Indexed OCR Text

Pages 21-40

- ٢١ -
٢ - قال بعض العلماء ما ملخصه: ذهب الأكثرون إلى أن الإسراء كان
بعد المبعث، وأنه قبل الهجرة بسنة. قال الزهرى وابن سعد وغيرهما. وبه
جزم النووى، وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه. وقال: كان فى رجب سنة
إثنى عشرة من النبوة .
وإختار الحافظ المقدسى أنه كان فى ليلة السابع والعشرين من شهر
رجب . .. (١).
والذى تطمئن إليه النفس أن حادث الإسراء والمعراج، كان بعد وفاة
أبى طالب والسيدة خديجة - رضى الله عنها -
ووفاتهما كانت قبل الهجرة بسنتين أو ثلاث .. وفى هذه الفترة التى أعقبت
وفاتهما أشتد أذى المشركين بالشى - صلى الله عليه وسلم -. فكان هذا الحادث
لتسليته - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه منهم، والقشريفه وتكريما ....
٣ - من المسائل التى ثار الجدل حولها، مسألة أ كان الإسراء والمعراج
فى اليقظة أم فى المنام ؟ وبالروح والجسد أم بالروح فقط ؟
وقد لخص بعض المفسرين أقوال العلماء فى هذه المسألة فقال: أعلى أن هذا
الإسراء به - صلى الله عليه وسلم - المذكور فى هذه الآية الكريمة زعم بعض
أهل العلم أنه بروحه دون جسده ، زاعما أنه فى المنام لا فى اليقظة ،لأن رؤيا
الأنبياء وحى .
وزعم بعضهم أن الإسراء بالجسد، والمعراح بالروح دون الجسد.
ولكن ظاهر القرآن يدل على أنه بروحه وجسده - صلى الله عليه وسلم -
يقظة لامتاما، لأنه قال: ((بعيده، والعبد مجموع الروح والجسد .
ولأنه قال: (( سبحان)) والتسبيح إنما يكون عند الأدور العظام، فلو كان
مناما لم يكن له كبير شأن حتى يتعجب منه .
(١) تفسير القاسمى = ١٠ ص ٣٨٨٨

- ٢٢ -
ولأنه لو كان رؤيا منام لما كان فتنة، ولا سيا لتكذيب قريش له
- صلى الله عليه وسلم - لأن رؤيا المنام ليست محل إنكار، إذ المنام قد يرى فيه
مالا يصح :
ولأنه - سبحانه - قال «لز به من آياتنا، والظاهر أن ما آراء
الله - تعالى - لنيه - صلى الله عليه وسلم - إنما كان رؤية عن طريق العين
ويؤبده قوله - تعالى -: ، ما زاغ البصر وما طفى. لقد رأى من آيات ربه
الكبرى، ولأنه ثلث فى الأحاديث الصحيحة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم-
قد إستعدل فى وحاته براق، وإستعماله البر اق يدل على أن هذا الحادث كان
بالروح والجسد وفى اليقظة لا فى المنام .
وما ثبت فى الصحيحين من طريق شريك عن أفر - رضى الله عنه - أن
الاسراء المذكور وقع هناها، لاينا فى ما ذكرنا مما عليه أهل السنة والجماعة،
ودات عليه نصوص الكتاب والسنة من أنه كان يقضة وبالروح والجسد،
لإمكان أنه - صلى الله عليه وساء - رأى الاسمراء المذكور مناءا، ثم جاءت.
تلك الرؤيا كفاق الصبر، فأسرى به يقظة تصديقا لتلك الرؤيا المنامية.))(١)
هذا، ومن العلماء الذين فصلوا القول فى تلك المسألة تفصيلا محققا،
القاضى عياض فى كتابه« الشفاء فقد قال - رحمه الله - بعد أن ساق الآراء
فى ذلك :
والحق فى هذا الصحيح - إن شاء الله - أنه إسراء بالروح والجسد
فى القصة كلها ، وعليه تدل الأبه وصحيح الأخبار والاعتبار . ولا يعدل عن
الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة، وليس فى الاسراء بجسده
وروحه حال يقظته إستحالة .. ، (٢)
(١) تفسير أضواء البيان <: ص ٤٨" لفضيلة المرحوم الشيخ محمد الأمين
الشنقيطى .
(٢) راجع الشفا للقاضى عياض -١ ص ٤٥؛ وما بعدها.

٠٠ ٢٢ -
وما قاله القاضى عياض - رحمه الله فى هذه المسألة هو الذى نعتقده، ونلاقي
الله - تعالى- عليه
وبعد أن بين الله - سبحانه - جانباً من مظاهر تكرمه وتشريفه لنبيه
محمد - سلى الله عليه وسلم - عن طريق إسرائه به. أقبع ذلك بالحديث عم)
أكرم به قبيه موسى - عليه السلام - فقال :
(( وآتيناَ مُوسَى الكتابَ وجعلناهُ هُدّى لَبَنِى إسرائيلَ، ألاَّ
تتخِذُوا مِنْ دُونِ وكيلاً (٢) ذُرِّيَةَ مَن حَمْنَاَ معَ نوحٍ، إنَّهُ كانَ عبداً
شُكُوراً (٣))).
والواو فى قوله - تعالى -: ((وآتينا موسى الكتاب، إستثمافية، أو عائقه
على قوله : - سبحان الذي أسرى .. ،
والمراد بالكتاب: التوراة التى أنزلها الله تعالى - على نبيه موسى - عليه
السلام - والضمير المنصوب فى قوله: ((وجعلناه، يعود إلى الكتاب.
وقوله « ابنى إسرائل) متعلق بهدى.
وشبيه بهذه الآبه قوله - تعالى -: (ولقدآ فينا موسى الكتاب فلا تكن
فى مرية من لقائه وجعلناه حدى لبنى إسرائيل،
و ((أن ، فى قوله أن لا تتخذوا من دونى وكيلا ، يصح أن تكون زائدة
وتكون الجملة مقولة لقول محذوف، والمعنى:
وآتينا موسى الكتاب من أجل أن يكون هداية لبنى إسرائيل إلى
الصراط المستقيم .
وقلنا لهم : لا تتخذوا غير الله - تعالى - وكيلا، أى: معبودا، تفوضون
اليه أموركم، وتكلون اليه شئونكم، فهو - سبحانه -: «رب المشرق والمغرب
لا إله إلا هو فاتخذوه و کیلا ،

