Indexed OCR Text

Pages 1-20

التفسير الوسيط
للقرآن الكريم
تَفَسَيُسُوَرَةِ النَّجْلُ
لفضيله
الدكتور محمد السيد طنطاوى
الأستاذ بكلية أصول الدين
جامعة الأزهر
حقوق الطبع محفوظة للمؤلفه
١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م

( ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العلـ
[ الجزء الرابع عشر ]
مَطبعة السّعادة
ميدان أحمد ماهر - شارع احداوى رقم ١٢
ت: ٩٠٧٣٧٩ ١ سي تب ١١٩٩٧٠

بسمالله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ومن والاه.
أما بعد: فقد سبق لى - بحمد الله وتوفيقه - أن قمت بتفسير سور: الفاتحة،
والبقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال،
والتوبة، ويونس، وهود، ويوسف، والرعد ، وإبراهيم، والحجر.
وهأنذا أقدم للقارىء الكريم تفسير سورة النحل ، وقد حاولت فيه أن
أكشف عما اشتملت عليه السورة الكريمة من توجيهات سامية ، وآداب عالية،
وإرشادات حكيمة ، ومجادلات بالتى هى أحسن .
وقد مهدت لتفسيرها بكلمة ، بينت فيها زمان نزولها ، وعددآ ياتها. وسبب
تسميتها بهذا الاسم، والمقاصد الإجمالية التى اشتملت عليها.
والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم ، ونائما لعباده،
وشفيعاً لنا يوم نلقاه - سبحانه -.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟
المدينة المنورة فى: غزة المحرم سنة ١٤٠٤هـ ١٩٨٣/١٠/٧ م.
المؤلف
محمد سيد طنطاوى
الأستاذ بجامعة الأزهر
كلية أصول الدين

تعريف بسورة النحل
١ - سورة النحل هى السورة السادسة عشرة فى ترتيب المصحف ، فقد
سبقتها سورة: الفاتحة ، والبقرة، وآل عمران، والنساء والمائدة، والأنعام،
والأعراف، والأنفال، والتوبة، ويونس، وهود، ويوسف ، والرعد،
وإبراهيم ، والحجر .
أما فى فى ترتيب النزول ، فكان ترتيبها التاسعة والستين ، وكان نزولها
بعد سورة الكهف(١).
٢ - وعدد آياتها ثمان وعشرون ومائة آية .
٣ -- وسميت بسورة النحل، لقوله - تعالى - فيها، ((وأوحى ربك إلى
النحل أن اتخذى من الجبال بيوتا ... ))(٢).
وقسمى - أيضا - بسورة النعم، لأن الله - تعالى - عدد فيها أنواعا من
النعم التى أنعم بها على عباده .
٤ - وسورة النحل من السور المكية : أى التى كان نزولها قبل الهجرة
النبوية الشريفة .
قال القرطبى : وهى مكية كلها فى قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر .
وتسمى سورة النعم بسبب ما عدد الله فيها من نعمه على عباده . وقيل: هى مكية
إلا قوله - تعالى - وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ماعوقبثم به ... ، الآية. نزلت
بالمدينة فى شأن التمثيل بحمزة وقتلى أحد .... (٣).
(١) الإتقان في علوم القرآن - ١ ص ٢٧ طبعة المشهد الحسينى. تحقيق
محمد أبو الفضل ابراهيم
(٣) تفسير القرطبي - ١٠ ص ٠٦٥
(٢) الآ ية رقم ٠٦٨

