Indexed OCR Text

Pages 41-60

- ٤١ -
٣ .. أن المقصود من سياق الآيات، إنما هو بيان سنة من سنن الله فى
الأمم حال صلاحها وفسادها .
وقد ساق القرآن الكريم هذا المعنى بأحكم عبارة، وذلك فى قوله - تعالى-
إن أحسنتم أحسنتم لأنتسكم وإن أسأتم فلها ».
ولا شك أن هذه السنة ماضية فى الأمم دون تبديل أو تحويل فى كل زمان
ومكان .
وما دام هذا هو المقصود ، ففهمه لا يتوقف على تحديد مرتى إفسادهم ،
وتحديد المسلط عليهم عقب كل مرة .
ويعجنى فى هذا المقام ، قول الإمام ابن كثير: ((وقد وردت فى هذا .
أى فى المسلط عليهم فى المرتين - آثار كثيرة إسرائيلية، لم أن تطويل الكتاب
بذكرها ، لأن منها ماهو موضوع من وضع زنادقتهم، ومنها ماقد يحتمل أن
يكون صحيحا ، ونحن فى غنية عنها، ولله الحمد، وفيما قص الله علينا فى كتابه
غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم. وقد
أخبر الله - تعالى - أنهم لما بغوا وطغوا سلط عليهم عدوهم، فاستباح بيضتهم
وسلك خلال بيوتهم وأذهم وقهرهم , جزاء وفاقا ، وما ربك بظلام للعبيد ،
فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء)) (١).
وقول الإمام الرازى: «وأعلم أنه لا يتعلق كثير غرض فى معرفة أو إداع
الأقوام بأعيانهم، بل المقصود هو أنهم لما أكثروا من المعاصى: سلط عليهم
أقواماً قتلوهم وأفنوم، (٢).
وقد بسطنا القول فى تفسير هذه الآيات الكريمة ، بصورة أكثر تفصيلا
(١) تفسير ابن كثير المجلد ٥ ص ٤٤ .
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٢٠ ص ١٥٦.

- ٤٢ ٠.
فى غير هذا المكان ، فليرجع إليه من شاء الاستزادة (١).
وبعد أن بين - سبحانه - أنه قد آتى موسى - عليه السلام - التوراة
لتكون هداية لبنى إسرائيل، وأنه - عز وجل - قد قضى فيهم بقضائة العادل ..
أتبع ذلك بالثناء على القرآن الكريم ، فقال - تعالى - :
(( إنّ هِذَا القرآنَ يَهْدِى لِلَّتِ هِىَ أقومُ، ويبشرُ المؤمنينَ الذينّ
يعملُونَ الصّالحَاتِ أنّ لَهُم أجراً كبيراً (١) وأنَّ الذِينَ لا يُؤْمِنُون
بالآخرةِ أعتدْناَ لَهُم عذابا أليما (١٠))).
قال الفخر الرازى: اعلم أنه - تعالى - لما شرح ما فعله فى حق عباده
المخلصين، وهو الإسراء برسول الله - صلى اله عليه وسلم -، وإيتاء الكتاب
موسى - عليه السلام -، وما فعله فى حق العصاة والمتمردين وهو تسايط أنواع
البلاء عليهم، كان ذلك تنبيها على أن طاعة الله توجب كل خير وكرامة ،
ومعصيته توجب كل بلية وغرامة، لا جرم أثنى - سبحانه - على القرآن فقال:
((إن هذا القرآن يهدى التى هى أقوم)، (٢).
والفعل ((يهدى، مأخوذ من الهداية، ومعناها: الإرشاد والدلالة بلطف
إلى ما يوصل إلى البغية. والمفعول محذوف. أى : يهدى الناس.
وقوله - سبحانه - (( التى هى أقوم)) صفة لموصوف محذوف، أى يهدى
الناس إلى الطريقة أو الملة التى هى أقوم)).
قال صاحب الكشاف: (التى هى أقوم)) أى: الحالة التى هى أقوم الحالات
وأسدها، أو الملة أو الطريقة. وأينما قدرت لم تجد مع الإثبات ذوق البلاغة
(١) راجع كتابنا ( بنو إسرائيل فى القرآن والسنة ) جـ ٢ من ص ٣٤٧
إلى صن ٣٩٦.
(٢) تفسير الفخر الرازى .

