Indexed OCR Text

Pages 21-40

- ٢١ -
والتقدير: ولو أنولنا الملائكة موجلوا بالعقوبة، وما كانوا إذا منظرين.
فالجملة المذكورة جزاء الجملة الشرطية المحدوفة))(١) .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ((وقالوا لولا أنزل عليه ملك، ولو أنزلنا
ملكا لقضى الأمر ثم لا ينظرون))(*).
ثم بين - سبحانه - أنه قد تكفل يحفظ هذا القرآن الذى سبق للكافرين
أن استهزءوا به، وبمن نزل عليه فقال - تعالى -: ((إنا نحن نزلنا الذكر
وإنا له لحافظون ..
أى: إنا نحن بقدرته وعظم عافنا نزلنا هذا القرآن الذى أذكر تموه ؛
على قلب نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -((وإنا)، لهذا القرآن ((لحافظون)
من كل ما يقدح فيه، كالتحريف والتبديل، والزيادة والنقصان والتناقض
والاختلاف ولحافظون له، بالاعجاز ، فلا يقدر أحد على معارضته أوعلى
الاتيان بسورة من مثله، ولحافظون له بقيام طائعة من أبناء هذه الأمة
الاسلامية باستظهاره وحفظه والذب عنه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
قال صاحب الكشاف: قوله (( إنا نحن نزلنا الذكر، رد لافكارهم
واستهزائهم فى قولهم ((يأيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون)،، ولذلك
قال: إنا نحن ، فأكد عليهم أنه هو المنزل على القطع والبنات، وأنه هو الذى
بعث به جپریل إلى محمد - صلى الله عليه وسلم .ومن بين يديه ومن خلفه رصد
حتى نزل وبلغ محفوظا من الشياطين ، وهو حافظه فى كل وقت من كل زيادة
ونقصان ... ،(٣)
(١) تفسير فتح القدير جـ ١ ص ١٢٢ للشوكانى.
(٢) سورة الأنعام الآية ٨.
(٣) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٠٣٨٨

٢٢٠٠ -
وقال الآلوسي: ما ملخصه: « ولا يخفى ما فى سبك الجملتين - إنا نحن نزلنا
الذكر: وإنا له لحافظون)، من الدلالة على كمال نكبرياء والجلالة، وعلى خامة
شأن التنزيل، وقد أشتملتا على عدة من وجوه التأكيد. و((نحن )، ليس ضير
فصل لأنه لم يقع بين أسمين ، وإنما هو إما مبتدأ أو توكيد لاسم إن . والضمير
فى «له، القرآن كما هو الظاهر، وقيل هو النبى - صلى الله عليه وسلم ... ))(١)
هذا ونحن ننظر فى هذه الآية الكريمة، من وراء القرون الطويلة منذ نزولها
فترى أن الله - تعالى .. قد حقق وعده فى حفظ كتابه , ومن مظاهر ذلك :
١ - أن ما أصاب المسلمين من ضعف. ومن فتن، ومن هزائم، وعجزوا
معها عن حفظ أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ...
هذا الذى أصابهم فى مختلف الأزمنة والأمكنة ، لم يكن له أى أثر على
قداسة القرآن الكريم، وعلى صيانته من أى تحريف.
ومن أسباب هذه الصيانة أن الله - تعالى - قيض له فى كل زمان ومكان ،
من أبناء هذه الأمة ، من حفظه عن ظهر قلب ، فاستقر بين الأمة بمسمع من
النبى - صلى الله عليه وسلم -، وصار حفاظه بالغين عدد التواتر فى كل مصر.
قال الفخر الرازى : فإن قيل: فلماذا اشتغل الصحابة بجمع القرآً فى
المصحف ، وقد وعد الله بحفظه ، وماحفظه الله فلا خوف عليه ؟
فالجواب: أن جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله - تعالى - إياه،
فإنه - سبحانه - لما إن حفظه قيضهم لذلك ... )،(٢)
٢ - أن أعداء هذا الدين - سواء أكانوا من الفرق الضالة المنتسبة
الإسلام أم من غيرهم ـ امتدت أيديهم الأثيمة إلى أحاديث النبى - صلى الله
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٤ ص ٠١٥
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١٩ ص ٠١٦٠

١٣٠٠ -
عليه وسلم - فأدخلوا فيها ماليس منها ... وبدل العلماء العدول الضابطون
ما بذلوا من جهود لتنقية السنة النبوية ما فعله هؤلاء الأعداء ...
ولكن هؤلاء الأعداء، لم يقدروا على شىء واحد، وهو إحداث شىء
فى هذا القرآن ، مع أنهم وأشباههم فى الضلال ، قد أحدثوا ما أحدثوا فى
الكتب السماوية السابقة ...
قال بعض العلماء. سئل القاضى إسماعيل (١) البصرى عن السر فى تطرق
التغيير للكتب السالفة وسلامة القرآن من ذلك فأجاب بقوله : إن الله
أو كل للأحبار حفظ كتبهم فقال: (( بما استحفظوا من كتاب الله، وتولى
- سبحانه - حفظ القرآن بذاته فقال: ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له
لحافظون،(٢).
وقد ذكر الأمام القر طبى ما يشبه ذلك نقلا عن سفيان بن عيينه فى قصة
طويلة(٣) .
والخلاصة، أن سلامة القرآن من أن تحريف - رغم حرص الأعداء على
تجريفه ورغم ما أصاب المسلمين من أحداث جسام، ورغم تطاول القرون
والدهور - دليل ساطع على أن هناك قوة خارقة - خارجة عن قوة البشر -
قد تولت حفظ هذا القرآن ، وهذه القوة هى قوة الله - عز وجل - ولا يمارى
فى ذلك إلا المنيد الجهول ...
(١) هو القاضى إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد الأزدى البصرى
ولد سنة ٢٠٠ هـ وتوفى سنة ٢٨٢ كان من الأئمة الأعلام فى التفسير والحديث
والفقه .
(٢) تفسير التحرير والتنوير حـ ١٤ ص ٢١ لسماحة الشيخ محمد الطاه:
ابن عاشور .
(٣) راجع تفسير القرطبي × ١٠ ص ٥

