Indexed OCR Text

Pages 61-80

- ١١ -
دجىء بحمله ((قال الذين أوتوا العلم .. ، غير معطوفة على ما قبلها،
لأنها واقعة موقع الجواب لقوله - سبحانه -ـ , أين شركائى ٠٠٠، والتنبيه
على أن الذين أوتوا العلم سارعوا بالجواب بعد أن وجم المستكبرون، وعجزوا
عن الإجابه .
وقولهم هذا يدل على شماتتهم بأعداء الله - تعالى -، وتوبيخهم لهم على
كفرهم ، وإستكبارهم عن الإستماع إلى كلمه الحق .
وقال - سبحانه -: ((قال الذين أوتوا العلم ... )) بلفظ الماضى، مع أن
هذا القول سيكون فى الآخرة، للاشارة إلى تحقق وتوعه ، وأنه كائن
لا محالة .
ثم صور - سبحانه - أحوال هؤلاء الكافرين ساعة إنتزاع أرواحهم من
أجسادهم وساعة وقوفهم للحساب، فقال - تعالى -: ((الذين تتوفاهم
الملائكة ظالمى أنفسهم، فألقوا ، فسلم ماكنا نعمل من سو٠ ٠٠٠٠٠)
م
قال الآلوسي: وفى الموصول أوجه الإعراب الثلاثه: الجر على أنه صفة
للكافرين، أو بدل منه، أوبيان له، والنصب والرفع على القطع للذم .وجوز
بعضهم كونه مرتفعا بالابتداء، وجمله , فألقوا، خبره ... )) (١)
والمواد بالملائكة : عزرائيل ومن معهمن الملائكة
والمراد بظلهم لأنفسهم: إشراكهم مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى
العبادة .
أى: إن أشد أنواع الخزى والعذاب يوم القيامة على الكافرين، الذين
تنتزع الملائكة أرواحهم من أجسادهم وهم مازالوا باقين على الكفر والشرك
دون أن يتوبوا منهما ، أو يقلعوا عنهما .
وقوله: ((ظالمى أنفسهم)) حال مر مفعول تتوفاهم.
تفسير الآلوسي حـ ١٤ ص ١٢٨

- ٦٣ -
وفى وصفه هؤلاء الكافرين بكونهم(( ظالمى أنفسهم)) إشعار إلى أن
الملائكة تنتزع أرواحهم من جنوبهم بغلظة وقسوة ، ويشهد لذلك قوله
- تعالى -: ( ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم
وأدبارهم .... ، (١)
وقوله «فألقوا السلم، بيان لما صار إليه هؤلاء المستكبرون من ذل وخضوع
فى الآخرة، بعد أن كانوا مغترين متجبرين فى الدنيا.
وأصل الإلفاء يكون فى الأجسام والمحسات فاستعير هنا لإظهار كمال
الخضوع والطاعة، حيث شبهوا بمن ألقى سلاحه أمام الأقوى منه، بدون
أية مقاومة أو حركة .
والمراد بالسلم: الاستسلام والامتكافة .
أى: أنهم عندما عاينوا الموت ، وتجنت لهم الحقائق يوم القيامة ،
خضعوا وإستكانوا وإستلموا ، بعد أن كانوا فى الدنيا يتكهرون على
المؤمنين ، ويسخرون منهم.
وجملة (( ما كنا نعمل من سوء (مقول لقول محذوف.
أى: عندما عاينوا الحقائق إستسلموا وإنقادوا، وقالوا: ماكنا فى الدنيا
نعمل عملا سيئا ، قوهما منهم أن هذا القول ينفعهم.
وقد حكى الله - تعالى - عنهم فى آيات أخرى ما يشبه هذا القول، ومن
ذلك)، قوله - تعالى -: (( ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا، والله ربنا ماكنا
مشر کین )) .
وقوله - سبحانه - (( بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون)) تكذيب لهم فى
دعواهم أنهم ما كافرا يعملون السوء لأن لفظ ((بلى» لإبطال ماففوه.
(١) سورة الأنفال الآيه ٥٠

- ٦٣ -
أى: بلى كنتم تعملون السوء، لأن الله - تعالى - لا تخفى عليه خافية من
أعمالكم، وسيجازيكم عنها بما تستحقون وهذا التكذيب لهم قد يكون من
الملائكة بأمر الله - تعالى - وقد يكون من قبله - سبحانه -
وقوله - سبحانه: (( فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها.
بيان لما
إنتهى إليه أمرهم من عذاب مهين.
وأبواب جهنم قد ذكر - سبحانه - عددها فى قوله - تعالى -: «لها سبعة
أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم)) (1)
أى: فأدخلوا - أيها الكافرون - من أبواب جهنم، حالة كونكم خالدين
فيها خلوداً أبدياً،, بمبتس مثوى المتكبرين)) أى فلبئس مقام المتعاظمين عن
الإيمان بالله جهنم.
وبذلك نرى الآيات الكريمة، قدبينت بأسلوب مؤثر، مصير المستكبرين
الذين وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين، والذين جادلوا المؤمنين بالباطل
ليدحضوا به الحق ...
وبعد أن بين - سبحانه - أقوال المستكبرين، وأحوالهم، وسو عاقبتهم
أتبع ذلك ببيان أحوال المتقين . وببيان ما أعده لهم من خيرات فقال
- تعالى -:
((وقيلَ الذينَ اتَقَوْا ماذَا أَزاءَ ربُكُم، قَالُوا خيراً، للذينَ أحسنُوا
فى هذه الدنيا حسنةً، ولدارُ الآخرةِ خيرٌ، ولنعم دار المتقينَ (٣٠)
جناتُ عَذْن يدخلُونها تجرِى مِنْ تحتها الأنهارُ لهم فيها ما يشاءونَ،
كَذلِكَ يُجزى اللهُ المتقينَ (٣١) الذينَ تتوقَّام الملائكةُ طيبينَ يقولُون
سلامٌ عليكم، ادخلوا الجنةَ بما كنتم تعملون (٣٢))).
(١) سورة الحجر الآية ٤٤