٠ ٢٤ -
قال الإمام الرازى ما ملخصه: قرأ أبو عمرو, ألا يتخذوا)، والياء خبرا
عن بنى إسرائيل: وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب ، أى: قلنا لهم لا تتخذوا.
ويصح أن يكون (( أن) ناصبة للفعل فيكون المعنى: وجعلناه هدى لــلا
تتخذوا ... وأن تكون ((أن)) بمعنى أى التى للتعسير - أى هى مفسرة لما
تضمنه الكتاب من النهى عن إتخاذ وكيل سوى الله - تعالى - (١)
وقوله: « ذرية من حملنا مع نوح ... )) منصوب على الاختصاص ، أو
على النداء والمقصود بهذه الجملة الكريمة إثارة عزائمهم نحو الايمان والعمل
الصالح، وتنبيهم إلى نعمه - سبحانه - عليهم، حيث جعلهم من ذرية أولئك
الصالحين الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - وحضهم على السير على منها جهم
فى الايمان والعمل الصالح، فإن عان الأبناء أن يقتدوا بالآباء فى التقوى
والصلاح ،
والمعنى : لا تتخذوا يا بنى إسرائيل معبودا غير الله - تعالى -، فأتم
أبناء أولئك القوم الصالحين، الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - فأنجاه الله
- تعالى - مع نبيهم من الغرق .
قال الألوسى: وفى التعبير بما ذكر إيماء إلى علة النهى من أوجه: أحدهما
تذكيرهم بالنعمة فى إنجاءآبائهم . والثانى: تذكيرهم بضعفهم وحالهم المحوج
إلى الحمل والثالث: أنهم أضعف منهم - أى من آبائهم - لأنهم متولدون عنهم
وفى إيثار لفظ الذرية الواقعة على الأطفال والنساء فى العرف الغالب مناسبة
قامة لما ذكر )(٢).
(١) تفسير الفخر الرازى - ٢٠ ص ١٥٣ طبعة دار الكتاب العالمية.
طهران :
(٢) تفسير الآلومى < ١٥ - ١٥

-- ٢٥ -
وقوله: ( إنه كان عبدا شكبراء تذييل قصد به الثناء على فرح _ عليه
السلام - أى: إن نوحا - عليه تلام - كان من عبادنا الشا كرين النعمنا، }
المستعملين لها فيما خلقت له ، المتوجهين إلينا بالتضرع والدعاء فى
السراء والضراء .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: قوله: إنه كان عبدا شكوراء واوجه
ملاءمته لما قبله ؟
قلت : كأنه قيل : لا تتخذوا من دونى وكيلا ، ولا تشر كوابى ، لأن
فوحا كان عبدا شكورا، وأنتم ذرية محمد آمن به وحمل معه ، فاجعلوه أسوتكم
كما جعله آباؤكم أسوتهم ، ويجوز أن يكون تعليلا لاختصاصهم، واثناء
عليهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح - عليه السلام، فهم متصلون به ،
فاستأهلوا لذلك الاختصاص ... ))(١).
وبذلك نرى الآيتين الكريمتين ة. دعنا إلى إخلاص العبادة لله - تعالى-
بأسلوب يرضى العقول السليمة ، والعواطف الشريفة .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك قضاءه العادل فى بنى إسرائيل وساق سند من
سنته التى لا تتخلف فى خلقه فقال - تعالى - :
(( وقضَّيْناَ إِلى بنى إسرائيلَ فى الكتابِ، لَتَفْسِدُنّ فى الأرضِ
مرّتين، ولَتَعْلَنَّ عِلُوًّاً كبيراً (٤) فإذا جاء وعدُ أولاهُمَاَ بَعَثْنَاَ عليكُم
عباداً لنَا أُولِ بَأْسٍ شديدٍ فَاسُوا خلالَ الديارِ وكانَ وعداً مفعولاً (٥)
ثم ردَدْنَلِكُمُ الكَّرَّة عليهم، وَأَمْدَدْنَ كُمْ بَأَموالٍ وبَنَيْنَ وجَعَنَالْم
أكثرَ نفِيرًا (٦) إنْ أحسَنْتُمْ أَحسَنْتَمْ لأنفسِكُم، وإِنْ أَسْتُم فلهاَ،
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ صـ ٤٢٨

