Indexed OCR Text

Pages 81-100

٠٠٨١٠
وقال - سبحانه - فى هذه الآية (( إنما أمرنا إذا أردناه أن نقول له كن.
فيكون)) أى: يأمر به دفعة واحدة فإذا هو كائن . قال الشاعر:
يقول له (( كن )) قولة فيكون
إذا ما أراد الله أمرا فإنما
أى: «أنه - تعالى -- لا يحتاج إلى تأكيد فيما يأمر به، فإنه - سبحانه-
لا يمانع ولا يخالف، لأنه الواحد القهار العظيم ، الذى قهر سلطانه وحبروته
وعزته كل شئ . .... (١).
وقال بعض العلماء : وعبر - تعالى - عن المراد قبل وقوعه باسم الشىء،
لأن تحقق وقوعه كالوقوع بالفعل ، فلا تنافى الآية إطلاق الشى- على خصوص
الموجود دون المعدوم، لأنه لما سبق فى علم الله أنه يوجد ذلك الشىء - وأنه
بقول کن فیکون - ، کان تحقق وقوعه بمنزلة وقوعه
أو لأنه أطلق عليه اسم الشىء باعتبار وجوده المتوقع كتسمية العصير خمرا
فى قوله ((إنى أرانى أعصر خمرا .. ، نظرا لما يؤول إليه ... (٢) ..
وقوله « فيكون، قرأه الجمهور بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أى:
فهو يكون ...
وقرأ ابن عامر والكسائى , فيكون)) بالنصب عطفا على قوله (( أن
تقول له ٢٢٠٠٠
وبذلك ترى الآيات الكريمة قد حکت جانبا من أقوال المشر کیر وردت
عليها بما يبطلها ، ويزيد المؤمنين إنمانا على إ. انهم.
وبعد أن عرضت السورة الكريمة لأقاويل المشركين وردت عليها ...
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٠٤٩١
(٢) تفسير أضواء البيان جـ ٣ ص ٢٧٢ الشيخ محمد الأمين الشنقيطى.
:٦ - سورة النحل)

٠٠٨٢٠
أتبعت ذلك بذكر جانب من التواب العظيم الذى أعده الله - تعالى - للمؤمنين
الصادقين ، الذين فارقا الدار والأهل والخلان، من أجل إعلاء كلمة الله
- تعالى -، فقال - سبحانه -:
(( والذينَ هاجرُوا فى اللّهِ مِن بَعَدِ مَاظَلِمُوا لِنُبَوْثَنْهم فى الدنيا حسنة
ولُأجرُ الآخرةِ أكبرُ لو كانوا يعلمونَ (٤١) الذينَ صبرُوا وعلى
ربهم يتوكلونَ (٤٢).
أخرج ابن جرير عن قتادة قال: قوله - تعالى -: (والذين هاجروا
فى أنده من بعد ماظلموا .... )) هؤلاء أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -،
ظلهم أهل مكة فأخرجوهم من ديارهم، حتى لحق طائفة منهم بالحبشة، ثم
بوأهم الله - تعالى - المدينة جعلها لهم دار مهجرة، وجعل لهم أنصارا من
المؤمنين ....
وعن ابن عباس : هم قوم هاجروا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
من أهل مكة ، بعد أن ظلهم المشركون،(1).
والذى تراه أن الآية الكريمة تشمل هؤلاء، وتشمل غيرهم ممن هاجر
من بلده إلى غيرها ، رجاء ثواب الله، وخدمة لدينه.
والمهاجرة فى الأصل تطلق على المفارقة والمتاركة الديار وغيرها ،
واستعملت شرعا فى المهاجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان ، أو من دار
الكفر إلى غيرها لنشر دعوه الإسلام.
وقوله (( لنبومنهم)) من التبوؤ بمعنى الإحلال والإسكان والإنزائر يقال
يوأ فان فلانا منزلا ، إذا أسكنه فيه ، وهياه له ...
(١) تفسير ابن جرير ج ١٤ ص ٧٣

- ١٣ . -
((وحسنة)) صفة لموصوف محذوف أى: لنبوتتهم قبوئة حسنة، أو دارا
حسنة ....
والمراد بهذه الحسنة ما يشمل نزولهم فى المدينة، وقصرهم على أعدائهم،
وإبدال خوفهم أمنا ...
قال القرطبى فى المراد بالحسنة هنا ستة أقوال: نزول المدينه؛ قاله بن عباس.
والحسن ... اث نى: الرزق الحسن. قاله مجاهد. الثالث: النصر على عدوم ،
قاله الضحاك، الرابع: لسان صدق ، حكاه ابن جريج. الخامس: ما استولوا
عليه من البلاد ... السادس: مابقى لهم فى الدنيا من ثناء، وما مصارفها
لأولادهم من الشرف .،
ثم قال: وكل ذلك قد اجتمع لهم بفضل الله - تعالى -،(١).
والمعنى: والذين هاجروا فى سبيل الله، وفارقوا قومهم واوطانهم وأموالهم
وأولادهم ... من أجل إعلاء كلمته، بعد أن تحملوا الكثير من أذى المشركين
وظلمهم وطغيانهم ...
هؤلاء الذين فعلوا ذلك من أجل نصرة ديننا ، لنسكنتهم فى الدنيا مساكن
حسنة يرضونها ، ولنعطينهم عطاء حسنا يسعدهم، ولنتصر فهم على أعدائهم
نصرا مؤزرا ...
" وقوله ((فى الله)) أى: فى سبيله، ومن أجل نصرة دينه. حرف (( فى))
مستعمل للتعليل، كما فى قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((دخلت امرأه النار
فى هرة حبستها ......
والمقصود أن هذا الأجر الجزيل إنما هو المهاجرين من أجل إعلاء كلمة
اللّه، ومن أجل نصرة الحق، وليس لمن هاجر لنشر الظلم أو الفساد فى
الأرض ...
(١) تفسير القرطبى ج ١٠ ص ١٠٧

