Indexed OCR Text

Pages 1-20

التفسير الوسيط
للقرآن الكريم
تَفَشْيُ سُورَة الشَّجْر
لفصيلة
الدكتور محمد السيد طنطاوى
الأستاذ بكلية أصول الدين
جامعة الأزهر
( الجزء الرابع عشر )
حقوق الطبع محفوظة المؤفـ
١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م

( ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم )

بسم الله الرحمن الـ
تعريف بسورة الحجر
١ - سورة الحجر، هى السورة الرابعة عشرة فى ترتيب المصحف،
.أما ترتيبها فى النزول فقد ذكر الزركشى والسموطى أنها نزلت بعد سورة
يوسف(١) ..
و عدد آياتها تسع وتسعون آية .
٢ - وسميت بسورة الحجر، لورود هذا اللفظ فيها دون أن يرد فى غيرها
وأصحاب الحجر هم قوم صالح - عليه السلام -، إذ كانوا ينزلون الحجر"
- بكسر الحاء وسكون الجيم - وهو المكان المحجور، أى الممنوع أن يسكنه
أُحد غیرم لاختصاصهم به .
ويجوز أن يكون لفظ الحجر ، مأخوذ من الحجارة ، لأن قوم صالح -
عليه السلام - كانوا ينحتون بيوتهم من أحجار الجبال وصخورها ، ويبنون
بقاء محكماً جميلا .
قال - تعالى - حكاية عما قاله نبيهم صالح لهم ـ ((وتنحتون من الجبال بيوتا
فارهين)، (٢) ومساكنهم مازالت آثارها باقية، وتعرف الآن بمدائن صالح،
وهى فى طريق القادم من المدينة المنورة إلى بلاد الشام أو العكس، وتقع ما بين
خيبر وقبوك ...
(١) راجع البرهان: للإمام الزركشي جـ ١ ص ١٩٣ والإتقان للإمام
السيوطى ج١ ص ٢٧.
(٢) سورة الشعراء الآية ١٤٩

- ٤ ٠-
وقد مر النبي - صلى الله عليه وسلم - على ديارهم وهو ذاهب إلى غزوة تبوك
فى السنة التاسعة من الهجرة ....
٣ - وسورة الحجر كلها مكية .
قال الشوكانى: وهى مكية بالاتفاق . وأخرج النحاس فى ناسحه ،
وابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت سورة الحجر بمكة. وأخرج
ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.(١) .
وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه السورة أنها مكية ، دون
أن يذكر فى ذلك خلافا .
وقال الآلوسى : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير - رضى
ألقه عنهم - أنها نزلت بمكة . وروى ذلك عن قتادة ومجاهد.
وفى مجمع البيان عن الحسن أنها مكية إلا قوله - تعالى - ((ولقد آتيناك سم
سبعا من المثانى والقرآن العظيم، وقوله - تعالى - ((كما أنزلنا على المقتسمين.
الذين جعلوا القرآن عضين ، (٢) ...
والحق أن السورة كلها مكية ، وسنبين عند تفسيرنا للآيات التى قيل بأنها
مدنية ، أن هذا القول ليس له دليل يعتمد عليه.
٤ - (١) وعندما نقرأ هذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل، نراها فى مطلعها
تشير إلى سمو مكانة القرآن الكريم، وإلى سوء عاقبة الكافرين الذين عموا
وصموا عن دعوة الحق ...
قال - تعالى -: ( ألر، تلك آيات الكتاب وقرآن مبين . ربما يود الذين
(١) تفسير فتح القدير للشوكانى ج ٣ ص ١٢٠
(٢) تفير الألوسى جـ ١٤ ص ٢.