-٦ -
وقال الآلوسى: وأطلق جمع القول بأنها مكية. وأخرج ذلك ابن مردويه
عن ابن عباس ، وأن الزبير - رضى الله عنه -. وأخرجه النحاس من طريق
مجاهد عن الحبر أنها نزلت بمكة سوى ثلاث آيات من آخرها ، فإنهن نزان
بين مكة والمدينة فى منصرف النبى - صلى الله عليه وسلم - من غزوة أحد) (١).
والذى تطمئن إليه النفس ، أن سورة النحل كلها مكية، وذلك لأن الروايات
التى ذكروها فى سبب نزول قوله - تعالى -، «وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ماءو قبتم
به .. )) الخ السورة، فيها مقال. فقد ذكر الإمام ابن كثير عند سردها، أن
بعضها مرسل وفيه مبهم، وبعضها فى إسناده ضعف ... (٢)
٥ - (١) وإذا ما قر أنا سورة الفحل بتدبر وقفكر، نراها فى مطلعها.
تؤكد أن يوم القيامة حق، وأنه آت لا ريب فيه ، وأن المستحق للعبادة
والطاعة إنما هو الله الخالق لكل شىء.
قال - تعالى - : أتى أمر الله فلا تستعجلوه، سبحانه وتعالى عما يشركون
ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده، أن أنذروا أنه لا إله
إلا أنا فاتقون .
(ب) ثم تسوق ألوانا من الأدلة على وحدانية الله وقدرته ، عن طريق
خلق السموات والأرض وخلق الإنسان والحيوان ، وعن طريق إنزال الماء
من السماء، وتسخير الليل والنهار ، والشمس والقمر والنجوم .. وغير ذلك
من النعم التى لا تحصى .
استمع إلى بعض هذه الآيات التى تحكى جانبا من هذه النعم فتقول : خلق
السموات والأرض بالحق ، تعالى عما يشركون خلق الإنسان من نطفة فإذا
هو خصيم مبين . والأنعام أخلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون. ولكم
فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون.
وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأقفر إن ربكم ار. وف رحيم.
(١) تفسير الألوسى = ١٤ / ٨٩ (٢) راجع تفسير بن كثير +٣ صـ ١٩٦

- ٧ -
ثم تقول : وألقى فى الأرض رواسى أن تميد بكم وأنهارا وسيلا املكم
تهتدون. وعلامات وبالنجم هم يهتدون . أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذ کرون.
وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، إن اللّه لغفور رحيم.
(حـ) وبعد أن توبخ "سورة المشركين لتسو بتهم بين من يخلق ومن لا يخلق
تحكى جانبا من أقاويلهم الباطلة التى وصفوا بها القرآن الكريم ، وقصور
استسلامهم لقضاء الله العادل فيهم يوم الحساب، فتقول: ((وإذا قيل لهم ماذا
أنزل ريكم قالوا: أساطير الأولين . ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة. ومن
أوزار الذين يضلونهم بغير علم ، ألا ساء مايزرون ...
إلى أن تقول: ((الذين تتوفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم، فألقوا السلم
ماكنا نعمل من سوء، بلى إن أله عيم بما كنتم تعملون. فادخلوا أبواب جهنم
خالدين فيها فلبئس مشوى المتكبرين )».
(د) وكعادة القرآن الكريم فى قرنه الترغيب بالترهيب، وفى عقده
المقارنات بين مصير المؤمنين ومصير الكافرين، جاءت الآيات بعد ذلك لتبشر
المتقين بحسن العاقبة .
جاء قوله - تعالى -: وقيل الذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا، للذين
أحسنوا فى هذه الدنيا حسنة ، ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين ...
(هـ) ثم تعود السورة الكريمة مرة أخرى إلى حكاية أقوال المشركين
حول مسألتين من أخطر المسائل ، وهما مسألة الهداية والإضلال، ومسألة
البعث بعد الموت بعد أن حكت ما قالوه فى شأن القرآن الكريم .
استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى أقوالهم ثم يرد عليها بما يبطلها
فيقول: وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من شىء نحى ولا آباؤنا ولا
حرمنا من دونه من شىء ، كذلك فعل الذين من قبلهم ، فهل على الرسل إلا
البلاغ المبين. ولقد بعثنافى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت،

