Indexed OCR Text
Pages 41-60
-: ٤ - وقيل: المراد بهما: من قتل فى الجهاد ومن لم يقثل، وقيل المراد بهما من تقدم فى صفوف الصلاة ومن تأخر ... قال الامام ابن جرير بعد أن ساق جملة من الأقوال فى ذلك: وأولى الأقوال عندى بالصحة ، قول من قال: ولقد علمنا الأموات منكم يا بنى آدم فتقدم موته ، ولقد علمنا المستأخرين الذين تأخر موتهم ممن هو حى ومن هو حادث منكم ممن لم يحدث بعد ... )،(١) ثم بين - سبحانه - أن مرجع الخلق جميعا إليه فقال: «وإن ربك هو يحشرهم، إنه حكيم عليم،. أى: وإن ربك - وحده - أيها الخاطب - هو الذى يتولى حشر الأولين والآخرين، وجمعهم يوم القيامة للحساب والثواب والعقاب، إنه - سبحانه- ((حكيم)) فى كل تصرفاته وأفعاله («عليم، بأحوال خلقه ما ظهر منها وما بطن. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد اشتملت على أوان من الأدلة الدالة على وحدانية الله - تعالى - وعظيم قدرته، وبديع صنعه، وشمول علمه ، مما يوجب الايمان به - سبحانه - وإخلاص العبادة له، ومقابلة نعمه بالشكران لا بالكفران ، وبالطاعة لا بالمعصية ... وبعد أن ساق - سبحانه - ألوانا من الأدلة على وحدانيته وقدرته ، عن طريق خلقه للسماء وما فيها من بروج وشهب .. والأرض وما عليها من جبال ونبات .. وللرياح وما تحمله من سحب وأمطار ... أتبع ذلك بأدلة أخرى على كمال ذاته وصفاته عن طريق خلقه للانسان والجن والملائكة .. فقال - تعالى -: (١) تفسير ابن جرير جـ ١٤ ص ٠٢٦ = ٤٢ - ((ولقدْ خلقنا الإنسانَ مِنْ صَلْصَالٍ من ◌َهَإٍ مسنُونٍ (٢٦) والجانَّ خَلَفْنَهُ مِنْ قبلُ من ◌َرِ السَّمُومِ (٢٧) وإِذْقَالَ رَبُّكَ الملائكةِ إِنِّى خالقٌ بشراً من صَلْصالٍ من ◌ٍَ مسئُونٍ (٣٨) فإذا سويتُه ونفختُ فيه من زُوحِى فَقَعُوا له ساجدينَ (٢٩) فَسجَد الملائكةُ كلُهم أجمعُونَ(٣٠) إلاَّ إبليسَ أَبَى أن يكونَ مع الساجدينَ (٣١) قالَ يا إبليسُ مالكَ أنْ لا تكونَ مع الساجدين (٣٢) قالَ لم أَكُنْ لأسجُدَ لبشرٍ خلقتَه من صلصالٍ من ◌َمٍ مَسْئونٍ (٣٣) قالَ فاخرُجَ مِنْهاَ فإنَّك رجيمٌ (،٣) وإنَّ عليكَ اللعنةَ إلى يومِ الدينِ (٣٥) قالَ ربِّ فَأَنَظِرْ فِى إلى يوم يُبَثَّونَ (٣٦) قالَ فإنَّكَ مِنَ المنظرِينَ (٣٧) إلى يوم الوقتِ المعلومِ (٣٨) قالَ ربِّ بَ أنْوَ يَنِى لْأَزَ يَّنَنَّ لهم فى الأرضِ ولَأغْويَنَّهم أجمعينَ (٣٩) إلاَّ عبادَك منهم المخلَصِين (٤٠) قالَ هذا صراطٌ علىَّ مستقيمٌ (٤١) إِنَّ عبادِى ليسَ لكَ عليهم سلطانٌ إلاَّ مَنِ اتَبَعَكَ من الغاوينَ (٤٢) وإنَّ جهْم لموعدُم أجمينَ (٤٣) لها سبعةُ أبوابٍ لكلِّ بابٍ منهم جزء مقسوم" (٤٤))). والمراد بالإنسان فى قوله .. سبحانه ... ولقد خلقنا الإنسان من صلصال)) آدم - عليه السلام - لأنه أصل النوع الإنسانى، وأول فرد من أفراده. والصلصال: "طين اليابسى الذى يصلصل، أى: يحدث صوتا إذا حرك أو تقر عليه، كما يحدث الفخار قال - تعالى - ((خلق الإنسان من صلصال كالفخار ،. ٤٣٠ ٠ وقيل: الصاصال: الطين المنتن، مأخوذ من قولهم: صَل، الاحم وأصل، إذا أنتن .. قال الإمام ابن جرير: والذى هو أولى بتأويل الآية ، أن يكون الصلصال فى هذا الموصع . - الطين اليابس الذى لم تصبه النار، فإذا نقر تهصل فسمعت له صلصله - وذلك أن الله - تعالى .. وصفه فى موضع آخر فقال : (( خلق الإنسان من صلصال كالفخار. فشبهه - تعالى ذكره .. بأنه كالفخار فى يبسه، ولو كان معناه فى ذلك المنتن لم يشبهه بالفخار، لأن الفخار ليس بمنتن فيشبه به فى الفتن غيره)) (١). والحمأ : الطين إذا اشتد سواده وتغيرت رائحته . والمسنون: المصور من سنَّ الشىء إذا صورة . قال الآثوسى ماملخصه: قوله ((من حماً، أى: من طين تغير واسود ونه مجاورة الماء. ويقال للواحدة حمأة - بسكون الميم -... وقوله ((مسنون)، أبى. مصور من سنة الوجه وهى صوره. وأنشلذلك ابن عباس قوله عم حمزة يمدح النبى - صلى