Indexed OCR Text
Pages 161-180
- ١٦١ -٠ وقال الجمل: فإن قلت : كيف أثبت للأصنام نطقا هنا، ونفاه عنها فى قوله - تعالى - فى سورة الكهف: «ويوم يقول نادوا شركاتى الذين زعمتم قدعوم فلم يستجيبوا لهم .. ، فالجواب : أن المثبت لهم هنا النطق بتكذيب المشركين فى دعوى عبادتهم لها ، والمنفى عنهم فى الكهف النطق بالإجابة إلى الشفاعة لهم ودفع العذاب عنهم فلا تعافى ،(١) . والتعبير بقوله - تعالى - ((فألقوا إليهم القول ... )) يشعر بأن الشركاء قد ردوا على المشركين قولهم بسرعة وبدون إبطاء . حيث أتى - سبحانه - بالفاء فى قوله ((فألقوا، واشتملت جملة ((إنكم لكاذبون)) على جملة من المؤكدات، لإخام المشركين ، وتكذيهم فى قولهم تكديبا قاطعا لايحتمل التأويل. ولذا وجدنا المشركين يعجزون عن الرد على شركاتهم ، بدليل قوله - تعالى - بعد ذلك: « وألقوا إلى الله يومنذ السلم، وضل عنهم ما كانوا يفترون » . أى: وألقى المشركون يوم القيامه ((السلم)) أى: الاستسلام والخضوع والانقياد، لقضاء الله - تعالى - العادل فيهم ، وغاب وذهب عنهم ما كانوا يفترونه ويزعمونه فى الدنيا من أن آلهتهم ستشفع لهم، أو ستنفعهم يوم القيامة. وقيل: إن الضمير فى قوله - تعالى: ((وألقوا)) يعود على المشركين وشركائهم. أى. استسلم العابدون والمعبودون وانقادوا لحكم الله الواحد القهار فیهم . ثم بين - سبحانه - مصير الذين لم يكتفوا بالكفر، بل ضموا إليه رذائل (١) حاشية الجمل على الجلالين حـ ٢ ص ٠٥٩٢ مے (١١ - سورة النحل) - ١٦٢ -٠ أخرى فقال - تعالى -: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفدون، أى: الذين لميكتفوا بكفرهم ، بل أضافوا إلى ذلك أنهم (( صدوا)) غيره ومنعوه (( عن سبيل الله)) أى: عن أتباع الصراط المستقيم ، واطريق القويم وهو طريق الإسلام ... هؤلاء الأشقياء الذين فعلوا ذلك: ((زدناهم عذابا)) شديدا , فوق العذاب)) الذى يستحقونه ((بما كانوا يفدون)): أى: بسبب فسادهم فى الأرض وكفرهم بالحق، وصدهم الناس عن اتباعه. وهذه الزيادة فى عذابهم، وردت آثار عن بعض الصحابة فى بيانها ، ومن ذلك ماروى عن ابن مسعود - رضى الله عنه - أنه قال: « زبدوا عقارب لها أنياب كالنخل الطوال ينهشونهم فى جهنم))(١). قال ابن كثير : وهذا دليل على تفاوت الكفار فى عذابهم، كما بتفاوت المؤمنون فى منازلهم فى الجنة ودرجاتهم)،(٢). ثم أكد - سبحانه - أمر البعث، وأنه آت لا ريب فيه، فقال - تعالى -: ((ويوم نبعث فى كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم ... )) والمراد بالشهيد هنا: كل فى بعثه الله - تعالى - لأمة من الأمم السابقة كنوح، وإبراهيم، وموسى وعيسى، وغيرهم من الأنبياء السابقين - عليهم الصلاة و السلام - . والظرف « يوم ( متعلق بمحذوف تقديره: اذكر. والمعنى: واذكر - أيها العاقل لتتعظ وتعتبر - يوم القيامة، يوم نبعث فى كل أمة من الأمم السابقة، قبيها الذى أرسل إليها فى الدنيا، ليشهد عليها الشهادة الحق ، بأن يشهد لمؤمنها بالإيمان ، ولكافرها بالكفر . (١) تفسير ابن جرير < ،١ ص ١٠٧ (٢) تفسير ابن كثير حـ ٢ ص ٠٥٨١ -١٦٣- وقوله - سبحانه ـ ((من أنفسهم)) أى: من جنهم وبيئتهم، ليكون أتم للحجة ، وأقطع للعذرة , وأدعى إلى العدالة والإنصاف. قال الألوسى: ولا يرد لوط - عليه السلام- فإنه لما تأهل فيهم وسكن معهم عدمنهم - أيضا - . وقال ابن عطيه : بحور أن يبعث الله شهداء من الصالحين مع الأنبياء - عليهم السلام -. وقد قال بعض الصحابة : إذا رأيت أحدا على معصية فانهه فإن أطاعك وإلا كنت شهيداً عليه يوم القيامة)) !! ). (قوله - سبحانه - ((وجئنا بك شهيدا على هؤلاء، خطاب للنبي - صلى اقه عليه وسلم - على التشريف والتكريم. والمراد بهؤلاء: أمته - صلى الله عليه وسلم - . أى : وجثنا بك - أيها الرسول الكريم - يوم القيامة شهيدا على هؤلاء الذين أرسلك الله - تعالى - لإخراجهم من الظلمات إلى النور. وإيثار لفط المجىء على البعث، لكمال العناية بشأنه - صلى الله عليه وسلم -. قال ابن كثير قوله ((وجئنا بك شهيدا على