- ٦٤ -
فقوله - سبحانه -: ((وقيل للذين إتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً ....
بيان لما رد به المؤمنون الصادقون، على من سألهم عما أنزله الله - تعالى - على
نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -
وهو معطوف على ما قبله، للمقابله بين ما قاله المتقون، وما قاله
المستكرون .
ووصفهم بالتقوى، للاشعار بأن صيانتهم لأنفسهم عن إرتكاب مانهى
الله - تعالى - عنه، وخوفهم عنه - سبحانه - ومراقبتهم له ، كل ذلك حملهم
على أن يقولوا هذا القول السديد، وكلمة (( خيرا، مفعول لفعل محذوف
أى: أنزل خيرا. أى: رحمة وبركة وفورا وهداية، إذ لفظ ((خيرا)) من
الألفاظ الجامعة لكل فضيلة .
قال صاحب الكشاف: فان قلت لم نصب هذا ورفع الأول ؟
قلت : فَصْلاً بين جواب المقر وجواب الجاحد، يعنى أن هؤلاء لما سئلوا
لم يتلعثموا وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفا مفعولا للإنزال، فقالوا
خيرا. وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا: هو أساطير الأولين
وليس من الإنزال فى شىء)، (١)
وقوله - سبحانه -: (( للذين أحسنوا فى هذه الدنيا حسنة)، جمله مستأنفة
لبيان ماوعدهم به - تعالى - على أعمالهم الصالحة من أجر وثواب .
أى : هذه سنتنا فى خلقنا أننا نجازى الذين يعملون الصالحات بالجزاء الحسن
الكريم، دون أن نضيع من أعمالهم شيئا .
وقوله (( حسنة)) صفة لموصوف محذوف أى: مجازاة حسنة بسبب
أعمالهم الصالحة .
(١) تفسير الكشاف < ٢ ص ٤٠٧

٦٥
كما قال - تعالى - فى آية أخرى: «من عمل صالحاً من ذكر أو أنى وهو
مؤمن، فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)(١)
ثم بين - سبحانه - جزاءهم فى الآخرة فقال: ((ولدار الآخرة خير ،
ولنعم دار المتقين )) .
والمراد بدار الآخرة: الجنة ونعيمها .
و ((خير)، صيغة تفضيل، حذفت همزتها لكثرة الاستعمال على سبيل
التخفيف ، كما قال ابن مالك:
وغالبا أغناهم خبر وشر عن قولهم أخير منه وأشر
ونعم : فعل ماض لإنشاء المدح ، وهو ضد بئس.
والمعنى: ولدار الآخرة ومافيها من عطاء غير مقطوع، خير لهؤلاء المتقين
مما أعطيناهم فى الدنيا، ولنعم دارهم هذه الدار. قال - تعالى -: دبل
تؤثرون الحياة الدنيا. والآخرة خير وأبقى.(٢).
ووصفها - سبحانه .. بالآخرة، لأنها آخر المنازل ، فلا أنتقال عنها
إلى دار أخرى، كما قال - تعالى -: «خالدين فيها لا يبغون عنها حولا ..
والمخصوص بالمدح محذوف لتقدم ما يدل عليه، والتقدير: ولنعم دار
المتقين ، دار الآخرة .
ثم وصف - سبحانه - ما أعده لهم من نصم فقال: ((جنات عدن
يدخلونها تجرى من تحتها الأنهار .....
والعدن: الإقامه الدائمه: يقال: عدن فلان ببلد كذا، إذا توضن فيه
وأقام دون أن يبرحه أى: لهؤلاء المتقين: جنات دائمة باقية، يدخلونها بسرور
وحبور، تجرى مر تحت بساتينها وأشجارها الأنهار .
(١) سورة النحل الآية ٩٧
(٢) سورة الأعلى الآيتان ١٧،١٦
:٥ - سورة النحل)