فإذا جاء وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَهُودوا وجوهَكُم، ولِيَدْخُلُوا المسجد كما
دخُلُوه أَوْلَ مَرَّةٍ، ولايُتَبِّرُوا ماعَلَوْا تَنْبيرا (٧) عَسَى رَبْكُمْ أَن يَرْعَكُم
وإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَاَ، وَجَعَلْنَ جَهَّمَ للكَافِرِينَ صِيراً (٨))).
وقوله - سبحانه -: «وقضينا إلى بنى إسرائيل فى الكتاب لتفدن فى
الأرض مرتين .... )، إخبار من الله تعالى - لهم، بما سيكون منهم، حسب
ما وقع فى علمه المحيط بكل شىء، والذى ليس فيه إجبار أو قسر ، وإنما هو
صفة إنكشافية، تنى عن مآلهم وأحوالهم.
قال أبو حيان: والفعل (( قضى، يتحدى بنفسه إلى دعمول، كقوله
- تعالى , فلما قضى موسى الأجل ... ، ولما ضمن هذا معنى الإيحاء أو الانفاذ
تعدى بإلى أى: وأوحينا أو أنفذنا إلى بنى إسرائيل فى لقضاء المحتوم المبتون
وعن ابن عباس: وأعلنام .... (١).
والمراد بالكتاب : التوراة ، وقيل : اللوح المحفوظ .
واللام فى قوله ((لتفسدن ... ) جواب قسم محذوف تقديره)):
والله لتفسدن .
وتجوز أن تكون جوابا لقوله - تعالى - , وقضينا ... )، لأنه مضمن
معنى القسم، كما يقول القائل: قضى الله لأفعان كذا ، فيجرى القضاء والقدر
مجرى القسم ...
والمقصود بالأرض : عمومها، أو أرض الشام
و ((مرتين)) منصوب على أنه مفعول مطلق لقوله: ((لتفسدن)) من غير
(١) تفسير البحر المحيط. لأبي حيان ج ٦ ص ٨ طبعة دار الفكر - بيروت.

- ٢٧ -
لفظه والمراد : إفسادتين وقوله - عز وجل -«ولتعان ٢٠٠٠ من "لو وهو
ضد الفل، والمراد به هنا: تكبر والتجبر والبغي والعدوان.
والمعنى: وأخبرنا بنى إسرائيل فى كتابه التوراة خبرا مؤكدا، وأوحينا
إليهم بواسطة رسلنا، بأن قلنا لهم: لتفدن فى الأرض مرتين، واتستكبرن
على الناس بغير حق، إستكبارا كبيرا، يؤدى بكم إلى الخسران والدمار.
والتعمير عما يكون منهم من إفساد بالقضاء وأنه فى الكتاب ، بـل على
ثبوته، إذ أصل القضاء - كما يقول القرضى - الإحكام للشىء والفراغ منه.
وأكد إفادهم واستعلاءهم بلام القسم ، للإشعار بأنه مع ثبوته ووجوده
فهو مصحوب بالتجبر والتكبر والبغى والعدوان .
وكان من مظاهر إفسادهم فى الأرض: تحريفهم للتوراة، وتركهم العمل بما
فيها من أحكام، ، قتلهم الأنبياء والمصلحين ..
ثم بين - سبحانه - أنه يسلط عليهم بعد إفادهم الأول فى الأرض ، من
بقهرهم وتستبيح حرماتهم، وبدمرثم تدميرا، فقال - تعالى -: (فإذا جاء وعد
أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد، بخاسوا خلال الديار وكان
وعدا مفعولا ،
والمراد بالوعد: الموعد المحدد القابهم بسبب إفسادهم فى الأرض .
فالكلام على حذف مضاف، والضمير فى (( أولاهما، بعود على المرتين المعبر
عنهما بقوله: ((لتفدن ( الأرض مرتين)).
وقوله , نجاموا، معطوف على ((بعثنا، وأصل الجوس: طلب الشىء
باستقصاء واهتمام ، لتنفيذ ما من أجله كان الطلب .
والمعنى: فإذا حان وقت عقابكم - يا بنى إسرائيل - على أولى مرتى إفسادكم
بعثنا عليكم ووجهنا إليكم ((عبادا لنا أولى بأس شديد)) أى أصحاب بطش شديد
فى الحروب والقتال ، فاذلوكم وقهروكم، وفتشوا عنكم بين المساكن والديار ،

- ٢١ -
لقتل من بقى منكم على قيد الحياة، وكان البعث المذكور وما ترتب عليه من
قتلكم أو سلب أموالكم، وهتك أعراضكم، وتخريب دياركم ... وعدا
فافذا لامرد له ، ولا مفر لكم منه .
قال الألوسى: واختلف فى تعيين هؤلاء العباد - الذين بعثهم الله لمعاقبة
بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول - فعن ابن عياس وقتاده: هم جالوت وجنوده
وقال ابن جبير وابن إسحاق : هم سنحاريب ملك بابل وجنوده . وقيل: هم
العمالقة. وقيل بختنصر.))(١)
وسنبين رأينا فيمن سلطه الله - تعالى - عليهم فى المرتين، بعد تفسيرنا
لهذه الآيات الكريمة .
فإن قال قائل: ومافائدة أن يخبر الله - تعالى - بنى إسرائيل فى التوراة
أنهم يفسدون فى الأرض مرتين . وأنه يعاقبهم على ما كان منهم من استعلاء
وطغيان ، بأن يسلط عليهم من يذهم ويقهرهم ويقضى عليهم ؟
فالجواب: أن إخبارهم بذلك يفيد أن الله - عز وجل - لا يظلم الناس
شيئا، وإنما يعاقبهم على ما يكون منهم من إفساد ويعفو عن كثير، وأن
- حمته مفتوحة للعصاة متى تابوا وأنابوا وأصلحوا من شأن أنفسهم.
وهناك فائدة أخرى لهذا الإخبار، وهو قنبيه العقلاء فى جميع الأمم
ن يحذروا من مواقعة المعاصى التى تؤدى إلى الهلاك، وأن يحذروا أمهم
من ذلك ويبصروهم بسوء عاقبة السير فى طريق الغى، حتى لا يعرضوا أنفسهم
عقاب الله - عز وجل - .
ومن فوائد إيراد هذا الخبر فى القرآن الكريم ، تنبيه اليهود المعاصرين
لغى - صلى الله عليه وسلم - ومن على شاكلتهم فى الفسوق والعصيان من
المشركين، إلى سنة من سنن الله فى خلقه، وهى أن الإفساد عاقبته الخسر ان.
(١) تفسير الآلوسي < ١٥ ص ٠١٧