هؤلاء)، يعنى أمتك. أى أذكر ذلك اليوم وهو له، وما منحك الله فيه من الشرف العظيم ، والمقام الرفيع . وهذه الآية شبيهة بالآية التى أنتهى إليها عبد الله بن مسعود حين قرأ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدر سورة النساء، فلما وصل إلى قوله-تعالى- ((فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((حسبك)). فقال ابن مسعود: فالتفت فإذا عيناه - صلى الله عليه وسلم - نذرفان - أى بالدموع .... )، (٢). (١) تفسير الآلوسي ج ١٤ ص ٢١٢ (٢) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٥٨٢ - ١٦٤ - والمراد بشهادته على أمته - صلى الله عليه وسلم -: تصريحه بأنه قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لأمته، وتزكيته لأعمال الصالحين منها، ورجاؤه من الله - تعالى- فى هذا اليوم العصيب أن يغفر العصاة من هذه الأمة. ويرى بعضهم أن المراد بهؤلاء فى قوله، وجئنا بك شهيدا على هؤلاء)): أى: على الأنبياء السابقين وأمعهم . ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب، لأنه هو الظاهر منمعنى الجملة الكريمة، ولأن آية سورة النساء، فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد)» تؤيده . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان ما نزله عليه من وحى فيه الشفاء الصدور، والموعظة للنفوس فقال - تعالى -: ((ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لمكل شىء، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين،. والتبيان: مصدر يدل على التكثير. قالوا: ولم يجىء من المصادر على هذه الزنة إلا لفظان لفظ التبيان ، ولفظ التلقاء. أى: ((ونزلنا عليك)) - أيها الرسول الكريم - ((الكتاب) الكامل الجامع وهو القرآن الكريم , قبيانا)). أى: بيانا بليغا شاملا, لمكل شىء، على سبيل الإجمال تارة، وعلى سبيل التفصيل تارة أخرى . وقوله « وهدى ورحمة وبشرى المؤمنين، صفات أخرى للكتاب. أى: أنزلنا عليك القرآن ليكون قبيانا لمكل شىء، وليكون هداية للناس إلى طريق الحق والخير ، ورحمة لهم من العذاب، وبشاره لمن أسلموا وجوههم الله - تعالى - وأحسنوا القول والعمل ، لا لغيرهم ممن آثروا الكفر على الإيمان ، والغى على الرشد . - ١٦٥ - قال الجمل ما ملخصه: وقوله: ((تبيانا لمكل شىء)) أى بيانا بليغا، فالتبيان أخص من مطلق البيان على القاعدة أن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى . وهذا التبيان إما فى نفس الكتاب ، أو بإحالته على السنة لقوله - تعالى - ((وما آتاكم الرسول :خذوه وما نها كم عنه فانتهوا))، أو بإحالته على الإجماع كما قال - تعالى - ,ومن يشافق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ماقولى ... )، أو على القياس كما قال: فاعتبروا يا أولى الأبصار، والاعتبار النظر والاستدلال اللذان يحصل بهما القياس. فهذه أربعة طرق لايخرج شىء من أحكام الشريعة عنها، وكلها مذ كورة فى القرآن، فكان تبيانا لمكل شىء ، فاندفع ماقيل: كيف قال الله - تعالى - ((ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لمكل شىء)) ونحن نجد كثيرا من أحكام الشريعة لم يعلم من القرآن نصا، كعدد ركعات الصلاة، ومقدار حد الشرب، ونصاب السرقة وغير ذلك ... ، (١) . ٥٠٠ وبعد أن مدح - سبحانه - القرآن الكريم، بأن فيه تبيان كل شىء، وأنه هداية ورحمة وبشرى للمسلمين، أتبع داك بآيات كريمة أمرت المسلمين بأمهات الفضائل، وبجمال مكارم الأخلاق ، ونمنهم عن الفواحش والرذائل لتكون كالدليل على مافى هذا الكتاب من تبيان وهدى ورحمة فقال - تعالى - : ((إِنّاللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإِينَء ذِى القُربَى، وَيْهى عن الفحشاء والمنكرِ والبَغْيِ يِظُكُم لعلكم تذكَّرُونَ (٩٠) وأوفُوا بعهدٍ (٤) حاشية الجمل على الجلالين ج ٢ ص ٥٩٣ - ١٦٦ - القُهِ إِذَا مَاهَدْتُم ، ولا تنقضُوا الْأيمَنَ بعد توكيدِهَا، وقد جعلتَمَ اللهَ عليكم كفيلاً، إنَّ اللهَ يعلَمُ ما تفعلُونَ (٩١) ولا تكونُوا كالتى نقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ فوةٍ أَنْكَانَ، تَخِذُونَ أَ يْمَنَكُمْ دَخَلاَ بِنُكُم، أن تكونَ أمةٌ هى أَرْبَى مِنْ أُمةٍ ، إنما يبدُوكُم اللهُ به ، وليِینَ لكم يومَ القيامةِ ما كُنُ فيه تَخْلِفِون (٩٢) ولو شاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدةً، ولكِنْأَيُضِلُّ مَنْ يشاء ويَهْدِى مَنْ يشاء، ولتُسألُنَّ عما كنتُ تعملُونَ (٩٣)). قال القرطبى ما ملخصه: قوله - تعالى -: ((إن الله يأمر بالعدل والإحسان أختلف العلماء فى تأويل العدل والإحسان، فقال ابن عباس: العدل: لا إله إلا الله، والإحسان: أداء الفرائض. وقيل العدل: الفرض. والإحسان: النافلة ، وقال على بن أبى طالب: العدل: الإنصاف. والإحسان : التفضل . وقال ابن العربى: العدل بين العبد وربه: إيثار حقه - تعالى - على حظ نفسه، وتقديم رضاه على هواه، والاجتناب للزواجر والامتثال للأوامر . وأما العدل بينه وبين نفسه فمنعه مافيه هلاكها ... وأما العدل بينه وبين غيره فبذل النصيحة ، وترك الخيانة فيما قل أو كثر، والإنصاف من نفسك لهم بكل وجه ... وأما الإحسان فهو مصدر أحسن يحسن إحسانا. ويقال على معنيين : أحدهما : متعد بنفسه، كقولك: أحسنت كذا ، أى: حسنته وأتقنته وكملته، وهو منقول بالهمزة من حسن الشىء. وثانيهما: متعد بحرف جر ، كقولك: أحسنت إلى فلان، أى: أوصلت إليه ما ينتفع به. وهو فى هذه الآية مراد بالمعنيين معا .... (١) (١) تفسير القرطبى - ١٠ ص ٦٦ !. - ١٦٧ - ومن هذا الكلام الذى نقلناه بشىء من التلخيص عن الإمام القرطى ، يتبين لنا أن العدل هو أن يلتزم الإنسان جانب الحق والقسط فى كل أقواله وأعماله، وأن الإحسان يشمل إحسان الشىء فى ذاته سواء أ كان هذا الشى. يتعلق بالعقائد أم بالعبادات أم بغيرهما ، كما يشمل إحسان المسلم إلى غيره، فالإحسان أوسع مدلولا من العدل ، لأنه إذا كان العدل معناه: أن تعطى كل ذى حق حقه ، بدون افراط أو تفريط ، فإن الإحسان يندرج تحته أن تضيف إلى ذلك العفو عمن أساء إليك، والصلة لمن قطعك، والعطاء لمن حرمك ... وإيثار صيغة المضارع فى قوله (( إن الله يأمر ... ، لإفادة التجدد والاستمرار. ولم يذكر - سبحانه - متعلقات العدل والإحسان. ليعم الأمر جميع ما يعدل فيه، وجميع ما يجب إحسانه وإتقانه من أقوال وأعمال، وجميع ما ينبغى أن تحسن إليه من إنسان أو حيوان أو غيرهما . وقوله - تعالى -، وإيتاء ذي القربى، فضيله ثالثة معطوفة على ما قبلها من عطف الخاص على العام : إذ هى مندرجة فى العدل والإحسان. وخصها - سبحانه - بالذكر اهتماما بأمرها، وتنويها بشأنها، وتعظما لقدرما . والإبتاء: مصدر بمعنى الإعطاء ، وهو هنا مصدر مضاف لمفعوله . والمعنى: إن الله - تعالى - يأمركم - أيها المسلمون - أمرا دائما وواجبا، أن تلتزموا الحق والإنصاف، فى كل أفوالكم وأفعالكم وأحكامكم ، وأن تلتزموا التسامح والعفو والمراقبة لله - تعالى - فى كل أحوالكم. كما يأمركم أن تقدمو الأقاربكم على سبيل المعاونة والمساعدة، ما تستطيعون تقديمه لهم من خير وبر .. لأن هذه الفضائل متى سرت بينكم ، فلتم السعادة فى دينكم ودنياكم ، ٠٠ ١٦٨ - إذ بالعدل ينال كل صاحب حق حقه ، وبالإحسان يكون التحاب والتواد والتراحم ، وبصلة الأقارب يكون التكافل والتعاون ... وبعد أن أمر- سبحانه - بأمهات الفضائل، نهى عن رءوس الرذائل فقال - تعالى -: « وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى ... » والفحشاء: كل ما اشتد قبحه من قول أو فعل. وخصها بعضهم بالزما. والمنكر: كل ما أفكره الشرع بالنهى عنه، فيعم جميع المعاصى والرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها . والبغى: هو تجاوز الحد فى كل شىء يقال: بغى فلان على غيره، إذا ظلمه وتطاول عليه . وأصله من بغى الجرح إذا ترامى إليه الفساد ... أى: كما أمر كم - سبحانه - بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، فإنه - تعالى - ينها كم عن كل قبيح وعن كل مفكر ، وعن كل تجاوز لما شرعه الله - عز وجل - ، وذلك لأن هذه الردائل ما شاءت فى أمة إلا و كانت عاقبتها خرا ، وأمرها فرطا ، والفطرة البشرية النقية تأبى الوقوع أو الاقتراب من هذه الرذائل ، لأنها تتنافى مع العقول السليمة ، ومع الطباع القوية . وم ما روج الذين لم ينبتوا نباتا حسنا لتلك الرذائل ، فإن النفوس الطاهرة، تلفظها بعيدا عنها، كما يلفظ الجسم الأشياء الغريبة التى تصل إليه. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: «يعظكم لعلكم تذكرون، أى: ينبهكم - سبحانه - أكمل تنبيه وأحكمه إلى ما يصلحكم عن طريق اتباع ما أمركم به وما نها كم عنه ، لعلكم بذلك تحسنون التذكر لما ينفعكم، وتعملون بمقتضى ما علسكم - سبحانه - . هذا، وقد ذكر المفسرون فى فضل هذه الآية كثيرامن الآثار والأقوال، - ١٦٩ - ومن ذلك ما أخرجه الحافظ أبو يعلى فى كتاب معرفة الصحابة ... قال: بلغ أكثم بن صيفى مخرج النبى - صلى الله عليه وسلم - فأراد أن يأتيه، فأبى قومه أن يدعوه وقالوا له: أنت كبيرنا لم تكن لتخف إليه. قال: فليأته من يبلغه عنى ويبلغنى عنه. فانتدب رجلان فأتيا النبى - صلى الله عليه وسلم - فقالا له: نحن رسل أكتم بن سينمى وهو يسألك من أنت وما أنت ؟ فقال النبى - صلى الله عليه وسلم -: (( أما أنا فمحمد بن عبد الله. وأما ما أنا، فأنا عبد الله ورسوله )). ثم تلا عليهم هذه الآية: (( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ... ، الآية. فقالوا: ردد علينا هذا القول، فزدده عليهم حتى حفظوه، فأتيا أكثم فقالا له: أبى أن يرفع نسبه فألنا عن نسبه فوجدناه زاكى النسب .. وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها ، فلما سمعهن أكثم قال : إنى أراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملا ئمهما، فكونوا فى هذا الأمر رءوسا، ولا تكونوا فيه أذنابا ،(١) . وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: أعظم آية فى كتاب الله ((الله لا إله إلا هو الحى الفيوم ٥٠٠)) وأجمع آيه فى كتاب الله للخير والشر: « إن الله يأمر بالعدل والإحسان .. ) وأكثر آية فى كتاب الله تفويضا, ومن يتق الله يجعل له مخرجا وبرزقه من حيث لا يحتسب ٠٠٠) وأشدآية فى كتاب الله رجاء: (( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ... ) (١) ثم أمرهم - سبحانه - بالوفاء بالعهودفقال: ((وأوفوا بعهدالله إذا عاهدتم ... والعهد : ما من شأنه أن يراعى ويحفظ ، كالمين والوصية ومايشبههما. (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠٥٨٣ (٢) تفسير فتح القدير جـ ٥ ص ٠٢٨٩ - ١٧٠ - وعهد الله: أوامره ونواهيه وتكاليفه الشرعية التى كلف الناس بها ، والوفاء بعهد الله - تعالى - يتأتى بتنفيذ أوامره وتكاليفه، وإجتناب مانهى عنه . قال القرطبى: قوله - تعالى -: ((وأوفوا بعهد الله ... ، لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان، ويلتزمه الإنسان من بيع أوصلة، أو مواثقة فى أمر موافق للديانة . وهذه الآية مضمن قوله - تعالى - ((إن الله يأمر بالعدل والإحسان ... لأن المعنى فيها: افعلوا كذا، وانتهوا عن كذا، فعطف على ذلك التقدير . وقد قيل إنها نزلت فى بيعه النبى - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام. وقيل : نزلت فى التزام الحلف الذى كان فى الجاهلية ، وجاء الإسلام بالوفاءبه - كحلف الفضول - . والعموم يتناول كل ذلك ... )،(١) والمعنى. إن الله يأمركم - أيها المسلمون - بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى. ويأمركم - أيضا - بالوفاء بالعهود التى التزمتم بها مع الله - تعالى- أو مع الناس .. وخص - سبحانه .. الأمر بالوفاء بالعهد بالذكر - مع أنه داخل فى المأميرات التى اشتملت عليها الآبة السابقة كما أشار إلى ذلك القرطبى فى كلامه السابق .