Indexed OCR Text
Pages 41-60
-٤١ - و((تميد، أى تضطرب وتميل. يقال: ماد الشىء يميد ميدا، إذا تحرك، ومادت الأغصان إذا تمايلت أى: وألقى - سبحانه - فى الأرض جبالا ثوابت لكى تقر وتثبت ولا تضطرب . فقوله (( أن تميد بكم، تعليل لإلقاء الجبال فى الأرض. قال القرطى : وروى الترمذى بسنده عن أنس بن مالك عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: لما خلق الله الأرض جعلت تميد وتضطرب) خلق الجبال عليها فاستقرت ، فعجبت الملائكه من شدة الجبال . قالوا يارب هل من خلقك شىء أشد من الجبال؟ قال نعم ، الحديد. قالوا يارب فهل من خلقك شىء أشد من الحديد ؟ قل نعم النار . قالوا يارب فهل من خلفك شىء أشد من النار؟ قال نعم الماء، قالوا يارب فهل من خلقك شىء أشد من الماء؟ قال نعم الريح . قالوا يارب: فهل من خلقك شىء أشد من الريح؟ قال نعم، ابن آدم إذا تصدق بصدقة بيمينه يخفيها عن شماله(١). هذا، ومن الآيات التى نشبه هذه الآية قوله - تعالى - : ((خلق السموات بغير عمد تروتها، وألقى فى الأرض رواسى أن تميد بكم .. )،(٢). وقوله - تعالى -: ألم نجعل الأرض مهادا، والجبال أوتادا،(٣). ثم بين - سبحانه - نعما أخرى لما ألقاه فى الأرض فقال: «وأنهاراوسبلا لعلكم تهتدون ). أى: وجعل فى الأرض ((أنهارا، تجرى من مكان إلى آخر، فهى تنبع فى مواضع، وقصب فى مواضع أخرى ، وفيها نفع عظيم للجميع ، إذ منها يشرب الناس والدواب والأنعام والنبات .. وجعل فيها كذلك طرقا مهدة، يسير فيها السائرون من مكان إلى آخر . (١) تفسير القرطى = ١٠ ص ٩٠ ٢١) سورة لقمان الاية ١٠ (٣) سورة النبأ الأ يه ٧٢١. - ٤٢ - ((لعلكم تهتدون، بتلك السبل إلى المكان الذي تريدون الوصول إليه، بدون تحير أو ضلال . وقد كرر القرآن الكريم هذا المعنى فى آيات كثيرة، منها قوله تعالى -: ((والله جعل لكم الأرض بساطا لتسلكوا منها سبلا تجاجا،(١). والمراد بالعلامات فى قوله - تعالى -: وعلامات وبالنجم هم يهتدون، الأمارات والمعالم التى يضعها الناس على الطرق بإلهام من الله - تعالى-، للاهتداء بها عند السفر. والمراد بالنجم : الجنس ، فيشمل كل نجم يهتدى به المسافر. أى ومن مظاهر نعمه - أيضا -، أنه - سبحانه - جعل فى الأرض معالم وأمارات من جبال كبار، وآكام صغار، وغير ذلك ، ليهتدى بها المسافرون فى سفرهم، وتكون عونا لهم على الوصول إلى غايتهم ، وبمواقع إالنجوم هم يهتدون فى ظلمات البر والبحر ، إلى الأماكن التى يبغون الوصول إليها. والضمير (( هے، فى قوله (( وبالنجم هم يهتدون، يشمل كل سالك فىظلمات البر والبحر ، ويدخل فيه دخولا أوليا أهل مكة، لأنهم كانوا كثيرى الأسفار للتجارة، كما كانوا معروفين بالاهتداء فى سيرهم بمواقع النجوم. وقدم - سبحانه - المتعلق وهو ((وبالنجم)) للاهتمام به، إذ أن الاهتداء بالنجوم ، أمر هام فى حياة المسافرين ولا سيما الذين يسافرون فى البحر . وعدل - سبحانه - عن الخطاب إلى الغيبة فى قوله« هم يهتدون)) على سبيل الالتفات ، ليزداد الكلام طلاوة وانتباها إلى ما اشتمل عليه . وشبيه بهذه الآيه قوله - تعالى -: (وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات البر والبحر، قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون)»(٢). (١) سورة فوح الآ يه ٠٢٠،١٩ (٢) سورة الأنعام الآ ية ٩٧. - ٤٣ - وإلى هذا زر، السورة الكريمة، التى هى سورة النعم ، قد حدثتنا فى بضع عشرة آبه. عن ألوان متنوعه ن نعم الله - تعالى - على عباده. حدثتناغن نعمة الروح الذى يحمى "قلوب الميته وينقذها من الكفر والضلال .. وحدثتنا عن نعمة خلق الإنسان، وخلق السموات والأرض ... وحدثتنا عن نعمة خلق الأنعام ، والخيل والبغال والحمير ... وحدثتنا عن نعمة إنزائ الماء من السماء، وما يترتب على هذه النعمة من فوائد ومنافع . وحدثتنا عن فعمة تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم ... لمصلحة الإنسان . وحدثتنا عن نعمة تسخير البحر وتذليله للانتفاع بخيراته . وحدثتنا عن نعمة الجبال والأنهار والسبل ... حدثتنا عن كل ذلك وغيره. لكى يخلص الإنسان عبادته لخالقه، ولكى يطيعه حق الطاعه، ويشكر، عليها، ويستعملها فيما خلقت له . وبعد أن حدثتنا السورة عن كل ذلك ، ساقت لنا جملة من صفات الله - تعالى -. وويخت المشركين على شركهم، وأبطلته بأبلغ أسلوب، ودعتهم إلى الدخول فى الدين الحق ، فقال - تأملى - : (( أَفَمن يُخْلُقُ كَمَن لا يُخلُق؟ أفلاتذكَرّون (١٧) وإن تَعدُّوا نعمةَ اللهِ لا تحصُوها، إنّ اللهَ لغفورٌ رحيمٌ (١٨) واللهُ يعلَمُ مَا تُسِرُونَ وما تُعِنُونَ (١٩) والذينَ يَدْعُونَ من دُونِ الِّ لا يخلقونَ شيئًا وهُمْ يُخْلَقَونَ (٢٠) أمواتٌ غيرُ أحياءِ وما يشعُرونَ آيانَ يُبعثونَ (٢١) إِلَهَكُمْ إِلَهٌ واحدٌ ، فالذينَ لا يؤمِنُونَ بالآخرةِ قلوبُهم مُنكِرةٌ وم مُستكبِّرُونَ (٢٢) لا جرَم أَنَّ اللهَ يعلَمَ ما يُسِرُّونَ وما يُعلِنُون، إنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُستكبِرِينَ (٢٣))). - ٤٤ - والاستفهام فى قوله - سبحانه -: « أفمن بخلق كمن لا يخلق .. )) للإنكار والتوبيخ لأولئك المشركين الذين عبدوا غير الله - تعالى -. أى : أفمن يخلق هذه الأشياء العجيبه، والمخلوقات البديعة ، التى بينا لكم بعضها، وهو الله - عز وجل -، كمن لا يخلق شيئا على سبيل الإطلاق، بل هو مخلوق ، كتلك الأصنام والأوثان وغيرها، التى أشركتموها فى العبادة مع الله - تعالى-؟ إن فعلكم هذا الدليل واضح على جهلكم - أيها المشركون - وعلى انطاس بصير تكم ، وقبح تفكيركم. قال صاحب الكشاف: فإن قلت من لا يخلق أريد به الأصنام ، فلماذا جىء بمن الذى هو لأ ولى العلم؟ قلت: فيه أوجه: أحدها أنهم سموها آلهة وعبدوها فأجروها مجرى أولى العلم ... الثانى : المشاكلة بينه وبين من يخلق . الثالث: أن يكون المعنى: أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولى العلم، فكيف بما لا على عنده. كقوله - تعالى -,ألهم أرجل يمشون بها ٠٠٠)) يعنى أن الآلهة - التى عندوها - حالهم منحطة عن حال من لهم أرجل وأيد وآذان وقلوب لأن هؤلاء أحياء وهم أموات، فكيف تصح لهم العبادة، لا أنها لو صحت لهم هذه الأعضاء اصح أن يعبدوا. فإن قلت الآية إلزام للذين عبدوا الأوثان وسموها آلهة تشبيها بالله - تعالى -: فكان م حق الإلزام أن يقال : أفمن لا يخلق كمن يخلق ؟ قلت حين جعلوا غير الله مثل الله فى تسميته باسمه والعبادة له، وسووا بينه - ٤٥ ٠ وبينه ، فقد جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبيها بها، فأنكر عليهم ذلك بقوله:« أفمن يخلق كمن لا يخلق ..! (١). وقوله - سبحانه.، أفلا تذكرون)) زيادة فى تويخهم وفى التهکم بهم. أى: أبلغ بكم السفه والجهل أنكم سويتم فى العبادة بين من يخلق ومن لا يخلق، والحال أن هذه التسويه لا يقول بها عاقل، لأن من تفكر أدنى تفكر، وتأمل أوٍ تأمل، عرف وتيقن أنه لا يصح التسوية فى العبادة بين الخالق والمخلوق، فهلا فكرتم قليلا فى أمركم، لكى تفيتوا إلى رشدكم ، فتخلصوا العبادة لله الخلاق العليم. ثم ذكرهم - سبحانه - نعمه على سبيل الإجمال، بعد أن فصل جانباً منها فى الآيات السابقة فقال - تعالى - ((وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)، والمراد بالنعمة هنا جنسها ، الذى يشمل كل نعمه، لأن لفظ العدد والإحصاء قرينة على ذلك، وعلماء البيان يعدون استعمال المفرد فى معنى الجمع اعتمادا على القرينه - من أبلغ الأساليب المكلاميه. أى: وإن تعدوا نعمة الله - تعالى - التى أنعمها عليكم، فى أنفسكم، وفيما سخره لكم (( لا تستطيعون حصر هذه النعم لكثرتها ونتنوعها. وما دام الأمر كذلك فاشكروه عليها ما استطعتم. وأخلصوا له العبادة والطاعه . وقوله: ((إن الله لغفور رحيم، استئناف قصد به فتح باب الأمل أمامم.