- ٨ -
فمنهم من هدى الله، ومنهم من حقت عليه الضلالة، فسيروا فى الأرض فانظروا
كيف كان عاقبة المكذبين .
إن تحرص على هداهم فإن الله لايهدى من يضل وما لهم من ناصرين .
وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ، بلى وعدا عليه حقا ولكن
أكثر الناس لا يعلمون ليبين لهم الذى يختلفون فيه، وايعلم الذين كفروا أنهم
كانوا كاذبين».
(و) ثم تهدد السورة الكريمة أولئك الجاحدين لنعم الله، الماكرين
للسيئات ، بأسلوب يسقشير النفوس ويبعث الرعب فى القلوب ، وتدعوهم إلى
التأمل والتفكر فى ملكوت السموات والأرض ، لعل هذا التفكر يكون
سببا فى هدايتهم ، وتخبرهم بأن الله - تعالى - هو الذى نهاهم عن الشرك، وهو
الذى أمرهم بإخلاص العبادة له ...
استمع إلى القرآن وهو يصور هذه المعانى بأسلوبه البديع فيقول : أفأمن
الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض، أو يأتيهم العذاب من حيث
لا يشعرون. أو يأخذهم فى تقلبهم فاهم بمعجزين . أو يأخذهم على تخوف فإن
ربكم لرءوف رحيم . أو لم يروا إلى ماخلق الله من شيء يتفيؤ ظلاله عن اليمين
والشمائل سجدا، لله وهم داخرون .
ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون
يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون . وقال الله لاتتخذوا إلهين اثنين
إنما هو إله واحد فإياي فارهبون ...
(ز) ثم انتقلت السورة إلى سرد أنواع من جهالات المشركين، ومن
سوء تفكيرهم، حتى يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، ويشكروا الله - تعالى -
على توفيقه إياهم إلى الدخول فى الإسلام.
لقد ذكرت السورة الكريمة ألوانا متعددة من جهالات الكافرين ، ومن
ذلك قوله - تعالى -:

٩٠٠ -
ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم، تاشه لتسأان عما كنتم تفترون.
ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون ...
ويجعلون لله ما يكرهون، وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم
أن لهم النار وأنهم مفرطون .
(ح) هكذا تصور سورة النحل ما كان عليه المشركون من غباء وغفلة وسو.
تفسكير، ثم تعود - سورة النعم - مرة أخرى إلى الحديث عن نعم الله -
تعالى - على عباده، فتتحدث عن فعمة الكتاب، وعن نعمة الماء ، وعن فعمة
الأنعام، وعن نعمة الثمار والفواكه، وعن نعمة العسل المتخذ من بطون النحل
وعن نعمة التفاضل فى الأرزاق ، وعن نعمة الأزواج والبنين والحفدة ...
قال - تعالى -: وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذى اختلفوا
فيه، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون . والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض
بعد موتها، إن فى ذلك لآيات لقوم بسمعون. وإن لكم فى الأنعام لعبرة، أسقيكم
مما فى بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ...
إلى أن يقول - سبحانه -: والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا، وجعل لكم
من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات، أفبالباطل يؤمنون و بنعمة الله
هم يكفرون.
(ط) ثم تسوق السورة الكريمة مثلين مشتملين على الفرق الشاسع، بين
المؤمن والكافر ، وبين الإله الحق والآلهة الباطلة ، فتقول : ضرب الله مثلا
عبدا مملوكا لا يقدر على شىء ، ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا
وجهرا، هل يستوون؟ الحمد لله، بل أكثرهم لا يعلمون. وضرب الله مثلارجلين
أحدهما أبكم لا يقدر على شىء، وهو كل على مولاه أينما توجهه لا يأت بخير
هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم.
(ى) وبعد إيراد هذين المثلين البليغين، تعود سورة النعم إلى الحديث عن

