Indexed OCR Text
Pages 141-160
- ١٤١ ٠ قال الزجاج: ورد أن المشركين كانوا يقولون: إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا. فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حصرة الملك ، وأولتك الأكابر يخدمون الملك ، فهوا عن ذلك ، (١) ثم وضح لهم - سبحانه - كيف تضرب الأمثال، فساق مثلين حكيمين يدلان على وحدانية الله - تعالى - وقدر ته: أما المثل الأول فيتجلى فى قوله - عز وجل - : ضرب الله مثلا عبد املوكا لا يقدر على شىء ... )) وأما المثل الأول فيتجلى فى قوله - عز وجل - ضرب الله مثلا عيدا مملوكا لا يقدر على شىء ... ، أى: ذكر اقه - تعالى - وبين ووضح لكم مثلا تستدلون به على وحدانيته - سبحانه -، وهو أن هناك عبدا رقيقا مملوكا لغيره، وهذا العبد لا يقدر على شىء من التصرفات حتى ولو كانت قليلة . وقوله - سبحانه - ((عبدأ)) بدل من ((مثلا)، و((مملوكا)) صفه للعيد. ووصف - سبحانه - العبد بأنه مملوك، ليحصل الامتياز بينه وبين الحر ،لان کلیهما يشترك فى كونه عبدا لله - تعالى- ووصفه أيضاً - بأنه لا يقدر على شىء للتمييز بينه وبين المكانب والعبد المأذون له فى التصرف ، لأنهما يقدران على بعض التصرفات. هذا هو الجانب الأول من المثل، أما الجنب الثانى فيتجلى فى قوله - تعالى -: ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا ... )) قال الألوسى: و((من)) فى رزقناه)) فكرة موصوفة، ليطابق عبدا فإنه (١) تفسير فتح القدير للشيخ صديق حسن خان < ٥ ص ٢٧٣ - ١٤٢ - فكرة موصوفة .- أيضا - ، وقيل إنها موصولة، والأول إختيار الأكثرين أى: حرارز قناه بطريق الملك، والالتفات إلى التكلم - فى (( رزقناه)) - للاشعار باختلاف حال ضرب المثل والرزق .... (١) أى: ذكر الله - تعالى لكم لتتعظوا وتتفكروا ، حال رجلين : أحدهما عبد مملوك لا يقدر على شىء)، والثانى حر مالك رزقه الله - تعالى - رزقا واسعا حلالا حسنا، ( فهو)) أى هذا الحر ((ينفق على غيره من هذا الرزق الحسن ((سرا وجهرا)) وإختار - سبحانه -- ضمير العظمة فى قوله ((رزقناه) للاشعار بكثرة هذا الرزق وعظمته، ويزيده كثرة وعظمة "قوله - تعالى - بعد ذلك ((مندًا، أى: من عندنا وحدنا وليس من عند غيرنا . ووصف - سبحانه - الرزق بألحسن، الإشارة إلى أنه مع كثرته فهو حلال طيب مستحسن فى الشرع وفى نظر الناس . وقال - سبحانه - ((فهو يتفق .. )) بصيغة الجملة الأسمية، للدلالة على ثبوت هذا الانفاق ودوامه . وقوله (( سرا وجهرا)) منصوبان على المصدر، أى أنفاق سر وجهر ، أو على الحالية، أى فهو ينفق منه فى حالتى السر والجهر . والمراد أنه إنسان كريم، لا يبخل بشيء مما رزقه الله ، بل ينفق منه فى عموم الأحوال ، وعلى من تحسن منه النفقة سرا ، وعلى من تحسن معه التفقه جهرا . هذان هما الجانبان المتقابلان فى هذا المثل ، والفرق بينهما واضح وعظيم عند كل ذى قلب سليم ، ولذا جاء بعدهما بالاستفهام الإنكارى التوبيخى فقال: (١) تفسير الآلوسى = ١٤ ص ١٩٥ ١٤٣ -٠ (((هل يستوون))؟ أى: هل يستوى فى عرفكم أو فى عرف أى عاقل: هذا العبد المملوك العاجز الذى لايقدر على شى .... مع هذا الإنسان الحر المالك الذى رزقه الله - تعالى - رزقا واسعا حلالا، فشكر الله عليه، وأستعمله فى وجوه الخير . إنه مما لاشك فيه أنهما لا يستويان حتى فى نظر من عنده أدنى شىء من عقل . ومادام الأمر كذلك، فكيف ــويتم ــ أيها المشركون الجهلاء - فى العبادة ، بين الخالق الرازق الذى يملك كل شىء، وبين غيره من المعبودات الباطله التى لا تسمع ولا تبصر، ولا تعقل، ولا تملك شيئا ... وقال - سبحانه - ((هل يستوون، مع أن المتقدم أثنان، لأن المراد جنس العبيد والأحرار، المدلول عليهما بقوله ((عبدا، ومن رزقناه)). فالمقصود بالمثل كل من اتصف بهذه الأوصاف المذكورة من الجنسين المذكورين لافردان معينان . وقوله: (( الحمد لله، ثناء منه - سبحانه - على ذاته، حيث ساق - سبحانه هذه الأمثال الواضحة للتمييز بين الحق والباطل . أى: قل - أيها الإنسان المؤمن العاقل - ((الحمد، كله ((لله)) - تعالى - على إرشاده لعباده المؤمنين، وتعليمهم كيف يقذفون بحقهم على باطل أعدائهم فإذا هو زاهق . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله ( بل أكثرهم لا يعدون) أى : بل أكثر هؤلاء الكافرين الضالين ، لا يعلمون كيف يميزون بين الحق والباطل لا فطماس بصائرهم، واستيلاء الجحود والحسد والعناد على قلوبهم . وقال - سبحانه - (بل أكثرهم .. ) للاشمار بأن من هؤلاء الكافرين من - ١٤٤ - يعلم الحق ويعرفه كما يعرف أبناءه، ولكن الهوى والغرور والتقليد الباطل .. حال بينه وبين أتباع الحق . هذا هو المثال الأول الذى ذكره الله - تعالى - للاستدلال به على بطلان التسوية بين عباده الله - تعالى - الخالق لكل شىء، والمالك لكل شىء .. وبين عبادة غيره من الأصنام والجمادات التى لا تخلق شيئا، ولا تملك شيئا، ولا تضر ولا تنفع .. أما المثال الثاني فهو أشد وضوحا من سابقه على وجدانية الله - تعالى- ورحمته بعباده، وعلى الفرق الشاسع بين المؤمن والكافر ، ويتجلى هذا المثال فى قوله - عز وحل -: (وضرب الله مثلا، رجلين أحدهما أبكم ، لا يقدر على شىء، وهو كل على مولاه، أينما يوجهه لا يأت بخير ... ). أى: وذكر الله - تعالى - مثلا آخر لرجلين، ( أحدهما أبكم) أى : لا يستطيع النطق أو الكلام ، ضعيف الفهم والتفهيم لغيره. ( لا يقدر على شيء ) أى: لا يقدر على فعل شىء من الأشياء المتعلقة بنفسه أو بغيره . (وهو) أى هذا الرجل (كل على مولاه) أى: حمل ثقيل، وهم كبير على مولاه الذى يتولى شئونه من طعام وشراب وكساء وغير ذلك. وهذا بيان لعدم قدرته على القيام بمصالح نفسه ، بعد بيان عدم قدرته على القيام بفعل أى شىء على الإطلاق . قال القرطبى: قوله (وهو كل على مولاه) أى ثقل على وايه وقرابته، ووبال على صاحبه وابن عمه. وقد يسمى اليتيم كلا لثقله على من يكفله ، ومنه قول الشاعر : إذا كان عظم الكلِّ غير شديد(١) أكول المال المكل قبل شبابه (١) تفسير القرطبى ج ١٠ ص ١٤٩ - ١٤٥ - فالكَاءُ هو الإنسان العاجز الضعيف الذى يكون محتاجا إلى من برعى شئونه . وقوله (( أينما يوجهه لا يأت بخير). أى: أن هذا الرجل حينمايوجهه مولاه وكافله لقضاء أمر من الأمور يعود خائبا، لعجزه، وضعف خيلته . وقلة إدراكه .. . فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هذا الرجل بأربع صفات، تدل على سوء فهمه، وقلة حيلته ، وثقله على ولى أمره، وإنسداد طرق الخير فى وجهه .. .. هذا هو الجانب الأول من المثل ، أما الجانب الثانى فيتجلى فى قوله - تعالى -: ((هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم، أى: «هل يستوى هو، أى هذا الرجل الأبكم العاجز .. مع رجل آخر ((يأمر)) غيره بالعدل ,وهو، أى هذا الرجل الآخر فى نفسه ,على صراط مستقيم، أى: على دين قويم ، وخلق كريم فقد جمع بذلك بين فضيلتين حليلتين : نفعه لغيره ، وصلاحه فى ذاته . لاشك أن هذين الرجلين لا يستويان فى عقل أى عاقل، إذ أن أولهما أبكم عاجز خائب ... وثانيهما منطيق، ناصح لغيره، جامع حضال الخير فى نفسه . ومادام الأمر كذلك فكيف سويتم - أيها المشركون الضالون المكذبون . فى العبادة بين الله - تعانى - وهو الخالق لكل شىء، وبين تلك الأصنام التى لاتسمع ولا تبصر ولا تغنى عن عابدبها شيئا أو كيف سويتم بين المؤمن الجامع لكل مكرمة ، وبين الكافر الغبى الأبله الذى آثر الغى على الرشد، فتكون الآية الكريمة مسوقة لبيان الفرق الشاسع بين المؤمن والكافر . ١٠٠ - سورة النحل: - ١٤٦ ٠ وقد قابل -سبحانه - الأوصاف الأربعة للرجل الأول، بهذين الوصفين للرجل الثانى، لأن حاصل أوصاف الأول أنه غير مستحق لشىء، وحاصل وصفى الثانى أنه معتحق لكل فضل وخير . وقوله ((ومن يأمر بالعدل ... ، معطوف على الضمير المستتر فى قوله «هل يستوى .. )) وجملة ((وهو على صراط مستقيم)) فى محل نصب على الحال . وبذلك نرى أن الآيتين الكريمتين قد ساقتا مثلين واضحين، لبيان الفرق الشاسع بين ذات الله - تعالى - الخلاف العليم، الرزاق الكريم ... وبين تلك المعبودات الباطلة التى أشركها الضالون فى العبادة مع الله - عز وجل - أو بين المؤمن