- ٨٤ =
وأسند فعل ((ظلوا، إلى المجهول، لظهور الفاعل من السياق وهو
المشركون .
وفى ذلك إشارة إلى أن هؤلاء المهاجرين لم يفارقوا ديارهم ، إلا بعد أن
أصابهم ظلم أعدائهم لهم، كتعذيبهم إياهم، وتضييقهم عليهم ، إلى غير ذلك
من صفوف الأذى ...
وأكد - سبحانه - الجزاء الحسن الذى وعدهم به باللام وبنون
التوكيد «لنبوقتهم ... ))، زيادة فى إدخال السرور والطمأنينة على قلوبهم،
وجبرا لكل ما اشتملت عليه الهجرة من مصاعب وآلام وأضرار ...
إذ الحسنة - كماقلنا - تشمل كل حسن أعطاه الله - تعالى - المهاجرين
فى هذه الدنيا ...
أما فى الآخرة فأجرهم أعظم، وثوابهم أجزل ، كما قال - تعالى -:
((ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون)).
والضمير فى قوله ((لو كانوا يعلمون، يعود على أعدائهم الظالمين.
أى: ولثواب الله - تعالى - لهم فى الآخرة على هجرتهم من أجل إعلاء
كلمته، أ کبر وأعظم، ولو کان أعدائهم الظالمون يعلمون ذلك لدخلوا فیدین
الإسلام، ولأقلعوا عن ظلمهم فهؤلاء المهاجرين .
وكأن جملة (« لو كانوا يعلمون)) جوابا عن سؤال تقديره: كيف
لم يقتد بهم من بقى على الكفر مع هذا الثواب الذى أعده الله لهؤلاء
المهاجرين ؟
فكان الجواب : لو كان هؤلاء الكافرون يعلمون ذلك لأقلعوا
عن كفرهم .

- ٨٥ ٠٠
ويعمح أن يكون الضمير يعود على المهاجرين ، فيكون المعنى: لو كانوا
يعلمون علم مشاهدة ومعايته ما أعده الله لهم، لما حزنوا على مفارقه الأوطان
والأولاد والأموال، ولازدادوا حبا وشوقا واجتهادا فى المهاجرة.
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عمر بن الخطاب ، أنه كان إذا أعطى
الرجل من المهاجرين عطاء يقول له « خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله
فى الدنيا ، وماذخره لك فى الآخرة أفضل ، ثم تلا هذه الآية(١).
وجوز بعضهم أن يكون الضمير يعود للمتخلفين عن الهجرة . أى: لو علم
هؤلاء المتخلفون عن الهجرة، ما أعده - سبحانه - من أجر للمهاجرين،
لما تخلفوا عن ذلك .
وعلى أية حال فلا مانع من أن يكون الضمير يعود على كل من يتأتى له
العلم ، بهذا التواب الجزيل لهؤلاء المهاجرين فى سبيل الله - تعالى-
ثم وصف - سبحانه - هؤلاء المهاجرين بوصفين كريمين فقال: ((الذين
صبروا وعلى ربهم يتوكلون، أى: هذا الأجر العظيم لهؤلاء المهاجرين الذين
صبروا على ما أصابهم من عدوان وظلم ، وفوضوا أمرهم إلى خالقهم، فاعتمدوا
عليه وحده، ولم يعتمدوا على أحد سواه .
وصفتا الصبر والتوكل على الله. إذا دخلا فى قلب، حملاه على اعتناق كل
فضيلة ، واجتناب كل رذيلة .
وعبر عن صفة الصبر بصيغة الماضى للدلالة على أن صبرهم قد آذن بالانتهاء
لا تقضاء أسبابه وهو ظلم أعدائهم لهم ، لأن الله - تعالی ۔ قد جعل لهم مخرجا
بالهجرة، وذلك بشارة لهم .
وعبر عن صفة التوكل بصيغة المضارع للإشارة إلى أن هذه الصفة ديدنهم
(١) تفسير ابن جرير جـ ١٤ ص ٠٧٤