- ١٠ -
أنواع أخرى من نعم الله على خلقه، لكى يشكروه عليها، ويستعملوها فيما
خلقت له , فتتحدث عن نعمة إخراج الإنسان من بطن أمه، وعن نعمة البيوت
التى هى محل سكن الإنسان ، وعن فعمة الظلال ، وعن نعمة الجبال ، وعن نعمة
الثياب ...
قال - تعالى -: والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم
السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون.
والله جعل لكم من بيوتكم سكنا، وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً
تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها ،
أثاثاً ومتاعا إلى حين ،
وانته جعل لكم مما خلق ظلالا ، وجعل لكم من الجبال أكناناً ، وجعل
لكم سرابيل تقيكم الحر ؛ وسرائيل تقيكم بأسكم، كذلك يتم نعمته عليكم
لعلكم تسلمون .
(ك) ثم بعد أن تصور السورة الكريمة أحوال المشركين يوم القيامة عندما
يرون العذاب ، وتحكى ما يقولون عندما يرون شر كامهم ، وتقرر أن الرسول-
صلى الله عليه وسلم - سيكون شهيدا على من بعث إليهم ...
بعد كل ذلك تسوق السورة الكريمة عددامن الآيات الآمرة بمكارم الأخلاق
والناهية عن مفكراتها فتقول: (( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى
القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى، يعظكم لعلكم تذكرون.
وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم، ولا تنقضوا الأيمان بعد أو كيدها، وقد جعلتم
الله عليكم كفيلا، إن الله يعلم ما تفعلون ... ))
(ل) وبعد هذه التوجيهات السامية المشتملة على الترغيب والترهيب، وعلى
الأوامر والنواهى. تتحدث آيات السورة عن آداب تلاوة القرآن، وعن الشبهات
التى أثارها المشر كون حوله مع الرد عليها بما يدحضها ، وعن حكم من تلفظ.

- ١١ -
بكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، فتقول: « فإذا قرأت القرآن فاستعذبالله
من الشيطان الرجيم ...
ثم تقول: (( ولقد فعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر، لسان الذى يلحدون
إليه أعجمى وهذ لسان عربى مبين ...
ثم تقول: « من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان
ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ،
(م) ثم تعود السورة الكريمة لضرب الأمثال، فتسوق مثلا لكل قوم
أُنعم الله علیہم بالنعم فلم یقابلوها بالشکر ، فانتقم الله - تعالى - منهم . كما
تسوق جانبا من حياة سيدنا إبراهيم كمثال للشاكرين الذين استعملوا نعم الله
فيما خلقت له .
استمع إلى قوله - تعالى -: وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة
يأتيها رزقها رغدا من كل مكان . فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع
والخوف بما كانوا يصنعون ))
ثم إلى قوله - تعالى - :، إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك
من المشركين . شاكرا لأنعمه اجتباه وحداه إلى صراط مستقيم. وآتيناه فى
الدنيا حسنة وإنه فى الآخرة لمن الصالحين. ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة
إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ).
(ن) وأخيرا تختتم السورة الكريمة، بتلك الآيات الجامعة لأحكم
الأساليب وأكملها وأجملها وأنجعها فى الدعوة إلى الله - تعالى - وفى معاملة
الناس فتقول: ، ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى
هى أحسن ، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين.
وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبر تم لهو خير الصابرين
واصبر وما صبرك إلا بالله، ولا تحزن عليهم ولا تك فى ضيق ما يمكرون. إن
الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون))