٢٩٠ -
فعلى اليهود وغيرهم من الناس أن يتبعوا الرسول - صلى الله عليه وسلم -
الذى ثبتت فيوته نبوتا لاشك فيه، لكى يعدوا فى دنياهم وآخرتهم.
ثم أشار - سبحانه - إلى الفائدة الثالثة من هذا الإخبار، وهى أن الأمم
المغلوبة على أمرها. تستطيع أن تسترد مجدها، متى أصلحت من شأن أنفسها،
ومتى استقامت على أمر الله - تعالى - فقال - سبحانه -: « ثم رددنا لكم
الكرة عليهم ، وأمددنا كم بأموال وبنين، وجعلناكم أكثر نفيرا)).
ففى هذه الآية الكريمة تذكير لبنى إسرائيل بجملة من نعم الله عليهم،
بعد أن أصابهم ما أصابهم من أعدائهم .
أما النعمة الأولى فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله: (ثم رددنا لكم
الكرة عليهم ، .
والكرة: المرة من الشىء؛ وأصلها من الكر وهو الرجوع، مصدر
كر بكر - من باب قتل -، يقال: كر الفارس كرا، إذا فر الجولان ثم
عاد للقتال .
والمراد بالكرة هنا: الدولة والغلبة على سبيل المجاز .
أى : ثم أعدنا لكم ـ يابنى إسرائيل - الدولة والغلبة على أعدائكم
الذين قهروكم وأدلوكم، بعد أن أحسنتم العمل، ورجعتم إلى الله - تعالى-،
واتبعتم ما جاءكم به رسلكم.
والتعبير !ثم لإفادة الفرق الشاسع بين ما كانوا فيه من ذل وهوان،
وما أفاءه الله عليهم بعد ذلك من نصر وظفر .
قال أبو حيان: وجعل - سبحانه - ((رددنا)) موضع ترد - إذ وقت
إخبارهم لم يقع الأمر بعد - لأنه لما كان وعد الله فى غاية الثقة فى كونه
سيقع، عبر عن المستقبل بالماضى(١).
(١) تفسير أبي حيان ج ٦ ص ٠١٠

- ٣٠ .
وأما النعمة العافية فقد دبر عنها - سبحانه - بقوله: «وأمددناكم بأموال
وبنين » .
أى: لم تكتف بأن جعلنا القصر لكم على أعدائكم، بل فضلا عن ذلك،
أمددناكم بالكثير من الأموال والأولاد ، بعد أن نهب أعداؤكم أموالكم،
وقتلوا الكثيرين من أبنائكم .
وأما النعمة الثالثة فتتجلى فى قوله - تعالى -: ((وجعلناكم أكثر نفيرا)).
والنفير: من ينفر مع الرجل من قومه لنصرته ومؤازرته، وهو منصوب
على التمييز . والمفضل عليه محذوف ، والتقدير: وجعلناكم أكثر عددا وقوة
من أعدائكم الذين جاسوا خلال دياركم ...
فمن الواجب عليكم أن تقدروا هذه النعم ، وأن تحنوا الاستفادة
منها، بأن تشكروا الله - تعالى - وتخلصوا له العبادة والطاعة، فقد نصركم بعد
هزيمتكم ، وأغناكم بعد فقركم، وكثركم بعد قلتكم .
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك سنة من سننه التى لا تتخلف، وهى أن
الإحسان عاقبته الفلاح ، والعصيان عاقبته الخسران، وأن كل إنسان مسئول
عن عمله، ونتائج هذا العمل - سواء أ كانت خيرا أم شراء لا تعود إلا عليه،
فقال - تعالى -: ((إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، وإن أسأتم فلها)).
أى: إن أحسنتم - أيها الناس - أعمالكم، بأن أديتموها بالطريقة التى
ترضى الله - تعالى -، أفلحتم وسعدتم، وجنيتم الثمار الطيبة التى تترتب على
هذا الإحسان للعمل، وإن أسأقم أعمالكم ، بأن آثرتم الأعمال السيئة على
الأعمال الحسنة، خسرتم وشقيتم وتحملتم وحدكم النتائج الوخيمة التى تترقب
على إتيان الأعمال التى لا ترضى الله - تعالى -.
وقد رأيتم كيف أن الإفساد كانت عاقبته أن ((بعتنا عليكم عبادا لنا
أولى بأس شديد جاسوا خلال الديار ».