- ٤٠ -
الذى تجده مع الحذف ، لما فى إبهام الموصوف بحذفه من خاصة تفقد مع
إيضا حه)) (١).
والمعنى: إن هذا القرآن الكريم، الذى أنزله الله - تعالى - عليك يا محمد
- صلى الله عليه وسلم -، يرشد الناس ويدهم ويهديهم- فى جميع شئونهم الدينية
والدنيوية - إلى الملة التى هى أقوم الملل وأعدلها، وهى (لة الإسلام، فمنهم
من يستجيب لهذه الهداية فيظفر بالسعادة ، ومنهم من يعرض عنها فيبوه
بالشفاء .
قال صاحب الظلال ما ملخصه: إن هذا القرآن يهدي التى هى أقوم فى عالم
الضمير والشعور، بالعقيدة الواضحه التى لا تعقيد فيها ولا غموض، والتى تطلق
الروح من أثقال الوهم والخرافة ، وتطلق الطاقات البشرية الصالحة العمل
والبناء، وتربط بين فوامبس الكون الطبيعية، وقواميس الفطرة البشرية
فى تناسق واقساق .
ويهدى للتى مى أقوم، فى التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعره
وسلو که ، وبیر عقيد ته و عمله .
ويهدى للتى هى أقوم فى عالم العبادة، بالموازنة بين التكاليف والطاقة ،
فلا تشق التكاليف على النفس حتى تمل، ولا تسهل حتى تضيع فى النفس الرخاوة
والاستهتار، ولا تتجاوز القصد والاعتدال وحدود الاحتمال،
ويهدى للنى هى أقوم ، فى علاقات الناس بعضهم ببعض : أفرادا وأزواجا
وحكومات وشعوبا ، ودولا وأجناسا .
ويهدى للتى هى أقوم فى نظام الحكم ، ونظام المال ، ونظام الاجتماع ،
ونظام التعامل٫٠٠٠(٢).
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ١٤٣٩
(٢) فى ظلال القرآن جـ ١٥ ص ٢٢١٥.

٠٠ ٤٤ -
وقوله - سبحانه - ((ويشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا
كثيرا، صفة ثانية من صفات القرآن الكريم .
أى ، أن هذا القرآن بجانب هدايته التى .،، أقوم، فهو - أيضا - يبشر
المؤمنين الذين يعملون الأعمال الصالحات بأن لهم أجرا كبيرا من خالقهم
- عز وجل -: أجرا كبيرا لا يعلم مقداره إلا مسدبه وما تحه، وهو الله
رب العالمين .
وقوله - سبحانه -: ((وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا
ألما ، بيان لسوء عاقبة الذين لا يستجيبون لهداية القرآن الكريم ، وهو
معطوف على قوله - تعالى - (( أن لهم اجراكبيرا)).
أى: أن هذا القرآن يبشر المؤمنين بالأجر الكبير، ويبشر - على سبيل
التهكم - الذين لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب
بالعذاب الأليم .
قال الألوسى ما ملخصه: وتخصيص الآخرة بالذكر من بين سائر سالم
يؤمن !. الكفرة، لكونها أعظم ما أمروا بالإيمان به، ولمراعاة التناسب بين
أعمالهم وبين جزائها، الذى أنبأ عنة قوله - تعالى -,وأعتدنا لهم عدابا ألما،
وهو عذاب جهنم. أى: أعددنا وهيأنا لهم، فيما كفروا به وأفكروا وجوده
من الآخرة عذابا أليما ...
والآية معطوفة على قوله (( أن لهم أجراكبيرا، فيكون إعداد العذاب
الأليم للذين لا يؤمنون بالآخرة مبشرا به كثبوت الأجر الكبير للمؤمنين،
ومصيبة "عدو سرور يبشر به، فكأنه قيل: يبشر المؤمنين بثوابهم وعقاب
أعدائهم ... .)).
(١) تفسير الآلوسي ج ١٥ ض ٢٢:

- ٤٥ -
ثم بين - سبحانه - بعض الأحوال التى قد يقدم الإنسان فيها على طلب
ما يضره بسبب عجلته واندفاعه فقال - تعالى -:
((ويدْعُ الإنسانُ بالشرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيرِ، وكانَ الإنسانُ عَجُولاً (٨)).
والمراد بالإنسان هنا : الجنس وليس واحدا معينا .
قال الألوسى: وقوله: ((دعاءه بالخير، أى: دعاء كدعائه الخير، حذف
الموصوف وحرف التشبيه)، واغتصب المجرور على المصدرية، (١).
والمعنى: ويدعو الإنسان حال غضبه وضجره، على نفسه ، أو على غيره،
((بالشر، كأن يقول: ((اللهم أعلكنى، أو أهلك فلانا ...
« دعاءه بالخير، أى: يدعو بالشر على نفسه أو على غيره، كدعائة بالخير ،
كأن يقول : اللهم اغفر لى ولوالدى وللمؤمنين .
قال ابن كثير :: يخبر - تعالى - عن عجلة الإنسان، ودعائه فى بعض
الأحيان نفسه أو ولده، أو ماله، « بالشر، أى: بالموت أو الهلاك والدمار
وانلعنة ونحو ذلك ، فلو استجاب له ربه لهلك بدعاته ، كما قال - تعالى - :
((ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير، لقضى إليهم أجلهم ... ).
وفى الحديث: (( لا تدعوا على أنفسكم ولا على أموالكم، أن توافقوا
من الله ساعة إجابة يستجيب فيها ،(٤٢ .
وقيل المراد بالإنسان هنا: الكافر، أو الفاسق الذى يدعو أقلّه - تعالى -
بالشر ، كأن يسأله بأن ييسر له أمرا محرما كالقتل والسرقة والزنا وما
يشبه ذلك .
وقد أشار القرطى إلى هذا الوجه بقوله: (( وقيل نزلت فى النضر بن
الحارث، كان يدعو ويقول - كما حكى القرآن عنه -: ((اللهم إن كان هذا
هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء. أو اثتنا عذاب أليم)).
(١) الالوسى = ١٥ ص ٢٣
(٢) تفسير ابن كثير : ٥٥٠ ٤٦