- ١٢ -
٦ - وبعد، فهذا عرض إجمالى لأهم المقاصد التى اشتملت عليها السورة"
الكريمة ، ومنه نرى :
(أ) عنايتها الفائقة بإقامة الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وعلى صدق
رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - فى دعوته ، وعلى أن يوم القيامة حق ،
وعلى أن القرآن من عند الله - عز وجل -.
(ب) كما نرى تفصيلها القول فى بيان آلاء الله - تعالى - على خلقه، وقد سبحت
السورة فى هذا الجانب سبحا عظيما، فذكرت الإنسان بنعمة خلقه، وبنعمة
تسخير الأنعام والشمس، والقمر، والنجوم، والماء، والجبال، والأشجار ..
كل ذلك وغيره لمنفعته ومصلحته .
(جـ) كما فلس اهتمامها بضرب الأمثال المؤمن والكافر ، والشاكر والجاحد
والإله الحق والآلهة الباطلة ... وذلك لأن فى ضرب الأمثال تقريب للبعيد
وتوضيح للخفى ، بأسلوب من شأنه أن يكون أوقع فى القلوب، وأثبت فى النفوس
وأدعى إلى التدبر والتفكر .
(د) كما ندرك حرصها على إبراد أقوال المشركين وشبههم، ثم الرد عليها
بطريقة تقنع العقول، وترضى العواطف، بأن الإسلام هو الدين الحق ،
وبذلك يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم.
(هـ) كما نحس عند قراءتها بعنايتها بتوجيه المؤمنين إلى مكارم الأخلاق ،
وأمهات الفضائل، كالعدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى، والوفاء، والصبر
والشكر ... وبنهيهم عن الرذائل كالغدر والجحود، ونقض العهود ،
والاستكبار، والظلم ...
وأخيرا فإن المتأمل فى هذه السورة - أيضا - يراها حافلة بأسلوب الترغيب
والترهيب، والتبشير والإنذار، والوعد والوعيد.
الوعيد للكافرين بسوء المصير إذا ما لجوا فى ضلالهم وطغيانهم كما فى قوله

- ١٣ -
- تمالى -: ((الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدفاهم عذابا فوق العذاب
بما كانوا يفسدون».
والوعد للمؤمنين بالحياة الطيبة فى الدارين ، كما فى قوله - تعالى - :
((من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم
أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)).
والآن فلسبدأ فى التفسير التحليلى لسورة النعم ، ونسأل الله تعالى - أن
يرزقنا التوفيق والسداد .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

(التفسير)
قال تعالى: ((أَتَى أَمرُ اللهِ فلا تَسْتعجلُوه، سبحانه وتعالى عما
يُشركونَ (١) يُنزِّلُ الملائكةَ بالرؤُوحِ من أمْرِه على من يشاء مِن
مِنْ عبادِهِ، أن أنذِرُوا أَنَّه لا إلهَ إلا أناَ فَاتَّقُونِ (٢) خلق السمواتٍ
والأرضِ بالحقُ تعالَى عمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خلق الإنسانَ مِنْ نُطْفَةٍ، فإذا
هو خصيمٌ مبينٌ (٤) والأنعامَ خلقَها، لكمُ فيها دفء ومنافعُ ومنها
تَأْكُلُونَ (٥) ولكم فيها جمالٌ حينَ تريحُونَ وحين تَسْرُدُونَ (٦) وتحملُ
أثقالَكُم إلى بلدٍ لمْ تكونُوا بَالِغِيهِ إلا بشِقُ الأنفُسِ، إذَّ ربح
الرءوفٌ رحيمٌ (٧) والخيل والبغال والحميرَ لِتَركَبُوهَاَ وزِينَةً، ويخلقُ
مالاً تعلمونَ (٨) وعلى اللهِ قصد السبيلِ ومنها بائِرٌ، وَلَوْ شَاءُ
لهدَاكُمْ أَجْعِينَ (٩).
إفتتحت السورة الكريمة، بتهديد الكافرين الذين كانوا ينكرون البعث،
وما يترتب عليه من ثواب أو عقاب، ويستبعدون نصر الله تعالى - لأولياته،
فقال - تعالى -: ((أتى أمر الله فلا تستعجل))، والفعل (( أتی)) هنا، بمعنى قرب
ودنا بدليل ((فلا تستعجلوه) لأن المنهى عن الإستعجال يقتضى أن الأمر الذى
استعجل حصوله لم يحدث بعد .
والمراد بأمر الله: ما اقتضته سنته وحكمته - سبحانه - من إثابة المؤمنين
ونصرهم ، وتعذيب الكافرين ودحرثم .
والفاء فى قوله ((فلا تستعجلوه)) للتفريغ. والإستعجال: طلب حصول

