Indexed OCR Text
Pages 81-100
- ٨١ -
والمعنى : أسألك ياربى أن تجعل مكة بلدا آمنا، كما أسألك أن تعصمنى
وتعصم ذرينى من بعدى من عبادة الأصنام ، وأن تجعل عبادتنا خالصة لوجهك
الكريم.
وقد بین - سبحانه - فى آيات أخرى ، أنه قد أجابه فى بعض ذريتهدون
بعض ، .
ومن ذلك قوله - تعالى -((سلام على إبراهيم، كذلك نجزى المحسنين.
إنه من عيادنا المؤمنين . وبشرناه بإسحاق فبيا من الصالحين . وباركنا عليه
وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين،(١) .
وقوله: ((رب إنهن أضللن كثيرامن الناس ... )، تعليل لسؤال إبراهيم
ربه أن يجنبه وذريته عبادة الأصنام .
أى: يارب لقد تضرعت إليك بأن تعصمنى وبنى عن عبادة الأصنام،
لأنها كانت سببا فى إضلال كثير من الناس عن اتباع الحق ، وعن الهداية
إلى الصراط المستقيم .
وأسند الإضلال إليها مع أنها جمادات لا تعقل، لأنها كانت سببا فى إضلال
كثير من الناس، فكأنها أصلتها ، فنسبة الاضلال إليها جازيه من باب
نسبة الشىء إلى سببه، كما يقال: فلان فتنته الدنيا وأضلته، وهو إنمافتن
وضل بسببها .
وقوله - سبحانه - ((فمن قبعنى فإنه منى ومن عصاني فإنك غفور رحيم)»
بيان لموقفة - عليه السلام - من المهتدين والضالين.
أى: فمن تبعنى من الناس فى دينى وعقيدتى، فإنه يصير بهذا الإتباع من
أهل دينى وهو دين الإسلام، ومن عصانى ولم يقبل الدخول فى الدين الحق ،
فإنى أفوض أمره إليك، فأنت - سبحانك - لا تسأل عما تفعل وغيرك يسأل.
(١) سورة الصافات الآيات من ١٠٩ - ٠١١٣
٦ - سورة مراهم)
- ٨٢ ٠
فالجمله الكريمة تدل على الأدب السامى، والخلق العالى ، الذى كان يتحلى
به إبراهيم - عليه السلام - فى مخاطبته لربه - عز وجل - حيث فوض الأمور
إليه دون أن يقطع فيها برأى ، كما تدل على رقة قلبه وشفقته على العصاة من
الوقوع فى العذاب الأليم .
وشبيه بهذه الآية ما حكاه - سبحانه - عن عيسى - عليه السلام - فى قوله:
((إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم)) (١).
هذا، ولا نرى وجها لما ذهب إليه بعض المفسرين ، من أن قول إبراهيم
- عليه السلام - ,ومن عصاني فإنك غفور رحيم)) كان قبل أن يعلم بأن الله
لا يغفر الشرك أو أن المراد بالمعصية هنا مادون الشرك ، أو أن المغفرة
مقيدة بالتوبة من الشرك ... ))(٢) .
نقول: لا نرى وجها لمكل ذلك، لأن الجمله الكريمه ليس المقصود بها
الدعاء بالمغفرة لمن عصى، وإنما المقصود بها تفويض أمر العصاة إلى الله
- تعالى - إن شاء غفر لهم ورحمهم. وإن شاء عذبهم.
ثم حكى - سبحانه - دعاء آخر من تلك الأدعية التى تضرع بها إبراهيم إليه
- تعالى - فقال: «ربنا إنى أسكنت من ذریتی بواد غير ذى زرع عند بيتك
المحرم ، ربنا ليقيموا الصلاة ... )
و((من)، فى قوله (( من ذريتي)) للتبهيض.
والوادى : هو المكان المنخفض بين مرتفعات ، والمقصود به وادى
مكة المكرمة .
والمعنى: يا ربنا إنى أسكنت بعض ذربتى وهو ابنى إسماعيل ومن سيولد
له، بواد غير زرع قريبا من بيتك المحرم ، أى: الذى حرمت التعرض له
(١) سورة المائدة الآ يه ١١٨
(٢) راجع تفسير الألوسى جـ ١٣ ص ٢١١
- ٨٣ ٠
بسوء توقيرا ونعظيما، والذى جعلته مثابة للناس وأمنا، وفضيلته على غيره
من الأماكن .
وقوله ((ربنا ليقيموا الصلاة) بيان للباعث الذى دفعه لإسكان بعض ذريته
فى هذا المكان الطيب .
أى: ياربنا إنى أسكنتهم ؛ هذا المكان ليتفرغوا لإقامة الصلاة فى جواز
بيتك ؛ رئيسمروه بذكرك وطاعتك.