- ٤٦ --
وقيل: هو أن يدعو فى طلب المحظور، كما يدعو فى طلب المباح. كما فى
قول الشاعر :
وأرفع من متزرى المسبل
أطوف بالبيت فيمن يطوف
وأتلو من المحكم المنزل
وأسجد بالليل حتى الصباح
بسخر لى ربة المحمل(١)
عسى فارج الهم عن يوسف
ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، لأنه المأثور عن بعض
الصحابة والتابعين وهم أدرى بتفسير كتاب اللّه من غيرهم.
قال ابن جرير - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآية: عن ابن عباس
قال فى قوله - تعالى -: ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير .. ، يعنى قول
الإنسان اللهم العنه وأغضب عليه ، فلو يعجل له أقه ذلك كما يعجل له
الخير لهلك ...
وقال قتاده : يدعو على ماله فيلعن ماله ، ويدعو على ولده ، ولو استجاب
الله له لأهلكه ».
وقال مجاهد : ذلك دعاء الإنسان بالشر على ولده ، ولا يحب أن
يجاب)،(٢).
وقوله - تعالى -: ((وكان الإنسان مجولا)) بيان للسبب الدى حمل الإنسان
على أن يدعو بالشر كما يدعر بالخير .
والعجول من العجل - بفتح العين والجبم - وهو الإسراع فى طلب الشىء
قبل وقته .
يقال: عجل - برقة تعب - يعجل فهو عجلان ، إذا أسرع.
أى : وكان الإنسان متسرعا فى طلب كل ما يقع فى قلبه ، ويخطر بباله،
لا يتأنى فيه فأنى المتبصر , ولا يتأمل تأمل المتدبر.
(١) تفسير القرطي = ١٠ صـ ٢٢٥
(٢) تفسير ابن جرير : ١٥ مـ ٢٧

- ٤٧ -
وشبه بهذه الجملة قوله - تعالى - خلق الإنسان من عجل ، ساري آياتى
فلا تستعجلون »(١) .
ثم ساق - سبحانه - مايدز على كمال قدرته، وسعة رحمته بعباده،
ومجازاتهم على أعمالهم يوم القيامة ، فقال - تعالى -:
((وجَعْنَاَ الليلَ والنهارَ آيتينٍ، فَحَوْنَ آيَةَ الليلِ، وجَعَلْنَاَ آيَةً
النهارِ مبصيرةً، لتبتّقُوا فضلاً مِنَ ربُكُم، ولِعلَمُوا عَدَدَ السنينَ
والحساب، وكلَّ شىءٍ فصِّلْنَاهُ تفصِيلاً (٩) وكلَّ إنسانٍ ألزمناءُ طارهُ
فى عُنُقِه، ونخرِجُ لهُ يومَ القيامةِ كتاباً يَلْقَهُ منشُوراً (١٠) اقْرَأْ
كتابَكَ كَفَى بنفسِكَ اليومَ عليكَ حَسِيباً (١١) مَنِ اهْتَدَى فإنّا
يَتَدِى لنفسِهِ، ومَنْ ضَلَّ فإنما يَضِلُّ عليها، ولا تِهُ وازِرَةٌ وِزْرَ
أخْرَى، وما كنَّا مُعذِّبِنَ حتى نبعتَ رسولاً (١٢))) .
قال أبو حيان: قوله - تعالى - ,وجعلنا الليل والنهار آيتين .. ، لما ذكر
- سبجاته - القرآن وأنه هادإلى الطريقة المستقيمة، ذكرما أنعم به ما لم يمكن
الانتفاع إلا به، وما دل على توحيده من عجائب العالم العلوى ، وأيضا لما
ذكر عجلة الإنسان، وانتقاله من حال إلى حال ، ذكر أن كل هذا العالم
كذلك فى الإنتقال، لا يثبت على حال، ففود عقب ظلمة وبالعكس ، وازدياد
نور وانتقاص آخر ،(٢) .
والمراد بالآيتين هنا: العلامتان الواضحتان ، الدالتان على قدرة الله
- تعالى ووحدانيته .
(١) سورة الأنبياء الآية ٣٧
(٢) تفسير البحر المحيط حـ ٦ ٥ ١٤