- ٨٦ -
فى كل وقت، فهم متوكلون عليه - سبحانه - وحده فى السراء والضراء، وفى
العسر واليسر، وفى المنشط والمكره ..
والمتأمل فى هاتين الآيتين الكريمتين ، يراهما قد غرستا فى النفوس محبة
هذا الدين ، والاستهانة بكل ألم أوضر أو مصيبة فى سبيل إعلاء كلمته، والرغبة
فيما عند الله - تعالى - من أجر وأواب.
ثم رد - سبحانه - على المشركين الذين أنكروا أن يكون الرسول -صلى الله
عليه وسلم - من البشر، فبين - سبحانه - أن الرسل السابقين الدين لا ينكر
نبوتهم كانوا من البشر ، فقال - تعالى -.
(( وما أرْسَلْنا مِن قبلِكَ إلّ رجالاً نوحِى إليهم، فاساً لُوا أهلَ
الذِّكر إن كنتم لا تعلمُون (٤٣) بالبيِّنَاتِ والزبُر وأنْزَلْنا إليكَ الذكرَ
لتبيِّن النّاسِ ما نزّل إليهم، ولعلّهم يتفكرونَ (٤٤))).
قال الإمام ابن كثير: عن ابن عباس - رضى الله عنهما -: لما بعث الله
ـ ة-إلى - محمدا - صلى الله عليه وسلم - رسولا، أفكرت العرب ذلك، أومن
أفكر منهم، وقالوا: الله أعظم من ان يكون رسوله بشرا، فأنزل الله: (أكان
للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم ... )، وقال: « وما أرسلنا من قبلك
إلا رجالا نوحى إليهم .... ))(١)
أى : وما أرسلنا من قبلك- أيها الرسول الكريم - لهداية الناس وإرشادهم
إلى الحق إلا رجالا مثلك، وقد أو حينا إليهم بما يبلغونه إلى أقوامهم، من
نصائح وتوجيهات وعبادات وتشريعات ، وقدلقى هؤلاء الرسل من أقوامهم،
مثل ما لقيت من قومك من أذى وتكذيب وتعنت فى الأسئلة ...
قالمقصود من الآية الكريمة تسلية النبى - صلى الله عليه وسلم - والرد على
المشركين فيما أثاروه حوله - صلى الله عليه وسلم - من شبهات .
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٤٩٢

٨٧ ٠
وقد حكى القرآن فى مواطن عدة إنكار المشركين البشرية الرسل وود
عليهم بما يخرسهم، ومن ذلك وقوله - تعالى -: « وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا
نوحى إليهم من أهل القرى ... ،(١)
وقوله - تعالى -: ((وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا
ربهم ، إلا أن قالوا، أبعث الله بشرا رسولا، (٢).
وقوله - تعالى -: ((ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالينات، فقالوا أبشر
بهدوننا، فكفروا وقولوا واستغنى الله والله غنى حميد،(٣).
والمراد بأهل الذكر فى قوله ((فاسالوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون))
علماء أهل الكتاب أى: لقد اقتضت حكمتنا أن يكون الرسول من البشر فى
كل زمان ومكان ، فإن كنتم فى شك من ذلك - أيها المكذبون - فاسألوا علماء
أهل الكتب السابقة من اليهود والنصارى ، فسيبينون لكم أن الرسل جميعا
كانوا من البشر ولم يكونوا من الملائكة .
وهذه الجملة الكريمة معترضه بين قوله - تعالى - , وما أرسلنا ... )، وبين
قوله بعد ذلك: « بالبينات والزير ٠٠٠، المبادرة إلى توبيخ المشركين وإبطال
شبهتهم، لأنه قد احتج عليهم ، بمن كانوا يذهبون إليهم لسؤ الهم عن الرسول
- صلى الله عليه وسلم ..
وفى قوله - تعالى - ((إن كنتم لا تعلمون، إيماء إلى أنهم كانوا يعلمون أن
الرسل لا يكونون إلا من البشر، ولكنهم قصدوا بإفكار ذلك الجحود
والمكابرة، والتمويه لتضليل الجهلاء، ولذا جىء فى الشرط بحرف ( إن))
المفيد للشك .
(١) سورة يوسف الآية ١٩.
(٢) سورة الإسراء الآية ٩٤.
(٣) سورة التغابن الآية :.

- ٨٨ -
وجواب الشرط لهذه الجملة محذوف ، دل عليه ماقبله. أى: إن كنتم
( لا تعلمون، فاسالوا أهل الذكر.
وقيل المراد بأهل الذكر هنا: المسلمون مطلقا ، لأن الذكر هو القرآن،
وأهله هم المسلمون .
ونحن لا ننكر أن الذكر يطلق على القرآن الكريم ، كما فى قوله - تعالى ..
((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون، إلا أن المراد باهل الذكر هنا:
علماء أهل الكتاب ، لأن المشركين كانوا يستفسرون منهم عن أحوال النبى.
- صلى الله عليه وسلم -، أكثر من استفسارهم من المسلمين.
قال الآلوسى ما ملخصه قوله - تعالى -: ((فاسألوا أهل الذكر ... ، أى:
أهل الكتاب من اليهود والنصارى. قاله: ابن عباس والحسن والسدى وغيرهم.
وقال أبو حيان فى البحر : والمراد من لم يسلم من أهل الكتاب ، لأنهم
الذين لا يتهمون عند المشركين فى إخبارهم بان الرسل كانوا رجالا ، فإخبارم
بذلك حجة عليهم . والمراد كسر حجتهم وإلزامهم ، وإلا فالحق واضح فى
نفسه لايحتاج إلى إخبار هؤلاء ... ،(١)
قالوا : فى الآية دليل على وجوب الرجوع إلى أهل العلم فيما لا يعلم، وعلى
أن الرسل جميعا كانوا من الرجال ولم يكن من بينهم امرأة قط .
والجار والمجرور فى قوله: ((بالبينات والزبر ٠٠٠٠٠)، متعلق بقوله
((وما أرسلنا ... )) وداخل تحت حكم الاستثناء مع ((رجالاء ..
والمراد بالبينات : الحجج والمعجزات الدالة على صدق الرسل .
والزبر: جمع زبور بمعنى مزبور أى مكتوب. يقال وزيرت الكتاب ..
من باب نصر وضرب - أى: كتبته كتابة عظيمة .
(١) تفسير الآلوسي - ١٤ ص ٠١٤٧