- ٢
كفروا لو كانوا مسلمين. ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلهم الأمل فسوف يعلمون
وما أهلكنا من قرية إلا ولهما كتاب معلوم. ما تسبق من أمة أجلها
وما يستأخرون ...
(ب) ثم تخبرنا بعد ذلك بأن الله - تعالى - قد تكفل بحفظ كتابه.
وصيانته من أى تحريف أو تبديل ، وبأن المكذبين للرسول - صلى الله عليه
وسلم - إنما يكذبونه عن عناد وجحود، لاعن نقص فى الأدلة الدالة على
صدقه - صلى الله عليه وسلم -.
قال - تعالى -: ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون. ولقد أرسلنا من
قبلك فى شيع الأولين . وما يأتيهم من رسول إلا كافوا به يستهزئون .
كذلك نسلكه فى قلوب المجرمين . لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين .
ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون. لقالوا إنما سكرت أبصارنا.
بل نحن قوم مسحورون ...
(جـ) ثم تسوق السورة الكريمة بعد ذلك ألوانا من الأدلة على وحدانية
الله وقدرته، وعلى سابغ نعمه على عباده ...
قال - تعالى -: ولقد جعلنا فى السماء بروجا وزيناها للناظرين. وحفظناها.
من كل شيطان رجيم. إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين. والأرض
عددفاها وألقينا فيها رواسى وأنبتنا فيها من كل شىء موزون ..
(د) ثم حكت السورة قصة خلق آدم - عليه السلام -، وتكليف الملائكة
بالسجود له ((وأمتثالهم جميعًا لأمر الله - سبحانه-، وأمتناع إبليس وحده
i
عن الطاعة ، وصدور حكمه - سبحانه - بطرده من الجنة ...
... قال - تعالى -: ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حماً مستون.
والجان خلقناه من قبل من فار السموم. وإذقال ربك للملائكة إني خالق
بشرا من صلصال من حما مسنون ، فإذا سويته ب ففخت فيه من روحي فقعوا

- ٦ -
له ساجدين، فجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس أبى أن يكون من
الساجدين ٠٠٠
(هـ) ثم قصت علينا السورة الكريمة بأسلوب فيه الترغيب والترهيب،
وفيه العطة والعبرة ، جانبا من قصة إبراهيم، ثم من قصة لوط ، ثم من قصة
شعيب ، ثم من قصة صالح - عليهم الصلاة والسلام - ٠٠٠
قال - تعالى -: ونبهم عن ضيف إبراهيم. إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما
قال إذا منكم وجلون. قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم. قال أبشر تمونى
على أن مسنى الكبر فيم تبشرون . قالوا بشرفاك بالحق ولا تكن من القانطين.
قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون . قال فما خطبكم أيها المرساون .
قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين . إلا آل لوط إإنا لمنجوهم أجمعين. إلا
امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين ...
(و) ثم ختمت سورة الحجر بتسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم -
عما أصابه من قومه، وأمرته بالصفح والعفر حتى يأتي الله بأمره، وبشرته
بأنه - سبحانه - سيكفيه شر أعدائه، وبأنه سينصره عليهم ...
قال - تعالى -: وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ،
وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل. إن ربك هو الخلاق العليم . ولقد
آ قيناك سبعا من المثافى والقرآن العظيم. لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به
أزواجا منهم ولا تحزن عليهم، واخفض جناحك للمؤمنين ....
ومن هذا العرض الإجمالى السورة الكريمة، فراها قد اهتمت اهتماما
واضحا بتثبيت المؤمنين دتهديد الكافرين ، قارة عن طريق الترغيب
والترهيب، وقارة عن طريق قصص السابقين، وقارة عن طريق التأمل فى

- ٧ -
هذا الكون وما أشتمل عليه من مخلوقات تدل على وحدانية الله وعظيم قدرته
وسابغ رحمته ....
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟
المدينة المنورة - صباح الأربعاء
٩ من ربيع الثانى سنة ١٤٠٢هـ - ٣ من فبراير سنة ١٩٨٢ م
المؤلف
حمد سيد طنطاوى
رئيس قسم التفسير بالدراسات العليا - الجامعة الإسلامية