R''
٤٨٠ -٠
وقوله: فحونا، من المحو بمعنى إزالة الشىء، يقال: محى فلان الشىء
محوا - من باب قتل .. إذا أزال أثره.
والعلماء فى تفسير هذه الآية إنجاهان: أما الإتجاه الأول فيرى أصحابه،
أن المراد بالآيتين : نفس الليل والنهار ، وأن الكلام ليس فيه حذف.
فيكون المعنى: وجعلنا الليل والنهار - بهيئاتهما الثابتة، وتعاقبهما الدائم،
واختلافهما طولا وقصرا - آيتين كونيتين كبيرتين، دالتين على أن لهما صانها
قادرا، حكما، هو الله رب العالمين.
وقوله - سبحانه - وفمحونا آية الليل، أى: نجملنا الآية التى هى الليل.
محوة الضوء، مظلمة الهيئة، مختفية فيها الأشياء، ساكنة فيها الحركات .
وقوله - تعالى - ((وجعلنا آية النهار مبصرة، أى: وجعلنا الآية التى هى
النهار مضيئة، تبصر فيها الأشياء وترى بوضوح وجلاء.
وعلى هذا الإتجاه ، تكون إضافة الآية إلى الليل والنهار من إضافة
الشىء إلى نفسه، مع اختلاف اللفظ ، تنزيلالاختلاف اللفظ منزلة الاختلاف
فى المعنى، كما فى قوله - تعالى - ((شهر رمضان، (هرمضان هو نفس الشهر
وأما الإتجاه الثانى فيرى أصحابه أن الكلام على حذف مضاف، وأن
المراد بالآبتين : الشمس والقمر ، فيكون المعنى: وجهانا فيرى الليل والنهار
- وهما الشمس والقمر ـ آيتين دالتين على قدرة الله - تعالى - ووحدانيته ،
فحونا آية الليل - وهى القمر - ، بأن أزلنا عنه شعاعه وضياءه ، ولم نجعله
كالشمس فى ذلك ، وجعلنا آية النهار - وهى الشمس - مبصرة، أى: ذات
شعاع وضياء يبصر فى ضوئها الشىء على حقيقته.
وقـ ذكر صاحب الكشاف هذين الوجهين ، دون أن يرجع بينهما
فقال: قوله - تعالى -: "وجعلنا الليل والنهار آيتين .. ، فيه وجهان: أحدهما
أن يراد أن الليل والنهار آتان فى أنفسهما، وتكون الإضافة فى آية الليل

- ٤٩
وآية النهار للتبيين ، كإضافة العدد إلى المعدود، أى: فمحونا الآم التى هى
الليل، وجعلنا الآية التى هى النهار مبصرة.
والثاني: أن يراد: وجعلها غيرى الليل والنهار آيتين، بريد الشمس
والقمر .
أى: فمحونا آية الليل التى هى القمر، حيث لم تخلق له شعاعا شعاع
الشمس تبصر به الأشياء ، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر فى ضوئها
كل شىء ، (١) .
والذى نراه . أن الإتجاه الأول قرب إلى الصواب، لأنه هو الظاهر
من معنى الآية الكريمة، ولأنه لا يحتاج إلى تقدير، وما كان كذلك أولى م)
يحتاج إلى تقدير، ولأن الليل والنهار هما بذاتهما. من أظهر العلامات والأدلة
على قدرة الله - تعالى - ووحدانيته، وهناك عشرات الآيات القرآنية فى هذا
المعنى، ومن ذلك قوله - تعالى «وآية لهم الليل تسلخ منة النهار فإذا هم
مظلمون ، (٢)
وقوله - تعالى -: ومن أيانه الميل والنهار والشمس والقمر ... » (٣)
وقال تعالى -: ((إن فى خلق السموات والأرض، واختلاف الليل
والنهار، لآيات لأولى الألباب ، (٤) إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التى
أوردها الله - تعالى - فى هذا المعنى.
وقوله - سبحانه -: (( لتبتعوا فضلا من ربكم، بيان لمظهر من مظاهر
حكمته- تعالى - ورحمته بعباده.
(١) تفسير الكشاف = ٢ ص ٤٤٠
(٢ سورة يس الآ يه ٢٧
(٣) سورة فصلت الآيه ٣٧
(٤) سورة آل عمران. الآية ١٩٠
٤ - سورة الإسراء.

٠٠ ٥٠ -
والجملة الكريمة متعلقة بما قبلها، وهو قوله - سبحانه - (وجعلنا آية
النهار مبصرة، أى جعلنا النهار مضيئا. لتطلبوا فيه ما تحتاجونه من أمور
معاشكم، ومن الأرزاق التى قسمها الله بينكم .
قال الألوسى ما ملخصه: وفى التعبير عن الرزق بالفضل ، وعن الكسب
بالابتغاء .: دلالة على أنه ليس للعبد في تحصيل الرزق تأثير سوى الطلب،
وإنما الإعطاء من الله - تعالى - بطريق التفضل ... )(١)
وشبيه بهم الجملة الكريمة قوله - تعالى -: (ومن رحمته جعل لكم الليل
والنهار، لنسكنوا فيه، ولتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون)).
فقوله - تعالى - , لتسكنوافيه، يعود إلى الليل. وقوله - تعالى-،ولتبتغوا
من فضله ، يعد على النهار .
ثم بين - سبحانه - حكمة أخرى ونعمة أخرى لجعله الليل والنهار على هذه
الهيئة فقال: ( ولتعلموا عدد السنين والحساب)).
أى: وجعلنا الليل والنهار على هذه الصفة من التعاقب والاختلاف فى
الطول والقصر لتعرفوا عن طريق ذلك عدد الأيام والشهور والأعوام ،
التى لا تستغنون عن معرفتها فى شئون حياتكم , واتعرفوا - أيضا - الحساب
المتعلق بها فى معاملاتكم، وبيحكم وشرائكم، وأخذكم وعطائكم وصلاتكم،
وصيامكم،: زكانكم، وحجكم، وأعبادكم ... وغير ذلك مما تتوقف معرفته
على تقلب الليل والنهار . وولوج أحدهما فى الآخر .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: وكل شىء فصلناه تفصيلا)).
والتفصيل: من الفصل بمعنى القطع. والمراد به هنا: الإبانه التامة للشىء
بحيث يظهر ظهورا لإخفاء معه ولا التباس .
ولفظ (( كل)) منصوب على الاشتغال بفعل يفسره ما بعده.
(١) تفسير الآلوسي < ١٥ هـ ٣٠