- ٨٩ -
أى : وما أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم . إلا رجالا مؤيدين
بالمعجزات الواضحات، وبالكتب العظيمة المشتملة على التشريعات الحكيمة
والآداب الحميدة، والعقائد السليمة، التى تسعد الناس فى دينهم وفى دنياهم.
وقوله - سبحانه -: ((وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس مانزل إليهم واحلهم
يتفكرون)» بيان للحكم التى من أجلها أنزل الله - تعالى - القرآن على النبى -صلى
الله عليه وسلم - .
أى: وأنزلنا إليك - أيها الرسول الكريم - القرآن، لتعرف الناس بحق ثق
وأسرار ما أنزل لهدايتهم فى هذا القرآن من تشريعات وآداب وأحكام ومواعظ
ولعلهم بهذا التعريف والتبيين يتفكرون فيما أرشدقهم إليه، ويعملون بهديك
ويقتدون بك فى أقرانك وأفعالك ، وبذاك يفوزون ويسعدون .
فأنت ترى أن الجملة الكريمه قد اشتملت على حكمتين من الحكم التى أنزل
الله - تعالى - من اجلها القرآن على النبى - صلى الله عليه وسلم -.
أما الحكمة الأولى: فهى تفسير ما اشتمل عليه هذا القرآن من آيات خفى
معناها على أتباعه ، بأن يوضح لهم - صلى الله عليه وسلم - ما أجمله القرآن
الكريم من أحكام، ويؤكد لهم - صلى الله عليه وسلم - هذه الأحكام ...
ففى الحديث الشريف عن المقدام بن معد يكرب، عن رسول الله -صلى
الله عليه وسلم - أنه قال: ألا وزنى أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل
شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه
وما وجدتم فيه من حرام لخرموه ... )).
وأما الحكمه الثانية: فهى التفكر فى آيات هذا القرآن، والاتعاظ بها ،
والعمل بمقتضاها، قال - تعالى -: «كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا
آباته. وليتذكر أولوا الألباب).
والمراد بالناس فى قوله - تعالى -. « لتبين للناس .. ، العموم، ويدخل فيهم
المماسرون لنزول القرآن الكريم دخولا أوليا .

- ٠,٠.
وأسند - سبحانه - التبيين إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - لأنه هو المبلغ
عن الله - تعالى - ما أمره بقبليغه.
قال الجمل: قوله - تعالى - وأزلنا إليك الذكر لتبين للناس مانزل إليهم .. ))
يعنى: أنزلنا إليك - يا محمد - الذكر الذى هو القرآن، وإنما سماه ذكرا، لأن
فيه مواعظ وتنبيها للغافلين، (( لتبين للناس مانزل إليهم)) يعنى ما أجمل إليك
من أحكام القرآن، وبيان الكتاب يطلب من السنة ، والمبين لذاك المجمل
هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا قال بعضهم: متى وقع تعارض
بين القرآن والحديث ، وجب تقديم الحديث ، لأن القرآن محمل والحديث
مبين ، بدلالة هذه الآية، والمبين مقدم على المجمل. (١).
وبعد أن ردت السورة الكريمة على ما أثاره المشركون من شبهات حول
الدعوة الإسلامية، أتبعت ذلك بتمديدهم من سوء عاقبة ماهم فيه من كفر
وعصيان وعناد ، فقال - تعالى -:
((أفأَمِن الذين مكروا السيئات أن يخسفِ اللهُ بهم الأرضَ،
أو يأنيَهم العذابُ من حيثُ لا يشعرونَ (٤٥) أو يأخذَم فى تقلْبِهِم
فِى هُم يُحِزِينَ (٤٦) أو يأْخُذَم على تَخَوُّفٍ فَإِنْ ربَّكُمْ لرءوفٌ
رحيم (٤٧))).
قال الآاوسى ماملخصه: قوله - تعالى -: ((أفأمن الذين مكروا السيئات))
هم عند أكثر المفسرين، مشركو مكة ، الذين مكروا برسول الله - صلى الله
عليه وسلم -، وراموا صد أصحابه عن الإيمان ...
وقيل: هم الذين احتالوا لهلاك الأنبياء ... والمعول عليه ما عليه أكثر
المفسرين ،(٢) .
والاستفهام فى الآية الكريمة للتعجيب والتوبيخ .
( ١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٢ ص ٥٧٢
(٢) تفسير الألوسى ج ١٤ ص ١٥٠