- ٦٦ -
: لهم فيها ما يشاءون، مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين , كذلك يجزى الله
المتقين، أى: مثل هذا الجزاء الحسن ، يحزى الله - تعالى - عباده المتقين:
الذين جنبوا أنفسهم مالا يرضيه .
ثم حكى - سبحانه - ماتحييهم به الملائكة فقال: ((الذين قتوفاهم الملائكة
طيبين , يقولون سلام عليكم ... ..
أى: هذا الجزاء الحسن لهؤلاء المتقين، الذين تتوفاهم الملائكة، أى
تقبض أرواحهم، حال كونهم ، طيبين)) أى: «طهرين من دفس الشرك
والفسوق والعصيان .
((يقولون)) أى الملائكة لهؤلاء المتقين عند قبض أرواحهم، ((سلا.
عليكم ، أى : أمان عليكم من كل شر ومكروه .
((ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون)، أى: بسبب ماقدمتوه من أعمال صالحه
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى: ((إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاءو
تتنزل عليهم الملائكة، أن لاتخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التى كت
توعدون )،(١) .
هذا، ولا تعارض بين قوله تعالى- ((تتوفاه الملائكه)) وبين قوا
فى آية أخرى (( قل يتوفاكم ملك الموت)، وبين قوله فى آية ثالثة «الله يتوا
الأنفس حين موتها ، .
لأن إسناد المتوفى إلى ذاته - تعالى -، باعتبار أن أحدا لا يمود
إلا بمشيئته - تعالى -، وأستاده إلى ملك موت بأعتباره هو المأمور بقية
الأرواح، وإسناده إلى الملائكة بأعتبارهم أعوانا له ولا تعارض - أيضا.
بين قوله - تعالى - ((ادخلوا الجنة بما كنتم)) وبين ماجاء فى الحديد
٠٠٠
الصحيح : ((لن يدخل أحدا عمله الجنة.
(١) سورة فصلت الآية ٣٠

- ٦٧ -٠
لأن الأعمال الصالحه إنما هى أسباب عادية لدخول الجنة ، أما السبب
الحقيقى فهو فضل الله - تعالى - ورحمته، حيث قبل هذه الأعمال، وكانا
أصحابها عليها.
وبعد أن بينت السورة الكريمة جانبا من أقوال المتقين ، وبشرتهم بما
يرحم وشرح صدورهم، عادتمرة أخرى لتهديد المكافرين، لعلهم يزدجرون
أو يتذكرون ، فقال - تعالى - :
((هَلْ ينظرُون إلاَّ أن تأتيَهُم الملائكةُ أو يأتى أمرُ ربِّكَ كذلك
فعلَ الذين مِنْ قبلهِم، وماظلمَهم اللهُ، ولكنْ كَانُوا أَنفُسَهم يظلُون (٣٣)
فأصاَهم سيئاتُ ما عَمِلُوا، وحاقَ بهم ما كانُوا بِه يستهزئُونَ (٣٤)).
والاستفهام فى قوله - سبحانه - :هل ينظرون ... ) إنكارى فى معنى النقى
ينظرون هنا بمعنى ينتظرون، من الإنظار بمعنى الإمهال، والضمير المرفوع
يعود إلى أولئك المتكهرين الذين وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين، والذين
تتوفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم، كماجاء فى الآيات السابقة .
أى: ما ينتظر أولئك المتكبرون الذين لا يؤمنون بالآخرة، إلا أن تأتيهم
المرتكة لنزع أرواحهم من أجسادهم، أو يأتى أمر ربك - أيها الرسول
الكريم - بإهلاكهم، أو بإنزال العذاب بهم من حيث لا يشعرون.
وليس المراد من الجمله الكريمة ، أنهم ينتظرون ذلك على سبيل الحقيقة،
لأن إصرارهم على الكفر جعلهم يستهينون بهذا التهديد وإنما المراد أنهم حين
أصروا على الكفر مع ظهور البراهين على بطلانه، صار حالهم كحال المترقب
لنزول أحد الأمرين: قبض الملائكة لأرواحهم، أو نزول العذاب بهم ..
فالجمله الكريمة تهديد لهم على تماديهم فى الكفر، وتحر يضر لهم على الإيمان
قبل فوات الأوان .

- ٦٨ -
قال الجما: و((أو)) فى قوله (( أو يأتى أمر ربك، مانعة خلو، فإن كلا
من الموت والعذاب يأتيهم وإن اختلف الوقت، وإنما عبر بأو دون الواو ،
للاشارة إلى كفاية كل وأحد من الأمرين فى تعذيبهم ... )،(1).
وقوله - سبحانه - كذلك فعل الذين من قبلهم ... ، تسلية الرسول -صلى
الله عليه وسلم - عما أصابه منهم من أذى .
أى: مثل هذا الفعل الشنيع الذى صدر عن الكافرين من قومك - يا محمد
فعل الذين من قبلهم من أقوام الرسل السابقين، كقوم نوح وقوم هود، وقوم
صالح، فإنهم قد آذوا رسلهم . كما آذاك قومك .
وقد أنزلنا بهم ما يستحقون من عقاب دنيوى ، ولعذاب الآخرة أشد
وأبقى .
وقوله - سبحانه - ((وماظلهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)، بيان
لعدالة الله - تعالى - وأنه - سبحانه - لا يظلم الناس شيئاً.
أى: وما ظلمهم الله حين أنزل بهم عقابه: ولكن هم الذين ظلموا أنفسهم
بترديهم فى الكفر ، وإصرارهم عليه، ومحاربتهم لمن جاء لإخراجهم من
الظلمات إلى النور .
وقوله - سبحانه -: ((فأصابهم سيئات ماعملوا وحاق بهم ما كانوا به
يستهزئون)) معطوف علىقوله « كذلك فعل الذين من قبلهم، وما بينهما اعتراض.
وحاق: بمعنى أحاط، من الحيق بمعنى الإحاطة، وبا به باع، يقال: حاق
يحيق، وخص فى الاستعمال بإحاطة الشر، ومنه قوله - تعالى -,،لا بحيق
المكر السىء إلا بأهله».
أى : هكذا تمادى أسلافهم فى الكفر والجحود، فأصابهم جزاء سيئات
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٢ ص ٥٦٩