الذى هو على بصيرة من أمره ، وبين الكافر الذى استحب العمى على الهدى .. أو بين الحق فى وضوحه وجماله وجلاله ، وبين الباطل فى ظلامه وقبحه وحسنه .. هذا، وما ذكره بعضهم من أن المثلين فى الآيتين الكريمتين ، قد وردا فى أشخاص معينين من المؤمنين أو الكافرين، لا يعول عليه ، لضعف الروايات التى وردت فى ذلك ، ولأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . قار الآلوسي ما ملخصه : وما روى من أن الأبكم أبو جهل والآمر بالعدل عمار، أو بالأ بكم أبى بن خلف، والآمر بالعدل عثمان بن مظعون لا يصح إسناده .... (١) وبهذين المثلين تكون السورة الكريمة قد أقامت أعظم الأدلة وأسطعها على صحة قوله - تعالى - قبل ذلك: ((وقال الله لا تتخذوا إلهين إثنين إنما هو إله واحد .... ) ثم ساقت السورة بعد ذلك مايدل على إحاطة علمه - سبحانه - بكل شىء، وعلى شمول قدرته، وعلى سابغ نعمته ، فقال - تعالى - : (١) تفسير الآلوسي - ١٠ ص ١٩٧ - ١٤٧ -٠ («ولله غيبُ السَّمواتِ والأرضِ، وما أمرُ الساعةِ إلا كَلَتْح البَصرِ أو هُوَ أقربُ «إنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٍ (٧٧) والله أخرجكم مِنْ بطونٍ أُمهاتِكُمْ لا تعلمونَ شيئاً، وجَعلَ لَكُم السمعَ والأبصارُ والأفئِدةَ لعلكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) أَلَمْ يَرَوْا إلى الطيرِ مسخّراتٍ فى جَوِّ السماءِ ما يمسِكُمُنَّ إلا اللهُ، إنَّ فى ذلك لآياتٍ لقومٍ يؤمِنُونَ (٧٩) واللهُ جَعَل لِكُم من بيوتِكُمْ سَكْنَا، وجعلَ لكم من جَلُودِ الأنعامِ بيوتاً تَسْتَخِفُونَهاَ يومٍ ظَمِْكُمْ ويومَ إقامتِكُم، ومن أصوافِا وأَوْ بَرِهَا وأَشْعارها أثاثً ومتاعاً إلى حينٍ (٨٠) واللهُ جَعَلَ لكُم مما خلقَ ظِلالاً وجعلَ لكُم من الجبالِ أكتاناً، وجعلَ لكُم سَرَابِيلَ تقيكُم الحرّ وسرابيلَ تقيكُم بَأْسَكُم، كَذلِكَ يِمُ نِسَتَه عليكُم الملكُم تُسْلُون (٨١) فإنْ تولَّوا فإنَّما عليكَ البلاغُ المبينُ (٨٢) يعرفَونَ نِمةَ اللهِ ثم يُنكِرُونَها وأكثرُهُم الكافرونَ (٨٣)). والمراد فالغيب فى قوله - سبحانه - «ولله غيب السموات والأرض .... )، ما لا تدركه الحواس، ولا تحيط بكنهه العقول ، لا°نه غائب عن مدارك الخلائق . والكلام على حذف مضاف، والتقدير: له - تعالى - وحده، علم جميع الأمور الغائبة عن مدارك المخلوقين، والتى لا سبيل لهم إلى معرفتها لاعن طريق الحس، ولا عن طريق العقل ومن كانت هذه صفته، كان مستحقا للعبادة والطاعة، لا تلك المعبودات الباطله التى لاتعلم من أمرها، أو من أمر غيرها شيئا . - ١٤٨ - وقوله - سبحانه -: ((وما أمر الساعه إلا كلمح البصر أو هو أقرب:» بيان لسرعة نفاذ أمره بدون مهله . والساعة فى الأصل : إسم لمقدار قليل من الزمان غير معين. والمراد بها هنا يوم القيامة وما يحدث فيه من أهوال . وسمى يوم القيامه بالساعة: لوقوعه بغته ، أو لسرعة ما يقع فيه من حساب أو لأنه على طول زمنه يسير عند الله - تعالى - واللمح: النظر الذى هو فى غاية السرعه . يقال لحه لمحا ولنحان! إذا رآه بسرعة فائقة ولمح البصر: التحرك السريع لطرف العين من جهة إلى جهة، أو من أعلى إلى أسفل . و((أو) هنا للتخبير بالنسبة لقدره الله - تعالى - أو الاضراب. أى: والله - تعالى - وحده على جميع ماغاب فى السموات والأرض من أشياء، وما أمر قيام السماعه فى سرعته وسهولته، وما يترتب عليه من أمانة وأحياء، وحساب، وثواب وعقاب ... ما أمر ذلك كله إلا كتحرك طرف العين من جهة إلى جهة، أو هو - أى أمر قيامها - أقرب من ذلك وأسرع، بحيث يكون فى نصف هذا الزمان أو أقل من ذلك، لأن قدرتنا لا يعجزها شىء، قال - تعالى -: ((إنما أمرنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون)) والمقصود من هذه الجملة الكريمة، بيان سرعة تأثير قدرة الله - عزوجل- متى توجهت إلى شىء من الأشياء. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمه بما يؤكد شمول قدرته فقال - تعالى: ((إن الله على كل شىء قدير)). أى : إن الله - تعالى - لا يمجز قدرته شىء سواء أكان هذا الشىء يتعلق بأمر قيام الساعه فى أسرع من لمح البصر ... أو بغير ذلك من أشياء . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك أنواعا من نعمه على عباده فقال: ((واقه أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ، - ١٤٩ - أ): والله - تعالى - وحده هو الذى أخرجكم - أيها الناس - من بطون أمهاتكم إلى هذه الحياه ، وأنتم لا تعلمون شيئاً لا من العلم الدنيوى ولا من العلم الدينى ولا تعرفون ما يضركم أو ينفعكم والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك:« والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا .. » وجملة (( لا تعلمون شيئا، حال من الكاف فى (( أخرجكم، وقوله - سبحانه - «وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ، نعمة ثانية من نعمه - سبحانه - التى لا تحصى. أى: أن من نعمه - تعالى - أنه أخرجكم من بطون أمهاتكم - بعد أن مكتم فيها شهورا تحت كلامته ورعايته - وأنتم لا تعرفون شيئا ، وركب فيكم بقدرته النافذه، وحكمته البالغة، «والسمع، الذى تسمعون به، والبصر الذى بواسطته تبصرون، ((والأفئدة، التى عن طريقها تعقلون وتفقهون، لعلمكم بسبب كل هذه النعم التى أنعمها عليكم، تشكرونه حتى الشكر، بأن تخلصوا له العبادة والطاعة ، وتستعملوا فعمه فى مواضعها التى وجدت من أجلها . قال الجمل: وجملة: «وجعل لكم السمع والأبصار ... ، إبتدائية، أو معطوفة على ما قبلها ، والواولا تقتضى ترتيبا ، فلا ينافى أن هذا الجعل قبل الإخراج من البطون . ونكتة تأخيره - أى الجعل - أن السمع ونحوه من آلات الإدراك ، إنما يعتد به اذا أحسن الإنسان وأدرك وذلك لا يكون الا بعد الاخراج. وقدم السمع على البصر ، لأنه طريق تلقى الوحى ، أو لان ادراكه أقدم ،ن إدراك البصر . وأفراده - أى السمع - باعتبار كونه مصورا فى الأصل ... ،(١) وقال الإمام ابن كثير. وهذه القوى والحواس تحصل الإنسان على التدريج (١) حاشية الجمل علا الجلالين حـ ٢ ص ٥٨٩ - ١٥٠ - قليلا قليلا حتى يبلغ أشده. وإنما جعل - تعالى - هذه الحواس فى الإنسان ليتمكن بها من عبادة ربة، فيستعين بكل جارحة وعضو وقوة على طاعة مولاه کما جاء فى صحيح البخارى عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: يقول تعالى - من عادى لى وليا فقدبارزنى بالحرب. وماتقرب إلى عبدى بشىء أفضل مما افترضت عليه، ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه. فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به , ويده التى يبطش بها ، ورجله التى يمشى بها، ولئن سألنى لأعطينه، ولئن دعانى لأجيبنه ولئن استعاذ بی لأعيذنه، وما ترددت فى شىء أنا فاعله ترددى فى قبض نفس عبدى المؤمن، يكره الموت، وأكره مساءته، ولا بد له منه)). فمعنى الحديث أن العبد إذا أخلص الطاعة ، صارت أفعاله كلها لله ، فلا يسمع إلا لله، ولا يصر إلا لله أى: لما شرعه الله له .... (١) وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((قل هو الذى أنشأكم ، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون)، (٢). ثم حض - سبحانه - عباده على التفكر فى مظاهر قدرته فقال - تعالى -: (( ألم يروا إلى الطير مسخرات فى جو السماء ما يمسكون إلا ابنه ... )) والطير: جمع طائر كر كب وراكب. و((مسخرات)) من التسخير بمعنى التذليل والانقياد أى: ألم ينظر هؤلاء الذين أشركوا مع الله آلهة أخرى فى العبادة ، إلى الطيور وهن يسبحن فى الهواء المتباعد بين الأرض والسماء ، مايمسكهن فى حال قبضهن وبسطون لأجنحتهن إلا الله - تعالى - ، بقدرته الباهرة ، وبنواميسه التى أودعها فى فطرة الطير . إنهم لو نظروا نظر تأمل وتعقلى، لعلموا أن المسخر هن هو الله الذى (١) تفسير ابن کثیر حـ ٢ ٥ ٥١٩ (٢) سورة الملك الآية ٢٤ - ١٥١ - لامعبود بحق سواه وفى قوله - تعالى- «مسخرات، إشارة إلى أن طيرانها فى الجو ليس بمقتضى طبعها ، وإنما هو بتسخير الله تعالى لها وبسبب ما أوجد لها من حواس ساعدتها على ذلك، كلأجنحة وغيرها . وأضاف - سبحانه - الجو إلى السماء لارتفاعه عن الأرض، ولاظهار كمال قدرته - سبحانه -. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: (( إن فى ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) . أى: إن فى ذلك التسخير والتذليل للطير على هذه الصفة ((لآيات)» بينات على قدرة الله - تعالى - ووحدانيته، ((لقوم يؤمنون)) بالحق، ويفتحون قلوبهم له ويسمون بأنفسهم عن التقليد الباطل . ثم ساقت السورة الكريمة ألوانا من النعم ، منها ما يتعلق بنعمة المسكن فقال - تعالى -: (( والله جعل لمكم (ن بيوتكم سكنا ... )) قال القرطبى: قوله تعالى: ((جعل لكم)) معناه صير، وكل ماعلاك فأظلك فهو سقف وسما.، وكل ما أقلك فهو أرض ، وكل ماسترك من جهاتك الأربع فهو جدار، فإذا انتظمت واتصلت فهو بيت؛ وهذه الآية فيها تعديد نعم أقه تعالى على الناس فى البيوت وقوله: ((سكنا) أى: تسكنون فيها وتهدأجوار حكم من الحركة ... ،(١) والحق أن نعمة السكن فى البيوت والاستقرار فيها ، والشعور بداخلها بالأمان والاطمئنان، هذه النعمة لا يقدرها حق قدرها ، إلا أولئك الذين فقدوها، وصاروا يعيشون بلا مأوى يأويهم، أومنزل يجمع شتاتهم .. والتعبير بقوله عز وجل «سكنا، فيه مافيه من السمو بمكافة البيوت التى يسكنها الناس . فالبيت مكان السكينة النفسية، والراحة الجسديه، هكذايريده الاسلام، ولا يريده مكانا للشقاق والخصام ، لأن الشقاق والخصام ينافى كونه ((سكنا)). (١) تفسير القرطبي -١٥٢٠٠٠٠ - ١٥٣ - والبيت له حرمته التى جعل الاسلام من مظاهرها. عدم اقتحامه بدون استئذان، وعدم التطلع إلى ما بداخله، وعدم التجسس على من بداخله . وصيانة حرمة البيت - كما أمر الاسلام - تجعله , سكنا، آمنا، يجد فيه أصحابه كل ما يريدون من الراحة النفسية والسعورية .. وقوله - تعالى -: ((وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظمنكم ويوم إقامتكم، بيان لنعمة أخرى تتمثل فى البيوت الخفيفة المتنقلة، بعد الحديث عن البيوت الثابتة المستقرة . والأنعام جمع نعم . وتشمل الإبل والبقر والغنم ، ويدخل فى الغتم المعز. والظعن بسكون العين وفتحها - التحول والانتقال والرحيل من مكان إلى آخر طلباً للمكلاً، أو المساقط الغيث، أو اغير ذلك من الأغراض .. أى: ومن نعمه أيضا أنه أوجد لكم من جلود الأنعام بيوتا وتشتخفونها، أى: تجدونها خفيفة «يوم ظعنكم، أى: يوم سفركم ورحيلكم من موضع إلى آخر ((ويوم إقامتكم (( فى مكان معين بحيث يمكنكم أن تنصبوها لترتاحوا بداخلها، بأيسر السبل ، وذلك كالقباب والخيام والأخبية ، وغير ذلك من البيوت التى يخف حملها . ثم ختم - سبحانه - الآية بإبراز نعمة ثالثة، تتمثل فيما يأخذونه من الأفعام فقال - تعالى -: ((ومن أصرافها، وأوبارها، وأسعارها ، أثاثا ومتاعا إلى حين » . والأثاث: متاع البيت الكثير، وأصله من أث الشىء بفتح الهمزة وتشديد التاء مع الفتح إذا كثر وتكاثف ، ومنه قول الشاعر . أنيتٍ كقنو النخلة المتعشكل (١) وفرع یزین المتن أسودَ فاحم. (١) الفرع: السعر التام. والمتن: ما عن يمين الرأس وشماله. والفاحم: السديد السواد . والأثيث: الكثير المتكاثف، والمتشكل: الذى دخل بعضه فى بعض لكثرته راجع تفسير القرطبى ــ ١٠ ص ١٥٤ - ١٥٢ - ويشمل جميع أصناف المال كالفرش وغيرها . والمتاع: ما يتمتع به من حوائج البيت الخاصة كأدوات الطعام والشراب، فيكون عطف المتاع على الأثاث من عطف الخاص على العام . وقيل : هما بمعنى واحد . والعطف لتنزيل تعاير اللفظ بمنزلة تساير المعنى. أى: ومن أصواف الغنم ، وأوبار الإبل، وأشعار المعز، تتخذون لأنفسكم «أثاثا، كثيرا تستعملونه فى مصالحكم المتنوعه، كما تتخذون من ذلك ما تتمتعون به فى بيوتكم فى معاشكم ((إلى حين، أى: إلى وقت معين قدره الله - تعالى - لكم فى تمتعكم بهذه الأصواف والأوبار والأشعار. وبعد الحديث عن نعمة البيوت والأنعام جاء الحديث عن نعمة الظلال والجبال واللباس، فقال - تعالى -: ((والله جعل لكم ما خلق ظلالا .... والظلال : جمع ظل ، وهو ما يستظل به الإنسان. أى: والله - تعالى - بفضله وكرمه جعل لكم ما تستطلون به من شدة الحر والبرد، كالأبنية