فاللام فى قوله (( ليقيموا)) للتعليل وهى متعلقة بأسكنت.
وخصت الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات ، لمزيد فضلها ، ولمكمال
العناية بشأنها ..
قال القرطبى: تضمنت هذه الآيه أن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة
بغيرها، لأن معنى «ربنا ليقيموا الصلاة، أى: أسكنتهم عند بيتك المحرم.
ليقيموا الصلاة فيه .
وقد اختلف العلماء هل الصلاة بمكة أفضل أو فى مسجد النى - صلى الله
عليه وسلم؟
فذهب عامة أهل الأثر إلى أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة.
فى مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمائة صلاة، واحتجوا بحديث
عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «صلاة فى
مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلى المسجد الحرام،
وصلاة فى المسجد اخرام أفضل من صلاة فى مسجدى هذا بمائة صلاد، ...
وقد روى عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم - حديث ابن الزبير))(١).
وقوله (( فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم
يشكرون)» دعاء جامع لمطالب الدين والدنيا، لأن الناس دهبون إلى البيت
(١): اجمع تفسير القرطبي ج ٩ ص ٢٧١
- ٨٤ -
الحرام للتقرب إلى الله - تعالى - ، وليتبادلوا المنافع عن طريق التجارة وغيرها:
مع السكان المجاورين لهذا البيت المعمور .
والأفئدة : جمع فؤاد . والمراد بها القلوب والنفوس .
والمراد بالناس فى قوله «من الناس)) المؤمنون منهم، لأنهم هم الذين يذهبون
إلى البيت الحرام ، ليشهدوا منافع لهم، وليتقربوا إليه - سبحانه - بحج بيته:
وتهوى إليهم: أى تسرع إليهم. يقال: هوى - بفتح الراء - هوى -
بكسرها - إذا أسرع فى السير، ومنه قولهم: هوت الناقة تهوى هويا، إذا
عدت عدوا شديدا ...
والأصل فيه أن يتعدى باللام، وعدى هنا يإلى لتضمنه معنى تميل وتسرع.
أى باربنا إنى تركت بعض ذرينى فى جوار بيتك، فأسألك يا إلهى أن
أن تجعل نفوس الناس وقلوبهم تحن إلى هذا المكان ، وتطير فرحا إليه ،
وارزق من تركتهم وديعة فى جواربيتك من الثمرات المختلفة ما يغنيهم ويشبعهم
لعلهم بهذا العطاء الجزيل يزدادون شكرا لك، ومسارعة فى طاعتك وعبادتك.
وقال - سبحانه - «فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم ولم يقل فاجعل
الناس تهوى إليهم، للإشارة إلى أن سعى الناس إليهم يكون عن شوق ومحبة
حتى لكأن المسرع إلى هذا الجوار الطيب هو القلب والروح وايس
الجسد وحده .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: وقد أجاب الله - تعالى - دعوة إبراهيم.
- عليه السلام - جعل البيت الحرام حرما آمنا تجى إليه ثمرات كل شىء رزقا
من لدنه ، ثم فضله فى وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف وعلى أخصب
البلاد وأكثرها نمسارا، وفى أى بلد من من الشرق والغرب، ترى الأعجوبة
التى يريكها الله بواد غير ذى زرع -، وهى إجتماع البواكير والفواكه المختلفة
الأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية فى يوم واحد ، وليس ذلك من آياته
- ٨٥ -
عجيب، متعنا الله بسكنى حرمه، ووفقنا أشكر نعمه وأدام لنا الشرف
بالدخول تحت دعوة إبراهيم، ورزقنا طرفا من سلامة ذلك القلب السليم))(١).
هذا، وقد ساق الإمام الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية قصة إسكان إبراهيم
لبعص ذريته فى هذا المكان فقال ما ملخصه: وهذا الإسكان إنما كان بعد أن
حدث ماحدث بين إبراهيم وبين زوجه ساره ، وذلك أن هاجر أم إسماعيل
كانت أمة من القبط لسارة . فوهبتها لإبراهيم عليه السلام - فتزوجهافولدت
له إسماعيل . فدبت الغيرة فى قلب سارة ولم تصبر على بقائها معها فأخرج
إبرهيم - عليه السلام - هاجر وإبنها إلى أرض مكة، فوضعهما عند البيت،
عند دوحة فوق زمزم فى أعلى المسجد ، وليس يومئذ أحد ، وليس بها ماء،
ووضع عندهما جرابا فيه قمر وسقاء فيه ماء. ثم قفى منطلقا فتبعته هاجر،
فقالت له : يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادى الذى ليس فيه
آنیس
قالت له ذلك مرارا وهو لا يلتفت إليها، فقالت له: آهه أمرك بهذا؟
قال : نعم قالت: إذا لا يضيعنا ، ثم رجعت .