الله عليه وسلم - : أغرءُ كأن البدرَ سنَُّ وجهه جلا الغيم عنه ضوؤه فتبددا وقيل مسنون: أى مصبوب، من سن الماء بمعنى صبه. ويقال كشنَّ - بالشين أيضا -، أى: مفرغ على هيئة الإنسان ... وقيل: المسنون: المنتن ... (٢) والذى يتدبر القرآن المكريم يرى أن الله - تعالى - قد وضح فى آيات متعددة أطوار خلق آدم - عليه السلام -، فقد بين فى بعض الآيات أنه خلقه من تراب، كما فى قوله - تعالى - «إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون .... (٣) (١) تفسير ابن جرير ج ١٤ ص ٢٨ (٢) تفسير الآلوسى جـ ١٤ ص ٣١ (٣) سورة آل عمران الآية ٥٩ - ٤٤ - وبير فى آيات أخرى أنه - سبحانه - خلقه من طين، كما فى قوله - تعالى). ( الذى أحسن كل شىء خلقه وبدأ خلق الانسان من طين))(٣), ون- هنا أنه - سبحانه - خلقه (( من صلصال من حماً مستوز)). قال الجمل : وهذا الطور آخر أطوار آدم الطينية، وأول ابتدائه أنه كان ترابا متفرق الأجزاء، ثم بل .. أى التراب، فصار طينا، ثم ترك حتى أنتن واسود فصار حماً منونا . أى: متغيرا، قد يبر فصار صلصالا، وعلى هذه الأحوال والأطوار تتخرج الآيات الواردة فى أطواره الطبفية، كمآية خلقه من تراب، وآية (( بشرا من طين، وهذه الآية التى نحن فيها)). والمقصود من هذه الآيات الكريمة، التنبيه على عجيب صنع الله - تعالى- وعظيم قدرته، حيث أخرج - سبحانه - من هذه المواد بشرا سويا، فى أحسن تقويم. وأكد سبحانه - الجملة الكريمة بلام القسم وقد ، لزيادة التحقيق، والإرشاد إلى أهمية هذا الخلق ، وأنه بهذه الصفة. و، من)، فى قوله ((من صلصال، لابتداء الغاية أو للتيعيض، وفى قوله ((من حماً، ابتدائية. والجار والمجرور صفة لصلصال أى: من صلصال كائن من حماً ، ومنون صفة لجأ . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك المادة التى خلق منها الجان فقال - سبحانه -: ((واجان خلقناه من قبل من نار السموم)). ٢١) سورة السجدة الآية ٧. (٣) حاشية الجمل على الجلالين <٢ ص ٤٣د" -٤٥ - والمراد بالجان هنا: أبو الجمر عند جمهور المفسرين. وقيل هو ألميس. وقيل هو اسم لجنس الجن . وسمى جانا لتواريه عن الأعين، واستثاره عن بنى آدم. أى: والجان خلقناه ((من قبل، أى: من قبل خلق آدم ((من فار السموم أى: من الريح الحارة التى تقتل. وسميت سموما، لأنها لشدة حرارتها ، وقوة تأثيرها تنفذ فى مسام البدن . قال ابن كثير: وقد ورد فى الحديث الصحيح: خلقت الملائكة من فور، وخلقت الجان من مارج من نار، وخلق بنو آدم ما وصف لكم))(١) ثم حكى - سبحانه - ما أمر به لائكته عندما أوجهت إرادته - سبحانه - لخلق آدم، فقال - تعالى -: ، وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من صلصال من حماً مسنون، فإذا سويته ونفخت فيه من روحى، فقعوا له ساجدين ، . أى: اذكر - أيها العاقل - وقت أن قال ربك - سبحانه - للملائمكة - الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون مايؤمرون - (( إنى خالق، بقدرنى (( بشراء أى: إنسانا، وعبرعنه بذلك اعتبارا بظهور بشرته وهى ظاهر الجلد ((من صلصال من حماً مسنون)). ((فإذا سويته)) أى: سويت خلق هذا البشر، وكملت أجزاءه، وجلته فى أحسن تقويم ... ((ونفخت فيه من روحى)، أى: وضعت فيه مابه حياته وحركته وهو الروح، الذى لا يعلم حقيقته أحد سوای . قال القرطبى: قوله: «ونفخت فيه من روحى، النفخ إجراء الريح فى الشىء. والروح جسم لطيف، أجرى اللّه العادة بأن يخلق الحياة فى البدن مع (١) تفسير ابن كثير - ٤ ص ٤٥١. - ٤٦ ٠ ذلك الجسم وحقيقته إضافة خلق إلى خالق ، فالروح خلق من خلقه أضافه - سبحانه - إلى نفسه تشريفا وتكريما، كقوله، أرضى وسمائى وبيق وناقة الله وشهد الله ... ، (١) وقوله ((فقعوا له ساجدين، أمر منهسبحانه- للملائكة بالسجودلآدم. أى : فإذا سويت خلقه، وأفضت عليه ما به حياته ، فاسقطوا وخروا له ساجدين ، مجود تحبة وتكريم، لا سحود عبادة، فإن