- ٥١ -
أى. وفصلنا كل شىء تحتاجون إليه فى أمور دينكم ودنياكم، تفصيلا.
واضحا جليا، لا خفاء معه ولا التباس , فقد أقمنا هذا الكون على التدبير
الحكم ، وعلى الصنع المتقن ، وليس على المصادفات التى لا تخضع لنظام
أو زتيب .
ثم ساق - سبحانه - صورة من صور هذا التفصيل الحكم فى كل شىء
فقال - تعالى - : ((وكل إنسان ألزمناه طائره فى عنقه٠ ٠)
والمراد بطائره: عمله الصادر عنه باختياره وكسبه ، حسبما قدره الله
- تعالى - عليه من خير وشر .
أى: وألزمنا كل إنسان مكلف عمله الناتج عنه، إلزاما لا فكاك له منه.
ولا قدرة له على مفارقته .
وعبر - سبحانه - عن عمل الانسان بطائره، لأن العرب كانوا - كما
بقول الآلوسي - يتفاءلون بالطير ، فإذا سافروا ومربهم الطير زجروه،
فإن مر بهم سانحا - أى من جهة الشمال إلى اليمين - تيمنوا وتفاءلوا، وإن
مر بارحا، أى: من جهة اليمين إلى الشمال تشاءموا، فلما نسبوا الخير والشر
إلى الطائر، استعير إستعارة تصريحية، لما يشبهما من قدر الله - تعالى -
وعمل العبد، لأنه سبب للخير والشر، (١) .
وقوله - سبحانه - ((فى عنقه، تصوير لشدة اللزوم وكمال الارتباط بين
الانسان وعمله .
وخص - سبحانه - العنق بالذكر من بين سائر الأعضاء ، لأن اللزوم
فيه أشد ، ولأنه العضو الذى تارة يكون عليه ما يزينه كالقلادة وما يشبهها،
وتارة يكون فيه ما يشينه الغل والقيد أو ما يشبههما .
قال الامام ابن كثير: وطائره: هو ما طار عنه من عمله كما قال ابن عباس
(١) تفسير الآلوسي حـ ١٥ ص ٣١

- ٥٣ ٠
ويجاهد ، وغير واحد - من خير أو شر، يلزم به ويجازى عليه؛ كما قال
- تعالى - ,فمن يعمل مثقال ذرة خيرايره. ومن يعمل مثقال ذرة شراًيره».
وكما قال - تعالى - ((إنما تجزون ما كنتم تعملون)).
والمقصود أن عمل ابن آدم محفوظ عليه ، قليله وكثيره ؛ ويكتب عليه
ليلا ونهارا، صباحا ومساء، (١).
وقوله - سبحانه - (( ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا، بيان
حاله فى الآخرة بعد بيان حاله فى الدنيا .
والمراد بالكتاب هنا صحائف أعمالة التى سجلت عليه فى الدنيا .
أى : ألزمنا كل إنسان مكلف عمله الصادر عنه فى الذنيا ، وجعلناه مسئولا
عنه دون غيره. أما فى الآخرة فسنخرج له ماعمله منخير أو شر «فی کتاب
يلقاه منشورا)، أى) ، مفتوحا بحيث يستطيع قراءته ، ومكشوفا بحيث
لا يملك له خفاء شىء منه، أو تجاهله ، أو المغالطة فيه.
كتابا ظهرت فيه الخبايا والأسرار ظهورا يغنى عن الشهود والجدال .
كتابا مشتملا على كل صغيرة وكبيرة من الآنسان، كماقال - تعالى-
((ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً، وإن
كان مثقال حبة من خردل أتينا بها، وكفى بنا حاسبين)، (٢).
ثم بين - سبحانه - ما يخاطب به الانسان بعد أن فتح كتابه أمامه،
فقال - تعالى - (( اقرأ كتابك، كفى بنفسك اليوم عليك حيا)).
أى: ويقال له بعد أن وجد كتابه منشورا أمامه، اقرأ كتابك هذا،
وما اشتمل عليه من أعمال صدرت عنك فى الدنيا ، كفى بنفسك اليوم
عليك حسيبا .
(١) تفسير ابن كثير - ٥ ٠ـ ٤٧
(٢) سورة الأنبياء الآية ٤٧