وأنطاق إبراهيم - عليه السلام - حتى إذا كان عند الثنية حيث لايرونه،
أستقبل بوجهه اليات - وكان إذ ذاك مرتفعا من الأرض كالرابية - ثم دعا
بهذه الدعوات ، ورفع يديه فقال: رب إنى أسكنت من ذريتى بواد غيرذى
زرع ..... الآية .
ثم إنها جعلت ترضع ابنها وتشرب مما فى السقاء حتى إذا نفذما فى
السقاء، عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلبط - أى يتلوى ويتمرغ-
من شدة العطش ، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه ، فوجدت الصفا أقرب جبل
فى الأرض يليها ، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادى تنظر هل ترى أحدا، فلم
(:) تغير الكثاف جـ ٢ ص ٣٨١
- ٨٦ -
تر أحدا ، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادى ، رفعت طرف درعها،
ثم سعت سعى الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادى، ثم أتت المروة فقامت
عليها ونظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرة .. ، ولذلك
سعى الناس بينهما سبها .
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه! تريد نفسها، ثم تسمعت.
فسمعت أيضا صوتا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غوات؛ فإذا هى بالملك
عند موضع زمزم، فبحث بعقبه حتى ظهر الماء ، جعلت تحوضه ونغرف من
فى سقائها وهو يفور، فشربت وأرضعت ولدها، وقال لها الملك: لاتخافى
الضيعة، فإن هاهنا بيت الله - تعالى - يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن أته
- تعالى - لن يضيع أهله ...
ثم إنه مرت بهما رفقة من جرهم ، فرأوا طائرا عائفا - أى يتردد على الماء
ولا يمضى - فقالوا: لاطير إلا على الماء، فبعثوا رسولهم فنظر فإذا بالماء،.
فأتاهم فقصدوه وأم إسماعيل عنده، فقالوا : أشركينا فى مائك نشركك فى
ألباننا، ففعلت، فلما أدرك إسماعيل - عليه السلام - زوجوه امرأة منهم، (١).
ثم حكى - سبحانه - دعاء آخر من تلك الدعوات الخاشعة التى تضرع بها
إبراهيم إلى ربه فقال: «ربنا إنك تعلم ما تخفى وما فعلن، وما يخفى على الله من.
شىء فى الأرض ولا فى السماء، .
أى: ياربنا إنك وحدك العليم بما تخفيه نفوسنا من أسرار، وما تعلنه
وتظهره من أقوال، لأن الظاهر والمضمر بالنسبة إليك سواه، فأنت يا إلهى
لا يخفى عليك شىء من الأشياء، سواء أ كان هذا الشىء فى الأرض. أم فى السماء
أم فى غيرهما .
(١) تفسير الألوسى ج ١٣ ص٢١٢ وراجع صحيح البخارى تجد فيه حدیثا.
طويلا فى هذا الموضوع .
- ٨٧ ٠٠
وإنما ذكر السماء والأرض لأنها المشاهدتان للناس، وإلا فعلمه - سبحانه.
محيط بكل ما فى هذا الكون .
ثم حكى - سبحانه - ما قاله إبراهيم - عليه السلام - فى مقام شكره لله على
فعمه فقال - تعالى -: الحمد لله الذى وهب لى على الكبر إسماعيل وإسحاق،
إن ربى السميع الدعاء».
والحمد: هو الثناء باللسان على من صدرت منه النعمة، وأل فيه للاستغراق
أى: جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين ؛ لأن كل ما يستحق أن يقابل
بالثناء والحمد فهو صادر عنه - سبحانه - إذ هو الخالق لكل شىء.
وعلى فى قوله (على الكبر) للاستعلاء المجازى وهى بمعنى مع. أموهب
لى مع الكبر الذى لا تحصل معه فى الغالب ولادة ...
وإسماعيل هو الابن الأ کبر لإبراهيم، وقد رزقه الله به منزوجه هاجر
كما سبق أن أشرنا -، أما إسحاق فكان أصغر من إسماعيل، وقد رزقه الله به
من زو جه ساره .
قال الفخر الرازى: أعلم أن القرآن يدل على أنه - تعالى - إنما أعطى
إبراهيم - عليه السلام - هذين الولدين على الكبر والشيخوخة، فأما مقدار
ذلك السن فغير معلوم من القرآن، وإنما يرجع فيه إلى الروايات. فقيل لما
ولد إسماعيل كان من إبراهيم تسما وتسعين سنة ، ولما ولد إسحاق كان
ستة مائة وإثنتي عشرة سنة ..