والأشجار، وغير ذلك من الأشياء التى تستظلون بها. وقوله - تعالى - وجعل لكم من الجبال أكتانا ... ، فعمة ثانية . والأ كنان جمع كن - بكسر الكاف - وأصله السترة، والجمع أكتان وأكنة، ومنه قوله - تعالى -. ((وقالوا قلوبنا فى أ كنة ما تدعونا إليه .. )) أى فى أستار وأغطية فلا يصل إليها قولك ... والمراد بالأكنان هنا : المغارات والأسراب والكهوف المنحوتة فى بطون الجبال . أى: وجعل لكم - سبحانه - من الجبال مواضع تستترون فيها من الحر أو البرد أو المطر ، أو غير ذلك من وجوه انتفاعكم بتلك الأكتان. وقوله - سبحانه -ـ (( وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابل تقيكم بأسكم، خدمة ثالثة . ١٥٤ - والسرابيل : جمع سربال وهى كل ما يتسربل به، أى يلبسه الناس للتسر والوقاية كالقمصان والثياب والدروع وغيرها . أى : وجعل لكم من فضله وكرمه ملابس تتقون بها ضرر الحر وضرر البرد ، وملابس أخرى هى الدروع وما يشبهها - تنقون بها الضربات والطعنات التى تسدد إليكم فى حالة الحرب . وقال - سبحانه - ((تقيكم الحر، مع أنها تقى من الحر والبرد، اكتفاء بذكر احد الضدين عن الآخر، أو اكتفى بذكر الحر لأنه الأهم عندهم ، إذ من المعروف أن بلاد العرب يغلب عليها الحر لا البرد. قال صاحب الكشاف: لم يذكر البرد، لأن الوقاية من الحر أم عندهم ، وقلما يهمهم البرد لكونه يسيرا محتملا، وقيل: مايقى من الحريقى من البرد ، فدل ذكر الحر على البرد ))(1) . وقال القرطى: قال العلماء: فى قوله - تعالى - ((وسرابيل تقيكم باسكم)) دليل على اتخاذ الناس عدة الجهاد ليستعينوا بها على قتال الأعداء . وقد لبسها النبى - صلى الله عليه وسلم - فى حروبه ... ،(٢). ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله:«كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون، أى: كذلك الإتمام السابغ للنعم التى أنعم بها - سبحانه - على عباده يتم نعمته عليكم المتمثلة فى نعم الدين والدنيا، لعلكم بذلك تسدون وجوهكم لله - عز وجل -، وتدخلون فى دين الإسلام عن اختيار واقتناع، فإن من شاهد كل هذه النعم ، لم يسعه إلا الدخول فى الدين الحق . ثم سلى الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من أعدائه فقال: ((فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين )) (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٦٢٦ (٢) ((القرطبى جـ ١٠ ص ١٦٠ ٠- ١٥٥ ٠٠ وجواب الشرط محذوف، والتقدير: فإن استمر هؤلاء المشركون فى إعراضهم عن دعوتك، بمد هذا البيان والامتنان، فير لوم عليك، فأنت عليك البلاغ الواضح وبحن علينا محاسبتهم، ومعاقبتهم بما يستحقون من عقاب ،قوله - سبحانه -: ((يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون)) استئناف مسوق لبيان الموقف الجحودى الذى وقفه المشر كون من نعم الله - تعالى- والمراد بالكفر فى قوله - تعالى - «وأكثرهم الكافرون ,الستر لنعم الله عن معرفة لها ، وعمطها عن تعمد وإصرار . أى : أن هؤلاء المشركين، بعرفون نعم الله التى عددها فى هذه السورة، كما أنهم يعترفون بأن خالقهم وخالق السموات والأرض هو الله، ولكنهم ينكرون هذه النعم بأفعالهم القبيحة، وأقوالهم الباطلة، كقولهم هذه النعم من ألقه ولكنها بشفاعة آلهتنا الأصنام، أو كقولهم: هذه النعم ورثناها عن آبائنا .. وجاء التعبير ((إن. لاستبعاد الإنكار بعد المعرفة بالنعم، فإن من شأن العالم بالنعمه أن يؤدى الشكر لمديها، وأن يستعملها فيما خلقت له. وقوله (( وأكثرهم الكافرون)) أى: وأكثر هؤلاء الضالين، جاحدون لنعم أنله عن علم بها لا عن جهل ، وعن تذكر لا عن نسيان . وشبه بهذه الجملة قوله - تعالى -: ((وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا .... » قال صاحب فتح البيان: وعر هنا بالأكثر فى قوله - تعالى - ((وأكثره الكافرون، والمراد الكل ، لأنه قد يذكر الأكثر ويراد به الجميع، أو أراد بالأكثر العقلاء دون الأطفال ونحوهم، أو أراد كفر الجحود، ولم يكن كفر كلهم كذلك، بل كان كفر أقلهم عن جهل، وكفر أكثرم بسبب تكذيهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - عنادا أو حسدا ... ))(١). (١) تفسير فتح البيان جـ ٥ ص ٢٨٢. ١٥٦٠٠ وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا ألوانا من نعم الله - تعالى - على عباده، وأدلة متعددة على وحدانيته وقدرته ، وجانبا من موقف الكافرين من هذه النعم .. ثم تحدثت السورة الكريمة بعد ذلك عن حال الظالمين يوم القيامه وعن الأقوال التى يقولونها عندما يرون أصنامهم فى هذا اليوم العصيب ... قال تعالى : ((ويَوْمَ نبعتُ مِن كلِّ أمةٍ شهيداً ثم لا يُؤْذَنُ الذينَ كفرُوا ولا هم يُسْتَعْبُونَ (٨٤) وإذَا رَأَى الذينَ ظلموا العذابَ فلا يخفّفُ عنهُم ولا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) ، إذَا رَأَى الذينَ أشركُوا شركاءهُمْ قَالُوا ربّاً هؤلاء شركاؤنا الذينَ كنّا ندعُو من دُونِك، فألقَوْا إليهم القولَ إِنْكُم الكَاذِبُونَ (٨٦) وأَلْقَوْا إِلى اللهِ يومَئذٍ السَّعَلَمَ وضَلَّ عنهُم ما كانُوا يَفْتَرُون (٨٧) الذين كفرُوا وصدُّوا عن سبيلِ اللهِ زدنَهُم عذاباً فوقَ المذابِ بما كانُوا يُفْسِدون (٨٨) ويومَ نبعتُ فى كلِّ أمةٍ شهيداً عليهم مِنْ أَنفُسِهِم، وجئنا بك شهيداً على هؤلاء، ونزَّلْناَ عليك الكتابَ قِبْانًا لكلِّ شىءٍ، وهُدّى ورحمةُ وبُشْرَى للمسلمينَ (٨٩))). قال الإمام الرازى : اعلى أنه - تعالى - لما بين من حال القوم، أنهم عرفوا نعمة الله ثم أذكروها، وذكر - أيضا - من حالهم أن أكثرهم الكافرون أتبعه بالوعيد، فذكر حال يوم القيامه. فقال : (((ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ... )، وذلك يدل على أن أولئك الشهداء يشهدون عليهم بذلك الإنكار ، وبذلك الكفر، والمراد يهؤلاء الشهداء : ١٥٧٠٠ - الأنبياء، كما قال - تعالى -: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ،(!) والمعنى: واذكر - أيها العاقل لتعتبر وتتعظ ـ (( يوم فبعث فى كل أمة)) أى: جماعة من الناس، ((شهيدا)، يشهد للمؤمن بالإيمان ويشهد على الكافر بالكفر قال ابن عباس شهيد كل أمة نبيها يشهد لهم بالإجمان والتصديق، وعليهم بالكفر والتكذيب . وقوله؛ (( ثم لا يؤذن للذين كفروا)) بيان المصير السىء الذى يننظر هؤلاء الكافرين يوم القيامة . أى : ثم لا يؤذن للذين كفروا يوم القيامة فى الاعتذار ، عما كانوا عليه فى الدنيا من عقائد زائفة، وأقوال ب طلة، وأفعال قبيحة ، كما قال تعالى - فى سورة أخرى: «هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون،(٢) أو المعنى: ثم لا يؤذن لهم فى الرجوع إلى الدنيا ليتداركوا ما فاتهم من عقائد سليمة وأعمال صالحة، لأنهم قد تركوها ولا عودة لهم إليها . أى: ثم لا يؤذن لهم فى الكلام، بعد أن ثبت بطلانه، وقامت عليهم الحجه والتعبير ثم للاشعار بأن مصيبتهم بسيب عدم قبول أعذارهم، أشد من مصيبتهم بسبب شهادة الأنبياء عليهم .. قال صاحب الكشاف: فإن قلت ما معنى ((ثم )، هذه؟ قلت: معناها أنهم يبتلون بعد شهادة الأنبياه بما دو أطم منها ، وهو أنهم يمنعون الكلام، فلا يؤذن لهم فى إلقاء معذرة ولا إدلاء بحجة (٣) (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ٢٤٢ (٢) سورة المرسلات الآيتان ٣٦، ٣٧ (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٢٦ - ١٥٨ - وقرله - سبحانه - ((ولا هم يستعقبون)) تيئيس آخر لهم فى الحصول على شىء من رحمة الله - تعالى - أى: لا يؤذن لهم فى الاعتذار ، ولا يقبل منهم أن يزيلوا عتب ربهم، أى: غضبه وسخطه عليهم، لأن العقاب إنما يطلب لأجل معاودة الرضا من للعاتب، وهؤلاء قد انسد عليهم هذا الطريق، لأن الله - تعالى - قد سخط عليهم سخطا لا مجال لإزالته، بعد أن أصروا على كفرهم فى الدنيا وماتوا على ذلك. قال القرضى: قوله , ولاهم يستعتبون)) أى لا يكلفون أن يرضوا ربهم لأن الآخرة لبست بدار تكليف، ولا يتركون إلى رجوع الدنيا فيتوبون. وأصل الكلمة من العقب - بفتح العين وسكون التاء - وهى الموجدة. يقال: عتَب عليه يعتسب، إذا وجد عليه، فإذا فاوضه فيما عتب عليه فيه، قيل: عاتبه، فإذا رجع