- ٢١ -
وكيف أن الإحسان كانت عاقبته أن ((رددنا لحكم الكرة)، على أعدائكم
(((وأمددنا كم بأموال وبنين وجعلنا كم أكثر فقيرا،
قال صاحب البحر ما ملخصه: وجواب وإن أسأقم قوله (( فلها، وهو
خبر لمبتدأ محذوف أى: فالإساءة لها . قال الكرماني: قال - سبحانه -, فلها
باللام ازدواجا . أى: أنه قابل (، لأنفسكم، بقوله وفلها،. وقال الكبرى
اللام بمعنى إلى أى : فإليها مرجع الإساءة.
وقيل: اللام بمعنى على. أى، فعليها، كما فى قول الشاعر: خر صريعا
اليدين وللفم . ،(١)
ثم بين - سبحانه - ما يحل بهم من دمار، بعد إنسادهم للمرة الثانية ، فقال
- تعالى - ,فإذا جاء وعد الآخرة، ليسوموا وجوهكم ، وليدخلوا المسجد
كما دخلوه أول مرة، وليتبروا ما علوا تغيرا)،
والمكلام أيضا هنا على حذف مضاف ، وجواب إذا محذوف دل عليه
ما تقدم وهو قوله . بعثنا عليكم عبادا لنا.)) فإذا جاء وقت عقوبتكم يا بنى
إسرائيل على إفسادكم الثانى فى الأرض، بعثنا عليكم أعداءكم ليسوء واوجوهكم
أى: ليجعلوا آثاره المساءة والحزن بادية على وجوهكم، من شدة ما تلقونه
منهم من إيذاء وقتل .
قال الجمل ما ملخصه: وقوله , ليسوموا: الواو للعباد أولى البأس الشديد.
وفى عود الواو على العباد نوع استخدام، إذ المراد بهم أولا جالوت
وجنوده ، والمراد بهم هنا بختنصر وجنوده .
وقرأ ابن عامر وحمزة بالياء المفتوحة والهمزة المفتوحة آخر الفعل
: ليسوء)، والفاعل إما لله - تعالى - وإما الوعد، وإما البعث.
١٠) تفسير البحر المحيط = ٦ ص ١١

-- ٢٢ -
وقرأ الكسائى الفسوء - بنون العظمة - أى: لنسوء نحز. وهو موافق
لما قبله ، من قوله: بعثنا، ورددنا، وأعددنا، ولما بعده من قوله: عدنا،
وجعلنا، وقرأ الباقون، ليسوموا)) مسندا إلى ضمير الجمع السائد على العباد،
وهو موافق لما بعده (ن قوله: ((وليدخلوا المسجد. وايتبروا))(١)
وقال الإمام الرازى: ويقال ساءه يسوءه إذا أحزنه، وإنما عزاء
سبحانه - الإساءة إلى الوجوه، لأن آثار الأعراض النفسية الحاصلة فى القلب
إنما تظهر على الوجه، فإن حصل الفرح فى القلب ظهر الإشراق فى الوجه ،
وإن حصل الحزن والخوف فى القلب، ظهر الكلوح فى الوجه.)(٢)
وقوله - سبحانه -. ((وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة)) معطوف
على ما قيله وهو قوله - سبحانه - « ليسوءوا وجوهكم،
والمراد بالمسجد: المسجد الأقصى الذى ببيت المقدس، وقوله ((كمادخلوه)).
صفة لمصر محذوف
والمعنى: وليدخلوا المسجد دخولا كاننا كدخولهم إياه أول مرة
قال أبو حيان: ومعنى ((كما دخلوه أول مرة، أى بالسيف والقهر والغلبة
والإذلال ، (٢)
أى أن المراد من التشبيه، بيان أن الأعداء فى كل مرة أذلوا بنى إسرائيل
وقتلوهم وفهروهم
وقوله - تعالى - ((وليتبروا ما علوا تتبيرا)، يشعر بشدة العقوبة التى أنزلها
أولئك العباد ببنى إسرائيل، إذ التتبير معناه الإهلاك والتدمير والتخريب
لكل ما تقع عليه . ومنه قول الشاعر :
(١) حاشية الجمل على الجلالين حـ ٢ ص ٦١٧ ٠
(٢) يفسير الفخر الرازى - ٢٠ ص ٠١٩
(٣) تفسير البحر المحيط ح، ص ١١.

- ٣٣ ٠-
يتهر ما يبنى وآخر رافع
وما الناس إلا عاملان فعامل
أى : يخرب وبهدم ما يبنى .
و ((ما) فى قوله « ماعلوا، اسم موصول مفعول يتبروا؛ وهو عبارة عن
البلاد والأماكن التى هدموها ، والعائد محذوف ، وتتبيرا مفعول مطلق
مؤ كد لعامله .
أى: وليدمرا ويخربوا البلاد والأماكن التى علوا عليها ، وصارت فى
حوزتهم، تدميرا قاما لا مزيد عليه.
وبذلك نرى أن العباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بى إسرائيل، عقب
إفسادهم الثانى فى الأرض، لم يكتفوا بحوس الديار، بل أضافوا إلى ذلك
إلقاء الحزن والرعب فى قلوبهم، ودخول المسجد الأقصى فاتحين ومخربين ،
وتدمير كل ما وقعت عليه أيديهم تدميرا فظيعا لا يوصف .
ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة ببيان أن هذا الدمار الذى حل بنى
إسرائيل بسبب إفسادهم فى الأرض مرتين ، قد يكون طريقا لرحمتهم ، وسببا
فى توبتهم وإذابتهم، إن فتحوا قلوبهم للحق ، واعتبروا بالأحداث الماضية ،
وفهموا عن أنقه - تعالى - سنته الى لا تتخلف، وهى أن الإحسان يؤدى إلى
الفلاح والظفر، والإفساد يؤدى إلى الخسران والهلاك.
وقد عبر القرآن الكريم عن هذه المعانى أبلغ تعبير واحكمه . فقال
.. تعالى - :« عسى ربكم أن يرحمكم، وإن عدتم عدنا، وجعلنا جهنم
للكافرین حصيرا .
أى: عسى ربكم أن يرحمكم؛ ويعفو عنك يا بنى إسرائيل منى أخلصتم له
العبادة والطاعة، وأصلحتم أقوالكم وأعمالكم، فقد علمتم أنه - سبحانه -
لا ينزل بلاء إلا بذنب ، ولا يرفعه إلا بتوبة .
قال : أبو حيان: وهذه الترجية ليست الرجوع دولة، وإنما هو من باب
(٣ - سورة الإسراء)