م لكى يتدار كوا ما فرط منهم من جحود وتقصير فى حقه - سبحانه - أى: إن الله - تعالى - المغفور لعباده على ما فرط منهم, متى تابوا إليه. ( ١) تفسير الكناف ج ٢ ص ٤٠٥ - بتصرف يسير - ٤٦٠٠ - توبة نصوحا، رحيم بهم ، حيث لم يؤاخذهم بذنوبهم , بل منحهم نعمه مع تقصيرهم فى شكره - تعالى . قال ابن كثير - رحمه الله - قوله: «إن الله لغفور رحيم، أى يتجاوز عنكم. ولولما لبكم بشكر جميع نعمه لعجزتم عن القيام بذلك, ولو أمركم به لضعف تم وتركتم، ولو عذبكم لعذبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنه غفور رحيم، يغفر الكثير، ويجازى على البير، (١). وقوله - سبحانه -: ((والله يعلم ما تسرون وما تعلنون)) بيان لمكمال علمہ ۔۔ تعالی ۔۔ وتحذير من الوقوعفیما نهى عنه ، لأنه - تعالى- لاتخفى عليه خافية . أى: والله - تعالى - وحده، يعلم ما تسرونه من أقوال وأفعال، وما تظهرونه منها ، وهو محص عليكم ذلك، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر . ثم وصف - سبحانه - الأوثان التى يعبدها المشركون من دونه، بثلاثة أوصاف. تجعلها بمعزل عن التفع، فضلا عن استحقاقها للعبادة، فقال - تعالى (((والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون. أموات غير أحياء، وما يشعرون أيان بيعثون, وصفها - أولا - بالعجز التام، فقال - تعالى -: (( والذين تدعون مندون الله لا يخلقون شيئا ... ) أى: وهذه الآلهة التى تعبدونها من دون الله - تعالى - لا تخلق شيئا من المخلوقات مهما صغرت، بل هم يخلقون بأيديكم ، فأنتم الذين تنحتون (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٠٤٨٢ - - ٤٧ - الأصنام . كما قال - سبحانه - حكاية عن إبراهيم - عليه السلام - الذى قال لقومه على سبيل التهكم بهم: « أتعبدون ما تنحتون. والله خلقكم وما تعملون)(١) . وإذا كان الأمر كذلك فكيف تعبدون شيئا أنتم تصنعونه بأيديكم، أو هو مفتعر إلى من يوجده ؟ !! وهذه الآية الكريمة أصرح فى إثبات العجز للمعبودات الباطلة من سابقتها التى تقول: ((أفمن يخلق كمن لا يخلق ... )، لأن الآبه السابقه نفت عن المعبودات الباطله أنها تخلق شيئا ، أما هذه الآيه التى معنا فنفت عنهم ذلك، وأثبتت أنهم مخلوقون لغيرهم وهو الله - عز وجل -، أو أن الناس يصنعونهم عن طريق النحت والتصوير، فهم أعجز من عبدتهم ، وعليه فلا تكرار بين الآيتين . وأما الصفه الثانيه لتلك الأصنام فهى قوله - تعالى - ((أموات غير أحياء))) أى: هؤلاء المعبودون من دون الله - تعالى -، هم أموات لا أثر للحياة فيهم، فهم لا يسمعون، ولا يصرون، ولا يغنون عن عابديهم شيئا. فقد دلت هذه الصفة على فقدانهم للحياه فقدانا تاما . وجمله (( غير أحياء)) جىء بها لتأكيد موتهم. والدلالة على عراقة وصفهم بالموت، حيث إنه لا توجد شائبه للحياه فيهم، ولم يكونوا أحياء - كما بديهم- ثم ماقوا، بل هم أموات أصلا . أو جىء بها على سبيل التأسيس، لأن بعض مالا حياه فيه من المخلوقات، قد تدركه الحياة فيما بعد، كالنطفة التى يخلق الله - تعالى - منها حياة، أماهذه الأصنام فلا يعقب موتها حياه، وهذا أقم فى نقصها، وفى جهالة عابديها . (١) سورة الصافات الآية ٩٥، ٩٦ ٨ ٤٨-٠ وأما الصنفة الثالثة لتلك الأصنام فهى قوله - تعالى - ، وما يشعرون أيان يبثون ». ولعظ.« أیان ، ظرف زمان متضمن معنى منى. وهذه الصفة تدل على جهلهم المطبق، وعدم إحساسهم بشىء. أى: أن من صفات هذه المعبودات الباطلة ، أنها لا تدرى متى يبعثها الله - تعالى - لتكون وقودا للنار . وبعضهم يجعل الضمير فى: يشعرون ، يعود على الأصنام، وفى ريمثون» يعود على العابدين لها ، فيكون المعنى: وما تدرى هذه الأصنام التى تعبد من دون الله - تعالى - ، متى تبعث عبدتها الحساب يوم القيامة. قال صاحب فتح القدير ما ملخصه: قوله: ((وما يشعرون أيان يبعثون)) الضمير فى ((يشعرون للآلهة، وفى ((يبعثون، للكفار الذين يعبدون الأصنام . والمعنى: وما أشعر هذه الجمادات من الأصنام أيان يبعث عبدتهم من الكفار((ويكون هذا على طريقة التهكم