- ٩١ -
والفاء للعطف على مقدر دل عليه المقام .
قال بعضهم ما ملخصه : كل ما جاء فى القرآن الكريم، من همزة إستفهام
بعدها واو العطف أو فاؤه. فالأظهر فيه، أن الفاء والواو كلتاهما عاطفة ما بعدها
على محذوفٍ دل عليه المقام ...
والتقدير هنا: أجمل الذين مكروا السيئات وعيد اله لهم بالعقاب. فأمنوا
مكره .... ١)
والمراد بمكرهم هنا : سعيهم بالفساد بين المؤمنين، على سبيل الإخفاء
والخداع .
والسيئات: صحة لمصدر ذوف. أى : مكروا المكرات السيئات.
والمكرات - بفتح الكاف - جمع مكره - بسكونها - وهى المرة من المكر.
ويجوز أن تكون كلمة السيئات مفعولا به بتضمين ((مكروا)، (عنى:
فعلوا ...
والخسف : التغييب فى الأرض ، بحيث يصير المخسوف به فى باطنها .
يقال: خسف الله بفلان الأرض، إذا أهلكه بتغيييه فيها.
ومنه قوله - تعالى -: «خسفنا به وبداره الأرض ... ».
والمعنى أجهل الذين اجتر حوا السيئات وعيدنا ، فأمنوا عقابنا وتوهموا
أنهم لن يصيبهم شىء من عذابنا، الذى من مظاهره خف الأرض بهم، كما
خسفناءا بقارون من قبلهم ؟ !!
إن جهلهم هذا الدليل على انطماس بصيرتهم، واستحواذ الشيطان عليهم.
وقوله (( أو يأتيهم العذاب من حيث لايشعرون» بيان للون آخر من ألوان
تهديدھم .
(١) تفسير أضواء البيان للشيخ الشنقيطى = ٣ س ٢٧٦،

- ٩٢ ٠
أى: فى قدرتنا أن تخف بهم الأرض ، وفى قدرتناأيضا أن نرسل عليهم
العذاب بجرأة فيأتيهم من جهة لا يتوقعون مجيئه منها ، ولا يترقبون الشر من
ناحيتها .
وفى الجملة الكريمة إشارة إلى أن هذا العذاب الذى يأتيهم من حيث
لا يشعرون. عذاب لا يمكن دفعه أو الهروب منه، لأنه أتاهم بغته ، ومن جهة
لا يترقبون الشر منها .
وشبيه بهذا قوله - سبحانه - ((فأتاه الله من حيث لم يحتسبوا ... ))
وقوله - سبحانه - ؛ « أو يأخذهم فى تقلبهم فما هم بمعجزين، بيان النوع
ثالث من أنواع التهديدات التى هددهم الله - تعالى - بها.
والأخذ فى الأصل: حوزالشىء وتحصيله. والمرادبه هنا: القهر والإهلاك
والتدمير ومنه قوله - تعالى -: ((فأخذه أخذة رابية، وقوله - تعالى -:
(( كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر)).
والتقلب: الحركة السريعة إقبالا وإدبارا، من أجل السعى فى شئون
من متاجرة ودعاملة وسفر وغير ذلك .
ومنه قوله - تعالى -: لا يغرنك تقلب الذين كفروا فى البلاد».
أى : فى قدرتنا أن نخسف بهم الأرض ، وأن نرسل عليهم العذاب من
حيث لا يشعرون ، وفى قدرتنا كذلك أن نهلكهم وهم يتحركون فى مناكب
الأرض خلال سفرهم أو إقامتهم ، فإنهم فى جميع الأحوال لا يعجزنا أخذه،
ولا مهرب لهم ما نريده بهم.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((أفامن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا
بياتا وهم نائمون . أو أمن أهل القرى أن ياتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون .
أفأمنوا مكر الله، فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون))(١).
(١) سورة الأعراف الآيات ٩٧ - ٠٩٩

- ٩٣ ٠٠"
وقوله - سبحانه -: ((أو بأخذهم على تخوف فإن ربكم الرءوف رحيم)).
قال بعض العلماء: والتخوف فى اللغة باتى مصدر تخوف القاصر ، بمعنى
خاف ، وياتي مصدر تخوف المتعدى بمعنى تنقص. وهذا الثانى لغة هذيل،
وهى من اللغات الفصيحة التى جاء بها القرآن))(١).
والمعنى على الأول : أو يأخذهم وهم فى حالة خوف وتوقع لنزول
العذاب بهم ، كما نزل بالذين من قبلهم .
وإنى هذا المعنى أشار ابن كثير بقوله: ((أو يأخذهم على تخوف، أى:
أو يأخذهم الله - تعالى - فى حال خوفهم من أخذه لهم، فإنه يكون أبلغ
وأشد حالات الأخذ ، فإن حصول ما يتوقع مع الخوف شديد ... ،(٢)
والمعنى على الثانى: أو يأخذهم وهم فى حالة تنقص فى أنفسهم وأموالهم
وأولادهم، حتى يهلكوا، فيكون هلاكهم قدسبقه الفقر والقحط والمرض،
وفى ذلك مافيه من عذاب لهم ، وحسرة عليهم .
قال القرطبى: وقال سعيد بن المسيب : بينما عمر بن الخطاب - رضى الله
عنه على المنبر قال: أيها الناس ما تقولون فى قول الله عز وجل .. « أو يأخذم
على تخوف ، فسكت الناس .
فقال شيخ من بنى هذيل : هى لغتنا يا أمير المؤمنين. التخوف: التنقص.
فقال عمر: أتعرف العرب ذلك فى أشعارهم ؟ قال نعم : قال شاعرنا
أبو كبير الهزلى يصف فاقة تنقّص السير سنامها بعد اكتنازه :
تخوّف الرحْلُ منهاقا مكا قِرَدًا كاتخوَّف عودُ النَّعةِ السَّفِنُ
(١) تفسير التحرير والتنوير . للشيخ محمد الطاهر بن عاشور.
(٢) تفسير ابن كثير حـ ٤ ص ٠٤٩٤