- ١٥ --
الشىء قبل وقته. والضمير المنصوب فى ((تستعجلوه)) يعود على أمر الله، لأنه
هو المتحدث عنه، أو على الله - تعالى - ، فلا تستعجلو الله فيما قضاه وقدره.
والمعنى: قرب ودنا مجىء أمر الله - تعالى -، وهو إكرام المؤمنين بالنصر
والثواب، وإهانة الكافربن بالخسران والعقاب، فلا تستعجلوا - أيها
المشركون - هذا الأمر، فإنه آت لاريب فيه، ولكن فى الوقت الذى يحدده
الله تعالى - ويناؤه .
وعبر عن قرب إنسان أمر الله .. تعالى - بالفعل الماضى (( أتى) للإشعار.
بتحقق هذا الإتيان، وللتنويه بصدق المخبر به، لكأن ما هو واقع عن قريب،
قد صار فى حكم الواقع فعلا.
وفى إبهام أمر الله، إشارة إلى تهويله وتعظيمه، لإضافته إلى من لا يعجزه
شىء فى الأرض ولا فى السماء.
وقو له, فلا تستعجلوه » زيادة فى الإندار والتهديد ، أى : فلا جدوى من
استعجالكم، فإنه نازل بكم سواء استعجلتم أم لم تستعجلوا .
والظاهر أن الخطاب هنا للمشركين ، لأنهم هم الذين كانوا يستعجلون
قيام الساعة ، ويستعجلون نزول العذاب بهم، وقد حكى القرآن عنهم ذلك
فیآ یات .
منها قوله .. تعالى ..: « يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها، والذين آمنوا
مشفقون منها ويعلمون أنها الحق . ألا إن الذين يمارون فى الساعة لفي ضلال
"بعيد ) (١)
ومنها قوله سبحانه -: «ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده.
وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون)) (٦)
(١) سورة الشورى . الآية ١٨
(٢) سورة الحج . الآية ٤٧

- ١٦ -
وقال بعض العلماء: ويجوز أن يكون الخطاب هنا شاءلا للمؤمنين ، لأن.
عذاب الله - تعالى - وإن كان الكافرون يستعجلوفه،تهكما به، لظنهم أنه غير
آت ، فإن المؤمنين يضمرون فى نفوسهم استبطاءه ، ويحبون تعجيله
للكافرين ،(١)
وقوله: (( سبحانه وتعالى عما يشر كون ، جملة مستأنفة، قصد بها إبطال.
إشرا کهم، وزيادة آو بخهم وتهديدهم .
أى . تنزه الله - تعالى - وتعاظم بذاته وصفاته ، عن إشراك المشركون،
المؤدى بهم إلى الأقوال الفاسده، والأفعال السيئة ،والعاقبة الوخيمة والعذاب
المهين. وقوله - يشركون)): قراءة الجمهور، وفيها التفات من الخطاب فى
قوله (( فلا تستعجلوه)) إلى الغيبة، تحقيرا لهأن المشركين، وحطا من درجتهم
عن رتبة الخطاب؛ وحكاية لشنائعهم التى يتبرأ منها العقلاء.
وقرأ حمزة والكائى ((تشركون، تبعا لقوله- تعالى -,فلا تستعجلوه))
وعلى قراءتهما لا التفات فى الآية.
ثم بين - سبحانه - لونا من ألوان قدرته ، ورحمته بعباده، حيث
أرسل اليهم الرسل مبشرين ومنذرين ، فقال تعالى _: ينزل الملائكة بالروح
من أمره على من يشاء من عباده .... ))
والمراد بالملائكة هنا: جبريل - عليه السلام - ومن معه من حفظة
الوحى . أو المراد بهم جبريل خاصة، ولا مانع من ذلك، لأن الواحد قد
يسمى باسم الجمع إذا كان رئيسا عظيما.
والمراد بالروح : كلام الله - تعالی۔ ووحیه الذی ینزل به جبريل ، ليبلغه
إلى من أمره الله بتبليغه إياه .
وقد جاء ذكر الروح بمعنى الوحى فى آيات منها لقوله - تعالى -: ((وكذلك
(١) تفسير التحرير والتنوير، لفضيلة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور
جـ ١٤ ض ٩٧

