويخافون عذابه. ثم ساق - سبحانه - سنة من سنته التى لا تتخلف ، وبين جانبا من مظاهر فضله على هذه الأمة وفبيها - صلى الله عليه وسلم. فقال - تعالى -: ((وإنْ مِنْ قَرْيَةٍ إلّ نحنُ مُهلِكُوما قبلَ يومِ القيامةِ، أو مُعَذِّبوهاَ عذابً شديداً كانَ ذلكَ فى الكتابِ مسطُوراً (٥٨) وما منَعَنَا أَنْ نُرسِلَ بالآياتِ إلا أن كذَّبَ بها الأولُونَ، وَآتَيْنَ مودَ الناقةَ مُبْصِرَةً فظلَمُوا بها، وما نرسِلُ بالآياتِ إلا تخويفاً (٥٩) وإذاقُلْنَالكَ إنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناسِ، وما جَعَلْنَ الرّؤْيَ التى أَرَيْنَكَ إلاَّ فِئَةً للناسِ والشَّجرة المُونةَ فى القرآنِ ونخوِّفُهم فما يزيدُهُم إلاَّ طُفيانا كبيراً (٦٠)». والمقصود بالقرية فى قوله - تعالى -: (وإن من قرية إلا نحن مهلكوه. (١) سورة سبأ الآية ٢٢. - ١٤٠ - قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا)): قرى الكفار والظالمين ، كماذهب إلى ذلك بعض المفسرين ، فيكون المعنى : وما من قرية من قرى الظالمين. إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة بالموت أو الخراب ، أو معذبوها عذابا شديدا، يستأصل شأفتها ، ويقطع دابرها، كما فعلنا مع قوم نوح وعاد ونمود وغيرهم . ومن المفسرين الذين ساروا على ذلك، الإمام ابن كثير ، فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: هذا إخبار من الله - عز وجل .. ، بأنه قد حتم وقضى، بما كتب عنده فى اللوح المحفوظ ، أنه مامن قرية إلا سيهلكها ، بأن يبيد أهلها جميعهم، أو يعذبهم عذابا شديدا، إما بقتل أو ابتلاء بما يشاء، وإنما يكون ذلك بسبب ذنوبهم وخطا ياهم، كما قال - تعالى - عن الأمم الماضية: « وكذاك أخذربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة، إن أخذه أليم شديد ،(٩). ويرى آخرون، أن المقصود بالقرية هنا: القرى كلها سواء أكانت للمؤمنين أم للكافرين . ومن المفسرين الذين ذهبوا إلى ذلك الآلوسي - رحمه الله - نقد قال: قوله - تعالى -: ((وإن من قرية)) الظاهر العموم، لأن ((إن)، نافية ((ومن)) زائدة لاستغراق الجفس. أى: ومامن قرية من القرى، « إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة، بإماتة أهلها حتف أنوفهم( أو معد بوها عذابا شديدا، بالقتل وأنواع البلاء ... وروى عن مقاتل أنه قال: الهلاك للصالحة والعذاب للطالحة ... .(٢) ويبدو لنا أن الرأى الأو! أقرب إلى الصواب، لأن هناك آيات كثيرة تؤيده، ومن ذلك قوله - تعالى -: ((وما كنا مهلكى القرى إلا وأهلها ظالمون)، (٢) . وقوله - سبحانه -: ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم (١) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٠٤٧ (٢) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص (٣) سورة القصص الآية ٥٩.