بهم، لأن شعور الجماد مستحيل بماهر من الأمور الظاهرة، فضلا عن الأمور التى لا يعلمها إلا الله - سبحانه -. ويجوز أن يكون الضمير فى الفعلين للآلهة. أى: وما تشعر هذه الأصنام أيان تبعث . ويدل على ذلك قوله تعالى -: (( إنكم وما تعبدون من الله حصب جهنم ... )،(١). وبعد أن أبطل - سبحانه - عبادة غيره بهذا الأسلوب المنطقى الحكيم ء صرح بأنه لا معبود بحق سواه. فقال: (( إلهكم إله واحد.)) أى إلهكم المستحق للعبادة والطاعة هو إله واحد لا شريك له، لافى ذانه ولا فى صفاته ، فأخلصوا له العبادة، ولا تجعلوا له شركاء . ١) تفسير فتح المدير للشوكانى = ٣ ص ٠١٥٦ -٤٩- ثم بين - سبحانه .. الأسباب التى جعلت المشركين يصرون على كفرهم ويستحبون العمى على الهدى، فقال - تعالى - : فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستکیرون ، أى: فالكافرون الذين لا يؤمنون بالآخرة، وما فيها من ثواب وعقاب قلوبهم مذكرة للحق، جاحده لدعم الله، منصرفة عن وحدانية الله - تعالى - وعن الأدلة الدالة عليها، وحالهم فوق ذلك أنهم مستكبرون مغرورون ، لا يستمعون إلى موعظة واعظ ، ولا إلى إرشاد مرشد: ومتى إستوات على إنسان هاتان الصفتان - الجحود والإستكبار - ، حالفه البوار والخسران ، وآثر سبيل الغى على سبيل الرشد . والتعبير عن المشركين بالموصول وصلته ,فالذين لا يؤمنون بالآخرة .. » دون التصريح بذواتهم ، لاشتهارهم بتلك الصفات القبيحة، والإيمان بأن عدم إيمانهم بالآخرة، هو أساس خيبتهم ، وخسر أنهم وجحودهم .. ، وعبر بالجملة الأسمية فى قوله (( قلوبهم مذكرة وهم مستكبرون)) للدلالة على تأصل صفتى الجحود والإستكبار فى قلوبهم ، وعلى أن الإنكار للحق سمة من سماتهم التى يتحدثون عنها مهما وضحت لهم الأدلة على بطلانها، وعلى أن التعالى والغرب، لا ينفك عنهم، وأنهم ممن قال - سبحانه - فيهم: ((إن الذين يستكبرون عن عبادنى سيدخلون جهنم داخرين (١))) أى: صاغرين أذلا .. ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم، فقال: ((لا جرم أن الله يعلم مايسرون وما يعلنون. إنه لا يحب المستكبرين)» (١) سورة غافرة. الآية ٦٠ ٤٠ - سورة النحل) ٥٠٠ - وكلمة (( لا جرم)، وردت فى القرآن فى خمسة مواضع، وفى كل موضع كانت متلوة بأن وأسمها ، وليس بعدها فعل . وجمهور النحاة على أنها مركبة من ((لا)) و((جرم)) تركيب خمسة عشر ومعناها بعد التركيب معنى الفعل: حق وثبت ، والجملة يعدها فاعل . قال الخليل: لاجرم، كلمة تحقيق ولا تكون إلا جوابا ، يقال : فعلوا ذلك ، فيقال : لاجرم سيندمون . وقال الفراء : (( لاجرم، كلمة كانت فى الأصل بمنزلة لابد ولا محالة، فجرت على ذلك وكثرت حتى تحولت إلى معنى القسم ، وصارت بمنزله حقا فلذلك يجاب عنها باللام، كما يجاب بها عن القسم، ألا تراهم يقولون لا جرم لآتينك ... والمعنى: حق وثبت أن الله - تعالى - يعلم مايسره هؤلاء المشركون وما يعلمونه من أقوال وأفعال، وسيجازيهم على ذلك بما يستحقونه من عقوبات، لأنه - سبحانه - لا يحب المستكبرين عن الاستجابة للحق، المغرورين بأموالهم وأولادهم ، الجاحدين لنعم الله وآ لائه قال الفرطبى: قال العلماء: وكل ذف يمكن التستر منه وإخفاؤه ، إلا الكبر، فإنه فسق يلزمه الإعلان، وهو أصل العصيان كله . وفى الحديث الصحيح : إن المتكبرين يحشرون أمثال الذر يوم القيامة، يطؤهم الناس بأقدامهم لتكبرهم، أو كما قال صلى الله عليه وسلم: ((تصغر لهم أجسامهم فى المحشر حتى يضرهم صغرها، وتعظم لهم فى النار حتى بضرهم عظمها ، (4) وبعد أن أقامت السورة الكريمة الأدلة الساطعة ، على وحدانية الله - وقدرته ، وعلى بطلان عبادة غيره ... أتبعت ذلك بحكاية بعض أقاويل (١) تفسير القرطبي جـ ١٠ ص ٩٥ ٠- ١ ٥ مر المشركين، وردت عليها بما يدحضها، وببيان سوء عاقبتهم، وعاقبة أشباههم من قبهلم ، فقال - تعالى - : وإذَّا قِيلَ لَهُمْ ماذَا أَنْزَلَ ربُّكُم، قَالُوا أساطيرُ الأَوَّلِينَ (٢٤) ليحملُوا