- لأن الوفاء بالعهودمن أكد الحقوق وأوجبها على الإنسان. والآيات التى وردت فى وجوب الوفاء بالعهود كثيرة ومن ذلك قوله - تعالى -: ((وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا)،(٢). وقوله - تعالى -. ((وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم وإباى فارهبون،(٣) (١) تفسير القرطبى - ١٠ ص ٠١٦٩ (٢) سورة الإسراء الآية ٣٤. (٣) سورة البقرة الآية ٤٠. - ١٧١ - ومن الأحاديث التى وردت فى ذلك مارواه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)، (١). وقوله - سبحانه -: (ولا ننقضو الأيمان بعد توكيدها .... تأكيد للأمر بالوفاء ، وتحذير من الخيانة والغدر : والنقض فى اللغة: حقيقة فى فسخ ماركب بفعل يعاكس للفعل الذى كان به التركيب . واستعمل هنا على سبيل المجاز فى إبطال العهد. والأيمان: جمع يمين. وتطلق بمعنى الحلف وانقسم. وأصل ذلك أن العرب كانوا إذا أرادوا توثيق عهودهم بالقسم يقسمونه، ووضع كل واحد من المتعاهدين يمينه فى يمين صاحبه . أى: كونوا أو فياء بعهودكم، ولا تنقصوا الأيمان بعد توكيدها، أى: بعد توثيقها وتغليظها عن طريق تكرار ها بمرة ومرتين، أو عن طريق الإتيان فيها ببعض أسماء الله - تعالى - وصفاته . وقوله - تعالى - ((بعد توكيدها، للإشعار بأن نقض الأيمان وإن كان قبيحا فى كل حالة، فهو فى حالة توكيد الأيمان وتعليظها أشد قبها . ولذا قال بعض العلماء: وهذا القيد لموافقة الواقع، حيث كانوا يؤكدون أيمانهم فى المعاهدة، وحينئذ فلا مفهوم له، فلا يختص النهى عن النقض بحالة التوكيد، بل نقض اليمين منهى عنه مطلقا. أويراد بالتو كيد القصد، ويكون احترازا عن لغو اليمين. وهى الصادرة عن غير قصد للحلف، (٢) وقال الإمام ابن كثير ماملخصه: ولا تعارض بين هذه الآية ، وبين قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما ثبت عنه فى الصحيحين أنه قال: « إنى والله إن (١) رياض الصالحين الإمام النودى ص ٣٠٢. (٢) حاشية الجمل على الجلالين < ٢ ص ٠٥٩٤ - ١٧٢ - شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها، إلا أتيت الذى هو خير وتحللتها . - وفى رواية - وكفرت عن يمينى، لأن هذه الأبمان المراد بها فى الآية: «الداخلة فى العهود والمواثيق، لا الأيمان التى هى واردة فى حث أو منع .... (١) والخلاصة، أن الآية الكريمة تنهى المؤمن عن نقض الأيمان نهيا عاما، إلا أن السنة النبوية الصحيحة قد خصصت هذا التعميم بإباحة نقض اليمين إذا كانت مانعة من فعل خير، ويؤيدهذا التخصيص قوله - تعالى -: ((ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس ... )، (٢) وجملة ((وقد جعلتم الله عليكم كفيلا .. ، حال من فاعل ((تنقضوا))، وهى مؤكدة لمضمون ما قبلها من وجوب الوفاء بالعهود ، والنهى عن نقضها . والكفيل : من يكفل غيره، أى : يضمنه فى أداء ما عليه . أى: ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها، والحال أنكم قد جعلم الله - تعالى. ضامنا لكم فيما التزمتم به من عهود ، وشاهدا ورقيبا على أقوالكم. فالجملة الكريمه تحذر المتعاهدين من النقض بعد أن جعلوا الله - تعالى - كفيلا عليهم . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بهذا التهديد الخفى فقال - تعالى - ,إن الله يعلم ماتفعلون ». أى: إن الله - تعالى - يعلم ما تفعلون من الوفاء أو النقض، وسيجاز كم بما تستحقون من خير أو شر، فالمراد من العلم لازمه ، وهو المجازاة على الأعمال . (١) تفسير ابن كثير ــ ٢ ص ٠٥٨٣ (٢) راجع تفسير هذه الآية فى تفسيرنا لسورة البقرة ص ٦٥٨. - ١٧٣ - ثم ضرب - سبحانه - مثلا لتقبيح نقض العهد، فقال - تعالى -: ولا تكونوا كالتى نقضت غزلها من قوة أنكاثا)). وقوله: «غزلها، أى: مغزولها، فهو مصدر بمعنى المفعول. والفعل منه غزل يغزل - بكسر الزاى - من باب ضرب. يقال غزلت المرأة الصوف أو القطن غزلا . والجار والمجرور فى قوله (( من بعد قوة)) متعلق بالفعل (( فقضت)، أى: نقضته وأفسدته من بعد إبرامه وإحكامه . و(( أنكاثا، حال مؤكدة من «غزلها))، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا، بتضمين الفعل نقضت معنى صيرت أو جعلت . والأفسكان : جمع نكث - بكسر النون -، بمعنى منكوث أى منقوض. وهو مانقض وحل فتله ليغزل ثانيا، والجمع أفكلت كحمل وأحمال . يقال: فمكث الرجل