- ٢٤ -
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك من الآيات مافيه تعزية وتسمية للرسول
- صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من سفهاء قومه، فأخبره بأن ما أصابه
منهم يشبه ما فعله المكذبون السابقون مع رسلهم، فقال - تعالى ((ولقد أرسلنا
من قبلك فى شيع الأولين . وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهز ئون .
كذلك نسلكه فى قلوب المجرمين. لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين.
قال الجمل: لما أساؤا فى الأدب ، وخاطبوة - صلى الله عليه وسلم - خطاب
السفاهة، حيث قالوا له: ((إنك لجنون)،، سلاه الله فقال له: إن عادة الجمال
مع جميع الأنبياء كانت هكذا، وكانوا يصبرن على أذى الجهال . ويستمرون
على الدعوة والانذار ، فافتد أفت بهم فى ذلك .... (١)
والشيمع جميع شيعة وهى الطائفة من الناس المتفقة على طريقة ومذهب
واحد ، من شاعه إذا تبعه ، وأصله - كما يقول القرطبى - مأخوذ من الشباع
وهو الخطب الصغار نوقد به الكبار .
والمعنى: ولقد أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - وسلاكثيرين،
فى طوائف الأمم الأولين، فدعا الرسل أقوامهم إلى مادعوت إليه أنت قومك
من وجوب إخلاص العبادة لله - تعالى -، فما كان من أولئك المدعوين السابقين
إلا أن قابلت كل فرقة منهم رسولها بالسخرية والاستهزاء ، كما قابلك
سفهاء قومك.
وذلك لأن المكذبين فى كل زمان ومكان يتشابهون فى الطباع الذميمة ،
وفى الأخلاق القبيحة .: كما قال - تعالى -: ((كذلك ما أتى الذين من قبلهم من
رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون. أقواصوا به، بل هم قوم طاغون))(٢).
(١) حاشية الجمل على الجلالين حـ ٢ ص ٥٢٩
(٢) سورة الذاريات الآيتان ٥٣،٥٢

- ٢٥ -
والجار والمجرور (( من قبلك)) متعلق بأرسلنا، أو يمحذوف وقع نعتا
لمفعوله المحذوف)، أى: لقد أرسلنا رسلا كائنة من قبلك.
وإصافه الشيمع إلى الأولين من إضافة الموصوف إلى صفته عند بعض
النحاة ، أو من حذف الموصوف، عند البعض الآخر ، أى شيع الأمم الأولين.
وعبر بقوله - سبحانه - ((إلا كانوابه يستهزئون، للإشعار بأن الاستهزاء
بالرسل كا طبيعة فيهم - كما يومى إليه لفظ كان، وأنه متكرر منهم - كما
يفيده التعبير بالفعل المضارع - والكاف فى قوله , كذلك نسلكه.)، للتشبيه،
واسم الإشارة ، ذلك)) يعود إلى السلك المأخوذ من نسلكه.
والسلك مصدر سلك - من باب قصر - نهو إدخال الشيء فى الشىء،
كإدخال الخيط فى المخيط .
والضمير المنضوب فى « نسلكه، يعود إلى القرآن الكريم الذى سبق
الحديث عنه .
2 الراد بالمجرمين فىقوله ((فى قلوب المجرمين)، مشركوقريش ومن لف لفهم.
والمعنى: كما سلكنا كتب الرسل السابقين فى قلوب أولئك المستهزئين
نسلك القرآن فى قلوب هؤلاء المجرمين من قومك يا محمد، بأن نجعلهم يسمعونه
ويفهمونه ويدر كون خصائصه دون أن يستقر فى قلوبهم استقرار تصديق
وإذان ، لاستيلاء الجحود والعناد والحسد عليهم.
وقوله ((لا يؤمنون به)) بيان للسلك المشبه به، أو حال من المجرمين.
أى: أدخلنا القرآن فى قلوبهم فقهموه، ولكنهم لا يؤمنون به عنادا
تتجحودا .
وعلى هذا التفسير يكون الضمير فى ((فسلكه)) وفى (به، يعودان إلى القرآن
الكريم، الذى سبق الحديث عنه فى قوله - تعالى - ((إنا نحن نزلنا الذكر
وإنا له لحافظون» .