- of -
أى. محاسبا. كجليسر بمعنى مجالس، أو حاسبا وعادا كهريم بمعنى صارم
يقال حسب فلان على فلان قوله ، إذا عده عليه .
ولفظ (( كفى)، هنا لازم، ويطرد فى هذه الحالة جر فاعله بالباء المزيدة
لتوكيد الكفايه و «حسيبا، تمييز، و، عليك، متعلق به
وقارة بأنى لفظ (( كفى ، متعديا، كما فى قوله - تعالى -« وكفى الله المؤمنين
القتال .،»
ثم ساق - سبحانه - قاعدة كلية، لتحمل كل إنسان نتيجة عمله، فقال - تعالى-
((من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، ولا تزر وازرة
وزر أخرى ...
والفعل ((تزر) من الوزر بمعنى الإثم والحمل والثقل. يقال: وزر يزر
وزرا، أى: أثم ، أو حمل حملا ثقيلا، ومنه سمى الوزير؛ لأنه يحمل أعباء تدبير
شئون الدولة .
أى: من اهتدى إلى الطريق المستقيم، وقدم فى حياته العمل الصالح, فثمرة
هدايته راجعة إلى نفسه ، ومن ضل عن الطريق القويم ، وفسق عن أمر ربه
فر بال ضلاله راجع إليه وحده، ولا تحمل نفس آثمة، إثم نفس أخرى،
وإنما تسأل كل نفس عن آثامها حسب .
وقد تكرر هذا المعنى فى كثير من آيات القرآن الكريم ومن ذلك قوله
- تعالى -: ((ولا تكسب كل نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر
أُخرى . (١)
وقوله - تعالى -: (ولا تزر وازرة وزر أخرى، وإن تدع مثقلة إلى
حملها لا يحمل منه شىء، ولو كان ذا قربى .. ))(٢)
(١) سورة الأنعام الآية ١٦٤
(٢) سورة فاطر الآية ١٨

٠٠ ٥٤ --
ولا يتنافى هذا مع قوله - تعالى -: ((وليحملن أثقالهم وأثقالا مع
أثقالهم ... (١)
وقوله - تعالى -: ((ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة , ومن أوزار الذين
يضلونهم بغير علم .. ،(٢)
لأن المقصود فى هاتين الآيتين وأشباههما، أن دعاة الكفر والفسوق
والعصيان، يحملون ذنوبهم يوم القيامة ، ويحملون فوق ذلك جانبا من ذنوب
من كانواهم سببا فى ضلالهم، لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من
عمل بها - كماجاء فى الحديث الصحيح - ، فهم بحملون آنام أنفسهم، والآثام
التى كانوا سببا فى ارتكاب غيرهم لها .
"كذلك لا يتنافى قوله - تعالى -: ((ولا تزر وازرة وزر أخرى)، مع ما ثبت
فى الحديث الصحيح عن ابن عمر رضى الله عنهما - من ((أن الميت يعذب بيكا.
أهله عليه ٢٠٠
لأن العلماء حملوا الحديث على أن يكون الميت قد أوصى بذلك قبل موته،
أو أن بههل نهيريم عن النوح عليه قبل موته، مع أنه يعلم أنهم سينوحون عليه
ويشقون الجيوب ، ويلطمون الخدود .. فتعذيبه بسبب تفريطه، وعدم تنفيذه
لقوله - تعالى -"يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا، وقودها الناس
والحجارة .... (٣)
وقوله - تعالى - ((وما كنا معذبين حتى فبعث رسولا، بيان لمظهر من
مظاهر رحمة الله - تعالى - بعباده ـ ورأفته بهم ، وكرمه معهم.
قال الآلوسي: قوله، وماكنا معذبين حتى فبعث رسولا)، بيان للعناية
(١) سورة العنكبوت الإية ١٣
(٢) سورة النحل الآية ٢٥
(٣) سورة التحريم الآية ٦

-- 20 -
الربانية إثر بيان آثار الهداية والضلالة بأصحابها ، وعدم حرمان المهتدى من
ثمرات هدايته . وعدم مؤاخذة النفس بجناية غيرها .
أى: وما صح وما استقام منا، بل استحال فى سفتنا المبنية على الحكم
البالغة ... أن نعذب أحدا بنوع ما من العذاب دفيويا كان أو أخرويا، على
فعل شىء أو ترك شىء، أصليا كان أو فرعيا، حتى نبعث: إليه « رسولا))
بهدى إلى الحق، ويردى عن الضلال، ويقيم الحجج وبمد
الشرائع. (١)
وقد وردت آيات كثيرة فى القرآن الكريم ؛ تشبه هذه الآية ، فى بيان
أن الله - تعال - لا يعذب أحدا من خلقه، حتى يبعث إليه رسولا يبشره
وينذره ، فيعصى ذلك الرسول ، ويستمر فى كفره وضلاله بعد التبشير
والانذار .
ومن هذه الآيات قوله - تعالى -، رسلا مبشرين ومنذرين، لئلا يكون
للناس على الله حجة بعد الرسل، وكان الله عزيزا حكما)، (٢).
وقوله - تعالى -: ((ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله، لقالوا ربنا لولا
أرسلت إلينا رسولا فنتبع آيتك من قبل أن نذل ونخزى))(٢).
وقوله - تعالى- (( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة
من الرسل ، أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، فقد جاءكم بشير
ونذير ٠٠٠،(٤)
قال ابن كثير عند تفسيره لقوله - تعالى -: «وماكنا معذبين حتى نبعث
رسولا)): هذا إخبار عن عدله - تعالى -، وأنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام
(١) تفسير الآلوسي جـ ١٥ ص ٣٧
(٢) سورة النساء الآية ١٦٥
(٢) سورة طه الآية ١٣٤
٤٠) سورة المائدة الآية : ١