,
التفسير
قال الله تعالى: ((الر، تِلكَ آياتُ الكتابِ وقرآنٍ مبينٍ (١) رُبَّاً
بِوَدُّ الذينَ كفرُوا لو كانُوا .لمينَ (٣) ذَرْهُمْ يَأْ كُلُوا ويتمتّعُوا
ويُلهِيم الأملُ فسوفَ يعلمونَ (٣) وما أهْلَكْنَا من قريةٍ إلاَّ ولها
كِتَابٌ معلومٌ (٤) ما تَسِقُ من أُمةٍ أجلَها وَمَا يستأخِرُون (٥) وقالُوا
بَأيُّها الذى نُزُلَ عليهِ الذِّكْر إنكَ لمجنونٌ (٦) لَوْمَا تأتيناَ بالملائكةِ
إنْ كنتَ من الصَّادِقِينَ (٧) ما نُزِّلُ الملائكة إلا بالحقُّ وما كانُوا إذًا
مُنظَرِينَ (٨) إِنَّ نحنُ نْزَّلَنَا الذّكرَ وإنّا له لحافظونَ (٩) واقَد أرْسَلْنَاَ من
قبلِكَ فى شِيَعِ الأولينَ (١٠) ومَا يَأْتِيهِمْ من رسُولٍ إلا كانُوا به
يستَهْزِئُونَ (١١) كَذلِكَ نسلكُهُ فى قلوبِ المجرمينَ (١٢) لا يُؤْمِنُونَ به
وقد خلتْ سُنَّةُ الأوّلِينَ (١٣) ولو فَتَحْنَا عليهِمْ باباً من السماء فَظَلُّوا فيه
بِرُجونَ (١٤) لقالُوا إِنما سُكرتْ أبصارُنا بل نحنُ قومٌ
مسحورُونَ (١٥))».
سورة الحجر من السور التى افتتحت ببعض حروف التهجى (( الر،.
وقد بينا - بشىء من التفصيل - عند تفسيرنا لسور: البقرة، وآل عمران،
والأعراف . ..
آراء العلماء فى هذه الحروف التى افتتحت بها بعض سور القرآن الكريم.

-٩ -
وقلنا ماخلاصته : من العلماء من يرى أن المعنى المقصود منها غير معروف
لأنها من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه ..
ومنهم من يرى أن المعنى المقصود منها معلوم، وأنها ليست من المتشابه،
بل هى أسماء السور التى أفتتحت بها ... أو هى حروف مقطعة بعضها من أسماء
الله ، وبعضها من صفاته ...
ثم قلنا: ولعل أقرب الآراء إلى الصواب أن يقال: إن هذه الحروف
المقطعة، قد وردت فى أفتتاح بعض السور ؛ الإشعار بأن هذا القرآن الذى
تحدى الله به المشركين، هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التى
يعرفونها، ويقدرون على تأليف الكلام منها، فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة
من مثله ، فذلك لبلوغه فى الفصاحة والحكمة مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم
دونها بمراحل .
وفضلا عن ذلك فإن تصدير بعض السور بمثل هذه الحروف المقطعة، بجذب
أفظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم إلى الانصات والتدبر،
لأنه يطرق أسماعهم فى أول التلاوة ألفاظ غير مألوفه فى مجارى كلامهم وذلك
مما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها ، فيسمعوا حكما وهدايات قد تكون
سبيا فى استجابتهم للحق، كما استجاب صالحو الجن الذين حكى الله - تعالى -
عنهم أنهم عندما استمعوا إلى القرآن قالوا: ((إنا سمعنا قرآنا عجبا. يهدى إلى
الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ... ).
واسم الإشارة ((تلك)) يعود إلى الآيات التى تضمنتها هذه السورة ، أو
إلى جميع الآيات القرآنية التى نزلت قبل ذلك .
والمراد بالكتاب : القرآن الكريم، ولا يقدح فى هذا، ذكر لفظ القرآن
بعده، لأنه - سبحانه - جمع له بين الأسمين تفخيما لشأنه، وتعظيما لقدره .
و((مبين، اسم فاعل من أبان الذى هو بمعنى بان، مبالغة فى الوضوح والظهور