سجود العبادة لى وحدى. وقل - سبحانه -((فقعوا .. )) بقاء التعقيب، للاشعار بأن سجودهم له واجب عليهم عقب التسوية والنفخ من غير إبطاء أو تأخير. وهذا نوع من تكريم الله - تعالى - لعبده آدم - عليه السلام - ، وله - سبحانه - أن يكرم بعض عباده بما شاء، وكيف شاء .. (( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ،. ثم بين - سبحانه - ما كان من الملائكة بعد ذلك فقال: ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون، أى: امتثل الملائكة لأمر الله بعد أن خلق - سبحانه - آدم وسواه ونفح فيه من روحه ، فسجدوا له كلهم أجمعون دون أن يتخلف مهم أحد. و جمع - سبحانه - بين لفظى التوكيد « كلهم أجمعون) للمبالغة فى ذلك، ولإزالة أى التباس بأن أحدا شذ عن طاعة الله - تعالى -. وقوله (( إلا إبليس أبى أن يكون من الساجدين، بيان لموقف إبليس من أمراضه- تعالى -. وإبليس : اسم مشتق من الإبلاس ، وهو الحزن الناشىء عن شدة اليأس، وفعله أبلس ، والراجح أنه اسم أعجمى، ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة . وهو كائن حى ، وقد أخطأ من حمله على معنى داعى الشر الذى يخطر (١) تفسير القرطبي - ١٠ ص ٢٥. - ٤٧ ٠ فى النفوس، لأنه ليس من المعقول أن يكون الأمر كذلك، عرب من القرآن أخبر نا بأنه يرى الناس ولايرونه . قال - تعالى - ((إنه يراكم هو وقبيله من حيث لاترونهم ... ))(١) وقوله (( أبى)) من الإباء وهو الامتناع عن فعل الشيء مع القدرة على فعله، بسبب الغرور والتكبر والتعاظم . أى: فجد الملائكة كلهم أجمعون، امتثالا وطاعة لله - تعالى -، إلا إبليس فإنه إمتنع عن أن يكون مع الساجدين، تكبرا وغرورا وعصيانا لأمر الله - تعالى .. والعلماء فى كون إبليس من الملائكة أم لا قولان: أحدهما: أنه كان منهم، لأنه - سبحانه - أمرهم بالسجود لآدم، ولولا أنه كان منهم لما توجه إليه الأمر بالسجود، ولو لم يتوجه إليه الأمر بالسجود لما كان عاصيا، ولما استحق الطرد واللعنة، ولأن الأصل فى المستثنى أن يكون داخلا تحت اسم المستثنى منه ، حتى يقوم دليل على أنه خارج عنه . وعلى هذا الرأى الذى اختاره ابن عباس وابن مسعود وغيرهما يكون الاستثناء متصلا . والثاني: أنه لم يكن من الملائكة، لقوله - تعالى -,وإذا قلنا للملائكة أسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن، ففسق عن أمر ربه .. )، (٢) فهو أصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس، ولأنه خلق من فاو، والملائكـ خلقوا من نور، ولأن له ذرية، والملائكة لا ذرية هم .. وعفى هذا الرأى الذى اختاره الحسن وقتادة وغيرهما يكون الاستثناء منقطعا . (١) سورة الأعراف الآية ٢٧ (٣) سورة الكهف الآية ٥٠ - ٤٨ - قال الشر القاهى: (وقد حاول الإمام ابن القيم - رحمه الله أن يجمع بين الرأيين فقال: والصواب التفصيل فى هذه المسألة، وأن القولين فى الحقيقة قول واحد فإن إبليس كان مع الملائكة بصورته وليس منهم بمادته وأصله. فإن أصله من نار وأصل الملائكة من نور، فالنا فى كونه من الملائكة والمثبت كونه منهم لم يتواردا على محل واحد))(١). والذى نميل إليه فى هذه المسألة أن إبليس لم يمكن من الملائكة ، بدليل الحديث الصحيح الذى يقول فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خلقت الملائكة من أود, وخلقت الجان من مارج من نار، وخلق بنو آدم ما وصف لكم)، (١) والآية الكريمة - وهى قوله - تعالى ... إلا إبليس كان من الجن - صريحة فى أنه كان من الجن ولممكن من الملائكة. ومع هذا فإن الأمر بالسجود يشمله، بدليل قوله - تعالى -, قال مامنعك ألا تسجد إذا أمرتك ... » (٢) فهذه الآية تدل دلالة صريحة على أن الله - تعالى - قد أمر إبليس بالسجود لآدم .. ووجود إبليس مع الملائكة لا يستلزم أن يكون منهم، ومثل ذلك كمثل أن تقول: حضر بنو فلان إلا محمد ، ومحمد ليس من بنى فلان هؤلاء، وإنما هو معهم بالمجاورة أو المصاحبة