أَوزارَهُمْ كَامِلةٌ يَوْمَ القيامةِ ، ومِنْ أَوْزارِ الذينَ يضَلُونَهم بغيرٍ على، ألا ساء ما يَزِرُونَ (٢٥) قد مكرّ الذينَ مِن قَبلِمْ، فَأَى اللهُ ببيانَهم مِنّ القواعِدِ ، ثُرَّ عليهمُ السَّقْفُ من فوقهِمْ وأتاهُم العذابُ من حيثُ لا يشعُرُونَ (٢٦) ثم يومَ القيامةِ يُخْزِيهِم ويقولُ أينَ شركاِنَ الذينَ كُنْتُمَ نشَاقُونَ فِيهِمْ ، قَالَ الذينَ أوتُوا العِلْمَ، إِنَّ الْخِزْىَ اليومَ والسوء عَى الكافرينَ (٢٧) الذينَ تَتَوفَّاهُم الملائكةُ ظالمِ أنفُسِهِم ، فأَلْقَوْا السَّلَمِ مَا كُنَّا نعملُ من سوء، بلى إنَّ اللهَ عليمٌ بما كنتم تعملونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أبوابَ جهنّم خالدينَ فيها، فَلِفْسَ مَثْوَى المَكْرِينَ (٣٩))). وقوله - سبحانه: ((وإذا قيل لهم ماذا أنزل)، ربكم، قالوا أساطير الأولين، حكاية لبعض ما كان يدور بين اولئك المستكبرين ، وبين غيرهم من أسئلة واستفسارات حول القرآن الكريم . والأساطير: جمع أسطورة، كأعاجيب وأجوبة، وأحاديث وأحدوثة. والمراد بها: الأكاذيب والترهات التى لا أصل لها، والتى كانت مبثوثة فى كتب الأولين . والمعنى : وإذا قال قائل لهؤلاء الكافرين المستكبرين، أى شىء أنزل ربكم على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - . قالوا له على سبيل الجحود للحق: لم ينزل عليه شىء، وإنما هذا القرآن -- ٥٢ - الذى يتلوه محمد - صلى الله عليه وسلم .. على أتباعه، هو من أساطير الكهنة الأولين ، فقله من كتبهم ثم قرأه على من يستمع إليه . روى ابن أبى حاتم عن السدى قال : اجتمعت قريش فقالوا: إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - وجل حلو اللسان إذا كله الرجل ذهب بعقله، فانظر وأفاسا من أشرافكم المعدودين المعروفة أنسابهم : فابعثوهم فى كل طريق من طرق مكة على رأس ليلة أو ليلتين ، فمن جاءه يريده فردوه عنه. تخرج ناس فى كل طريق ، فكان إذا أقبل الرجل وافدا لقومه ينظر ما يقول محمد - صلى الله عليه وسلم - ووصل إليهم ، قال أحدهم: أنا فلان بن فلان، فيعرفه نسبه، ثم يقول للوافد: أنا أخبرك عن محمد - صلى الله عليه وسلم- إنه رجل كداب لم يقيعه على أمره إلا السفهاء والعبيد ومن لا خير فيهم، وأما شيوخ قومه وخيارهم فمفارقون له ، فيرجع الوافد. فذلك قوله -تعالى- « وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم، قالوا: أساطير الأولين)). فإن كان الوافد من عزم الله له الرشاد، فقالوا له مثل ذلك قال: بئس الوافد لقومى أنا، إن كنت جئت حتى إذا بلغت مسيرة يوم - ن مكـ ـ رجعت قبل أن ألقى هذا "رجل، وأنظر ما يقول، وآتى قومى ببيان أمره. فيدخل مكة ، فيلقى المؤمنين فيسألهم: ماذا يقول محمد - صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون : خيرا .. ))(١) وعبر - سبحانه - بالفعل،قيل، المبنى للمجهول، للإشارة إلى أن هذا القول الذى تفوه به عتاة الكافرين ، كانوا يقولونه لكل من يسألهم عن القرآن الكريم، لكى يصدوه عن الدخول فى الإسلام. وجملة ((ماذا أنزل ربكم)) نائب فاعل لقيل. وقولهم - كما حكى القرآن عنهم - ((أساطير الأولين، خبر لمبتدأ محذوف . (١) تفسير الآلوسى جـ ١٤ ص ١٣١ ٥٢٠ ٠ أى: قالوا هو أساطير الأولين أو المسئول عنه: أساطير الأولين. ولقد حكى القرآن قولهم الباطل هذا، ورد عليه بما يدحضه فى آيات كثيرة، ومن ذلك قوله - تعالى: ((وقالوا أساطير الأولين اكتتبها ، فهى تحلى عليه بكرة وأصيلا. قل أنزله الذى يعلم السر فى السموات والأرض، إنه كان غفورا رحيما)،(١). ثم بين - سبحانه - عاقبة كفرهم، ونطقهم بالباطل، فقال - تعالى -: ,(ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ... ، واللام فى قوله - ليحملوا، هى التى تسمى بلام العاقبة، وذلك لأنهم لما وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين، كانت عاقبتهم تلك العاقبة السيئة. والأوزار جمع وزر - بكسر