- ١٠ -
قال صاحب الصحاح : يقال : بان الشىء يبين بيانا، أى أ ضح ، فهر بين
وكذا أبان الشىء فهو مبين ... ))(١).
والمعنى: تلك - أيها الناس - آيات بينات من الكتاب الكامل فى جنه،
ومن القرآن العظيم الشأن، الواضح فى حكمه وأحكامه، المبين فى هدايته وإعجازه
فأقبلوا عليها بالحفظ لها، وبالعمل بتوجيهاتها، لتنالوا السعادة فى دنيا كم
وآخر تكم .
قال الآلوسي: وفى جمع وصفى الكتابية والقرآنية من تفخيم شأن القرآن
ما فيه، حيث أُشير بالأول إلى اشتماله على صفات كمال جفس الكتب الإلهية
فكانه كلها ، وبالثانى إلى كونه متازا عن غيره، نسيج وحده ، بديعا فى بابه،
خارجا عن دائرة البيان، قرآنا غير ذى عوج .. )) (١)
ثم بين - سبحانه - أن الكافرين سيندمون بسبب كفرهم فى وقت
لا ينفع فيه الندم، فقال - تعالى -: ((ربما يود الذين كفروا لو كانوا
مسلمين،، .
قال الشوكانى ما ملخصه: قرأ نافع وعاصم بتخفيف الباء من)، ربما)، وقرأ
الباقون بتشديدها ... وأصلها أن تستعمل فى القليل وقد تستعمل فى الكثير.
قال الكوفيون: أى يود الكفار فى أوقات كثيرة لو كانوا مسلمين.
وقيل : هى هذا للتقليل، لأنهم ودوا ذلك فى بعض المواضع لا فى كلها لشغلهم
بالعذاب .... (٢)
وقد حاول بعض المفسرين الجمع بين القولين فقال: من قال بأن (( ربما)»
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٤ م ٠٢
(٢) تفسير فتح القدير جـ٥٣ ٠١٢١

- ١١ -
هنا للتكثير نظر إلى كثرة تمنيهم أن لو كانوا مؤمنين ، ومن قال بأنها للتقليل
نظر إلى قلة زمان إفاقتهم من العذاب بالنسبة إلى زمان دهشتهم منه ، وهذا
لا ينافى أن التمنى يقع كثيرا منهم فى زمن إفاقتهم القليل ، فلا تخالف بين
القولين(١)
والمعنى: ود الذين كفروا عندما تنكشف لهم الحقائق . فيعرفون أنهم على
الباطل، وأن المؤمنين على الحق، أن لو كانوا مسلمين، حتى ينجومن
الخزى والعقاب .
ودخلت «رب)) هنا على الفعل المضارع ((بود)) مع اختصاصها بالدخول
على الفعل الماضى، للإشارة إلى أن أخبار الله - تعالى- بمنزلة الواقع المحقق
سواء أكانت للمستقبل أم لغيره .
قال صاحب الكشاف : فان قلت: لم دخلت على المضارع ,وقد أبوا
دخولها إلا على الماضى ؟ قلت: لأن المترقب فى أخبار الله - تعالى - بمنزلة
الماضى المقطوع به فى تحققه، فكأنه قيل: ربما ود الذين كفروا .... (٢)
و (لو) فى قوله ( لو كانوا مسلمين) يصح أن تكون امتناعية، وجوابها
محذوف ، والتقدير : لو كانوا مسلمين لسروا بذلك.
ويصح أن تكون مصدرية ، والتقدير : ود الذين كفروالو كانوا
مسلمين .
وعلى كلا المعنيين فهى مستعملة فى التمنى الذى هو طلب حصول الأمر
الممتنع الحصول .
وقال - سبحانه - ( لو كانو ٠٠٠) بفعل السكون الماضى ، للإشعاو
بأنهم يودون الدخول فى الإسلام، بعد مضى وقت التمكن من الدخول فيه.
(١) حاشية الجمل على الجلالين بتصرف قليل جـ ٢ صـ ٠٥٣٧
(٢) تفسير الكشاف جـ ٣ صـ ٠٣٨٦

- ١٢ -
وعبر - سبحانه - عن متمناهم بالغيبة (كانوا)، نظرا لأن الكلام
سسوق بصدد الإخبار عنهم، وليس بصدد الصدور منهم ، ولو كان كذلك.
لقيل : لو كنا مسلمين .
هذا، والمفسرين أقوال فى الوقت الذى ود فيه الكافرون أن لو كانوا
مسلمین ، فمنهم من یری أن ودادتهم هذه تكون فى الدنيا ، ومنهم من يرى أنها
تكون عند الموت ، ومنهم من يرى أنها تكون عند الحساب، وعند عفو الله
عن عصاة المؤمنين .
والحق أن هذه الودادة تكون فى كل موطن يعرف فيه الكافرون بطلان
كفرهم ، وفى كل وقت ينكشف لهم فيه أن الإسلام هو الدين الحق .
. فهم تمنوا أن لو كانوا مسلمين فى الدنيا، عندما رأوا نصر الله لعباده
المؤمنين ، فى غزوة بدر وفى غزوة الفتح وفى غيرهما ، فعن ابن مسعود -
رضى الله عنه -: ود كفار قريش ذلك يوم بدر حين رأوا نصر الله
للمسلمين ،(١)
وهم تمنوا ذلك عند الموت كما حكى عنهم - سبحانه - ذلك فى آيات
كثيرة منها قوله - تعالى -: «حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون.
لعلى أعمل صالحا فيما تركت ... )،(٢)
وهم يتمنون ذلك عندما يعرضون على النار يوم القيامة. قال - تعالى-
( ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا ترد ولا نكذب بآيات ربنا
ونكون من المؤمنين .... (٢)
(١) تفسير الآلوسي جـ ١٤ = ٠٥
(٢) سورة المؤمنون الآية ٩ ..
(٣) سورة الأنعام الآية ٢٧.