إلى ،سرتك فقد أعتب. والاسم العتبى، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضى العاقب. قال النابغة : وإن كنتَ ذا عُقْبَى فمثلك يُعتب(١) فإن كنت مظلوما فعیدا ظلمته وبذلك نرى الآية الكريمة قد نفت عن الدين كفروا قبول أعذارهم، وقبول محاولتهم ارضاء ربهم عما كانوا عليه من كفر وزيغ فى الدنيا . ثم ففى - سبحانه - عنهم - أيضا - تخفيف العذاب أو تأخيره فقال: (وإذا رأى الذين ظلوا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون)). أى: وإذا أبصر الذين ظلموا العذاب الذى أعد لهم فى الآخرة بسبب ظلهم وكفرهم فى الدنيا، فزعوا وخافوا، ولكن خوفهم وفزعهم لن يغير (١) تفسير القرطبى = ١٠ ص ٠١٦٣ - ١٥٩ - من الأمر شيئا، إذ لا يخفف عنهم العذاب بسبب خوفهم أو فزعهم ولاهم يميلون أو يؤخرون عنه . وعلق سبحانه - الرؤية بالعذاب، للاشعار بأن نجيمتهم الكبرى كانت عند إبصاره ومشاهده. ثم حكى. سبحانه بعض مايدور بينهم وبين معبوداتهم الباطلة يوم القيامة، فقال - تعالى -: ((وإذا رأى الذين أشركرا شركاءهم، قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك ..... قال القرطى: قوله - تعالى -((وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم، أى: أصنامهم وأو ثانهم التى عبدوها ، وذلك أن الله يبعث معبوديهم فيتبعونهم حتى يوردوهم النار. وفى صحيح مسلم: ((من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيقبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويقبع من كان يعبد القمر القمر ، ويقبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت ... )،(1: وقال الألوسى: والمراد بشر كائهم : كل من اتخذوه شريكا له - عز وجل- من صنم، ووثن، وشيطان، وآدمى، وملك ... وإضافتهم إلى ضمير المشركين لهذا الاتخاذ، - أى لاتخاذهم إياهم شركاءته فى العبادة - أو لأنهم جعلوا لهم نصيبا من أموالهم وأنعامهم .، (٢) أى: وإذا أبصر المشر كون يوم القيامة شركاءهم الذين أشر كوهم مع الله - تعالى - فى العبادة، «قالوا، أى المشركون على سبيل التحسر والتفجع ياربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا فى الدنيا نعبدهم من دونك، ونتقرب بهم إليك ، فلا تجعل ياربنا العذاب علينا وحدها بل خففه أوارفعه عنا فهؤلاء الشر كاء هم الذين أضلونا . (١) تفسير القرطي ج ١٠ ص ٣ (٢) تفسير الألوسى - ١٤ ص ٢٠٨ - بتصرف وتلخيص - . ١٦٠٠ قال أبو مسلم: ومقصود المشركين بهذا القول. إحالة الذنب على تلك الأصنام تعللا بذلك واسترراحا، مع كونهم يعلمون أن العذاب واقع بهم لا محاله، ولكن الغريق يتعلق بكل ما تقع يده عليه، (١). وقوله - تعالى -: ((فألقوا إليهم القول إنكم الكاذبون، حكاية لمارد به الشركا. على المشركين . أى: فرد أولئك الشر كاء من الأصنام وغيرها على المشركين بقولهم: إفكم لكاذبون - أيها المشركون- فى إحالت كم الذقب علينا، فإننا مادعوناكم لعبادتنا ، ولا أجبرناكم على الإشراك بالله - تعالى -، ولكنكم أنتم الذين اخترتم هذا الطريق المعج، تقليدا لآبائكم، واستجابة لأهوائكم وشهواتكم، وإيثارا للباطل على الحق وماردبه الشر كاءعلى المشركين هنا. قد جاء ما يشبهه فى آيات كثيرة، منها قوله .. تعالى -: ((واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا . كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا،(٢). وقوله - تعالى -: ((وقال الشيطان لما قضى الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووء تكم فأخلفتكم: وما كان لى علي كم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى فلا قلوموتى ولوموا أنفسكم ... )، (٣). قال القرطى: وقوله - تعالى - ((فألقوا إليهم القول ... )، أى: ألقت إليهم الآلهة القول، أى: نطقت بتكذيب من عبدها. بأنها لم تكن آلهة، ولا أمرتهم بعبادتها ، فينطق الله الأصنام حتى تظهر عند ذلك فضيحة الكفار ،(٤) . (١) تفسير فتح البيان = ٥ ص ٢٨٤ للشيخ صديق حسن خان . (٢) سورة مريم الآيتان ٠٨٣ ٠٨٤ (٣) سورة إبراهيم الآيه ٢٢. (٤) تفسير القر طبى - ١٠ ص ٠١٦٣