ترحم المطيع منهم، وكان من الطاعة أن يتبعوا عيسى: محمدا - عليهما السلام.
ولكنهم لم يفعلوا »(١).
وقوله - سبحانه -: ((وإن عدتم عدنا)) إنذار لهم بإنزال العقوبات عليهم،
إن عادوا إلى فسادهم وإفسادهم .
أى: وإن عدتم إلى المعاصى ومخالفة أمرى، وانتهاك حرماتى، بعد أن
تدار كتكم رحتى، عدنا عليكم بالقتل والتعذيب وخراب الديار ..
ولقد عادوا إلى الكفر والفسوق والعصيان ، حيث أعرضوا عن دعوة
الحق التى جاءهم بها الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكتفوا بهذا الإعراض
بل هموأ بقتله - صلى الله عليه وسلم وأيدوا كل متربص بالإسلام والمسلمين،
فكانت نتيجة ذلك أن عاقبهم النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بما يستحقون
من إجلاء وتشريد وقتل ...
قال ابن عباس - رضى الله عنهما ــ (( عادوا فسلط الله عليهم المؤمنين،
ثم بين - سبحانه - عقوبتهم فى الآخرة فقال: ((وجعلنا جهنم للمكافرين
حصيرا، أى : إن عدتم إلى معصيتنا فى الدنيا عدنا عليكم بالعقوبة الرادعة،
أما فى الآخرة فقد جعلنا جهنم للكافرين منكم ومن غيركم ((حصيرا، أى:
سجنا حاصرا لكم لا تستطيعون الهروب منه ، أو الفكاك عنه ، أو فراشا
تفتر شونه، كما قال - تعالى - «لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش، وكذلك
تجزى الظالمين ».
قال بعض العلماء: قوله ((حصيرا، فيه وجهان: الأول : أن الحصير
المحبر والسجن. من الحصر وهو الحبس، يقال حصره يحصره حصرا، إذا
طبق عليه وأحاط به ..
ونثانى. أن الحصير: البساط والفراش، من الحصير الذى يفرش، لأن
(١) تفسير البحر المحيط جـ ٦ ٥ ١١

العرب تسمى البساط الصغير حصيرا ... )،(١)
وبذلك نرى الآيات الكريمه، قد حكت لنا قضاء الله - تعالى - فى بنى
إسرائيل، وساقت لنا لكى نعتبر وفتعظ ألوانا من سنن الله - تعالى - التى
لا تتخلف، والتى من أبرزها أن الإيمان والصلاح عاقبتهما الفلاح ، وأن
الكفر والفساد عاقبتهما الشقاء، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.
هذا ، والذى يراجع ما قاله المفسرون فى بيان العباد الذين سلطهم الله
- تعالى - على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول والثانى فى الأرض، رى أقوالا
متعددة يبدو على كثير منها الاضطراب والضعف(٢) ...
ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس وابن مسعود - رضى الله
عنهما - أن الله - تعالى - عهد إلى بنى إسرائيل فى التوراة «لتفدن فى
الأرض مرتين ، فكان أول الفسادين قتل زكريا ، فبعث الله عليهم ملك
النبط، وكان يدعى (( صحابين) فنبعث الجنود، وكانوا من أهل فارس ...
فتحصنت بنو إسرائيل ... ودخل فيهم ((بختنصر)) - أحد جنود صحابين -
وسمع أقوالهم .. الخ، (٣)
وهذا الأثر من وجوه ضعفة، أن غزو النبط ومعهم بختنصر لبنى إسرائيل
سابق على زمان زكريا - عليه السلام - بحر الى ستة قرون .
لأن الثابت تاريخيا أن بختنصر غزا بنى إسرائيل وانتصر عليهم ثلاث
مرات : الأولى فى سنة ٦٠٦ ق م والثانية فى سسنة ٥٩٩ قم ، والثالثه فى
سنة٥٧٨ ق م .
(١) تفسير أضواء البيان -٣ -٢٧٢٠ للمر حوم الشيخ محمد الأمين الشنقيطى
(٢) ذكرنا معظم هذه الأقوال فى كتابنا (بنو إسرائيل فى القرآن والسنة))
=٢ ص ٣٥٩ وناقشناها، وضعفنا ما يستحق التضعيف منها، ورجحنا
ما يستحق الترجيح ...
(٣) تفسير أبين جرير جـ ١٦ ١٧٠٠ - بتصرف وتلخيص ..