العهد فكثا - من باب قتل - إذا انقضه وفبذه، ومنه قوله - تعالى - ((ومن ذكث فإنما ينكث على نفسه)). قال ابن كثير: هذه امرأة خرقاء كانت بمكة ، كما غزلت شيئا نقضته بعد إبرامه . وقال مجاهد وقتادة وابن زيد : هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده . وهذا أرجح وأظهرسواء أكان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا،(١) والمعنى: كونوا - أيها المسلمون - أوفياء بعهودكم، ولا تنقضوها بعد إبرامها، فإنكم إن نقضتموها كان مثلكم كمثل تلك المرأة الحمقاء، التى كانت تقتل غزلها فتلا محكما ، ثم تنقضه بعد ذلك، وتتركه مرة أخرى قطعاً منكوثة محلوله .. (١) تفسير ابن کثیر ج٢ ص ٠٥٨٤ - ١٧٤ ٠ فالجملة الكريمة تحقر فى كل جزئية من جزئياتها ، حال من ينقض العهد، وتشبهه على سبيل التنفير والتقبيح بحال امرأة ملثانة فى عقلها, مضطربة فى تصرفاتها .... وقوله - سبحانه -«تتخذون أيمانكم دخلا بينكم. أن تكون أمة هى أربى من أمة ... ، إبطال الأسباب التى كان يتخذها بعض الناس ذرائع ومبررات لنقض العبود . والدخل - بفتح الخاءـ: المكر والغش والخديعة، وهو فى الأصل اسم للشىء الذى يدخل فى غيره وليس منه ... )) قال الراغب : والدخل كناية عن الفساد والعداوة المستبطنه، كالدغل، وعن الدعوة فى النسب ... ومنه قيل: شجرة مدخولة - أى ليست من جنس الأشجار التى حولها,(١) وقوله (( أن تكون أمة ... ، متعلق بتتخذون. وقوله (( أربى)) مأخوذ من الربو بمعنى الزيادة والكثرة. يقال: ربى الشىء يربو إذا زادوكثر. والمعنى: لا تكونوا مشبهين لامرأة هذا شأتها، حالة كونكم متخذين أيمانكم وأقسامكم وسيلة للغدر والخيانة «من أجل أن هناك، جماعة أوفر عددا وأكثر مالا من جماعة أخرى . قال القرطبى : قال المفسرون: نزلت هذه الآية فى العرب الذين كانت القبيلة منهم إذا حالفت أخرى، ثم جاءت إحداهما قبيلة أخرى كبيرة قوية فداخلتها غدرت الأولى ونقضت عهدها، ورجعت إلى هذه الكبرى ، فقال - تعالى -: لا تنقضوا العهودمن أجل أن طائفة أكثر من طائفة أخرى، أو أكثر أموالا ... (١) المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفهانى صـ ١٦٦ - ١٧٥ - وقال الفراء: المعنى: لانقدرو بقوم لقلتهم وكثر تكم، أو لقلت كمو كثر تهم وقد عزز تموهم بالإيمان)،(١) وقال ابن كثير: قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء، فيجدون أكثر منهم وأعز ، فيلقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز فنهوا عن ذلك))(٢). والخلاصة ، أن الآية الكريمة تدعو إلى وجوب الوفاء بالعهود فى جميع الأحوال ، وتنهى عن اللجوء إلى الذرائع الباطلة ، من أجل نقض العهود، إذ الإسلام لا يقر هذه الذرائع وتلك المبررات ، بدعوى أن هناك جماعة أقوى من جماعة ، أو دولة أعز من دولة، وإنما الذى يقره الإسلام هو مراعاة الوفاء بالعهود ، وعدم اتخاذ الإيمان وسيلة للغش والخداع . والضمير المجرور فى قوله (( إنما يبلوكم الله به، يعود على مضمون الجمله المتقدمة وهى قوله - تعالى - , أن تكون أمت هى أربى من أمة، أى: إنما يبلوكم الله ويختبركم بكون أمة أرني من أمه، لينظر أنفون بعهودكم أم لا. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: ((إنما يبلوكم الله به الضمير لقوله: ((أن تكون أمه ... )، لأنه فى معنى المصدر. أى: إنما يختبر كم بكونهم أربى، لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله، وما عقد تم على أنفسكم ووكدتم من أيمان البيعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم وقوتهم، وقلة المؤمنين وفقرثم وضعفهم))(٣). ويجوز أن يعود إلى ما أمر الله به من الوفاء بالعهد : فيكون المعنى : (١) تفسير القرطبى = ١٠ صـ ٧١). (٢) تفسير ابن كثير ج٣ ص ٥٨٤. (٣) تفسير الكشاف = ٢ ٥ ٠٦٢١ م - ١٧٦ - إنما يبلوكم الله ويختبركم بما أمركم به من الوعاء بالعهود، ومن النهى عن القض ليظه. لكم المطبع من العاص ، وقوى الإيمان من ضعيفه . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بيان أن مرد الفصل بين العباء فيما اختلفرا فيه إليه - تعالى - وحده، فقال: (( وليبين لكم يوم القيامة ما كنتم فية تختلفون)) يجازى أهل الحق بما يستحقون من ثواب، ويجازى أمل الباطل بما هم أهله من عقاب . ثم بين - سبحانه - أن قدرته لا يعجزها شىء، فقال - تعالى - «ولوشاءالله جعلكم، أيها الناس: أمة واحدة، متفقة على الحق ((ولكن، لحكم يعلمها ولا تعلمونها، ولسنن وضعها فى خلقه ((يضل من يشاء)) إضلاله لاستحبابه العمى عى الهدى، وإيثاره الغى على الرشد(( ويهدي من يشاء)) هدايته لحسن استعداده، وسلامة أحتياره، ونهيه النفس عن الهوى . ((ولتسألن)، أيها الناس يوم القيامة سؤال محاسبة ومجازاة معما كنتم تعملون)) فى الدنيا ، فيليب الطائعين بفضله ، ويعاقب العصاة بعدله . وبعد أن أمر- سبحانه - بالوفاء بالعهود ونهى عن نقضها بصفة علمه، أقبع ذلك الغهى عن الحنت فى الإيمان بصفة خاصة ، فقال - تعالى : ((ولا تَتَّخِذُوا أَيْماَنكُمْ دَفَلاَ بينكم، فَزِلَ قَدَمُ بعدَ ثُبوتها، وتذُوقُوا السُّوءِ بما صدَدْتَم عن سبيلِ اللهِ ولكُم عذابٌ عظيمٌ (٩٤) ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ مْنَا قليلاً، إنَّ عِندَ اللهِ هو خيرٌ لكُمْ إذَ كتَّ تَلَمُون (٩٥) ما عِندَكُم يَنَفَدُ وما عِندَ اللهِ باقٍ، وَلَنجزِيِنَّ الذينّ صَبْرُوا أجرَمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أو أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَلَنَحْتِنَّهُ حياةً طيّةً، وَلَنَجِزِيْهم أجرَم بأحْسَنِ ما كَانُوا يعمَلُون (٩٧))). فقوله - سبحانه - ((ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم)) تصريح بالتهى ٠-١٧٧ - عن اتخاذ الأيمان من أجل الغش والخديمة ، بعد النهى عن فقض العهود بصفة عامة . أى: ولا تتخذوا - أيها المؤمنون - الحلف بالله - تعالى - ذريعة إلى غش الناس وخداعهم واستلاب حقوقهم ، فقد جرت عادة الناس أن يطمئنوا إلى صدق من يقسم بالله - تعالى -، فلا تجعلوا هذا الاطمنان وسيلة للكذب عليهم ، ولإفساد ما بينكم وبينهم من مودة . ثم رقب - سبحانه - على هذا النهى مامن شأنه أن يردع النفوس عن اتخاذ الأيمان دخلا فقال: ((فنزل قدم بعد ثبوتها)) وأصل الزلل الخروج عن الطريق السليم. يقال: زل فلان يزل زللا وزلولا، إذا دحضت قدمه ولم تصب موضعها الصحيح أى: لا تتخذوا أيمانكم وسيلة للخديمة والإفساد بين الناس ، فنزل أقدامكم عن طريق الإسلام بعد ثبوتبا عليها، ورسوخها فيها ، قالوا: والجملة الكريمة مثل يضرب لسكل من وقع فى بلية ومحنة ، بعد أن كان فى عافية ونعمة . قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم وحدت القدم وذكرت؟ قلت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق ، بعد أن ثبتت عليه، فكيف بأقدام كثيرة(١) ؟ وقوله (( وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله، بيان لما يصيبهم من عذاب دنيوى بسبب اتخاذ أيمانهم دخلا بينهم. أى: وتذوقوا السوء وهو العذاب الدنيوى من المصائب والخوف والجوع، بسبب صدوركم وإعراضكم عن أوامر الله ونواهيه، أو بسبب صدكم لغيركم عن الدخول فى دين الله، حيث رأى منكم ما يجعله ينفر منكم ومن دينكم . (١) تفسير الكشاف ج ٢ صـ ٤٢٧ ١٢١ - سورة النحل - ١٧٨ - والتعبير بتذوقوا فيه إشارة إلى أن العذاب الدنيوى الذى سينزل بهم بسبب اتخاذهم أيمانهم دخلا بينهم، سيكون عذابا شديدا يحسون آلامه إحساسا واضحا، كما يحس الشارب للشىء المر مرارته، ويتذوق آلامه. قال ابن كثير : حذر الله - تعالى - عباده عن اتخاذ الأيمان دخلا، أى: خديمة ومكرا، لئلا تزل قدم بعد ثبوتها ، مثل لمن كان على الاستقامة وحاد عنها، وزل عن طريق الهدى، بسبب الأيمان الحافئة ، المشتملة على الصد عن سبيل الله، لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غدر به، لم يبق له وثوق بالدين، فانصد بسببه عن الدخول فى الإسلام(١). وقوله ((ولكم عذاب عظيم، بيان لما يصيبهم من عذاب أخروى بسبب اتخاذهم أيمانهم دخلا . أى: ولكم فى الآخرة عذاب عظيم، لا