- ٦٩:
أعمالهم، وأحاط بهم العذاب من كل جانب، بسبب كفرهم وسخريتهم
بالرسل وبما أخبروهم به من حساب وثواب وعقاب فى الآخرة ، وسيقال
لهؤلاء المجرمين يوم القيامة وهم يردون النار: « هذه النار التى كنتم بها
تكذبون،(٢) .
وبذلك نرى أن هاتين الايتين ، قد هددتأ الكافرين ودعتهما إلى الدخول
فى الحق، وحذرتاهم من انتهاج نهج الظالمين من قبلهم .
ثم حكى - سبحانه - بعض أقاويلهم الباطله، ومعاذيرهم الفاسدة ، ورد
عليها بما يدحضها ويدمغها ، فقال - تعالى -:
(( وقالَ الذينَ أشر كُوا لو شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دونِه من شىءٍ نحنُ
ولا آباؤنا، ولا حرَّمنا مِنْ دُونِه مِنْ شىءٍ، كذلكَ فعل الذين مِنْ
قبلهم ، فهلْ على الرّسُلِ إلا البلاغُ المبينُ (٥*) ولقد بَعَثْنَاَ فى كلٌ أمةٍ
رسولاً ، أن اعبدُوا الله واجتفِبُوا الطاغوتَ ، فَنْهُم مَن هدَى اللهُ،
ومنهم من حقتْ عليه الضلالةَ، فسيرُوا فى الأرض فانظرُوا كيفَ
كان عاقبةُ المكذِّبِينَ (٢٦) إنْ تحرِصْ على هُدَاهُم فإِنَّاللهَ لا يَهْدِى
من يُضِلُّ، وما لهم من ناصرين (٣٧))).
إن هذه الآيات الكريمه ، تعالج شبهة من الشبهات القديمة الحديثه.
قديمة ، لأن كثيرا من مجادلى أرسل - عليهم الصلاة والسلام، موهوابها ..
وحديثة، لأنها كثيراما تراود الذين يتمسكون بالأوهام، إرضاء لنزواتهم
وشهواتهم ...
(١) سورة الطور الآيه ١٤

- ٧٠ -
إنهم جميعا يقولون عند ارتكابهم القبائح والمنكرات: هذا أمر الله وهذا
قضاؤه، وتلك مشيئته وإرادته، ولو شاء اللّه عدم فعلنا لهذه الأشياءلمافعلناها
ومادام الله - تعالى - قد قضى علينا بها فما ذنبنا؟ ولماذا يعاقبنا عليها مادام
قد شاءها لنا ؟
استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى هذه الشبهة بأسلوبه الخاص فيقول:
(( وقال الذين أشركوا لوشاء الله ماعبدنا من دونه من شىء نحن ولا آباؤنا،
ولا حردنا من دونه من شىء ... ))
أ)): ((وقال الذين أشركوا، مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة،
لنبيهم - صلى الله عليه وسلم - لوشاء الله)) تعالى - لنا عبادته وحده لعبدناه نحن
وآباؤنا الذين هم قدوتنا .
ولوشاء لنا ولآبائنا - أيضاً - ألا تحرم شيئا ما حرمناه من البحائر
والسوائب وغيرهما، لتمت مشيئته، ولما حرمنا شيئا لم يأذن به - سبحانه.
ولكنه - عز وجل - لم يشأ ذلك، بل شاء لنا أن نشرك معه فى العبادة
هذه الأصنام، وأن نحرم بعض الأنعام ، وقد رضى لنا ذلك ، فلما ذا تطالبنا
يا محمد - صلى الله عليه وسلم - بتغيير مشيئة الله، وتدعونا إلى الدخول فی دین
الإسلام، الذى لم يشأ لنا الله - تعالى - الدخول فيه؟
هذه حجتهم ، ولاشك أنها حجة داحضة، لأنهم يحيلون شر کهم وفسوقهم
على مشيئة الله - تعالى - مع أن مشيئته - تعالى - لم يطلع عليها أحد من خلقه
حتى يقولوا ماقالوا ...
وإنما الذى أطلعنا عليه - سبحانه - أنه أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم -
لهدايتنا ، ومنحنا العقول التى تميزبها بين الحق والباطل، فمن أطاع
الرسول - صلى الله عليه وسلم - سعد وفاز، ومن أعرض عن هدايته خسم