- ٩٤ -
فقال عمر: أيها الناس: عليكم بديوانكم شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير
کتابكم زمعانى كلامكم،(١).
وختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ((فإن ربكم لرموف رح»
لبيان فضله - سبحانه - على عباده، حيث لم يعالجهم بالعقوبة، بل أمهلهم احلهم
يتوبون إليه ويستغفرونه .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد حذرت الكافرین من التمادى فى
كفرهم، وهددتهم: بخف الأرض بهم، أو بنزول العذاب عليهم من حيث
لا يشعرون، أو بإهلا كهم وهم فى الأرض يكدحون ...
وبعد أن خوف - سبحانه - الماكرين بما خوف، أتبع ذلك ما بدل
على كمال قدرته وعظمته وجلاله، حيث خضعت جميع المخلوقات لذاته-سبحانه۔
فقال - تعالى - :
((أُوَلم يَرَوْا إلى ما خلَق اللهُ من شىءٍ، يتفيؤُ ظِلاَّلُهُ عن اليمينِ
والشمائل سجداً للهِ وم داخِرُونَ (٤٨) ولله يسجد ما فى السمواتِ
وما فى الأرضِ من دابةٍ، والملائكةُ وهُم لا يستكِرونَ (٤٩) يخافونَ
ريّهم من فوقهم ويفعلونَ ما يُؤْمَرون (٥٠) » .
قرأ جمهور القراء , أن لم يروا ... ، وقرأ حمزة والكافى: « أو لم تروا))
بالتاء ، على الخطاب، على طريقة الالتفات .
(١) تفسير القرطى ج ١٠ ص ١١٠. وتخوف فى البيت بمعنى تنقص،
والرحل : السفر. والتامك: المرتفع. والقرد المتراكم لحه بعضه فوق بعض
من السمن. والنبعة: شجرة من أشجار الجبال يتخذ منها القى . والسفن: "
ما يقطع به الخشب. فكأنه يقول ب إن هذه الناقة قد تنقص الفر سنامها،
كما يتنقص المنشار أو ما يشبهه أعواد الأشجار .

٠٠- ٩٥ =
وقوله ((من شىء)) بيان الإبهام الذى فى (١٠) الموصولة فى قوله (( إلى
ماخلق الله) .
وقوله ( يتفيؤ) من التفيز، بمعنى الرجوع. يقال: فا. فلان يفر إذا
رجع وفاء الظل فيأ، إذا عاد بعد إزالة ضوء الشمس له . وتفيؤ الظلال:
تنقلها من جهة إلى أخرى بعد شروق الشمس ، وبعد زوالها ...
والظلال : جمع ظل، وهو صورة الجسم المنعكس إليه نور .
و (داخرون) من الدخور بمعنى الانقياد والخضوع. يقال: دخر فلان
يدخر دخورا ، ودخر ـ بزنة فرح - يدخر دخراً، إذا انقاد لغيره وذل له.
والمعنى: أعمى هؤلاء المشركون الذين مكروا السيئات، ولم يروا ماخلق
الله - تعالى - من الأشياء ذوات الظلال - كالجبال والأشجار وغيرها - وهى
تتنقل ظلالها من جانب إلى جانب ، ومن جهة إلى جهة، باختلاف الأوقات
وهى فى كل الأحوال والأوقات منقادة لأمر الله -تعالى-، جارية على ماأراده
لها من امتداد وتقلص وغير ذلك، خاضعة كل الخضوع لما سخرت له ..
قال ابن كثير - رحمه اله -: يخبر - تعالى - عن عظمته وجلاله، الذى
خضع له كل شىء ودافت له الأشياء والمخلوقات بأسرها، جمادها وحيواناتها
ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة ، فأخبر أن كل ماله ظل يتفيأ ذات
اليمين وذات الشمال - أى بكرة وعشيا -، فإنه ساجد بظله لله - تعالى -)(1).
والاستفهام فى قوله - تعالى - ( أو لم يروا ... ) للافكار والتوبيخ،
والرؤية بصرية ..
أى: قد رأوا كل ذلك، ولكنهم لم يفتفعوا بما رأوا، ولم يتعظوا بما
شاهدوا ..
(١) تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٤٩٤ طبعة دار الشعب .