- ٢٦ -
ومن المفسرين الذين ذكروا هذا الوجه ولم يذكروا سواه سأحب
الكشاف ، فقد قال:، والضمير فى قوله (( ف لمكة، للذكر: أى: مثل ذلك
السلك ونحوه نسلك الذكر ((فى قلوب المجرمين)) على معنى أن يلقيه فى قلوبهم
مكذبا مستهزءاً به غير مقبول، كما لو أنزلت بمنيم حاجة فلم يجبك إليها: فقلت:
كذلك أنزلها باللشام: تعنى مثل هذا الإنزال أنزلها بهم مردودة غير مقضية.
ومحل قوله (( لا يؤمنون به، النصب على الحال، أى: غير مؤمن به . أو
هو بيان لقوله , كذلك نسلكه .. ،(١)
وقد زكى هذا الوجه صاحب الانتصاف فقال: والمراد - والله أعلم -
إقامة الحجة على المكذبين، بأن الله - تعالى - سلك القرآن فى قلوبهم"، وأدخله
فى سويدائها، كما سلك ذلك فى قلوب المؤمنين المصدقين، فكذب به هؤلاء،
وصدق به هؤلاء، كل على علم وفهم « ليهلك من هلك عن بينة ويحمى من حى
عن بينة ... ))، ولئلا يكون للكفار حجة بأنهم مافهموا وجوه الإعجاز كما
فهمها من آمن ... ))(٢)
ويرى بعض المفسرين - کالإمام ابن جرير - أن الضمير فى نسلكه يعود
إلى الكفر الذى سلكه اللّه فى قلوب المكذبين السابقين، أما أضمير فى (( به،
فيعود إلى القرآن الكريم ، فقد قال :
قوله - تعالى - ((كذلك فسلكة فى قلوب المجرمين لا يؤمنون به.،٠)
بقول - تعالى- ذكره - كما سلكنا الكفر فى قلوب شيع الأولين بالاستهزاء
بالرسل ، بذلك نفعل ذلك فى قلوب مشركى قومك الذين أجرموا بسبب
الكفر باقه .
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٣٨٨
(٢) حاشية الكشاف جـ ٢ ص ٣٨٨

٠- ٢٧ -
((لا يؤمنون به)، يقول: لا يصدقون بالذكر الذى أنزل إليك ... ، (١).
ومع أن هذا التفسير الذى ارتضاه شيخ المفسرين ابن جريرله وجاهته،
إلا أننا نميل إلى التفسير الأول الذى ارتضاه صاحب الكشاف ، لأنه المتبادر
من معنى الآبة، ومن المفسرين الذين رجحوا ذلك الفخر الرازى، فقد قال
- رحمه الله - خلال كلام طوبا ما ملخصه: ((التأويل الصحيح أن الضمير
فى قوله - تعالى -((كذلك نسلكة، عاد إلى لذكر، الذى هو القرآن، فإنه
- تعالى - قا قبل هذه الآية: إنا نحن نزلنا الذكر، وقال بعده , كذلك
نسلكه داى: هكذا ذلك القرآن فى قلوب المجرمين.
والمراد من هذا السلك، هو أنه - تعالى - سمعهم هذا القرآن، وبخلق
فى قلوبهم حفظه والعلم بمعانيه، إلا أجم مع هذه الأحوال لا يؤمنون به
عنادا وجهلا .. ،
ويدل على صحة هذا التأويل , أن الضمير فى قوله (( لا يؤمنون به، عائد
على القرآن بالإجماع، فوجب أن يكون الضمير فى ((نسلكه)) عائدا إليه
- أيضا - لأنهما ضمير ان متعاقبان فيجب عودهما إلى شىء واحد .. ،(٢)
وقوله - سبحانه - ((وقد خلت سنة الأولين، تهديد لهؤلاء المكذبين
من كفار مكة ومن سار على شاكلهم، وتكلة للقسلية لرسول الله - صلى الله
عليه وسلم .
أى: وقد مضت سنة الله التى لا تختلف وطريقته المالونة بأن ينزل عذابه
بالمجرمين ، كما أنزله بالأمم الماضية، بسبب تكذيبها لرسلها، واستهزائها بهم
فلا تحزن - أيها الرسول الكريم - مـ أصابك من سفهاء قومك فسننصرك
عليهم .
(١) تجسير ابن جرير جـ ٤، ص ٩
(٢) راجع تفسير الفخر الرازى ج ٩ ص ١٦٣ طبعة عبد الرحمن محمد