٠- ١٣ -
وهم يتمنون ذلك عندما يرون عصاة المؤمنين، وقد أخرجهم الله - تعالى.
.. حمته من النار، وقد ذكر الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث الدالة على
ذلك منها :
ما أخرجه الطبرانى عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صل الله
عليه وسلم - إن قاسا من أهل ((لا إله إلا الله)) يدخلون النار بذنوبهم ،
فيقول لهم أهل اللات والعزى: ما أغنى عنكم قولكم (لا إله إلا الله) وأنتم.
معنا فى النار ؟
قل فيغضب الله لهم، فيخرجهم ، فيلفيهم فى نهر الحياة، فينرأون من
حرقهم كما بيرأ القمر من خسوفه، فيدخلون الجنة. ويسمون فيها الجهنميين.
فقال رجل: يا أنس ، أفت سمعت هذا من رسول الله -صلى الله عليه
وسلم - ؟ فقال أنى: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
(من كذب على متعمدا فليقبوأ مقعده من النار ) نعم ، أنا سمعت النبى - صلى
الله وسلم يقول هذا)(١)
قال بعض العلماء: وأقوال العلماء فى هذه الآية راجعة إلى شىء واحد ،
لأن من يقول: إن الكافر لما احتضر تعنى أن لو كان مسلما ، ومن يقول أنه
إذا عاين النار تمنى أن لو كان مسلما ...
كل ذلك راجع إلى أن الكفار إذا عاينوا الحقيقة ندموا على الكفر
وتمنوا أنهم لو كانوا مسلمين)(٢)
وفى هذه الآية ما فيها من تثبيت للمؤمنين، ومن قبشيرهم بأنهم على الحق ،
(٢) راجع تفسير ابن كثير. المجلد الرابع مـ ٤٤٣ طبعة دار الشعب
(٢) تفسير أضواء البيان فى إيضاح القرآن بالقرآن) جـ ٣ ١١٧٥ للشيخ
محمد الأمين الشنقيطى .

- ١٤ -
ومن حض للكافرين على الدخول فى الإسلام قبل فوات الأوان، ومن
تحذير لهم من سوء عاقبة الكفر والطغيان .
ثم أمر - سبحانه - الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن يذرهم فى طغيانهم
يعمهون، بعد أن ثبت أنهم قوم لا ينفع فيهم إنذار فقال - تعالى - : ( ذرهم
يأكلوا ويتمتعوا ويلهم الأمل فسوف يعلمون).
و (ذو) فعل أمر بمعنى اترك، ومضارعه يذر، ولا يستعمل له ماض إلا
فى النادر، ومن هذا النادر ما جاء فى الحديث الشريف: ( ذروا الحبشة
ما وذرتكمأ.
و(يتمتعوا). ن المتاع بمعنى الانتفاع بالشىء بتلذة وعدم نظر إلى
العواقب .
ويلههم : من الانشغال عن الشىء ونسيانه، يقال : فلان ألهاه كذا عن
أداء واجبه. أى شغله .
والأمل : الرغبة فى الحصول على الشىء، وأكثر مايستعمل فيما يستبعد
حصوله .
والمعنى: اترك - أيها الرسول الكريم - هؤلاء الكافرين، وذرهم
وشأنهم ، ليأكلوا كما تأكل الأنعام، وليتمتعوا بدفياهم كما يشاءون، وليشغلهم
أملهم الكاذب عن أتباعك، فسوف يعلمون سوء عاقبة صنيعهم فى العاجل
أو الآجل .
قال صاحب الكشاف: وقوله (( ذرهم )) يعنى أقطع طمعك من رعواتهم،
ودعهم من النهى عماهم عليه والصد عنه بالتذكرة والنصيحة، واتركهم «يأكلوا
ويتمتعوا، بدفياهم ، وتنفيذ شهواتهم ((ويشغلهم أملهم وةوقعهم لطول الأعمار
واستقامة الأحوال. وألا يلقوا فى العاقبة إلا خيرا، فسوف يعدون سومصنيعهم(١)
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٣٨٧