- ٩٦ -
والمراد بقوله: « عن اليمين والشمائل، جهتهما، وليس المراد التقييد
بذلك ، إذ أن الظل أحيانا يكون أمام الإنسان وأحيانا يكون خلفه. وإنما
ذكر اليمين والشمائل اختصارا للكلام .
وأفرد اليمين ، لأن المراد به جنس الجهة، كما يقال: المشرق، أى جهة
المشرق، وجمع «الشمائلى)) - مفرده شمال -، لأن المقصود تعدد هذه الجهة
باعتبار تعدد أصحابها.
وقال الشوكانى : قال الفراء: وحد اليمين ، لأنه أراد واحدا من ذوات
الأطلال ، وجمع الشمائل ، لأنه أراد كلها .
قال الواحدى: وحد اليمين والمراد به الجميع إيجازا فى اللفظ ، كقوله :
((ويولون الدبر))، ودلت الشمائل على أن المراد به الجمع. وقيل: إن العرب
إذا ذكرت صيغتى جمع عبرت عن إحداهما بلفط الواحد، كما فى قوله -تعالى-
, وجعل الظلمات والنور .... (١)
وقوله - سبحانه - (( سجدا لله وهم داخرون)) حال من (ظلاله، أى:
حال كون هذه الأشياء وظلالها سجدالله - تعالى-، وحال كون الجميع لا يمتنع
عن أمر الله - تعالى -، بل الكل خاضع له - سبحانه - كل الخضوع.
وجاء قوله - تعالى - ((وهم داخرون، بصيغة الجمع الخاصة بالعقلا.،
تغليبالهم على غيرهم ثم أقبع - سبحانه - هذه الآية الكريمة، بآية أخرى
مؤكدة لها، ومبينة أن كل المخلوقات لن تمتنع عن السجود لله - تعالى - ،
سواء أكانت لها ظلال أم لا، فقال -سبحانه -: ((ولله يسجد مافى السموات
وما فى الأرض من دابة ، والملائكة وهم لا يستكبرون .. »
والدابة: كل ما يدب على وجه الأرض ، مشعقة من الدب بمعنى الحركة .
(١) تفسير فتح القدير للشوكانى ج ٣ ص ٠١٦٦

- ٩٧ -
قال الجمل: قال العلماء، السجود على فودين: سجودطاعة وعبادة كسجود
المسلمقه - عز وجل - وسجود القياد وخضوع كسجود الظلال. فقوله، ولله
يسجد ما فى السموات وما فى الأرض.، يحتعلى النوعين، لأن سجود كل
شىء بحسبه، فسجود المسلمين والملائكة سجود طاعة وعبادة، وسجود غيرهم
سجود خضوع وانقياد ... ،(١)
وأوزرت (ماء الموصولة على من، تغليبا لغير العقلاء، لكثرتهم والإرادة
العموم .
وقوله: ((من دابة، بيان لما فى الأرض، إذ الدابة ما يدب على الأرض
أو - كما يقول الألوسى - بيان لما فيهما، بناء على أن الدبيب هو الحركة
الجسمانية، سواء أكانت فى أرض أو سماء .. ﴾(٢)
وقوله (( والملائكة، معطوف على «ما، فى قوله (( ما فى السموات وما
فى الأرض ، من باب عطف الخاص على العام.
وخصهم - سبحانه - بالذكر تشريفا لهم. ورفعا لمنزلتهم ، وتعريضا
بالمشركين الذين عبدوا الملائكة . أو قالوا هم بنات اللّه.
وقوله، وهم لا يستكبرون: أى: والملائكة لا يستكبرون عن إخلاص
العبادة له، وعن السجود لذاته - سبحانه - بل هم «عباد مكرمون لا يعصون
الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)).
ثم وصفهم - سبحانه - بالخصية منه، وبالخوف من عقابه فقال: «يخافون
ربهم من فوقهم ، ويفعلون ما يؤمرون)).
أى: أن من صفات الملائكة ، أخهم يخافون ربهم الذى هو من فوقهم
(١) حاشية الجمل على الجلالين حـ ٢ ص ٠٥٧٤
(٢) تفسير الالوسى حـ ١٤ ص ٠١٥٧
:٧ - سورة النحل)