أو غير ذلك . هذا مانختاره ويميل إليه ، إستنادا إلى طاهر الآيات وظاهر الأحاديث، والله - تعالى - أعلم وقوله - سبحانه -: «قال يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين (١) تفسير القاسى = ٢ ص ٠١٠٤ (٣) صحيح مسلم (( كتاب الزهد)) ياب ((فى أحاديث متفرقة) ٨٥٠ ص ٢٢٧ (٣) سورة الأعراف الآية ٠٢. - ٤٩ - قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حما مسنون ، بيأن لما وبخ الله - تعالى - به إبليس، وأرد إبليس - لعنة الله - على خالقه .. عز وجل - . أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التوبيخ والزجر: أى سبب حملك على مخالفة أمرى، وجعلك تمتنع عن السجود لمن أمرتك بالسجود له؟ فكان رد إبليس : ما كان ليليق بشأنى ومنزلتى أن أسجد مع الساجدين "بشر خلقته - أيها الخالق العظيم - من صلصال من حمامنون. ومقصود إبليس بهذا الرد إثبات أنه خير من آدم، كما حكى عنه - سبحانه- ذلك فى قوله - تعالى - ((قال أما خير منه خلقتنى من فار وخلقته من طين))(١). وهذا الرد منه يدل على عصبانه لأمر ربه، وعدم الرضا بحكمه، وسوء أدبه مع خالقه - سبحانه - . قال الآلوسى: وقد أخطأ اللعين حيث ظن أن الفضل كله بأعتبار الماده، وما درى أنه يكون باعتبار الفاعل، وباعتبار الصورة، وباعتبار الغاية ، بل إن ملاك الفضل والكمال هو التخلى عن الملكات الردية، والتحلى بالمعارف الربانية . فشمال والكأس فيها يمين ويمين لا كأس فيها شمال(٢) وقوله - سبحانه -: ((قال فاخرج منها فإنك رجيم. وأن عليك لعنتى إلى يوم الدين)) بيان للحكم العادل الذى أصدره الله - تعالى، على إبليس. والضمير فى قوله، منها، يعود إلى السماء لأنها مسكن الطائعين الديار: أو إلى الجنة لأنها لا يسكنها إلا من أطاع الله - تعالى-، أو إلى المنزلة التى كان فيها قبل طرده من رحمة الله .. (١) سورة ص الآية ٧٦. (٢) تفسير الآلوسى ج ١٤ ص ٤٣. ٤٠ - سورة الحجر) - ٥٠ - أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل "زجر والتحقير: فأخرج من جنى ومن سمائى فإنك ((رجيم، مطرود من كل خير وكرامة، وإن عليك اللعنة والإبعاد من رحمتى إلى يوم الدين، وهو يوم الحساب والجزاء. وليس المراد أن تنقطع عنه اللعنة يوم الدين ، بل المراد أن هذه اللعنة مستمرة عليه إلى يوم الدين، فإذا ماجاء هذا اليوم أستمرت هذه اللعنة ، وأضيف إليها العذاب الدائم المستمر الباقى، بسبب عصيانه لأمر ربه، فذكر يوم الدين ، إنما هو للمبالغة فى طول مدة هذه اللعنة ودواعها مادامت الحياة الدنيا . وعبر - سبحانه - يعلى فى موله ((وإن عليك اللعنة، للاشهار بتمكنها منه، واستعملائها عليه، حتى لكان اللعنة فوقه يحملها دون أن تفارقه فى لحظة من الحظات . ثم حكى - سبحانه - ما طلبه إبليس من ربه، ومارد الله به عليه، فقال - تعالى - : قال رب فأنظر فى إلى يوم يبعثون. قال فإنك من المنظرين. إلى يوم الوقت المعلوم ، , والفاء فى قوله «فأنظرفى، للتفريع وهى متعلقة بمحذوف بدل عليه سياق الكلام . والإنظار: التأخير والإمهال ومنه قوله - تعالى .: ((وإن كان دو عسرة فنظرة إلى ميسرة» ... أى : قال إبليس لربه - عز وجل)): مادمت قد أخرجتنى من جنتك ومن سماتك، وجعلتنى مرجوما ملعونا إلى يوم الدين ، فأخر موتى إلى يوم يبعث آدم وذريته للحساب وخاطب الله - تعالى. بصفة الربوبية تخضعا وتذللا لكى يجاب طلبه. وقد أجاب الله - تعالى - له طلبه فقال: ((فإنك)) يا إبليس من جملة (المنظرين) - ٥١ - أى الذين أخرت موتهم (( إلى يوم الوقت الثوم)) رحويوم القيامة الذى استأثرت بعلم وقته، والذى وصفت أحواله للناس كى يستعدوا له بالإيمان والعمل الصالح . ويصح أن يكون المراد بالوقت المعلوم: وقت النفخة الأولى حين يموت كل الخلائق ويموت هو معهم . قال ابن كثير : أجابه الله - تعالى - إلى ماسأل، لما له فى ذلك من الحمكة والإرادة والمشيئة التى لاتخالف. ولا تمامع ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب . وقال بعض العلماء: وهذا الإنظار رمز إلهى على أن ناموس الشر لا ينقضى من عالم الحياة الدنيا، وأن نظامها قائم على التصارع بين الخير والشر ، وبين الأخيار والأشرار. قال - تعانى -: ((بل تقذف بالحق على الباطل فيدمنه فإذا هو زاهق)). ولذلك لم يستغن نظام العالم عن إقامة قوانين العدل والصلاح ، وإيداعها إلى الكفاة لتنفيذها والذور عنها، (١). ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت إبليس على طلب تأخير موته إلى يوم القيامة، والتى من أهمها الانتقام من آدم وذريته فقال - تعالى -: ((قال وب بما أغو يقنى لأزيتن لهم فى الأرض ولأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين » . والباء فى قوله ((بما أغويتنى لأزينن لهم ... )) للسببيه أو القسم. قال الإمام الرازى ما ملخصه: الياء ههنا بمعنى السبب، أى : بسبب كونى غاويا لأزينن لهم، لقول القائل: أقسم فلان بمعصيته ليدخان النار، وبطاعته ليدخلن الجنة . :) تفسير التحرير والتنوير ج ١٤ ص ٩، أو للقسم ومامصدرية. وجواب القسم لأزينن لهم. والمعنى أقسم بإغواتك لى لأزينن لهم . ونظيره قوله - تعالى - ((قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين)(١). وقوله (( أغوبتنى، من الإغواء، وهو خلق الغى فى القلوب . وأصل الغى الفساد ، ومنه غوى الفصيل - كمرض- إذا بشم من اللبن فسدت معدته. أو منع من الرضاع فهزل وكاد يهنك ، ثم استعمل فى الضلال. يقال: غوى فلان يغوى خيا وغواية فهو غاو إذا ضل عن الطريق المستقيم. وأعواه غيره وغواه: أضله. وقوله (( لأزينن لهم، من التزيين بمعنى التحسين والتجميل، وهو تصيير الشىء زينا أى : حسنا حتى ترغب النفوس فيه وتقبل عليه. والضمير فى « لهم ) يعود على ذرية آدم، وهو مفهوم من السياق وإن لم يجر لهم ذكر، وقد جاء ذلك صريحا فى قوله - تعالى - فى آية أخرى: «قال أرأيتك هذا الذى كرمت على لئن أخرين إلى يوم القيامة لأ حتنكن ذريته إلاقليلا،(٢). وحذف مفعول ((لأزينن)، لدلالة المقام عليه. أى: لأزيدن لهم المعاصي والسيئات، بأن أحسن لهم القبيح. وأزين لهم المنكر . وأحبب الشهرات إلى نفوسهم حتى يتبعوها، وأبذل نهاية جهدى فى صرفهم عن طاعتك ... وقال - سبحانه - ((فى الأرض، لتحدد مكان(غو اته، إذ هى المكان الذى صار مستقرا له ولآدم وذريته، كما قال - تعالى - فى آية أخرى: « فأزلها الشيطان عنها - أى الجنة - فأخرجهما - أى آدم وحواء - م) كانا فيه، وقلنا أهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم فى الأرض مستقر ومناع إلى حين ،(٢) . وقوله (( ولاغو ینهم أجمعين ، مؤكد لما قبله . (١) تفسير الفخر الرازى ج ١٩ ص ١٨٥ (٢) سورة الإسراء الآية ٦٣ (٣) سورة البقرة الآية ٣٦ . أى: والله لأغوينهم جميعا مادمت قادرا على ذلك، ولأعمان على إضلالهم بدون فتور أو يأس، كما قال - تعالى - فى آية أخرى: «ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين،(١). قال القرطبى: وروى ابن لهيعة عبد الله عن دراج أبى السمح ، عن أبى الهيثم ، عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إن إبليس قال يا رب وعزتك وجلالك لا أزال أغوى بنى آدم ما دامت أرواحهم فى أجسامهم ، فقال الرب : وعزتي وجلالى لا أزال أغفر لهم ما استغفرونى)). وقوله - سبحانه - ((إلا عبادك، نهم المخلصين) إعتراف من إبليس بأن من عباد الله - تعالى - قوما لا يستطيع أن يغريهم، ولا يقدر على إضلالهم. وكلمة (( المخلصين، قرأها نافع وحمزة وعاصم والكسائى - بفتح اللام -، فيكون المعنى : لأغوينهم أجمعين إلا عبادك الذين استخلصتهم لطاعتك ، وصفتهم عن اقتراف مانهيتهم عنه ... وقر أها ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو - بكسر اللام -، فيكون المعنى: لأضلنهم جميعا، إلا عبادك الذين أخلصوا لك العمل ، وابتعدوا عن الرياء فى أقوالهم وأفعالهم . وهذا الاستثناء الذى اعترف به إبليس بعد أن أدرك أنه لا محيص له عنه - هو سنة الله - تعالى - فى خلقه، فقد جرت سنته التى لا تغيير ولا تبديل لها ، يأن يستخلص لذاته من يخلص له قلبه، وأن يرعى من يرعى حدوده ، ويحفظ من يحفظ تكاليفه، ولذا كان جواجه - سبحانه - على إبليس، هو قوله - تعالى -: ((قال «ذا صراط على مستقيم. إن عيادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين». (٥) سورة الأعراف الآية ١٧ - ٥٤ واسم الإشارة ((هذا)) يعود إلى الاستثناء السابق وهو قوله, الاعبادك منهم المخلصين » . وقد اختار هذا الرأى الإمام الآلوسي فقال: قال، الله - تعالى - ,هذا صراط على، أى: حق لابد أن أواعيه (( مستقيم)) لا انحراف فيه فلا عدل عنه إلى غيره . والإشارة إلى ماتضمنه الاستثناء وهو تخليص المخلصين من إغوائه وكلة على تستعمل فى الوجوب . والمعتزلة يقولون به حقيقة لقولهو بو جوب الأصلح عليه - تعالى -.. وقال أهل السنة، إن ذلك وإن كان تفصلا منه - سبحانه - إلا أنه شبه بالحق الواجب لتأكد ثبوته ونحقق وقوعه، بمقتضى وعده - عز وجل -، فى· بعلى لذلك )). ثم قال: وقرأ الضحاك ومجاهد ويعقوب. ((هذا صراط علىّ - بكسر اللام وضم الياء وتقويتها - أى: عال لارتفاع شأنه))(١). وقد اختار صاحب الكشاف عودة اسم الإشارة إلى مابعده فقال: قال الله - تعالى -: ((هذا صراط على مستقيم) أى هذا طريق حق على أن أراعيه، وهو أن يكونلك سلطان على عبادى، إلا من اختار اتباعك منهم لغوايته،(٢)، ويرى ابن جرير أن على هنا بمعنى إلى، فقد قال - رحمه الله - قوله -تعالى - , هذا صراط على مستقيم، بمعنى هذا طريق إلى مستقيم. فكان معنى الكلام: هذا طريق رجعه إلى، فأجازى كلاباً عمالهم، كما قال -تعالى- ((إن ربك لبالمرصاد، وذلك نظير قول القائل لمن يتوعده ويتهدده: طريقك على وأنا على طريقك، فكذلك قوله ((هذا صراط، معناه: هذا طريق على وهذا طريق إلى ... ،(١) ١١) تفسير الآلوسي - ١٤ ص ١٦ (٢) تفسیر الکشاف حـ ص ٣٩١ (٣) تفسير ابن أجرير حـ ١٤ ص ٣٣ - ٩٥ - ويبدو لنا أن الآية الكريمة مسوقة لبيان المنهاج القويم الذى كتبه الله - تعالى - على نفسه فضلا منه وكرما، والميزان العادل الذى وضعه - سبحانه - تمييز الخبيث من الطيب . فكأنه - سبحانه - يقول فى الرد على إبليس الذى اعترف بعجزه عن إغواء المخلصين من عباد الله: يا إبليس، إن عدم قدرتك على إغواء عبادى المخلصين منهج قويم من مناهجى التى اقتضتها حكمتى وعدانى ورحمتي ، وسنة من سننى التى آليت على نفسى أن التزم بها مع خلقى. إن عبادى المخلصين لا قوة ولا قرة لك على إغوائهم ، لأنهم حتى إذا مسهم طائف منك. أسرعوا بالتوبة الصادقة إلى ، فقبلتها منهم، وغفرت لهم: لتهم ... ولكنك تستطيع إغواء أتباعك الذين استحوذت عليهم ؛ فإنقادرا لك ... وفى هاتين الآيتين مافيهما من التنويه بشأن عباد الله المخلصين ، ومن المديح لهم بقوة الإيمان، وعلى المنزلة، وصدق العزيمة ؛ وضبط النفس ... قال - تعالى -: ((إن عبادى خير لك عليهم سلطان وكفى ربك وكيلا(١). فال الآنوسى وقوله: إن عبادى ليس لك عليهم سلطان ... أي تصرف وتسلط، والمراد بالعباد ؛ المشار إليهم بالمخلصين ، فالإضافة للعهد والاستثناء فى هذا فى قوله (( إلا من اتبعك من الغاوين ، منقطع. واختار هذا غير واحد ... وجوز أن يكون بالعباد العموم والاستثناء متصل، والكلام كمالتقرير لقوله إلا عبادك منهم المخلصين ، ولذا لم يعطف على ما قبله ، وتغيير الوضع لتعظيم المخلصين ، بجعلهم هم الباقين بعد الاستثناء .... (٢) ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة المتبعين لإبليس فقال: " إن جهنم لموعدهم أجمعين . لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم)). (٢) تفسير الآلومى جـ ١٤ ص ٤٧ (١) سورة الإسراء الآية ٦٥ - ٥٦ - والضمير فى قوله ((لموعدم)) يعود إلى الغاوين، أو إلى ((من أتبعك)) والموعد : مكان الوعد . والمراد به هنا المكان الذى سينتهون إليه حتما بعد أن كانوا غافلين عنها فى الدنيا، وهو جهنم أى وإن جهنم لمكان محتوم لهؤلاء الذين أغواهم إبليس دون أن يفلت أحد من سعيرها . وجملة ،لها سبعة أبواب، مستأنفة لوصف، حال جهنم وأبوابها. وجملة («لكل باب منهم جزء مقسوم، صفة لأبواب، وضمير ((منهم)) يعود إلى الغاوين أقباع إبليس. والمقسوم: من القسم وهو إفراز النصيب عن غيره تقول: قسمت كذا قسما وقسمة إذا ميزت كل قسم عن سواه . والمعنى: إن لجهنم سبعة أبواب، لمكل باب منها، فريق معين من العاوين يدخلون منه، على حسب تفاوتهم فى الغواية وفى متابعة إبليس ويرى كثير من المفسرين أن المراد بالأبواب هنا الأطباق والدركات . أى لجهنم سبعة أطباق أو دركات بعضها فوق بعض ، ينزلها الغاوون ، بحسب أصنافهم ويتفاوت مراتبهم فى الغى والضلال. قال الإمام ابن كثير: قوله - تعالى - ((لكل باب منهم جزء مقوم) أى: قد كتب لمكل باب منها جزء من أتباع إبليس ، يدخلونه لا محيد لهم عنه - أجارنا الله منها - وكل يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر فى درك بقدر فعله .... ثم قال: وعن سمرة بن جندب - رضى الله عنه - عن النبي صلى الله عيه وسلم فى قوله ((لمكل باب منهم جزء مقسوم، قال إن من أهل النار من تأخذه النار إلى كعبيه، وإن منهم من تأخذه النار إلى حجزته(١)، ومنهم من تأخذه النار إلى تراقيه .... (٢). (١) الحجزة - بضم الحاء وسكون الجيم - معقد الازار (٢) تفسير ابن کثیر ح ئے ص ٤٥٥ - ٥٧ - وبعد: فهذه قصة خلى الإنسان، وقصة خلق الجان - كما بينها هذه السورة الكريمة - ومن الدروس والعظات التى تأخذها منها: ١ - دلالتها على كمال قدرة الله تعالى -، وبديع خلقه، وبلغ حكمته: حيث خلق - سبحانه - الإنسان من مادة تختلف عن المادة التى خلق منها الجان، وحيث كرم الإنسان بخاصية أخرى أشار إليها القرآن فى قوله - تعالى - ((فإذا سويته ونفخت فيه من روحى٠٠)) وهذه الخاصية هى التى تجعل من هذا الإنسان، إنسانا ينفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى التى تشاركه فى هذه الحياة .. ٢ - أن خلق الجان سابق على خلق الإنسان، بدليل قوله - تعالى -: ((ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حما مسنون. والجان خاقناه من قبل من نار السموم ». ٣ - أن الملائكة عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون مايؤمرون ، فهم بمجرد أن أمرهم الله - تعالى - بالسجود لآدم ، سجدوا جميعا دون أن يشذ منهم أحد . ٤ - أن الإصرار على معصية الله - تعالى -، يؤدى إلى الطرد من رحمته - سبحانه -، ومن الخروج من رضوانه ومغفرته. ٥ - أن التكبر والغرور والحسد، من أبرز الصفات الذميمة التى حملت إبليس على الامتناع عن السجود لآدم، وعلى مخالفة أمر ربه - عز وجل -. ٦ - أن إجابته - سبحانه - لطلب إبليس فى تأخير موته ، لم يكن لكرامة له عنده .. عز وجل -، وإنما كان استدراجا له وإمهالا، وابتلاء لبنى آدم ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه . ٧ - أن العداوة بين إبليس وقبيله ، وبين آدم وذريته، باقية إلى أن يرث - ٥١ - الله الأرض ومن عليها، وأن إبليس وجنوده لم تن يتركوا بابا من أبواب الشر إلا وزينيه وجملوه لبنى آدم، وحرضوهم على الدخول فيه، ليكتسبوا السيئات التى نهاهم الله- تعالى- عنها. قال - تعالى -((إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا، إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ». ٨ - أن عدالة الله - تعالى - ورحمته قد اقتضت أن يحمى عباده المخلصين من تسلط الشيطان عليهم ، لأنهم منه فى حمى، ولأن مداخله إلى نفوسهم مغلقة ، إذ أنهم خافوا مقام ربهم ونهوا أنفسهم عن الهوى ... أما الذين يستطيع الشيطان القسلط عليهم ، والتأثير فيهم ، فهم أولئك الذين انقادوا لو ساوسه، واستجابوا لنزغاته، وصاروا دلية له