- ٢٨ -
وأضاف - سبحانه - السنة إلى الأولين، باعتبار تعلقها بهم، وإنما هى
سنة الله فيهم لأنها المقصودهنا، والإضافة لأدنى ملابسة.
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات المكريمة، برسم صورة عجيبة لعناد هؤلاء
أم ◌ّكذبين ولجحودهم للحق بعدما تبين فقال: ولو فتحنا عليهم بابا من السماء
فظلوا فيه يعرجون، لقالوا إما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون)).
وقوله - سبحانه - ((ولو فنحنا عليهم بابا من السماء ... )) معطوف على قوله
(( لا يؤمنونبه .. ، لإبطال معاذيرهم، ولبيان أن سبب عدم إيمانهم هو الجحود
والعناد، وليس نقصان الدليل والبرهان على صحة ماجاء به النبي - صلى ارته
عليه وسلم - .
قال الإمام الرازى . وقوله - تعالى - ((فظلوا فيه يصرجون، يقال: ظل
فلان نهاره يفعل كذا ، إذا فعله بالنهار، ولا تقول العرب ظل يظل إلا لكل
عمل بالتهار، كما لا يقولون بات يبيت إلا بالليل. والمصدر الظلول)) (١).
ويعر جون : من العروج، وهو الذهاب فى صعود، وفعله من باب دخل،
يقال عرج فلان إلى الجبل يعرج إذا صعد، ومنه المعراج والمعارج
أى المصاعد .
وقوله ، سكرت)) من السكر - بفتح السين المشددة وسكون الكاف.
بمسى السد والحبس والمنع. يقال سكرت الباب أسكره سكرا، إذا سدرته،
والتشديد فى سكرت، للمبالغة، وهو قراءة الجمهور. وقرأْنابن كثير (سكرت،
بکسر الکاف بدون نشدید - .
وقوله ((نحورون)) اسم مفعول من السحر. بمعنى الخداع والتخييل
وانصرف عن الشىء إلى غيره :
والمعنى: أن هؤلاء المشركين بلغ بهم الغلو فى الكفر والعناد، أننا لوفتحنا
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٩ ص ١٦٦

- ٢٩ -٠
لهم بابا من أبواب السماء، ويمكناهم من الصعود إليه ، فظلوا فى ذلك الباب
يصعدون ، ويطلعون على ملكوت السموات وما فيها من الملائكة والعجائب
لقالوا بعد هذا التمكين والإطلاع - لنمرط عنادهم وجحوهم، إنما
أبصارنا منعت من الإبصار ، وما نراه ما هو إلا لون من الخداع والتخييل
والصرف عن إدراك الحقائق بسبب سحر محمد - صلى الله عليه وسلم - لنا
وعلى هذا التفسير الذى سار عليه جمهور المفسرين ، يكون الضمير فى قوله
(( فظلوا)) يعود إلى هؤلاء المشركين المعاندين.
وقيل الضمير للملائكة ، فيكون المعنى : فظل الملائكة فى هذا الباب
يُعرجون، والكفار يشاهدونهم وينظرون اليهم، لقالوا - أى الكفار - بعد
كل ذلك، « إنما سكرت أبصانا ....
وعلى كلا الرأيين فالآية الكريمة تصور أكمل تصوير، مكابرة الكافرين
وعنادهم المزرى .
وعبر ـ سبحانه ـ بقوله ((فظلوا .. )) ليدل على أن عروجهم كان فى
وضح النهار، بحيث لا يخفى عليهم شىء ما يشاهدونه .
رجمعوا فى قولهم بين أداة الحصر (((إنما)، وبين أداة الإضراب ((بل))
للدلالة على البت بأن ما يرونه لاحقيقة له ، بل هو باطل، وما يرونه ما هو
إلا من نخيلات المسحور .
وقالوا (( بل نحن قوم مسحور)) ولم يقولوا بل نحن مسحورون)) للاشعار
بأن السحر قد تمكن منهم جميعا ، ولم يخص بعضا منهم دون بعض .
قال الشوكانى: وفى هذا بيان لعنادهم العظيم الذى لا يقلعهم عنه شىء من
الأشياء كائنا ما كان، فإنهم إذا رأواآية توجب عليهم الإيمان بالله وملائكته
وكتبه ورسله، نسيوا إلى أبصارهم أن إدراكها غير حقيقى لعارض الإنسداد

-٢٠ ٠
أو أنـة لهم قد سحرت فصار إدراكهم غير صحيح، ومن بلغ فى التعنت إلى
هذا الحد ، فلا تنفع فيه موعظة ولا يهتدى بآية، (١)
وبذلك نجد السورة الكريمة قد حدثتنا فى خمس عشرة آية من مطلعها إلى
هنا، عن سمو منزلة القرآن الكريم، وعن حسرات الكافرين يوم تتجلى لهم
الحقائق، وعن إستهزاتهم بالرسول - صلى عليه وسلم -، وعن رد القرآن
عليهم؛ وعن تسلية الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه
منهم ....
ثم إنتقلت السورة بعد ذلك، فاقت ألوان من النعم الدالة على وحدانية
الله - تعالى - وعظيم قدرته، وبديع صنعه، وشول علمه، ((قال - تعالى -.
((ولقد جَعلناً فى السماءِ بُروجا وزِيَّنَّاهَا للناظرين (١٦) وحفظنَها
٥
من كلِّ شيطانٍ رجيمٍ (١٧) إِلاَّ مَن استرقَ السَّمعَ فَأْتَعَهُ شهابٌ
مبينٌ (١٨) والأرضَ مدَدْنَهَا وألقيناً فيها رَواسِىَ وآنْبَثاً فيها من كلِّ
شىءٍ موزُونِ (١٩) وجَعْناَ لَكُم فيها معايشَ، ومَنْ اسْتُمَ لَهُ
برازٍ قِينَ (٢٠) وإنْ مِنْ شىءٍ إِلَّ عندَنا خزائُِه، وما نزّلُه إلا بقدرٍ
معلومٍ (٢١) وأَرْسَلْنَ الرّياحَ لواضِحَ فَأنْزَلْناً من السماء ماءٍ فَأَسْقَينَ كُوه
وما أنتُ له بِخَزِ نِينَ (٢٢) وإنّا لنحنُ نُّحى وميتُ ونحنُ الوارثُون (٢٣)
ولقد علمنا المستقدمينَ مِنْكُم ولقَد عَلِنَ الُمْتأخرين (٢٤) وإنَّ ربَّك
هو يحثُرمُ إنّه حكيمٌ عليمٌ" (٢٥))).
قال الإمام القرطبى ما ملخصه: لما ذكر - سبحانه - كفر الكافرين ،
وعجز أصنامهم ، ذكر كمال قدرته ليستدل بها على وحدانيته .
(١) تفسير فتح القدر <ـ ١٢٢٠٠٣