٠- ٧١ -
وخاب قال - تعالى -: «إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه جعلناه
سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل، إما شاكرا وإما كفورا).
وقال - سبحانه : وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء
فليكفر ... ،
ولقد حکی - سبحانه - شبهة المشر کین هذه فىآ یات أخرى ورد عليها ،
ومن ذلك قوله - تعالى -؛ «وقالوا لوشاء الرحمن ما عبدناهم مالهم بذلك من
علم أن هم إلا يخرصون))(١).
وقوله - سبحانه -: « سيقول الذين أشركوا لوشاء ما أشر كنا ولا آباؤنا،
ولاحرمنا من شىء ، كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذا قوا بأسنا ، قل هل
عندكم من علم فتخر جوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإنه أنتم إلا تخرصون . قل
فله الحجة البالغة، فلو شاء لهداكم أجمعين ... »(٢)
هذا، وقد قلنا عند تفسير هذه الآيات ما ملخصه: ونريد أن نزيد هذه الشبهة
القديمة الحديثه تمحيصا وكشفا ودفعا، فنقول لأولئك الذين يبررون ارتكابهم
للموبقات بأنها واقعة بمشئة الله :
نقول لهم: نحن معكم فى أنه لا يقع فى ملكه - سبحانه - إلا مايشاؤه.
فالطائع تحت المشيئة، والعاصى تحت المشيئة، ولكن هذه المشيئة لم تجبر
أحد على طاعة أو معصية، وقضاء اللّه هو علمه بكل ماهو كائن قبل أن يكون
وليس العلم صفة تأثير وجبر .
ولقد شاء - سبحانه - أن يجعل فى طبيعة البشر الاستعداد للخير والشر،
ووهبهم العقل ليهتدوا به، وأرسل إليهم الرسل أينمو فيهم إستعدادهم، وسن لهم
(١) سورة الزخرف الآية ١٩.
(٢) سورة الأنعام الآيات من ١٤٨ - ١٥٠

- ٧٢ ٠٠
شريعة لتكون مقياسا ثابتا لما يأخذون ومايدعون، كى لايتركهم لمقولهم
وحدها .
وإذاً فمشيئته الله متحققة حسب سنته التى ارتضاها، سواء أتخذ العبد
طريقه إلى الهدى أو إلى الضلال، وهو مؤاخذ إن ضل، ومأجور إذا اهتدى
غير أن سنة الله اقتضت ، أن من يفتح عينه يبصر النور ، ومن
يغمضها لايراه.
كذلك من يفتح قلبه لإدراك دلائل الإيمان يهتدى ، ومن يحجب قلبه
عنها يضل سنة الله ولن تجد لسنته تبديلا .
وإذا فزعم الزاعمين بأن اته شاء هذا، على معنى أنه أجبرهم عليه ، فهم
لا يستطيعون عنه فكاكا، إنما هو زعم باطل لاسند له من العلم والتفكير
الصحيح ... ،(١) .
وقوله - سبحانه -: ((كذلك فعل الذين من قبلهم)) تسلية للرسول الله
صلى الله عليه وسلم- عما قاله هؤلاء المشركون من كذب، وما نطقوا به
باطل :
واسم الإشارة . كذلك، يعود إلى إشراكهم وتحريمهم لما أحله الله -تعالى
أى : مثل ذلك الفعل الشنيع الذى فعله قومك معك يا محمد ، فعل أشباههم
السابقون مع أنبيائهم الذين أرسلهم الله - تعالى - هدايتهم، فلا تبتئس -
أيها الرسول الكريم - مما فعله مشركو قومك. فإننا لولا وجودك فيهم ،
لأنزلنا بهم ما أنزلنا على سابقيهم من عذاب .
والاستفهام فى قوله - تعالى: «فول على الرسل إلا البلاغ المبين، إنكارى
فى معنى النفى
(١) راجع تفسيرنا لسورة الأنعام من ص ٢٧٧ إلى ص ٢٨٥

٠- ٧٣ -
والبلاغ: اسم مصدر بمعنى الإبلاغ. والمبين: الواضح الصريح .
أى: ما على الرسل الكرام الذين أرسلهم الله - تعالى - لإرشاد أقوامهم
إلى الصراط المستقيم , إلا الابلاغ الواضح، المظهر لأحكام الله، والمميز
بين الحق والباطل، أما إجبار الناس على الدخول فى الحق فليس من
وظيفتهم .
قال - تعالى - ((وإما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك، فإنما عليك)،
البلاغ وعلينا الحساب، (١)
وقال - تعالى - ليس عليك هداه ولكن الله يهدى من يشاء .... (٢)
ثم بين - سبحانه - أن من رحمته بعباده، أن أرسل إليهم الرسل مبشر ين
ومنذرين لئلا يكون الناس على الله حجة بعد الرسل، فقال - تعالى - :
(( ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا، أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ... ))
والطاغوت: اسم لكل معبود من دون الله - تعالى -، كالأصنا والأوثان
وغير ذلك من المعبودات الباطلة ، مأخوذ من طفا يطغى طفوا ... إذا جاوز
الحد فى الضلال ...
أى: ولقد اقتضت حكمتنا ورحمتنا وأن نبعث: فى كل أمة ، من الأمم
السالفة (( رسولا)، من رسلنا الكرام، ليرشدوا الناس إلى الحق والخير ،
وليقولوا(( أن اعبدوا الله)) - تعالى - وحده، ((واجتنبوا، عبادة ((الطاغوت))
الذى يضل ولا يهدى.
وأكد - سبحانه - الجملة باللام وقد، المرد على مازعمه المشر كون من أن
الله - تعالى - لم ينكر عليهم عبادتهم لغيره، وأنه - سبحانه - راض
(} سورة الرعد الآية ٤٠
(٢) سورة البقرة: الآيه ٠٢/٢