يعلم مقدار شدته وهو له إلا اقه - عز وجل -. فأنت ترى أن الآية الكريمة قد رتبت على اتخاذ الأيمان دخلا ، انقلاب حالة الإنسان من الخير إلى الشر، ونزول العذاب الدنيوى والآخروى به . ثم نهاهم - سبحانه - عن أن يبيعوا دينهم بدنيائم، فقال - تعالى -: , ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا،. والاشتراء هنا: استعارة للاستبدال، والذى استبدل به الثمن القليل هو الوفاء بعهد الله. والمراد بعهد الله - تعالى -: أوامره ونواهيه التى كلفنا بالتزامها والعمل بمقتضاها . والمرادبالثمن القليل: حظوظ الدنياوشهواتهاوزينتها من الأموال وغيرها. (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ صـ ٥٨٥ ٠- ١٧٩ - والمعنى: ولا تستبدلوا بأوامر الله - تعالى - ونواهيه، عرضا قليلا من أعراض الدنيا الزائلة، بأن تنقضوا عهودكم فى مقابل منفعة دنيوية زائلة. وليس وصف الثمن بالقلة فى قوله (( ثمنا قليلا)) من الأوصاف المخصصة للنكرات ، بل هو من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل فى مقابل عدم الوفاء بالعهد ؛ إذ لا يكون إلا قليلا وإن بلغ مابلغ من أعراض الدنيا بجانب رضا الله - تعالى -. ورحم الله الإمام ابن كثير، فقد قال عند تفسيره لهذه الآية الكريمة: ((( ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا، أى: لاتعتاضوا عن الإيمان بالله عرض الحياة الدنيا وزينتها ، فإنها قليلة ، ولو حيزت لابن آدم الدنيا بحذا فيرها لكان ماعند الله هو خير له(١) . ثم رغبهم - سبحانه - فيما عنده فقال: ((إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون ، . أى: إن ما ادخره الله - تعالى - لكم من ثواب عظيم، وأجر جزيل، وحياة طيبة، هو خير لكم من ذلك الثمن القليل الذى تتطلعون إليه ، وننقضون العهود من أجله، إن كنتم من أهل العلم والأطنة ، الذين يؤثرون الباقى على الفانى . قال الألوسى: قوله (( إن كنتم تعلمون)) أى: إن كنتم من أهل العلم والتمييز . فالفعل منزل منزلة اللازم. وقيل: متعد، والمفعول محذوف، وهو فضل ما بين العوضين، والأول أبلغ ومستغن عن التقدير» (٢). ثم أضاف - سبحانه - إلى ترغيبهم فى العمل بما يرضيه ترغيبا آخر فقال: (( ما عندكم ينفد وما عند الله باق)). (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥٨٥ (٢) تفسير الآلومى ج ٤ صـ ٢٢٤ - ١٨٠ مــ أى: ما عندكم من متاع الدنيا وزهرتما يفنى وينقضى ويزول، وما عند الله - تعالى - فى الآخرة من عطاء باق لا يفنى ولا يزول ، فآ ثروا ما يبقى على ما ينفد يقال: نفد الشىء - بكسر الفاء - ينفد - بفتحها - تفادا ونفودا، إذا ذهب وفنى . ثم بشر - سبحانه - الصابرين على طاعته بأعظم البشارات فقال : (((ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)). أى: ولنجزين الذين صبروا على طاعتنا، واجتنبوا معصيتنا، ووفوا بعهودنا ، بجزاء أفضل وأكم ما كانوا يعملونه فى الدنيا من خيرات وطاعات . وأكد - سبحانه - هذه البشارة بلام القسم، ونون التوكيد، لترغيبهم فى الثبات على فضيلة الصبر ، وعلى الوفاء بالعهد . قال الجمل ما ملخصه: وقوله (( أجرهم)) مفعول ثان لنجزى. وقوله ((بأحسن)) فعت المحذوف، أى: بجزاء أحسن من عملهم الذى كانوا يعملونه فى الدنيا، والباء بمعنى على(١). ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين الذين يحرصون على العمل الصالح فقال - تعالى -: ((من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)). أى: من عمل عملا صالحا، بأن يكون خالصا لوجه الله - تعالى - وموافقا لما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - سواء أكان هذا العامل المؤمن ذكرا أو أنثى ، فلنحيينه حياة طيبة ، يظفر معها بصلاح البال، وسعادة الحال. وقال - سبحانه - ((من ذكر أو أنثى، مع أن لفظ ((من)) فى قوله ((من عمل)» يتناول الذكور والإناث، للتنصيص على النوعين، حتى يكون أغيط لهما ، ولدفع ماقد يتوهم من أن الخطاب للذكور وحدهم . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٥٩٦٠٠٢