٠-٣١-٣
والبردج: القصور والمنازل . قال إن عباس . أى جعلنا فى السماء بروج
الشمس والقمر، أى: منازلهما وأسماء هذه البروج: الحمل والثورو الجوزاء
والسرطان ((والأسد، والسڤيلة، والميزان، والمقرب، والقوي؛ والجدي
والدلو، والحوت.
والعرب تعد المعربة لمواقع النجوم وأبوابها من أجل العلوم، ويستدلون
بها على الطرقات والأومات والخصب والجدب ...
وقال الحسن وقتادة : البروج: لنجوم، وسميت بذلك لظهورها
وإرتفاعها ...
وقبل البروج: الكواكب العظام ... ) (١)
قال بعض العلماء ومرجع الأقوال كلها إلى شىء واحد، لأن أصل البروح
فى اللغة الظهور، ومنه قبرج المرأة ، بإظهار ريتها ، فالكواكب ظاهره،
والقصور ظاهرة، ومنازل الشمس والقمر كالقصور بجامع أن الكل ١٠٠)
ينزل فيه .. ،(٢)
و((جعلنا، أى خلقنا وأبدعنا، فيكون قوله «فى السماء، متعلقا بمحذوف
على أنه مفعول ثان له و((بروجا)، هو المفعول الأول .
أى: ولقد خلقنا وأبدعنا منازل وطرقا فى السماء ، تسير فيها الكواكب
بقدرتنا ، وإرادتنا، وحكمتنا، دون خلل أو إضطراب.
وفى ذلك الخلق ما فيه من منافع لكم ، حيث تستعملون هذه البروج فى
ضغط المواقيت وفى تحديد الجهات، وفى غير ذلك من المنافع، كما قال - تعالى-
(١) تفسير القرطبي ح ١ ٥ ٩
(٢) تفسير أضواء البيان حـ ٢ ص ١٢٠ الشيح محمد الأمين الشنقيطى

٠٠ ٣٢ -
هو الذى جعل الشمس ضياء، والقمر نورا وقدره منازل، لتعلموا عدد
السنين والحساب، ماخلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون))(٢)
وافتتح - سبحانه - الآية الكريمة بلام القسم وقد، تنزيلا للمخاطبين
الذاهلين عن الالتفات إلى مظاهر قدرة الله - تعالى - منزلة المنكرين،
فأكد لهم الكلام بمؤ كدين لينتبهوا ويعتبروا .
والضمير فى قوله « وزيناها ... ، يعود إلى السماء. أى: وزيتا للماء
بتلك البروج المختلفة الأشكال والأضواء، لتكون جميلة فى عيون الناظرين
اليها، وآية للمتفكرين فى دلائل قدرة الله - تعالى - وبديغ صنعه.
وهذه الجملة الكريمة، تلفت الأنظار الى أن الجمال غاية مقصودة فى خلق
هذا الكون، كما تشعر المؤمنين بأن من الواجب عليهم أن يجعلوا حياتهم
مبنية على الجمال فى الظاهر وفى الباطن ، تأسيا بسنة الله - تعالى - فى خلق
هذا الكون .
ثم وضح - سبحانه - بأن هذا التزيين للسماء، مدون بالحفظ والصيانة
والطهارة من كل رجس فقال - تعالى - ((وحفظناها من كل شيطان رجيم »
والمراد بالشيطان هنا : المتمرد من الجن، مشتق من شطن بمعنى بعد ،
إذ الشيطان بعيد بطبعه عن كل خير
والرجيم ، أى المرجوم المحقر، مأخوذ من الرجم، لأن العرب كانوا
إذا إحتقروا أحداً رجموه بالقطع من الحجارة، وقد كان العرب يرجمون قبر
أبى رغال الثقفى ، الذى أرشد جيش الحبشة إلى مكة هدم الكعبة. قال
جرير :
5) ترمون قبر أبي حقات
إذا مات الفرزدق فار جموه
(١) سورة يونس الآيه و