- ١٧ -
أوحينا إليك روحا من أمنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن
جعلناه أورانهدى به من نشاء من عبادنا ... ،(١)
والمعنى: ينزل - سبحانه - الملائكة بكلامه ووحيه، على من يشاء إزالهم
إليه من عباده المصطفين الأخيار .
وأطلق - سبحانه - على وحيه اسم الروح، على سبيل التشبيه، ووجه
الشبه ، بن بسبهما تكون الحياة الحقه.
فكما أن بالروح تحيا الأبدان والأجساد ، فكذلك بالوحى تحيا القلوب
والنفوس وتؤدى رسالتها فى هذه الحياة .
وفى قوله - سبحانه -((من أمره)): إشارة إلى أن نزول الملائكة بالوحى،
لا يكون إلا بسبب أمر الله لهم بذلك. كماقال - تعالى - حكاية عنهم: دوما
تتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك ، وما كان ربك
قسيا ،(٢).
وقوله: ((على من يشاء من عباده، رد على مطالب المشركين المتعفتة،
والتى من بينها ما حكاه الله - تعالى - عنهم فى قوله: ((وقالوا لولا نزل هذا
القرآن على رجل من القريتين عظيم .... (٣)
فالآ ية الكريمة تبين أن نزول الملائكة بالوحى ، إنما هو على من يختاره
الله - تعالى - لنزول الوحى عليه، لا على من يختارونه هم، وأن النبوة هبة
من الله - تعالى - لمن يصطفيه من عباده.
قال - تعالى -: (( الله أعلم حيث يجعل رسالته ،(٤).
(١) سورة الشورى : الآيه ٥٣
(٣) سورة الزخرف الآ يه ٣١
(٤) سورة الأنعام الآيه ١٢٤
(٢) سورة مريم : الآية ٦٤
:٢ - سورة النحل)

- ١٨ -"
وقوله: ((أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)) بيان للمقصود من نزول
الملائكة بالوحى على الأنبياء .
أى: أنزل - سبحانه - ملائكته ب، حيه على أنبيائه، لكن ينذر هولا.
الأنبياء الناس ، ويخوفوهم من سو عاقبة الإشراك بالله، ويدعوهم إلى أن
يخلصوا "عبادة لله - تعالى - وحده، ويبينوا لهم أن الألوهية لا يصح أن
تكون لغيره - سبحانه - .
قال الألوسى ما ملخصه: وقوله: ((أن أفذروا)) بدل من ((الروح)) على
أن ، أن، هى التى من شأنها أن تنصب المضارع، وصفت بالأمر كما وصلت
به فى قولهم : كتبت إليه بأن قم ....
وجوز بعضهم كون (( أن (( هنا مفسرة، فلا موضع لها من الإعراب،
وذلك لما فى تنزل الملائكة بالوحى من معنى القول . كأنه قيل : يقول
- سبحانه - بواسطة الملائكة لمن يشاء من عباده أن أنذروا ... )، (١)
واقتصر هنا على الانذار الذى هو معنى التخويف ، لأن الحديث مع
المشركين، الذين استعجلوا العذاب، واتخذوا مع الله - تعالى - آلهة أخرى.
والفاء فى قوله ((فاتقون)) فصيحة: أى، إذا كان الأمر كذلك، من أن
الألوهية لا تكون نغير الله ، فعليكم أن تتقوا عقوبتى لمن خالف أمرى،
وعبد غيرى .
قال الجمل: وفى قوله ((فانقون)، تنبيه على الأحكام الفرعية بعد التنبيه
على الأحكام العلمية بقوله، ((أنه لا إله إلا أنا))، فقد جمعت الآيه بين
الأحكام الأصلية والفرعيه ؛(١) .
(١) تفسير الالوسى جـ ١٤ ص ٩٤
(٢) حاشية الجمل < ٢ ص ٥٥٧