- ٧٤ -
لتحريمهم لما أحله، حيث بين لهم - عز وجل .. ، أنه قد أرسل الرسل الدعوة
إلى عبادته وحده ، ولتجنب عبادة أحد سواه .
و ((أن)، فى قوله« أن اعبدوا ... تفسيربه، لأن البعث يتضمن معنى
القول، إذ هو بعث للتبليغ .
ثم بين - سبحانه - موقف هؤلاء الأقوام من رسلهم فقال - تعالى - :
((فمنهم من هدى الله، ومنهم من حقت عليه الضلالة ... ))
أى: بعثنا فى كل أمة من الأمم السابقة رسولا لهداية أبنائها. فمن هؤلاء
الأبناء من هداهم الله - تعالى - إلى الحق وإلى الصراط المستقيم. بأن زفقهم
إليه ، لانشراح صدورهم له، ومنهم من ثبتت وحقت عليه الضلالة، لاستحبابه
العمى على الهدى ،
وأسند - سـ فانه - هداية بعض افراد هذه الأمم اليه، مع أنه أمر جميعهم
- على ألسنة رسله - بالدخول فى طريق الهدى، للرد على المشركين الذين
أحالوا شركهم وفسوقهم على مشيئة الله، إذ أن الله - تعالى - قد بين للناس
جميعا طريق الخير وطريق الشر، فمنهم من استجاب الأولى، ومنهم من انحدر
إلى الثانية ، وكلاهما لم يقسره الله - تعالى - قسرا على الهدى أو الضلال ..
فاهتداء المهتدين إنما هو بسبب اختيارهم لذلك، واتباعهم الرسل، وضلال
الضالين إنما هو بسبب استحواذ الشيطان عليهم.
وعبر - سبحانه - فى جانب الضالين بقوله: ((ومنهم من حقت عليه الضلالة،
للإشارة إلى أنهم لم يستجيبوا لما أرشدهم - سبحانه - إليه، بل ظلوا ثابتين
مصممين على البقاء فى طريق الضلالة، (( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، والله
لا يهدي القوم الفاسقين)) (١).
وقوله - سبحانه -: فسيروافى الأرض فانظر واكيف كان عاقبة المكذبين،
(١) سورة الصف الآيه ٥ .

٠ ٧٥ -
تحريض لهم على التأمل فى آثار المكذبين، لعلهم عن طريق هذا التأمل والتدبير
نثوبون إلى رشدهم ، ويعودون إلى صوابهم، ويدر كون سنة من سنن الله
فى خلقه، وهى أن العاقبة العطية. للمتقين، والعاقبة السيئة للكافرين .
والفاء فى قوله (( فيروا ... )) للتفريع، وقد جىء بها للإشعار بوجوب.
المبادرة إلى التأمل والاعتبار .
أى: إن كنتم فى شك ما أخبر ناكم به، فسارعوا إلى السير فى الأرض،
لتروا بأعينكم آثار المجرمين، الذين كذبوا الرسل. وأسندوا شركهم إلى
مشيئة الله . لقد نزل بهؤلاء المكذبين عذاب الله، قدمرهم تدميرا, وإنكم
لتمرون عليهم مصبحين. وبالليل أفلا تعقلون)، (١).
ثم أخبر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن حرصه على هداية
المصرين على ضلالهم، لن يغير من واقع أمرهم شيئا، فقال - تعالى - ((إن
تحرص على مداهم فإن الله لا يهدى من يضل ... )).
والفعل المضارع، تحرص، بكسر الراء ماضيه (( حرص) بفتحها كضرب
يضرب .
والحرص : شدة الرغبة فى الحصول على الشىء، والاستئثار به .
وقوله (« فإن الله لا يهدى من يضل)) تعليل لجواب الشرط المحذوف،
والتقدير :
إن تحرص - أيها الرسول الكريم- على هداية هؤلاء المصرين على كفرهم
لن ينفعهم حرصك. فإن الله - تعالى - قد أقتضت حكمتة أن لا يهدى من يخلق
فيه الضلالة بسبب سوء اختياره ,وفساد استعداده.
وفى الجملة السكريمة إشارة إلى ماجبل عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكارم
(١) سورة الصافات الايتان ١٣٧، ٠٢٠٨