- ٣٣ -
والمعنى: ولقد جعلنا فى السماء منازل وطرقا للكواكب، وزيناها -
أى السماء - للناظرين اليها ، وحفظناها من كل شيطان محقر مطرود من رحمتنا
بأن منعناه من الإستقرار فيها، ومن أن ينفث فيها شروره ومفاسده، لأنها
موطن الأخيار الأطهار .
قال - تعالى -: (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظها من كل
شيطان مارد ،(١)
وقال - تعالى -: (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رحوما
للشياطن ..... (٢)
وقوله - سبحانه -: (( إلا من إسترق السمع فأتبعه شهاب مبين ، فى محل
نصب على الإستثناء وإستراق السمع: إختلاسه وسرقته، والمراد به :
الاستماع إلى المتحدث خفية ، حتى لمكان المستمع يسرق من المتكلم كلامه
الذى يخفية عنه، فالسمعة هنا بمعنى المسموع من الكلام والشهاب: هو
الشعلة الساطعة من النار، المنفصلة من الكواكب التى ترى فى السماء ليلا ،
كأنها كوكب ينقض بأقصى سرعة. وجمعه شهب .. أصله من الشهبة،
وهى بياض مختلط بسواد .
: ((مبين)) أى ظاهر واضح للمبصرى.
والإستثناء منقطع، فيكون المعنى: وحفظنا السماء من كل شيطان رجيم
لكن من إختلس السمع من الشياطين، بأن حاول الإقتراب منها، فإنه يتبعه
شهاب واضح للناظرين فيحرقه، أو يحول بينه وبين إستراق السمع .
قال القرطى: قوله - تعالى -: إلا من إسترق السمع فأتبعه شهاب مبين
أى. لكن من أسرق السمع، أى الخطفة اليسيرة، فهو إستثناء منقطع.
(١) سورة الصافات الآيتان ٧٠،٦
(٢) سورة الملك الآية .
(٣ - سورة الحجر)

- ٤° : -
وقيل: هو متصل ، أى: إلا من إسترق السمع. أى: حفظنا السما.
من الشياطين أن تسمع شيئا من الوحى وغيره، إلا من استرق السمع فإنا لم
نحفظها منه أن تسمع الخبر من أخبار السماء سوى الوحى، فأما الوحى فلا
سمع منه شيئًا لقوله - تعالى - ((إنهم عن السمع لمعزولين))
واذا استمر الشياطين الى شىء ليس بوحى ، فإنهم يقذوهونه الى
الكهنة فى أسرع من طرفة عين ، ثم تتبعهم الشهب فتقتلهم أو تخبلهم ... (١)
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - انا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب.
وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون الى الملأ الأعلى ويقذفون من كل
جانب دحورا ولهم عذاب واصب الامن خطف الخطفه فأتبعه شهاب ثاقب)،(٢.
قال بعض العلماء ما ملخصه: والمقصود منع الشياطين من الاطلاع على
ما أراد أله عدم اطلاعهم عليه .. وربما استدرج الله - تعالى - الشياطين
وأوايا هم ، فلم يمنع الشياطين من استراق شىء قليل يلقونه الى الكهان، فلما
أراد - سبحانه - عصمة الوحى منعهم من ذلك بتاتا ...
وفى سورة الجن دلالة على أن المنع الشديد من استراق السمع كان بعد
البعثة النبوية ، وبعد نزول القرآن، إحكاما لحفظ الوحى من أن يلتبس على
النامر بالكهانة ...
قال - تعالى -: «وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهباً.
وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع، فمن يستمع الآن يجد له شها بار صدا، (٣).
وعلى ذلك يكون ماجاء فى بعض الأحاديث من استراق الجن السمع وصفا
الكهانة السابقة، ويكون قوله .. صلى الله عليه وسلم - «ليسوا بشىء ... ،
وصفا لآخر أمرهم ..
(١) تفسير القرطبى - ١٠ ٥ ١١
((٣) سورة الصافات الآيات ٠:٦:
(٣) سورة الجن الآيتان ٩،٨

ففى صحيح البخارى عن عائشة: أن ناسا سألوا رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - عن الكهانة، فقال: (( ليوا بشىء)).
- أى لاوجود لما يزعمون - . فقيل: يارسول الله، فإنهم يحدثون
* حيانا بالشىء فيكون حقا.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تلك الكلمة من الحق يخطفها
الجنى فيقرها فى أذن وليه قر الدجاجة - أى فيلقيها بصوت خافت كالدجاج،
عندما تخفى صوتها - فيخلطون فيها أكثر من مائة كدبة؛ (١).
وبعد ان بين - سبحانه - بعض الدلائل السماوية الدالة على قدرته
ووحدا فيته، أتبع ذلك ببيان بعض الدلائل الأرضية فقال - تعالى - :
والأرض مددناها وألقينا فيها رواسى، وأنبتنا فيها من كل شىء موزون)).
وقوله, رواسى، من الرسو وهو ثبات الأجسام الثقيلة. يقال رسا الشىء
يرسو أى ثبت .
أى: ومن الأدلة - أيضا - على وحدانيتنا وقدرتنا، أننا مددنا الأرض
وفرشناها ويسطناها، لتتيسر لكم الحياة عليها قال - تعالى - ((والأرض
فرشناها فنعم الماهدون ، (٢).
وأننا - أيضا - وضعنا فيها جبالا ثوابت راسخات تمسكها عن الاضطراب
وعن أن تميد بكم. قال - تعالى -: ((خلق "سموات بغير عمد ترونها، وألقى.
فى الأرض رواسى أن تميد بكم))(٣).
وأننا - أيضا - أنبتنا فى الأرض من كل شىء ((موزون)، أى: مقدر بمقدار
معين وموزون بميزان الحكمة ، بحيث تتوفر فيه كل معانى الجمال والتناسق.
قال - تعالى -: ((إن كل شيء خلقناه بقدر»(٤).
(١) راجع تفسير التحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر بن عاشور ج ١٤ ص٢٤
(٢) سورة الذاريات الآية ٤٨
(٤) سورة لقمان الآية ١٠
(٤) سورة القمر الآية ٤٩