الواو وسكون الزاى - بمعنى الشىء الثقيل. والمراد بها الذنوب والآثام التى يثقل حملها على صاحبها يوم القيامة ، كما قال - تعالى -: ((وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم؛ وايسأان يوم القيامة عما كانوا يفترون)،(٢) . والمعنى : ذلوا ذلك فى القرآن الكريم، لتكون عاقبتهم أن يحملوا أوزارهم كاملة غير منقوصة يوم القيامة ، قال الألوسى ما ملخصه: وقوله (, ليحملوا، متعلق - بقالوا - كماهو الظاهر ... واللام للعاقبة، لأن الحمل مترتب على قولهم وليس باعثا ولا غرضا لهم ... وعن ابن عطية : أنها تحتمل أن تكون لام التعليل ومتعلقة بفعل مقدر لا بقالوا، أى: قدر صدور ذلك منهم ليحملوا .... (٢) (١) سورة الفرقان. الآبتان ٦،٥ (٢) سورة العنكوت، الاية ١٣ (*) تفسير الأوسى = ١٤ ص ١٢٤ ٠٥٤٠ وقال - سبحانه -(( كاملة))، لتأكيد أنه لا يرفع عنهم شىء من ذنوبهم، بل سيعاقبون عليها جميعها دون أن ينقص منها شىء ، قال الفخر الرازى : وهذا يدل على أن الله - تعالى - قد يسقط بعض العقاب على المؤمنين ، إذ لو كان هذا المعنى حاصلا فى حق الكل، لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل معنى ... »(١) وقال بعض العلماء: ((ويصور التعبير هذه الذنوب بكونها أحمالا ذات ثقل - رساءت أحمالا وأثقالا -، فهى توقر النفوس كما توقر الأحمال الظهور، وهى تثقل القلوب ، كما تثقل الأحمال العواتق، وهى تتعب وتشقى كما تتعب الأثقال حاملها ، بل هى أدمى وأنكى)،(٢): وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم أنه بلغه أنه يتمثل للكافر عمله فى صورة أقبح ما خلق الله وجها، وأقننه ربما، فيجلس إلى جنبه كلما أفزعه شىء زاده فزعا، وكلما تخوف من شىء زاده خوفا. فيقول له بئس الصاحب أنت ؟ فيقول له وما تعرفنى ؟ فيقول: لا. فيقول: أنا عملك كان قبيحا فلذلك ترانى قبيحا ، وكان منتنا فلذلك ترقى منتنا. طأطىء إلى أركبك ، فطالما ركبتنى فى الدنيا، فيركبه، وهو قوله - تعالى - ((ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة .. ،(٣) وقوله. ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم، بيان لأثقال أخرى يحملونها فوق أثقالهم . أى: أن أولئك المستكبرين، قالوا فى القرآن إنه أساطير الأولين ، فكافت عاقبة قولهم الباطل أن حملوا آثامهم الخاصة، وأن حملوا فوقها جانبا من آثام من كانوا سببا فى ضلالهم. (١) التفسير الكبير للفخر الرازى × ٢٠ ص ١٨ (٢) فى ظلال القرآن - ١٠ - ٢١٦٧ للأستاذ سيد قطب . (٣) تفسير ابن جرير جـ ١٤ ص ٦٦ قال ابن كثير : أى يصير عليهم خطيئة إغوائهم لغيرهم، واقتداء أولئك بهم، كما جاء فى الحديث. («من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من أتبعه ، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا)). كما قال - تعالى -: وليحملن أنقالهم وأثقالا مع أثقالهم، وله أن يوم القيامة عما كانوا يفترون » (١). فهذه الآية وأمثالها ، لا تعارض بينها وبين قوله - تعالى - (( ولا تزر وازرة وزر أخرى)، وقوله: ((ولا تكسب كل نفس إلا عليها)) ... لأن هؤلاء المستكبرين لم يكتفوا بضلالهم فى أنفسهم ، بل تسببوا فى إضلال غيرهم ، فعوقيوا على هذا التسبب السىء ، الذى هو فعل من أفعالهم نقبيحة . وقوله ((بغير علم)) فى موضغ الحال من الضمير المنصوب فى فوله ((يضلونهم)). اى: يضلون ناسا لا علم عندهم، فهم كالأنعام بل هم أضل ، وفى ذلك مافيه من مدح أهل العلم والتفكير ، لأن الآية الكريمة قد بينت أن أئمة الكفر ، يستطيعون إضلال من لا علم عنده، أما أصحاب العقول السليمة فلن يستطيعوا إضلالهم. قالوا : واستدل بالآيه على أن المقلد يجب عليه أن يبحث، وأن يميز بين الحق والباطل ، ولا يعذر بسبب جهله . وقيل أن قوله ((بغير علم)) فى موضع الحال من الضمير المرفوع فى قوله « يضلونهم)). (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٤٨٤ - ٥٦ = أى : هم يضلون غيرهم حالة كونهم غير عالمين بما يترتب على ذلك من آ نام وعقاب، إذ لو علموا ذلك لما أقدموا على هذا الإضلال لغيرهم . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ((ألا ساء ما يزرون)). قال الجمل: و((ساء)) فعل ماض لإنشاء الذم بمعنى بتس، و((ما)) تمييز بمعنى شيئا، أو فاعل بساء، و «يزرون)) صفة لما والعائد محذوف، أو ((ما) اسم موصول، وقوله ((بزرون)) صلة الموصول، والعائد محذوف أى: يزرونه، والمخصوص بالدم محذوف ، (٠). والتقدير: بئس شيئا يزروفه ويحملونه نتيجة كفرهم وإضلالهم لغيرهم؛ وافتتحت الجملة الكريمه بأداة الاستفتاح (( ألا)) الاهتمام بما تضمنه التحذير ، حتى يقلعوا عن كفرهم ، ويثوبوا إلى رشدهم ، ويحترسوا عن الوقوع فى الباطل من القول . ثم سلى الله - تعالى - نبيه والمؤمنين، فبين لهم أن هؤلاء المستكبرين الذين قالوا فى القرآن أنه أساطير الأولين ، سيحيق بهم مكرهم السىء، كما حاق بالذين من قبلهم. فقال - تعالى: ((قد مكر الذين من قبلهم، فأتى الله بنيانهم من القواعد، فخر عليهم السقف من فوقهم، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ». وقوله - سبحانه - (مكر)) من المكر، وهو التدبير المحكم، أو صرف الغير عما يريده بحيلته، وهو مذموم إن تحرى به الماكر الشر والباطل ، ومحمود إن تحرى به الخير والحق . والمراد بمنا النوع الأول . والمراد بالذين من قبلهم : الكفار الذين كانوا قبل كفار مكة ، كقوم فوح وهود وصالح ... (١) حاشية الجمل على الجلالين -= ٢ ص ٥٦٦ -- ٥٧ ٠ وقوله: ((فأتى القه بنيانهم ٠٠٠، أى: أهلكهم، كما فى قوله - تعالى - (( فأتاهم أنه من حيث لم يحتسبها .. ،(١). ويقال: أتى فلان من مأمنه أى : نزل به الهلاك من جهة أمنه . وأنى عليه الدهر. أى: أهلكه وأفناه. ومنه الأُتُوُ. وهو الموت والبلاء. يقال: أتى على فلان أتو، أى موت أو بلاء يصيبه .... والقواعد : جمع قاعدة . وهى أساس البناء ، وبها يكون ثباته واستقراره. والمعنى: لا تهتم - أيها الرسول السكريم - بما يقوله المستكبرون من قومك فى شأن القرآن الكريم لكى يصرفوا الناس عن الدخول فى الإسلام، فقد مكر الذين من قبلهم بأنبيائهم، فكانت عاقبة مكرهم أن (( أتى الله بنيانهم من القواعد ، بأن اجتث هذا البنيان من أصله؛ ويقتلعه من أساسه ((فخر عليهم السقف من فوقهم، أى: فسقط عليهم سقف بغيانهم فأهلكهم ((وأتاهم العذاب، المبير المدمر ((من حيث لا يشعرون)) ولا يحتسبون بأنه سيأتيهم من هذه الجهة ، بل كانوا يتوقعون أن ما شيدوه سيحميهم من المهالك . فالآ ية الكريمة تصور بأسلوب بديع معجز، كيف أن هؤلاء الما كرين ، د حصفوا أنفسهم بالبناء المحكم المتين ، ليتقوا ما يؤذيهم ، إلا أن جميع هذه التحصينات قد هوت وتساقطت على رءوسهم ، أمام قوة الله - تعالى - التى لا ترد ، فإذا بالبناء الذى بنوه ليحتموا به ، قد صار مقبرة لهم .... وصدق الله إذا يقول : «ومكروا مكرا، ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون. فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وفومهم أجمعين . فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا، إن فى ذلك الآ ية لقوم يعلمون،(٢). (١) سورة الحشر. الآية ٢ (٢) سورة النمل الآيات ٥٠، ٥٢،٥١ - ٥٨ ٠٠٠ وقال - سبحانه -: « فخر عليهم السقف من فوقهم، مع أن السقف لا يكون إلا من فوق، لتأكيد الكلام وتقويته. وقال القرطبى : قال ابن الأعرابي: وكد ليعلك أنهم كانوا حالين تحته والعرب تقول: خر علينا سقف، ووقع علينا حائط، إذا كان يملكه، إن لم يكن وقع عليه. فجاء بقوله: ((من فوقهم، ليخرج هذا الشك الذى فى كلام العرب، فقال: ((من فوقهم؛ أى: عليهم وقع وكانوا تحته فهلكوا وما أفظنوا .... )، (١). هذا ,ومن المفسرين الذين رجحوا أن الآية مسوقة على سبيل التمثيل، الفخر الرازى. فقد قال: وفى قوله - سبجانه -، فأتى الله بنيانهم من القواعد ، قولان : الأول : أن هذا محض التمثيل. والمعنى أنهم رتبوا