- ٧٦ -
الأخلاق ، فإنه مع ما اقيه من مشركى قومه من أذى وعناد وتكذيب ...
كان حريصا على ما ينفعهم ويسعدم .
قال الآلوسي ما ملخصه: وقوله ((فإن الله لا يهدي من يضل)) جواب الشرط
على معنى فاعلم ذلك ، أو علة للجواب المحذوف ، أى: إن تحرص على هداهم
لن ينفع حرصك شيئاً . فإن الله لا يهدى من يضل.
والمراد بالموصول كفار قريش المعبر عنهم قبل ذلك بالذين أشركوا،
ووضع الموصول موضع ضميرهم للتنصيص على أنهم ممن حقت عليهم الضلالة
وللأشعار بعلة الحكم ...
ومعنى الاية: أنه - سبحانه - لا يخلق الهداية جبرا وقسرا فيمن يخلق فيه
الضلالة بسوء اختياره .
و ((من)) على هذا . مفعول ((يهدى)، وضمير الفاعل فى ((يضل، لقه ـ
تعالى - والعائد محذوف، أى من يضله ,
وقرأ غير واحد من السبعة ((فإن الله لا يُهدَى ... )) بضم الياء وفتح
الدال ـ على البناء للمفعول .
و((من)) على هذا نائب فاعل، والعائد وضمير الفاعل كمامر ... ،(١)
والمعنى على هذه القراءة: إن تحرص على هداه - يا محمد - أن ينفعهم
حرصك ، فإن من أضله الله - تعالى - لا يهديه أحد .
وقوله : (( وما لهم من ناصرين ، تذييل مؤكد لما قبله .
أى: وليس لهؤلاء الضالين من ناصر يدفع عنهم عذاب الله - تعالى- إن
نزل بهم ، أو يصرفهم عن سبيل الغى الذى آثروه على سبيل الرشد.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((ومن يرد الله فتفته فلن تملك له من
(١) تفسير الالوسى = ١٤ ص ٣٩.

١٠٠ -
الله شيئا ... ،(١) وقوله - تعالى -: ((من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم فى
طغيانهم يعمهون))(٢) .
٥٥٥
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك مقولة أخرى من مقولاتهم الباطلة، التى
أكدوها بالإيمان المغلظة، ورد عليها بما يدمغها ، فقال - تعالى -:
(( وأقسمُوا بالله جَهْدَ أْيمانِهِم، لا يبعثُ اللهُ من يموتُ، بلى وعداً
عليه حقًّاً ولكنَّ أ كثر الناسِ لا يعلمُون (٣٨) ليُبيِّنَ لهم الذى يُخْتلِفُون
فيه، وليعلمَ الذينَ كفرُوا أنهُم كَانُوا كاذبينَ (٣٩) إنما قولُنا لشىءٍ إِذَا
أُرِدْ نَهُ أن نقولَ لَهُ كُنْ فِيكُونَ (٤٠))» .
. قوله - سبحانه -: ((وأقسموا بالله جهد إيمانهم ..... ، معطوف على
قوله - تعالى - قبل ذلك (( وقال الذين أشر كوا لو شاء الله ما أشر كنا نحن
ولا آباؤنا ..... (( للايذان بأنهم قد جمعوا بين إنكار التوحيد وإنكار
البعث بعد الموت .
والقسم: الحلف: وسمى الحلف قسما، لأنه يكون عند إنقسام الناس
إلى مصدق ومكذب والجهد - بفتح الجيم - المشقة. يقال جهد فلان دابته
وأجهدها ، إذا حمل عليها فوق طاقتها . وجهد الرجل فى كذا ، إذا جد فيه
وبالغ، وبابه قطع .
والمراد بقوله: ((جهد إيمانهم، أنهم أكدوا الإيمان ووثقوها بكل ألفاظ
(١) سورة المائدة الآية ٤١
(٢) سورة الأعراف الآية ١٨٦

- ٧٨ -٠
التأكيد والتوثيق، على أنه لا بعث ولا حساب بعد الموت، لأنهم يزعمون أن
إعادة الميت إلى الحياة بعد أن صار ترابا وعظاما نخرة، أمر مستحيل.
وقد أكدوا زعمهم هذا بالقسم، للتدليل على أنهم متثبتين ما يقولونه ،
ومتيقنين من صحة ما يدعونه ، من أنه لا يبعث الله من يموت ..
قال القر طبى : قوله - تعالى ـ,وأقسموا بالله جهد إيمانهم .... ، هذا
تعجيب من صنعهم، إذ أقسموا بالله وبالغوا فى تغليظ اليمين بأن الله لا يبعث
من بموت .
ووجه العجب أنهم يظهرون تعظيم الله فيقسمون به ثم يعجزونه عن
بعث الأموات .
وقال أبو العالية : كان لرجل من المسلمين على مشرك دين فتقاضاه ،
وكان فى بعض كلامه: والذى أرجو، بعد الموت إنه لكذا ، فأقسم المشرك
بانله: لا بعث اللّه من يموت فنزلت الآية ،
وفى البخارى عن أبى هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: قال الله
- تعمالى - كذبنى أب آدم ولم يكن له ذلك. وشتعنى ولم يكن له ذلك ، فأما
تكذيبه إياى فقوله: أن يعيدنى كما بدأنى، وأما شتمه إباى فقوله: إتخذ الله
ولدا وأنا الأحد الصمد، لم يولد ولم يكن له كفوا أحد، (١)
وقوله - سبحانه - ((بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون))
تكذيب لهم فيما زعموه من أن الله - تعالى - لا يبعث من يموت، ورد
عليهم فيما قالوه بغير علم. و((بلى)) حرف يؤتى به لإبطال النفى فى الخبر
والاستفهام.
أى: بعلى سببعث الله - تعالى - الأموات يوم القيامه، وقد وعد بذلك
(١) تفسير القرطبي = ١٠ ص ١٠٥