٢١٠٠ -
وفى هذه المرة الثالثة أكثر القتل فيهم ، وساق الأحياء منهم أسارى إلى
أرض بابل .
أما زكريا - عليه السلام. فمن المعروف أنه كان معاصرا لعيسى
- عليه السلام - أو مقاربا لعصره: فقد أخبرنا القرآن الكريم أن زكريا
هو الذى تولى كفالة مريم أم عيسى .
وإذا فالقول بأن إفسادهم الأول كان لقتلهم زكريا، وأن المسلط عليهم
ملك النبط ومعه ، بختنصر، يتنافى مع الحقائق التاريخية.
وفضلا عن ذلك، فإن هذا الأثر إضطرابه ظاهر، لأن , صحابين، ملك
النبط، هو الذى يسميه المؤرخون ((سحاريب، وكان ملكا للأشوريين،
وهو الذى غزا مملكة بهوذا سنة ٧١٣ ق م. أى قبل غزو بختنصر لها بأكثر
من مائة سنة ، أى : أن يختنصر لم يكن معاصرا له .
والرأى الذى تختاره : هو أن العباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل
بعد إفساده الأول، هم جالوت وجنود)، ونستند فى اختيارنا لهذا الرأى إلى
أمور من أهمها مايلى :
١ - ذكر القرآن الكريم فى سورة البقرة، عند عرضه اقصة القتال
الذى دار بين طالوت قائد بنى إسرائيل، وبين ((جالوت، قائد أعدائهم، ما بدل
على أن بنى إسرائيل كانوا قبل ذلك مقهورين مهزومين من أعدائهم.
ويتجلى هذا المعنى فى قوله - تعالى -: ((ألم تر إلى الملأ من بنى إسرائيل
من يعد موسى، إذ قالوا لنى لهم. إبعث لنا ملكا نقاقل فى سبيل الله، قال
هل عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لانفاتلوا. قالوا وما لنا أن لا نقاتل فى
سبيل ألفه وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا .... ،
فقولهم - كما حكى القرآن عنهم - (( وما لنا أن لا نقاتل فى سبيل الله وقد
أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ... ، يدل دلالة قويه، على أنهم كانوا قبل

- ٣٧ -
قتالهم لجالوت مهزومين «زيمة اضطر تهم إلى الخروج عن ديارهم ، وإلى
مفارقة أبنائهم .
٢ - قوله - تعالى -: ، ثم رددنا لكم الكرة عليهم، صريح فى أن الله
- تعالى - نصر بنى إسرائيل بعد أن تابوا وأنابوا على أعدائهم.
وهذا المعنى بنطبق على ماقصه القرآن علينا، من أن بنى إسرائيل بقيادة
طالوت قد اقتصروا على جالوت وجنوده.،.
قال - تعالى -: ولما برزوا - أى بنو إسرائيل - جالوت وجنوده، قالوا
ربنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. فهزموهم
بإذن الله، وقتل داود جالوت، وآتاه الله الملك والحكمة، وعلمه مايشاء ...
ولقد كان هذا النصر نعمة كبرى لبنى إسرائيل، فقد جاءهم بعد أن
أخرجوا من ديارهم وأبنائهم ، وبعد أن اعترضوا على اختيار طلوت علمكا
عليهم ، وبعد أن قاتل مع طالوت عدد قليل منهم .
٣. قوله - تعالى -: ، وأمددنا كم بأموال وبنين وجعلنا كم أكثر نفبرا)،
أكثر ما يكون انطباق على عهد حكم طالوت ، وداود، وسليمان لهم .
ففى هذا العهد الذى دام زهاء ثمانين سنة، ازدهرت مملكتهم ، وعز
سلطانهم وأمدهم الله خلاله بالأموال الوفيرة. وبالبنين الكثيرة ، وجعلهم
أكثر من أعدلهم عددا وقوة .
أما بعد هذا العهد، بل وقبل هذا العهد ، فقد كانت حياتهم سلسلة من
المآسى والنكبات ...
فبعد موت سليمان - عليه السلام - سنة ٩٧٥ ق م تقريبا، انقسمت
ملكتهم إلى قسمين : مملكة بهوذا فى الجنوب ، ومملكة إسرائيل فى الشمال،
واستمرتا فى صراع ونزاع حتى قضى الأشوريون سنه ٧٢١ قم على مملكة
إسرائيل، وقضى (( بختنصر)) على مملكة يهو ذا سنة ٥٨٨ قم.