- ٩٨ -
بجلاله وقهره وعلوه - بلا تشبيه ولا تمثيل -، ويفعلون ما يؤمرون به من
الطاعات ، ومن كل ما يكلفهم به - سبحانه - دون أن تصدر منهم مخالفة .
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد وصفت الله - تعالى - بما هو أهل له -
سبحانه - من صفات القدرة والجلال والكبرياء، حتى يفى. الضالون إلى
رشدهم ، ويخلصوا العبادة لخالقهم - عز وجل -
وبعد أن بين - سبحانه - أن كل شىء فى هذا الكون خاضع لقدرته،
أتبع ذلك بالنهى عن الشرك، وبوجوب إخلاص العبادة له ، فقال - تعالى-
((وقالَ اللهُ لَا تَتَّخِذَوا إلَهَن اثنينٍ، إنما هو إلهٌ واحدٌ، فإياىّ
فارْهَبُونِ (٥١) ولهُ ما فى السمواتِ والأرضِ ، وله الدينُ واصباً، أفغيرَ
اللهِ تتقون (٥٢) وما بُكُم مِنْ نِعْمَةٍ فن اللهِ، ثم إذمسّكُم الضرء فإليه
بجأرُونَ (٥٣) ثم إذا كشفَ الضُّرَّ عنسكُمْ إذَا فريقٌ منكم بريهم
يشركونَ (٥٤) ليكفُروا بما آتَيْنَهُم فتمتُعُوا فَسَوْفَ تعلّمُونَ (٥٥)).
قال الإمام الرازى : اعلم أنه - سبحانه - لما بين فى الآية الأولى ، أن كل
ما سوى الله - تعالى -، سواء أ كان من عالم الأرواح أم من عالم الأجسام،
منقاد وخاضع لجلاله - تعالى - وكبريائه - أتبعه فى هذه الآية بالنهى عن
الشرك، وببيان أن كل ما سواه واقع فى ملكه وتحت تصرفه، وأنه غنى عن
المكل، فقال - تعالى -: ((وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين ... )، (١)
أى: وقال الله - تعالى - لعباده عن طريق رسله - عليهم الصلاة والسلام.
لا تتخذوا شركاء معى فى العبادة والطاعة، بل اجعلوهما لى وحدى ، فأنا
الخالق لكل شىء والقادر على كل شىء ...
(١) التفسير الكبير للفخر الرازى جـ ٢٠ ص ٤٧

- ٩٩ ٧٢٠٠
قال الآلوسي: وقوله (( وقال الله ... معطوف على قوله - سبحانه -
" ولله يسجدما في السموات وما في الأرض ... »
وإظهار الفاعل، وتخصيص لفظ الجلالة بالذكر ، للإيذان بأنه - تعالى-
متعين الألوهية ، والمنهى عنه هو الاشراك به، لا أن المنهى عنه هو مطلق
اتخاذ إلهين ... ))(١)
وقوله ((اثنين)) صفة للفظ إلهين أو مؤ كد له, وخص هذا العدد بالذكر،
لأنه الأقل، فيعلم انتفاء اتخاذ ما فوقه بالطريق الأولى .
وقوله - سبحانه - , إنما هو إله واحد، بيان وتوكيد لما قبله، وهو
مقول لقوله - سبحانه -: (( وقال الله ... ))
أى: وقال الله لا تتخذوا معى فى العبادة إلها آخر، وقال - أيضا - إنما
المستحق للعبادة إله واحد والقصر فى الجملة الكريمة من قصر الموصوف، على
الصفة ، أى : الله وحده هو انختص بصفة الوحدانية.
وقد نهى - سبحانه - عن الشرك فى آيات كثيرة، وأقام الأدلة على بطلا ته
ومن ذلك قوله - تعالى - ((لا تجعل مع اللّه إلها آخر فتلقى فى جهنم ملوما
مدحورا، وقوله - سبحانه - (( لو كان فيهما آلهة إلا اللّه لفسدتا، فسبحان
الله رب العرش عما يصفون)).
والفاء فى قوله ، فإیای فارهبون » واقعة فى جواب شرط مقدر و«إياى)،
مفعول به لفعل محذوف يقدر مؤخراً، يدل علية قوله ((فارهبون)).
والرهبة : الخوف المصحوب بالتحرز ، وفعله رهب بزنة طرب.
والمعنى: إن رهبتم شيئا فإياى فارهبوا دون غيرى، لأنى أنا الذى
لا یمجزنی شیء .
وفى الجملة الكريمة التفات من الغيبة إلى الخطاب، للمبالغة فى التخويف،
(١) تفسير الآلوسي = ١٤ ص:١٦

١٠٠٠٠
إذ تخويف الحاضر أبلغ من تخويف الغائب ، لاسيما بعدأن وصف سبحانه.
ذاته بما وصف من صفات القهر والغلبة والكبرياء .
وقدم المفعول وهو إياى)، لإفادة الحصر، وحذف متعلق الرهبة ،
للعموم .
أى: ارهبون فى جميع ما تأتون وما تذرون ...
والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها قد اشتملت على ألوان من المؤكدات
للنهى عن الشرك، والأمريا خلاص العبادة لله - تعالى - وحده، قارة عن طريق
التقرير، وقال الله ... )) وقارة عن طريق النهى الصريح، وقارة عن طريق
التخصيص ...
وذلك لكى يقلع الناس عن هذه الرذيلة النكراء، ويؤمنوا بالله الواحد
القهار .
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على كال قدرته ، ونفاذ إرادته ،
فقال - تعالى - ((وله ما فى السموات والأرض، وله الدين واصبا ... ))
والمراد بالدين هنا : الطاعة والخضوع بامتثال أمره واجتناب نهيه، وقد
أتى الدين بمعنى الطاعة فى كثير من كلام العرب ، ومن ذلك قول عمرو بن
كلثوم فى معلقته :
وأيا ما لنا غرا كراما عصينا الملك فيها أن ندينا
أى : عصيناه وامتنعنا عن طاعته وعن الخضوع له .
وقوله ((واصبا)) من الوصوب بمعنى الدوام والثبات، يقال: وصب الشىء
يصب - بكسر الصاد - وصوبا، إذا دام وثبت . ومنه قوله - تعالى-مدحورا
ولهم عذاب واصب(1) أى: دائم.
(١) سورة الصافات الآية ٩ . :