- ١٥ -
وإنما أمره - سبحانه - يذلك، لعدم الرجاء فى صلاحهم، بعد أن مكث
فيهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - زمنا طويلا، يدعوهم إلى الحق،
بأساليب حكيمة .
وفى تقديم الأكل على غيره، إيذان بأن تمتعهم إنما هو من قبيل تمتع
البهائم بالممآ كل والمشارب. قال - تعالى -: ( والذين كفروا يتمتعون
ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مشوى لهم)(١) كما أن فيه تعبيرا لهم بما تعارفوا
عليه من أن الاقتصار فى الحياة على إشباع اللذات الجسدية ، دون التفات إلى
غيرها من مكارم الأخلاق ، بدل على سقوط الهمة ، وبلادة الطبع . قال
الخطيئة يهجو الزبرقان بن عمرو :
واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى
دع المكارم لا ترحل لبغيتها
أى: واقعد عن طلب المكارم والمعالى فإنك أنت المطعوم المكسو من
جهة غيرك .
والفعل ((يا كلوا، وما عطف عليه مجزوم فى جواب الأمر ((ذرهم»، وبعضهم
يجعله مجزوم بلام الأمر المحذوفة ، الدالة على التوعد والتهديد، ولا يستحسن
جعله مجزوما فى جواب الأمر، لأنهم يأكلون ويتمتعون سواء أترك الرسول
- صلى الله عليه وسلم - دعوتهم أم دعاهم.
والفاء فى قوله - سبحانه - (فسوف يعلمون) للتفريع الدال على الزجر
والإنذار . والاستجابة للحق قبل فوات الأوان .
أى: ذرهم فيما هم فيه من حياة حيوانية ، لا تفكر فيها ولا قدير، ومن
آمال خادعة براقة شغلتهم عن حقائق الأمور، فوف يعلمون سوء عاقبة ذلك
وسوف يرون ما يحزنهم ويشقيهم ويبكيهم طويلا بعد أن ضحكوا قليلا ...
وفى «لك إشارة إلى أن لإمهالهم أجلا معينا ينقضى عنده، ثم يأتيهم
العذاب الأليم .
(١) سورة محمد الآية ١٢

- ١٦ ٠٠
قال الآلوسى - رحمه الله -: وفى هذه الآية إشارة إلى أن التلذذ والتنهم،
وعدم الاستعداد للآخرة، والتأهب لها ، ليس من أخلاق من يطلب النجاة .
وجاء عن الحسن : ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل .
وأخرجه أحمد فى الزهد، والطبرانى فى الأوسط، والبيهقى فى شعب الإيمان
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - لا أعلمه إلا رفعه - قال: صلاح
أول هذه الأمة بالزهد واليقين ، ويهلك آخرها بالبخل وطول الأمل .
وفى بعض الآثار عن على، كرم الله وجهه -: إنما أخشى عليكم إثنين:
طول الأمل، وأتباع الهوى، فإن طول الأمل ينسى الآخرة، وأتباع الهوى
يصد عن الحق ))(١) .
هذا، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ((فذرهم يخوضوا ويلعبوا
حتى يلائوا يومهم الذى يوعدون ، (٢) .
وقوله - تعالى -: ((فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذى
فيه يصعقون ،(٣) .
وقوله - تعالى -: ((قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار، (٤).
ثم قرر - سبحانه - أن هلاك الأمم الظالمة، موقوت بوقت محدد فى
علمه، وأن سنته فى ذلك ماضية لا تتخلف، فقال - تعالى - ((وما أهلكنا من
قرية إلا ولها كتاب معلوم . ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون)).
و((من)، فى قوله « من قرية ومن أمة، للتأكيد. والمراد بالقرية أهلها.
والمراد بالكتاب المعلوم: الوقت المحدد فى علم الله - تعالى- هلاكها، شبه
بالكتاب لكونه لا يقبل الزيادة أو النقص . والأجل : مدة الشىء.
أى: وما أهلكنا من قرية من القرى الظالم أهلها، إلا ولهلا كها وقت محددفى
علمنا المحيط بكل شىء,ومحال أن تسبق أمة من الأمم أجلها المقدر لها أو تتأخر عنه.
(١) تفسير الآلوسي جـ ١٤ ص٩
(٣) سورة الطور الآية ٥.
(٢) سورة الزخرف الآية ٨٣
(٤) سورة إبراهيم الآية ٣٠