- ٣٦ ~
وأننا - كذلك - «جعلنا لكم فيها معايش ... )) والمعايش. جمع معيشة،
وهى فى الأصل مصدر عاش يعيش عيها وعيشة ومعاشاً، ومعيشة ، إذا صار
ذا حياة . ثم أستعمل هذا اللفظ فيما يعاش به ، أو فيما يتوصل به إلى العيش.
أى: وحعلنا لكم فى الأرض ما تعيشون به من المطاعم والمشارب والملابس
وغيرها ، مما تقتضيه ضرورات الحياة التى تحيونها .
وجملة (( ومن استم له برازقين)) معطوفة على ((معايش)).
والمراد بمن لستم له رازفين : ما يشمل الأطفال والعجزة والأنعام وغير
ذلك من مخلوقات الله التى تحتاج إلى العون والمساعدة .
أى: وجعلنا لكم فى الأرض ماتعيشون به أو ما تتوصلون به إلى ذلكمن
المكاسب والتجارات، وجعلنا لكم فيها - أيضا - من لستم له بر أزقين من العيال
والخدم والدواب ... ، وإنما الرازق لهم هو الله - تعالى - رب العالمين، إذ
ما من دابة فى الأرض إلا على الله وحده رزقها . ومايزعمه الجاهلون من أنهم
هم الرازقون لغيرهم ، هو لون من الغرور والافتراء، لأن الرازق للجميع
هو الله رب العالمين .
وعبر بمن فى قوله (( ومن لستم)) تغليبا للعقلاء على غيرهم.
قال الإمام ابن كثير: والمقصود - من هذه الجمله - أنه - تعالى - يمتن
عليهم بما يسر لهم من أسباب المكاسب ووجوه الأسباب، وصنوف المعاشات
وبما سخر لهم من الدواب التى يركبونها، والأنعام التى يأكلونها، والعبيد
والإماء التى يستخدمونها، ورزقهم على خالقهم لا عليهم، فلهم هم المنفعة،
وال زق على الله - تمالی ۔ ،(١) .
ثم بين - سبحانه .. بعد ذلك أن كل شىء فى هذا الكون، خاضع لإرادة
(١) تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٤٤٧

- ٣٧ ٠٠
وقدرته، وتصرف .. فقال - تعالى- ((وإن من شيء إلا عندنا خزائنه،
وماتزله إلا بقدر معلوم».
و(((إن)) نافية بمعنى ما، و((من)) مزيدة للتأكيد, و((خزائنه) جمع
خزانة ، وهى فى الأصل تطلق على المكان الذى توضع فيه نفائس الأموال
للمحافظة عليها .
والمعنى: وما من شىء من الأشياء الموجودة فى هذا الكون، والتى يتطلع
الناس إلى الانتفاع بها. إلا ونحن قادرون على إيجادها وإيجاد أضعافها بلا
تكلف أو إبطاء، كما قال - تعالى -: ((إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له
كن فيكون ))(١) .
فقد شبه - سبحانه - اقتداره على إيجاد كل شىء، بالخزائن المودعة فيها
الأشياء ، والمعدة لإخراج ما يشاء إخراجه منها بدون كلفة أو إبطاء.
والمراد بالإنزال فى قوله (وما نزله إلا بقدر معلوم»: الإيجاد والإخراج
إلى هذه الدنيا ، مع تمكين الناس من الحصول عليه .
أى: وما نخرج هذا الشىء إلى حيز الوجود بحيث يتمكن الناس من
الانتفاع به إلا ملتبسا بمقدار معين، وفى وقت محدد. تقتضيه حكمتنا،
وتستدعيه مشيئتنا، ويتناسب مع سناجات العباد وأحو الهم، كما قال - تعالى -
((ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الأرض، ولكن ينزل بقدر مايشاء،
إنه بعباده خبير بصير)،(٢).
ثم أنتقل - سبحانه - من الاستدلال على وحدانيته وقدرته بظواهر السماء
وبظواهر الأرض، إلى الاستدلال على ذلك بظواهر الرياح والأمطار فقال
- تعالى -: ((وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقينا كموه وما أنتم
له بخازنين، والآية الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك: "وجعلنا
(١) سورة يس الآية ٨٣
(٢) سورة الشورى الآية ٢٠