٠ ٧٩ ٠
وعدا صدقا لاخلف فيه ولا تبديل، ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقيقة
لجهلهم بكال قدرة الله - تعالى -، وعموم علمه، ونفاذ إرادته، وسموتكته.
قال الجمل: وقوله: « وعدا عليه حقا، هذان المصدران منصوبان على
المصدر المؤكد، أى: وعد ذلك وعدا، وحق حقا. وقيل: حقا نعتا لوعدا.
والتقدير. بلى يبعثهم وعد بذلك وعدا حقا ، (١)
وجىء بقوله , عليه، لتأكيد هذا الوعد . تفضلا منه - سبحانه - وكرما
والمراد بالحق هنا: الصدق الذى لا يتخلف ، والثابت الذى لا يتبدل .
أى : وعدا صادقا ثابتا لا يقبل الخلف، لأن البعث من مقتضيات حكمته
- سبحانه -.
والمراد بأكثر الناس : المشركون ومن كان على شاكلتهم فى إذكار
البعث والحساب والثواب والعقاب يوم القيامة .
وفى التنصيص على أكثر الناس ، مدح للأقلية منهم ، الذين آمنوا بالبعث
وبالآخرة وما فيها من حساب ، وهم المؤمنون الصادقون ،
هذا، وقد حكى - سبحانه - مزاعم المشركين ورد عليها فى آيات كثيرة
ومن ذلك قوله - تعالى -: ((زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا، قر بلى وربي
أتبعث، ثم التنبؤر بما عملتم ..... (٢)
وقوله - تعالى -: ((وضرب لنا مثلا ونسى خلقه، قال من يحيى العظام
وهى رميم . قل يحييها الذى أنشأما أول مرة .... )) (٣)
ثم بين - سبحانه - - الحكمة من بعث الناس يوم القيامة، فقال - تعالى -:
(( ليبيز لهم الذى يختلفون فيه، وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين)،
(١) حاشية الجمل عنى الجلالين = ٢ ٥ ٥٧١
(٢) سورة التغاب الآية ٧
(٣) سورة يس الآية ٧٨، ٧٩

- ٨٠ -٠
واللام فى قوله : ليبين لهم ... )) وفى قوله (( وليعلم .. ، متعلقة بما دل
علیه حرف « بلى ، وهو يبعثهم.
أى؛ بلى يبعث الله - تعالى - الموتى، ليظهر لهم وجه الحق فيما إختلفوا
فيه فى شأن البعث وغيره ، وليعلم الذين كفروا على مشاهدة ومعاينة ، أنهم
كانوا كاذبين فى قسمهم أن الله - تعالى - لا يبعث من يموت ، وفى غير ذلك
من أقوالهم الباطلة ..
وفى إظهار الحق ، وفى بيان كذبهم يوم البعث ، حسرة وفداءة لهم ،
حيث ظهر لهم ما أفكروه فى الدنيا ، وما كانوا يستهزئون به ، عندما كان
الرسل - عليهم الصلاة والسلام - يدعونهم إلى نبذ الشرك، وإلى إخلاص
العبادة لله - تعالى - وحده .
فالآية الكريمة قد بينت حكمتين لبحث الناس الحساب يوم القيامة، الأولى
إظهار ما اختلفوا فيه فى شأن البعث وغيره مما جاءتهم به الرسل. والثانية :
إظهار كذب الكافرين الذين أفكروا البعث وإستهزءوا بمن دعاهم إلى
الإيمان به .
وقوله - سبحانه -: ((إنما قولنا لشىء إذا أردفاه أن نقول له كن
فيكون، استئناف لتأكيد قدرة الله - تعالى - النافذة، وشمولها لكل شىء
من بعث وغيره، وذلك لأن الكمار لما أنسموا بالله جهد أيمانهم بأنه- سبحانه
لا يبعث الموتى، ورد عليهم بما يبطل مزاعمهم، أتبع ذلك ببيان أن قدرته
- تعالى - لايتعاصى عليها شىء، ولا يحول دون نفاذها حائل ...
قال الإمام ابن كثير: أخبر - سبحانه - عن قدرته على مايشاء، وأنه
لا يعجزه شيء فى الأرض ولا فى السماء، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول
له « كن فيكون))، والمراد من ذلك إذا أراد كونه. فإنما يأمر به مرة واحدة
فيكون كما يشاء، قال - تعالى -: ((وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر»
وقال - سبحانه - دماخلفكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة)).