- ١٧ -
قال إبن جرير - رحمه الله - عند تفسيره هاتين الآيتين ما ملخصه:
يقول - تعالى - ذكره - ((وما أهلكنا، يا محمد ((من)) أهل ((قرية، من
القرى التى أهلكنا أهلها فيما مضى ، إلا ولها كتاب معلوم، أى: أجل مؤقت
ومدة معروفة ، لا نهلكهم حتى يبلغوها ، فإذا بلغوها أهلكناهم عند ذلك ...
دون أن يتقدم هلاكهم عن ذلك أو يتأخر)، (١)
وجملة ((إلا ولها كتاب معلوم)) فى محل نصب على الحال من قرية، وصح
ذلك لأن كله قرية وإن كانت فكرة، إلا أن وقوعها فى سياق الت فى سوغ
مجىء الحال منها .
أى: ما أملكناها فى حال من الأحوال ، إلا فى حال بلوغها نهاية المدة
المقدرة لبقائها دون تقديم أو تأخير .
قال - تعالى - ((ولكل أمة أجل، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة
ولا يستقدمون)) (٢) وجملة (( ما تسبق من أمة أجلها ... )) بيان لجملة، إلاولها
کتاب معلوم ، لمتأ کید التحديد ، فى بد ته وفى نهايته .
وحذف متعلق (( يستأخرون) للعلم به، أى: وما يستأخرون عنه.
والآيتان الكريمتان تدلان بوضوح، على أن إمهال الظالمين ليس معناه
ترك عقابهم ، وإنما هو رحمة من الله هم لعلهم أن يثوبوا إلى رشده،
ويسلكوا الطريق القويم ...
فإذا ما لجوا فى طغيانهم ، حل بهم عقاب الله - تعالى - فى الوقت المحدد
فى علمه - سبحانه -
قال صاحب الظلال: ولقد يقال: إن أما لا تؤمن ولا تحسن ولا تصلح
ولا تعدل . وهى مع ذلك قوية ثريه باقية وهذا وهم .
١٠) تفسیر إبن جریر ح ١٤ ص ٥
(٢) سورة الأعراف الآية ٢٤
٢٠ - سورة الحجر )

٠- ١٨ -
فلا بد من بقية من خير فى هذه الأمم، ولو كان هو خير العمارة للأرض
وخير العدل فى حدوده الضيقة بين أبنائها ، وخير الإصلاح الماذى والإحسان
المحدود بحدودها.
فعلى هذه البقيه من الخير تعيش حتى تستنفدها، فلا تبقى فيها من الخير بقيه
ثم تنتهى حتى إلى المصير المعلوم. إن لاسنة الله لا تتخلف. ولكل أمة أجل
معلوم ، ( !! ) .
ثم حكم - سبحانه - سوء أدب هؤلاء الكافرين مع رسولهم - ٥ لى الله
عليه وسلم - فقال .. تعالى ـ((وقالوا يأيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون.
لوما :أتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين.
والقائلون هم بعض مشركى قريش .
قال مقاتل: نزلت الآيبان فى عبد الله بن أمية، والنضر بن الحارث،
ونوفل بن خويلد , والوليد بن المغيرة .
والمراد بالذكر: القرآن الكريم. قال - تعالى - ((وهذا ذكر مبارك
أنزلناه آذانتم له منكرون، (٢).
ومجنون: اسم مفعول من الجنون ، وهو فساد المقل .
ولوما : حرف تحضيض مركب من لو المفيدة للتمنى ، ومن ما الزائدة
فأفاد المجموع الحث على الفعل.
والمعنى: وقال الكافرون لرسولهم ... صلى الله عليه وسلم - على سبيل
الاستهزاء والتهكم: (( يأيها، المدعى بان الوحى ينزل عليك بهذا القرآن الذى
(١) تفسير فى ظلال القرآن جـ ١٤ ص ٢١٦٦ للأساذ سيد قطب.
(٢) سورة الأنياء الآية ٥٠.