- ٢٨ -
٤ - ذكر بعض المنسرين أن العباد الذين سلطهم الله عليهم بعدإفسادهم
الأول هم جالوت وجنوده .
أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس فى قوله - فإذا جاء وعد
أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد .... )) قال: بعث الله عليهم
فى الأولى جالوت. جاس خلال ديارهم، فسألوا الله - تعالى - أن يبعث هم
ملكا، فبعث لهم طالوت ، فقاتلوا جالوت ، وانتصروا عليه، وقتل داود
جالوت ، ورجع إلى بنى إسرائيل ملكهم. فلما أفسدوا بعث الله عليهم فى
المرة الآخرة ((بختنصر) :خرب المساجد، وتبر ما علوا تتبيرا ... ((١)
هذه بعض الأدلة التى تجعلنا نرجح أن المراد بالعباد الذين سلطهم الله
- تعالى - على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول فى الأرض، هم جالوت
وجنوده .
أما العباد الذين سلطهم الله عليهم بعد إفسادهم الثانى، فيرى كثير من
المفسر بن أنهم ((بختنصر)) وجنوده.
وهذا الرأى ليس ببعيد عن الصواب ، لما ذكرنا قبل ذلك من تنكيله
بهم، وسوقهم أسارى إلى بابل سنه ٥٨٨ قم.
إلا أننا فوثر على هذا الرأى ، أن يكون المسلط عليهم بعد إفسادهم الثانى،
هم الرومان بقيادة زعيمهم، تيطس ، سنة ٧٠ م. لأمور من أهمها:
١ - أن الذى يتعبد التاريخ يرى أن رذائل بنى إسرائيل فى الفترة التى
سبقت تنكيل ((قبطس، بهم، أشد وأكبر من الرذائل التى سبقت إذلال
((يختصر)) لهم. فهم على سبيل المثال - قبيل بطشر الرومان بهم، كانوا قد
قتلوا من أنبياء الله زكريا ويحى - عليهما السلام -، وكانوا قد حاولوا قتل
عيسى - عليه السلام - ولكن الله - تعالى - نجاه من شرورهم .
(١) تفسير الدر المنثور السيوطى حـ ٤ صـ ١٦٣

- ٢٩ -
٣ - ضربات الرومان - فى ذاتها - كانت أشد وأقسى على بنى إسرائيل.
من ضربات «بختنصر ، لهم .
فمثلا عدد القتلى من اليهود على يد الرومان بقيادة ((تيطس) بلغ مليون
قتيل، وبلغ عدد الأسرى نحو مائة ألف أسير (١).
بينما كان عدد القتلى والأسرى منهم على يد ((يختنصر) أقل من هذا العدد
بكثير .
ولقد وصف المؤرخون النكبة التى أوقعها الرومان بهم ، بأوصاف تفوق
بكثير ما أوقعه البابليون بقيادة بختنصر بهم .
يقول أحد الكتاب وأصفا ما حل باليهود على يد (( تيطس)) الرومانى :
كان, قيطس، فى الثلاثين من عمره، حين وقف سنة [٧٠ م] أمام أسوار
أورشليم على رأس جيشه، بعد أن بدأت المدينة تعانى من أهوال
الحصار ...
وبعد أن اقتحم (( نيطس، وجنوده المدينة، أصدر أمره إليهم: أن
احرقوا وأنهبوا واقتلوا ، فأموال اليهود وأعراضهم حلال لكم، وقد
أحرق الرومان معبد اليهود ودمروه، وتحققت نبوءة المسيح - عليه السلام-
حين قال : ستاقى هذه الأرض بؤسا وعنتا، وسيحل الغضب على أهلها،
وسيسقطون صرعى على حد السيف، ويرسلون عبيدا فى كل مصر. وستطأ
أور شليم الأقدام .
٣ - الفكية التى أنزلها الرومان بهم - من حيث آثارها - أشنع بكثير
من الشكبة التى أنزلها بختنصر بهم. لأنهم بعد تنكيل بختنصر بهم وأخذهم
(١) من كتاب ((تاريخ الإسرائيليين)) ص ٧٦ ١شاهين مكاريوس.
(٢) من مقال للاستاذ عمر طلعت زهر ان عنوانه ((تدمير أورشليم))
نشر بمجلة الأزهر المجلد ٢١ ص ٤٧ ٠

٤٠٠٠ -
أسرى إلى بلاد، وبقائهم فى الأسر زهاء خمسين سنة عادوا إلى ديارهم مرة
أخرى، بمساعدة ((قورش) ملك الفرس، الذى انتصر على (بختنصر))
سنة ٥٣٨ ق م تقريباً ، وبدأوا يتمكاثرون من جديد .
أما بعد تشكيل (, قيطس) بهم فلم تقم لهم قائمة، ومزقوا فى الأرض شر
مزق ، وانقطع دابرهم كامة ) .
وقد صرح بهذا المعنى صاحب تاريخ الإسرائيليين فقال بعد وصفه لما
أوقعه (( تيطس)) بهم من ضربات: (( إلى هنا ينتهى تاريخ الإسرائيليين كامة،
فإنهم بعد خراب أورشليم على يد (( تيطس) تفرقوا فى جميع بلاد الله ،
وتاريخهم بعد ذلك ملحق بتاريخ المالك التى توطنوا، أو نزلوا فيها .: (١).
ولهذه الأسباب نرجح أن يكون العباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل
بعد إفسادهم الثانى فى الأرض، هم الرومان بقيادة ((تيطس)).
أقول ومع ترجيحنا لذلك، إلا أننا نحب فى نهاية حديثنا عن هذه الآيات
الكريمة ، أن نقرر ما يأتى :
١ - أنه لم یصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث فى بيان
المراد بالعباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل عقب مرتى إفسادهم، وإلا
لذكره المفسرون .
٢ - أن الإفساد فى الأرض قد حدث كثيراً من بنى إسرائيل، وأن المقصود
من قوله - تعالى -((لتفسدن فى الأرض مرتين، إنما هو أظهر وأبرز مرتين
حدث فيهما الإفساد منهم .
ومما يدل على أن هذا الإفساد قد تكرر منهم قوله - تعالى -: ، وإن
عدتم عدنا، وقوله - تعالى -: «وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة
من يسومهم سوء العذاب»(٢).
(١) تاريخ الإسرائيليين ص ٧٧ لهامين مكاريوس,
(٢) سورة الأعراف الآية ١٦٧.