- ٥٦ -
الحجة عليه، بإرسال الرسول إليه، كما قال - تعالى -: ((كلما ألقى فيها فوج
سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير . قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا: مانزل
الله من شىء .... ))
إلى غير ذلك من الآيات التى تدل على أن الله - إلى - لا يدخل أحدا
النار إلا بعد إرسال الرسول إليه .... (١)
هذا، وما ذهب إليه الأمام ابن كثير ، والامام الألوسى، من أن الله
- تعالى - اقتضت رحمته وعدالته، أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة
عليه . عن طريق إرسال الرسل، هو الذى نعتقده، وتطمئن إليه نفوسنا ،
لأنه هو الظاهر من معاني الآيات الكريمة، ولأنه هو المناسب أرحمة الله
- تعالى - التى وسعت كل شيء.
وهناك من يرى أن من مات على الكفر فهو فى النار ، ولو لم يرسل الله
- تعالى - إليه رسولا، واستدلوا بأدلة لا مجال لذكرها هنا (٢).
ثم ساق - سبحانه - سنة من سننه فى إهلاك الأمم، وفى حال الذين
يريدون العاجلة ، وحال الذين يريدون الآجلة ، فقال - تعالى -:
(( وإذَا أُرِدْنَا أن نُهلِكَ قريةً أَمَرْنَا مُتْرفيها ففسقُوا فيها حقَّ عليها
القولُ قدمَّناهَا تدميراً (١٦) وكم أَملكْنَا من الْقُرونِ مِنْ بَعد نُوحٍ
وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذَنوبٍ عِبَاده خبيراً بصيراً (١٧) من كانَ يريدُ العاجلةَ
حَجَّلنَ لَهُ فيها ما نشاء لمَنْ نُريدُ ، ثم جَعْنا له جَهْمَ يصلَاهَا مذمُوماً
مدحوراً (١٨) ومَنْ أرادَ الآخرةَ وسعى لها سفيَهاَ وهوَ مُؤْمِنٌ
فأولئكَ كانَ سعيُهم مشكوراً (١٩) كُلَأَّنُمِدِ هؤلاء وهؤلاء من عَطَاء
(١) يفسير ابن كثير <٥ ص ..
(١) راجع تفسير الالومى = ١٥ ص ٣٧، وتفسير أضواء البيان -٣
ص ٤٢٩ للشيخ الشنقيطى

- ٥٧ ــ
رَبَّكَ، وما كانَ عطاء ربِّكَ مُحُظُوراً (٢٠) انظُر كيفَ فضَّلنا بعضهم على
بعضٍ، وللآخرةُ أكبرُ دَرَجاتٍ وأكبرُ تفضيلاً (٢١) لا تَجعلْ مع
اللهِ إِلهَا آخرَ فتقعُدَ مذموماً مخذولاً (٢٢))).
قال أبو حيان - رحمه الله -: لما ذكر - تعالى - فى الآية السابقة،
أنه لا يعذب أعدا حتى يبعث إليه رسولا، بين بعد ذلك علة إهلاكهم؛
وهى مخالفة أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والتادى على الفساد -
فقال، سبحانه -: ((وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا
فيها ....! )
وقوله - سبحانه ـ«أمرنا، من الأمر الذى هو ضد النهى، والمأمور به
هو الإيمان والعمل الصالح، والشكر لله رب العالمين، وحذف لظهوره
والعلم به .
وقوله ((مترفيها، جمع مترف، وهو المتهم الذى لا يمنع من تنعمه، بل
يترك يفعل ما يشاء. يقال: ترف فلان - كورح - أى: تنعم، وفلان أثرفته
النعمة ، أى : أطغته وأبطرة، لأنه لم يستعملها فى وجوهها المشروعة .
والمراد بهم. أصحاب الجاه والغنى والسلطان ، الذين أحاطت بهم
النعم من كل جانب، ولكنهم استعملوها فى الفوق والعصيان، لا فى
الخير والإحسان .
والمعنى: وإذا قرب وقت إرادتنا إهلاك أهل قرية، أمرنا مترفيها، وأهل
الغنى والسلطان فيها بالإيمان والعمل الصالح، والمداومة على طاعتنا وشكرنا،
فلم يستجيبوا لأمرنا، بل فقوا فيها، وعائوا فى الأرض فسادا :
وهذا الأمر إنما هو على لسان الرسول المبعوث إلى أهل تلك القرية،
(١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان < ٦ غ ١٧