يسخرها كما يشاء ... وهؤلاء الذين تنتظرهم جهنم بأبوابها السبعة ... قال - تعالى -: ((إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين، وإن جهنم لموعدهم أجمعين . لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم )) . هذه هى عاقبة الغاوين أنباع إبليس، أما عاقبة المخلصين الذين أخلصوا نفوسهم الله - تعالى -، وأطاعوه فى السر والعلى، فقد بينها - سبحانه - بعد ذلك فى قوله : إن المتقينَ فى جَنَّاتٍ وَعُيونٍ (٤٥) ادخُلُوهَا بسلامٍ آمنينَ (٤٦) ونْزَعْنَ ما فى صُدورِمٍ من غِلَّ إخواناً على سُرُرٍ مُتَقَبِلِينَ (٤٧) لا يمسُهمْ فيها نَصبُ ومَا هُمْ مِنْهَاَ بُمُخْرَجِيزَ (٤٨). وقوله - سبحانه - ((إن المتقين .. ، كلام مستأنف لإظهار حسن عافية المتقين ، بعد بيان سوء عاقبة الغاوين. والمتقون: جمع متق اسم فاعل من اتقى. وأصله أو تمى - برمه افتعل . من وقى الشىء ، قابة، أى : صانه وحفظه ٠ما يضره ويؤذيه . والجنات : جمع جنة ، وهى كل بستان ذى شجر متكاثف ، ملتف الأغصان ، يظلل ماتحته ويستره . من الجن وهو شد الشىء عن الحاسة .. والمراد بها هنا الدار التى أعدها الله - تعالى - لتكريم عباده المؤمنين فى الآخرة . والعيون جمع عين . والمقصود بها هنا المياه المنتشرة فى الجنات. والمعنى: ((إن المتقين )) الذين صافوا أنفسهم عن الشرك. وقالواربنا الله ثم استقاموا(( جنات)، عالية، فيها ما تشتهيه الأنفس، وفيا ذابع للماء تلذلها الأعين . وجملة («ادخلوها بسلام آمنين) معمولة لقول محذوف، والباء فى قوله (((بسلام، المصاحبة . أى : وتقول لهم الملائكة - على سبيل التكريم - والتحية - عند دخولهم الجنات واستقرارهم فيها: ادخلوها - أيها المتقون - تصاحبكم السلامة من الآفات ، والنجاة من المخافات . ثم بين - سبحانه - ماهم عليه فى الجنة من صفاء نفسى، ونقاء قلي. فقال: ((ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين). والفزع: القلع يقال: نزع فلان هذا الشىء من مكانه إذا قلعه منه، وفعله من باب ضرب والغل: الحقد والضغينه، وأصله من الغلالة، وهى ما بلبس بين الثوبين : الشعار والدثار . . أو من الغلل وهو الماء المتخلل بين الأشجار . ويقال : غلى صدر فلان بفل . بالكسر - غلا إذا كان ذا غش، أوضغن، أيحقد. ٦٠٠٠ ٠٠ والسرر : جمع سرير وهو المكان المهيأ لراحة الجالس عليه وإدخال السرور على قلبه . أى : وقلعنا ما فى صدورهؤلاء المتقين من ضغائن وعداوات كانت هو جودة فيها فى الدنيا، وجعلناهم يدخلون الجنة إخوانا متحابين متصافين، ويجلسون متقابلين ، على سرر مهيئة لراحتهم ورفاهيتهم وإدخال السرور على نفوسهم. وقوله: (( إخوانا على سرر متقابلين)) حال من فاعل , ادخلوها)). وعبر بقوله، متقابلين، لأن مقابلة الوجه للوجه أدخل فى الإيناس ، - أجمع القلوب . و الآية الكريمة تشعر بأنهم فى الجنة بنشتهم الله - تعالى -- نشأة أخرى جديدة, تكون قلوبهم فيها خالية من كل ما كان يخالطها فى الدنيا من ضغائن وعداوات وأحقاد وأطماع وغير ذلك من الصفات الذميمة ، ويصلون بسبب هذه النشأة الجديدة إلى منتهى الرقى البشرى ... وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية عددا من الأحاديث والآثار منها مارواه القاسم عن أبى أمامة قال: يدخل أهل الجنة الجنة على مافى صدورهم الدنيا من الشحناء والضغائن ، حتى إذا توافرا وتقابلوا نزع الله ما فى صدورهم فى الدنيا من غل، ثم قرأ: ((ونزعنا ما فى صدورهم من غل ... )) ومنها : مارواه أبو مالك الأشجعى عن أبى حبيبة - مولى لطلحة - قال : دخل عمران بن طلحة على الإمام على بن أبى طالب بعد ما فرغ من أصحاب الجل ، فرحب على - رضى الله عنه - به، وقال: إنى لأرجو أن يجعلنى الله وأباك من الذين قال الله فيهم: ((ونزعنا مافى صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ... ، (١) (١) راجع تفسير ابن كثير جـ٤ ص ٤٥٦ وابن جرير جـ ١٤ ص٠٣٦