٠- ١٩ -
قتلوه علينا، « إنك مجنون، بسبب هذه الدعوى لاتدعيه. وبسبب طلبك
منا اتباعك وتركنا ما وجدنا عليه آباءنا ...
هلا إن كنت صادقا فى دعواك، أن تحضر معك الملائكة، ليخبرونا
بأنك على حق فيما تدعيه، وبأفك من الصادقين فى تبليغك عن الله - تعالى ...
ما أمرك بتبليغه ؟
وأكدوا الحكم على الجنون بإن واللام ، لقصدهم تحقيق ذلك فى نقوس
السامعين من هم على شاكلتهم فى الكفر والضلال، حتى ينصرفواعن الاستماع
إليه - صلى الله عليه وسلم - .
قال الآلوسي : يعنون يا من يدعى مثل هذا الأمر العظيم ، الخارق للعادة
إنك بسبب تلك الدعوى تحقق جنونك على أتم وجه. وهذا كما يقول الرجل
لمن يسمع منه كلا ،يستبعده. أنت مجنو؟)) (1) وأنت ترى أن الآيتين الكريمتين
قد حكتا ألوانا من سوء أدبهم منها :
مخاطبتهم له - صلى الله عليه وسلم - بهذا الأسلوب الذال على التهكم
والاستخفاف، حيث قالوا: ( يأيها الذى نزل عليه الذكر ، مع أنهم لا يقرون
بنزول شىء عليه:
ووصفهم له بالجنون، وهو - صلى الله عليه وسلم - أرجح الناس عقلا،
وتفضلهم فكرا ...
وشكهم فى صدقه وحيث طلبوا منه - على سبيل التعنت - أن يحضر معه
الملائكة ليعاضدوه فى دعواه كما قال تعالى فى آيات أخرى منها قوله - تعالى -
(« وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا .. )،(٢).
وقوله - تعالى -: ((لولا أنزل إليه ملك فيكون معه فذيرا،(٣)
(١) تفسير الآلومى جـ ١٤ ض ٠١١
٢١) -ورة الفرفان الآية ٢١.
(٣) سورة الفرقان الآ ية ٧.

٢٠٠٠ -
وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يمكبتهم ويخرس ألسنتهم فقال: «مانزل
الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذا منظرين)).
وقرأ الجمهور ((ماتنزل)) - بفتح التاء والزاى على أن أصله تتنزل - ورفع
الملائكة على الفاعلية .
وقرأ أبو بكر غن عاصم. ماننزل، - بضم التاء وفتح الزاى على البناء
للمجهول - ورفع الملائكة على أنه نائب فاعل
وقرأ الكسائى وحفص عن عاصم ,ماتنزل، - بنون فى أوله وكسر
الزاى - ونصب الملائكة على المفعولية والباء فى قوله ((إلا بالحق، للملابسة.
أى: ما تنزل الملائكة إلا تنزيلا ملمتبا بالحق، أى: بالوجه الذى تقتضيه
حكمتنا وجرت به سنتنا، كأن فنزلهم لإهلاك الظالمين، أو لتبليغ وحينا
إلى رسلتا ، أو لغير ذلك من التكاليف التى تزيدها ونقدرها، و التی ليس منها
ما اقترحه المشركون على رسولنا - صلى الله عليه وسلم - من قولهم ((لوما تأتينا
بالملائكة إن كنت من الصادقين،، ولذا اقتضت حكمتنا ورحمتنا عدم
إجابة مقترحاهم .
وقوله ((وما كانوا إذا منظرين)) بيان لما سيحل بهم فيما لو أجاب الله -تعالى -.
مقترحاتهم.
و((إذا، حرف جواب وجزاء.
و ((منظرين)) من الإنظار بمعنى التأخير والتأجيل.
وهذه الجملة جواب لجملة شرطية محذوف، تفهم من سياق الكلام والتقدير:
ولو أنزل - سبحانه - الملائكة مع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وبقى
هؤلاء المشركون على شركهم مع ذلك ، لهو جلوا بالعقوبة المدمرة لهم،
وما كانوا إذا مهلين أو مؤخرين ، بل يأخذه العذاب بفتة.
قال الإمام الشوكانى: قوله ((وما كانوا إذا منظرين» فى الـكلام حذف.