- ٥٨ ٠
وعلى ألسنة المصلحين المتبعين لهذا الرسول والآمرين بالمعروف والناعين
عن المنكر .
وقال - سبحانه - ((وإذا أردنا أن نهلك قرية ... ، مع أن الهلاك
لأهلها ، للإدارة إلى أن هذا الهلاك لن يصيب أهلها فقط ، بل سيصيبهم
ويصيب معهم مساكنهم رأموالهم وكل ما احتوته تلك القرية، بحيث تصير
هى وسكانها أثرا بعد عين .
وخص مترفيها بالذكر مع أن الأمر بالطاعة للجميع ، لأن هؤلاء
المترفين هم الأئمة والقادة ، فإذا ما استجابوا للأمر إستجاب غيرهم تبعا لهم
فى معظم الأحيان ، ولأنهم فى أعم الأحوال هم الأسرع إلى ارتكاب مانهى
الله عنه ، وإلى الانغماس فى المتع والشهوات ...
والحكمة من هذا الأمر ، هو الإعذار والإنذار ، والتخويف والوعيد .
كما قال - تعالى .: «رسلا مبشرين ومنذرين لئلايكون للناس على الله
حجة بعد الرسل .. )، (١) .
وهذا التغير للآية الكريمة ، سار عليه جمهور المفسرين .
ولصاحب الكشاف رأى يخالف ذلك ، فهو يرى أن الأمر فى الآية
الكريمة مجاز عن إمدادهم بالنعم الكثيرة التى أبطرتهم .
قال - رحمه الله -: قوله تعالى -: ((وإذا أردنا)) وإذا دنا وقت
إهلاك قوم، ولم يبق من زمان إمالهم إلا قليل أمرناه (( ففقوا، أى:
أمرناهم بالفسق ففعلوا.
والأمر مجاز لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم: افقوا، وهذا
لا يكون، فبقى أن يكون مجازا . ووجه المجاز أنه صب عليهم النعمة صبا،
جعلوها ذريعة إلى المعاصى واتباع الشهوات، فكأنهم مأمورون بذلك لتسبب
(١) سورة النساء الآية ١٦٥

٥٠
إملاء النعمة فيه، وإنما خوله، إياها ليشكرها ويعملوا فيها الخير ،، يتمكنوا
من الإحسان والبر . كما خلقهم أصحاء أقوياء، وأقدرهم على الخير والشر،
وطلب منهم إيثار الطاعة، على المعصية، فآثرو الفسوق ، فلت فقوا حق
عليهم القول وهو كلمة العذاب قدمرهم .. ،(١)
ومن المفسرين من يرى أن قوله تعالى - ((أمرنا، بمعنى كثرنا - بتتشديد
الثاء - وقرئ. « أمرنا، بتشديد الميم، أى : كثرنا مترفيها وجعلناهم أمراء
مسلطين . . .
ولكن هذه القراءة. وقراءة , أمرنا، بمعنى «كثرناء أضاء ليتا من
القراءات السبعة أو المشيرة، وإنما هما من القراءات الشاذة
قال الإمام ابن جرير: وأولى القراءات فى ذلك عندى بالصواب. قراءة من
قرأ ((أمرنا)) - بقص الألف وتخفيف الميم - الإجماع لحجة من الفراء بتصويبها
دون غيرها وإذا كان ذلك هو الأولى بالصواب بالقراءة، فأولى التأويلات به
تأويل من تأوله: أمرفا أهلها بالطاعة نعصوا وفقوافيها. فق عليهم القول،
لأن الأغلب من معنى (( أمرفاء: الأمر الذى هو خلاف النهى دون غيره))
وتوجيه معانى كلام الله - جل ثناؤه - إلى الأشهر الأعرف من معانيه،
أولى ما وجد إليه سبيل من غيره ... »(٢).
ويد: لنا أن الرأى الأول الذى سار عليه جمهور المفسرين، وعلى رأسهم
الإمام ابن جرير ، أولى بالقبول ، لأسباب منها:
أن القرآن الكريم يؤيده فى كثير من آياته ، ومن ذلك قوله - تعالى -
, وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا وافقه أمرنا بها، قل إن الله
لا يأمر بالفحشاء .. ، (٢).
(١) تغير الكشاف = ٢ ص ٤٤٢
(٣) تفسير ابن جرير ١٥ ص ٠٤٣
(٣) سورة الأعراف الآية ٢٨.

- ٦٠~
فقوله - تعالى -,قل إن الله لا يأمر بالفحشاء، دليل واضح على أن قوله
- سبحانه -: «أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ... ، معناه: أمرقام بالضاعة
ففسقوا، وليس معناه! أمرناهم بالفسق ففسقوا، لأنه - سبحانه - لا يأمر
لا بالفسق ولا بالفحشاء .
ومنها : أن الأسلوب العربى السليم يؤيده، لأنك إذا قلت : أمرته فعصاني
كان المعنى "تبادر والظاهر من هذه الجملة؛ أمربه بالطاعة فعصانى، وليس
معناه . أمرته بالعصيان فعصائى :
ومنها : أن حمل الكلام على الحقيقة - كما سار جمهور المفسرين - أولى من
حمله على المجاز - كما ذهب صاحب الكشاف - .
وقوله- سبحانه -: = خز عليها القول قدمر ناها تدميراً، بيان لم) نزل
هذه القرية وأهلها من عذاب محاها من الوجود، إذ التوحيد هو الإهلاك مع
طمس الأثر ، وهدم البناء .
أى: أمرنا مترفيها بطاعتنا وشكرنا، فعصوا أمرنا وفقوا فيها، فثبت
وتحقق عليها عذابنا، فأملكناها إهلا كا استأصل شأفتها ، وأزال
آثارها.
وأكــ - سبحانه - فعل التدمير بمصدره، للمبالغة فى إراز شدة الهلاك
الواقع على تلك القرية الظالم أهلها .
قال الألوسى ما ملخصه: والآية تدل على إهلاك أهل القرية على أتم وجه،
وإهلاك جميعهم، لصدور الفسق منهم جميعاً، فإن غير المترف يتبع المترف
عادة ...
وقيل : هلاك الجميع لا يتوقف على التبعية فقد قال - تعالى-(واتقوا فتنة
لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ... ،.