حيلا ليمكروا بها على أنبياء الله، فجعل الله - تعالى - حالهم فى تلك الحيل ، مثل حال قوم بنوا بنيانا وعموده بالأساطين ، فانهدم ذلك البناء، وضعفت تلك الأساطين، فسقط السقف عليهم، وفظيره قولهم: من حفر بئرا لأخيه أوقعه الله فيه . - ووجه الشبه أن ما عدوه سبب بقاتهم ، صار سبب إستئصالهم وفنائهم -- . الثانى: أن المراد منه عادل عليه الظاهر، وهو أن الله - تعالى - أسقط عليهم السقف وأماتهم تحته . والأول أقرب إلى المعنى(*). ومن المفسرين الذين رجحوا أن الكلام على حقيقته، الإمام ابن جرير، (١) تفسير القرطبى = ١٠ ص ٩٧ (٢) تفسير الفخر الرازى حـ ٢٠ ص ٢٠ ٠- ٥٩ . فقد قال - بعد أن سرد بعض الأقوال -: وأولى الأقوال بتأويل الآية قول من قال : معنى ذلك، تساقطت عليهم سقوف بيوتهم، إذ أتى على أصولها وقواعدها أمر الله، فانكفأت بهم منازلهم، لأن ذلك هو الكلام المعروف من قواعد البنيان وخر السقف . وتوجيه معانى كلام اللّه إلى الأشهر الأعرف منه، أولى من توجيهها إلى غير ذك ما وجد إليه سبيل ، (1) . ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير - رحمه الله - أولى بالقبرل، لأنه مادام اللفظ صالحاً للحمل على الحقيقة، فلا داعى لصرف عن ذلك. وقد حكى لنا القرآن الكريم صفوءا من العذاب الذى أنزله الله - تعالى - بالظالمين ، ومن ذلك قوله - تعالى: ((فكلا أخذنا بذنبه ، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا . ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من خسفنابه الأرض ومنهم من أغرقنا، وما كان الله ليظلهم ولكن كانوا أنفسهم يظلون،(٢). ثم بين - سبحانه - مصيرهم فى الآخرة، بعد أن بين عاقبة مكرهم فى الدنيا فقال - تعالى -: « ثم يوم القيامة يخزيهم، ويقول أين شركاتى الذين کنتم نشاقون فيهم .... ، أى: هذا هو مصير هؤلاء المستكبرين فى الدنيا ، أما مصيرهم فى الآخرة فإن الله - تعالى - بذلهم وبهيتهم ويفضحهم على رؤوس الأشهاد، ويقول لهم على سبيل التقريع والتوبيخ: أين شركائى فى العبادة والطاعه، الذين كنتم تعادون وتخاصمون المؤمنين فى شأنهم، قائلين لهم: إنكم لا بدلكم من إشراكهم معى فى العبادة . دجى، ثم المفيدة للتريب النسبى، الإشارة إلى ما بين الجزاءين من تفاوت فان خزى الآخرة أشد وأعظم ما نزل بهم من دمار فى الدنيا . (١) تفسير ابن جرير ج ١٩ ص ٦٨ (٢) سورة العنكبوت . الآية ٤٠ - ٦٠ - والاستفهام فى قوله , أبن شركائى ... ، للتهكم بهم وبمعبوداتهم الباداله التى كانوا يعبدونها فى الدنيا، فانهم كانوا يقولون للمؤمنين. إن صح ماتقولونه من العذاب فى الآخرة، فان الأصنام ستشفع لنا . أى: أين هؤلاء الشر كاء ليدفعوا عنكم ما نزل بكم من خزى وذلة وعذاب مهين ؟! وأضاف - سبحانه - الشركاء اليه، لزيادة توبيخهم، لأنهم فى هذا اليوم العظيم ، يعدون علم اليقين أنه لاشركاء له - سبحانه - وشبيه هذه الآية قوله - تعالى -: «ويوم يناديهم فيقول أين شركاتى الذين كنتم تزعمون ، (١) قال الجمل ما ملخصه: وقوله: ((تشاقون)) من المشاقة وهى عبارة عن كون كل واحد من الخصمين فى شق غير شق صاحبه . وقرأ نافع («تشاقون بكسر النون خفيفه، وقرأ الباقون بفتح النون. ومفعوله محذوف . أى: تشاقون المؤمنين، أو تشاقون الله، بدليل القراءة الأولى ..... (٢) ثم حكى - سبحانه - ما يقوله أولوا العلم فى هذا الموقف الهائل الشديد فقال - تعالى -: قال الذين أوتوا العلم، إن الخزى اليوم والسوء على الكافرين ، والمراد بالذين أوتوا العلم، كل من إهتدى إلى الحق فى الدنيا؛ وأخلص لله - تعالى - العبادة والطاعة . أى: قال الذين هداههم الله - تعالى - إلى صراطه المستقيم، فى هذا اليوم العصيب ، إن الخزى الكامل ، فى هذا اليوم ، والسوء الذى ليس بعده سوء، على هؤلاء الكافرين ، أصحاب القلوب المنكرة للحق ، والنفوس الجاحدة لليوم الآخر وما فيه من حساب .. (١) سورة القصص : الآية ٧٤ (٢) حاشية الجمل على الجلالين ــ ٢ ص ٥٦٩