- ٢٨ -
لكم فيها معايش، وما بينهما أعتراض لتحقيق ماسبق ذكره ..- نعم
والمراد بإرسال أبرياح هنا: نقلها من مكان إلى آخر بقدرة الله - تعالى-
وحكته .
وقوله ((لواقع)) يصح أن يكون جمع لاقح ، وأصل اللاقح: الناقة التى
قبلت اللقاح فحملت الجنين فى بطنها ..
ووصف - سبحانه - الرياح يكونها الواقع، لأنها حوامل تحمل ما تكون
سببا فى نزول الأمطار كما تحمل الفوق الأجنة فى بطيتها.
أى: وأرسلنا بقدرتنا ورحمتنا الرياح حاملة للسحاج، وللأمطار ولغيرهما،
مما يعود على الناس بالنفع والخير والبركة .
ويصح أن يكون لفظ ((لواقح) جمع ملقح - اسم فاعل - وهو الذى يلقح
غيره، فتكون الرياح ملقحة لغيرها كما يلقح الذكر الأفى .
قال الإمام ابن كثير: قوله ((وأرسلنا الرياح لواقح) أى: تلقح السحب
فتدر ماء، وتلقح الأشجار فتتفتح عن أوراقها وأكامها،(!).
وقال بعض العلماء : ومعنى الإلقاح أن الرياح تلقح السحاب بالماء توجيه
عمل الحرارة والبرودة متعاقبين، فينشأ عن ذلك البخار الذى يصير ماء فى الجو،
ثم ينزل مطرا على الأرض ، وأنها تلقح الشجر ذى الثمرة، بأن تنقل إلى نوره
غيرة دقيقة من فور الشجر الذكر ، فتصلح ثمرته أو تثبت ...
د
وهذا هو الإبار . وبعضه لا يحصل إلا بتعليق المع الذكر على الشجرة
المثمرة . وبعضه يكتفى منه بغرس شجرة ذكر فى خلال شجر الثمر.
ومن بلاغة الآية الكريمة، إيراد هذا الوصف - لواقح ـ لإفادة كلا
١٠) تفسير ابن كثير ج ٫٥٤ ٤٤٨

٣٩٠ ٠
العملين اللذين تعملهما الرياح - وهما الحمل السحاب ونصدر وغيرهما، أو
التلقيح لغيرها - .. (٢).
وقوله, فأنزلنا من السماء ماء فأسقينا كموه .... تفريع على ما تقدم.
أى: وأرسلنا الرياح بقدرتنا من مكان إلى آخر ، حالة كونها حاملة
للمسحاب وغيره، فأنزلنا - بسبب هذا الحمل - من جهة السماء، ماء كثيراً هو
المطر، لتنتفعوا به فى شرابكم، وفى معاشكم، وفى غير ذلك من ضرورات
حبانكم .
قال - تعالى -: هو الذى أنزل من السماء ما. لكم منه شراب، ومنه شجر
فيه تسيمون . ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل
الثمرات ... ، (١).
وقوله ((وما أنتم له بخازنين، تتميم لنعمة إزال الماء.
أى: أنزلنا المطر من السماء، وليست خزائنه عندكم، وإنما نحن الخازؤون
له ، ونحن الذين تنزله متى شئنا، ونحن الذين فمنعه حتى شئنا، كما قال - تعالى.
قبل ذلك: ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وماننزله إلا بقدر معلوم)).
ويصح أن يكون المعنى: أنزلنا المطر من السماء جعلناه لسقياكم، وأنتم
لستم بقادرين على خزنه وحفظه فى الآبار والعيون وغيرها، وإنما نحن
القادرون على ذلك قال - تعالى - ((وأنزلنا من السماء ماء بقدر فاسكناه فى
الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون ،(٢).
(١) تفسير التحرير والتنوير ج ١٤ ص ٣٨ لسماحة الشيخ الإمام محمد
الطاهر بن عاشور .
(٢) سورة النحل الآيتان ١١،١٠
(٣) سورة المؤمنون الآية ١٨

٤٠٠٠ ــ
م بين . صبحاء - أن الإحياء والإماتة بيده وحده، فقال - تعالى -:
((وإنا لنحن نحى ونميت ونحن الوارثون)).
أى: وإنا وحدنا القادرون على إيجاد الحياة فى المخلوقات، والقادرون على
سلبها عنها ، ونحن الوارثون لهذا الكون بعد فنائه ، الباقون بعد زواله .
قال - تعالى - ((إنا نحن نحي ونميت وإلينا المصير، (١).
وقال - تعالى. ((إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون))(٢).
وشبه - سبحانه - بقاءه بعد زوال كل شىء سواه بالوارث، لأن الوارث
هو الذى يرث غيره بعد موته .
وأكد - سبحانه - الآية الكريمة بإن واللام وضمير الفصل (( نحن)) تحقيقا
للخبر الذى اشتملت عليه، وردا على المشركين الذين زعموا أنه لا حياة ولا
ثواب ولا عقاب بعد الموت :
ثم أكد - سبحانه - شمول علمه لكل شىء بعد أن أكد شمول قدرته فقال
- تعالى -: ((ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين».
والمراد بالمستقدمين من تقدم على غيره ولادة وموتا ، كما أن المراد
بالمستأخرين من تأخر عن غيره فى ذلك ، ولم يمت بعد، أو لم يوجد بعد فى
عالم الأحياء.
والسين والتاء فى اللفظين للتأكيد .
وقيل: المراد بهما الأحياء والأموات ، وقيل المراد بالمستقدمين : من
تقدم فى الوجود على الأمة الإسلامية، والمستأخرين : الأمة الاسلامية.
(١) سورة ق الآية ٤٣.
(٢) سورة مريم الآية ٤٠