- ١٩ -
وبعد أن بين - سبحانه - أنه منزه عن أن يكون له شريك، وأنه قد أنزل
الملائكة يوحيه على من يشاء من عباده، وأنه لا إله يستحق العبادة سواه ...
بعد كل ذلك بين الأدلة الدلة! على قدرته ووحدانيته ، بأسلوب بديع ،
جمع فيه بين دلالة المخلوق على الخالق ،، دلالة النعمة على منعمها، ووبح
المشركين على شركهم ، تارة عن طريق خلقه وحده - سبحانه - السموات
والأرض، وقارة عن طريق خلقه للإنسان، وتارة عن طريق خلقه للحيوان
وللنبات، ولغير ذلك من المخلوقات التى لا تحصى ..
قال - تعالى -: ((خلق السموات والأرض بالحق، تعالى عما يشركون)).
والباء فى قوله ((بالحق، للملابسة. والحق: ضد الباعال، وهو هنا بمعنى
الحكمة والجد الذى لا هزل فيه ولا عبث معه ، كما قال - تعالى - : وما خلقنا
السموات والأرض وما بينهما لاعبين. (ماخلقناهما إلا بالحق)).
أى: خلق - سبحانه - بقدرته النافذة السموات وما أظلت، والأرض
وما أقات ، خلقا ملتبسا بالحكمة الحكيمة ، وبالجدية التى لا يحوم حولها
لهو أو عبث .
وقوله ((تعالى عما يشركون)) تنزيه وتقديس لذاته وصفاته، عما قاله
المشركون فى شأنه - عز وجل- من أن له ولدا أو شريكا ،
قال - تعالى -: ((ما اتخذ الله من ولد، وما كان معه من إله، إذا الذهب
كل إله بما خلق، واهلا بعضهم على بعض، سبحان الله عما يصفون)، (١).
وقد صدر - سبحانه - هذه الأدلة الدالة على وحدانيته وقدرته ، بخلق
السوات والأرض، لأن خلقهما أعظم من خلق غيرهما ، ولأنهما حاوبتان
لما لا يحصى من مخلوقاته - سبحانه -.
قال - تعالى -: ((لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ، ولكن
(١) سورة المؤمنون . الآ يه ٩١

١٠٠ -
أكثر الناس لا يعلمون))(١) .
ثم ساق - سبحانه - دليلا آخر على انفراده بالألوهية عن طريق خلق
الإنسان فقال: « خلق الإنسان من نطفة، فإذا هو خصيم مبين ،٥
والمراد بالإنسان هنا جنس الإنسان.
وأصل النطفة: الماء الصافى . أو الماء القليل الذي يبقى فى الدلو أو القربة،
وجمعها : نطف ونطاف . يقال : نطفت القربة إذا قطرت ، أى سال منها
الماء وتقاطر .
والمراد بالنطفة هنا: المنى الذى هو مادة التلفيح من الرجل المرأة .
والخصيم: الكثير الخصام لغيره , فهو صيغة مبالغة. يقال : خصم الرجل
يخصم ـ من باب تعب - إذا أحكم الخصومة، فهو خصم وخصيم.
والمبين : المظهر للحجة ، المفصح عما يريده بألوان من طرق البيان.
أى : خلق - سبحانه - الإنسان . من منى يمنى، أن من ماء مهين خلقا
حجيبا فى أطوار مختلفة . لا يجهلما عاقل، ثم أخرجه بقدرته من بطن أمه إلى
ضياء الدنيا ، ثم رعاه برعايته ولطفه إلى أن استقل وعقل ....
حتى إذا ماوصل هذا الإنسان إلى تلك المرحلة التى يجب معها الشكرهه
- تعالى - الذى رباه ورعاه ، إذا به ينسى خالقه , ويححد نعمه ، وینکر
شريعته ، ويكذب رسله ، ويخاصم ويجادل بلان فصيح من بعثه الله - تعالى-
هدايته وإرشاده، ويقول - كما حكى القرآن عنه -: ((يحيى العظام
وهی رميم .د. ،
وإذا فى قوله - سبحانه - ((فاذا هو خصيم مبين)) هى التى تسمى بإذا الفجائية.
التى يؤتى بها لمعنى ترتب الشىء ، على غير ما يظن أن يترتب عليه.
(١) سورة غافر. الآية ٥٧