وإنما ذكر قوله ((على الكبر، لأن المنة بهبة الولد فى هذا السن أعظم،
من حيث إن هذا الزمان زمان وقوع اليأس من الولادة، والظفر بالحاجة فى
وقت اليأس من أعظم النعم، ولأن الولادة فى هذه الن المتقدمة كانت آيه
لإبراهيم، (١).
(١) تفسير الفخر الرازى ح ١٩ ص ١٣٨
= ٨٨ ٠٠
وجملة ((إن ربى السميع الدعاء)) تعليل لجمله ((وهب لى على الكبر)) أى:
وهب لى على الكبر هذين الولدين، لأنه - سبحانه - سمع دعائى وتقبله،
وأجاب طلبى دون أن يخيبنى.
فالسميع هنا مستعمل على سبيل المجاز فى أجابة المطلوب ، ومنه قول
القائل : سمع الملك كلام فلان ، إذا اعتد به وقبله وعمل بمقتضاه . وهو من
إضافة الصفة المتضمنة للمبالغة إلى المفعول . أى: إندبى يسمع دعائى ويجيبه.
ثم ختم إبراهيم - عليه السلام - تلك الدعوات الطيبات التى تضرع بها
إلى ربه، بما حكاه الله عنه فى قوله: «رب أجعلنى مقيم الصلاة ومن ذرينى
ربنا وتقبل دعاء . ربنا أغفر لى ولوالدى وللمؤمنين يوم يقوم الحساب)).
أى: يارب اجعلنى من عبادك الذين يؤدون الصلاة فى أوقاتها بإخلاص
وخشوع ، وأجعل من ذريتى من يقتدى بى فى ذلك، كما أسألك يارب أن
تتقبل دعائى ولا تخيينى فى مطلوب أسألك إياه .
كما أسألك - يا إلهى - أن تغفر لي ذنوبي، وأن تغفر لوالدى وللمؤمنين،
يوم يقوم الناس للحساب، فتجازى كل إنسان بما يستحقه من أواب أو
عقاب .
وإنما طلب إبراهيم لوالديه المغفرة، قبل أن يتبين له أن والده عدو للّه،
فلما تبين له ذلك تبرأ منه .
قال - تعالى - ((وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها
إياه، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه)) (١) .
أما أمه فقال بعضهم إنها كانت مؤمنة ، وقال آخرون أملها توفيت قبل
نبوته .
وبعد أن حكى - سبحانه - تلك الدعوات الطيبات التى تضرع بها إبراهيم
(١) سورة التوبة الآية ١١٤
- ٨٩ -
إلى ربه ، والتى تضمنت أمهات الفضائل، كسلامة القلب، وطهارة النفس،
ورقة العاطفة ، وحسن المراقبة، وحب الخير لغيره ...
بعد كل ذلك حكى - سبحانه - أحوال الظالمين يوم القيامة ، وأقوالهم
فى ذلك اليوم الشديد، ورده - تعالى - عليهم، والأسباب التى أدت إنى
خسرانهم .... فقال - تعالى -:
((ولا يحسبَنَّ الله غافلاً عما يعمل الظالمونَ، إنما يؤخرُم ليومٍ
تشخَصُ فيه الأبصارُ (٤٢) مُهطمِنَ مُقْنِعِى رءوسِهم، لا يرقدّ إليهم
طَرْفُهم وأفئدتهم هواء (٤٣) وأَنذِرِ الناسَ يومَ بَأْتِيهِمُ المعذابُ فيقولُ
الذينَ ظلِمُوا ربّنا أخِّرْنَا إِلَى أَجلٍ قريبٍ نُجِبْ دعوتَكُ ونَّبِع الرسُل
أو لم تكونُوا أقسَعْتُم من قبلُ ما لكُم من زوَالٍ (٤٤) وسكنتُم فى
مساَكِنِ الذينَ ظلمُوا أَنفُسَهم وبينَ لِكُم كيفَ فَعَلنَاَ بهِم وضرَبْناً لكم
الأمثالَ (٤٥) وقد مكرُ وا مكرَم، وعند اللهِ مكرُهُ، وإن كانَ مكرُهُمْ
لتزولَ منه الجبالُ (٤٦) فلا تحسَبَنّ اللهَ يُخْلِفَِ وعْدِهِ رسُله، إن اللهَ
عزيزٌذُو انتقامٍ (٤٧) يومَ تَبدْلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ والسمواتِ،
وبرَزُوا للهِ الواحدِ القهار (٤٨) وتَرَى المجرمِينَ يوَمَئِذٍ مقرَّنينَ فى
الأصفادِ (٤٩) سرائيلُهم من قَطِرَانٍ وتفشَى وجوههم النارُ (٥٠) ليجزِىَ
اللهُ كَلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنّ الله سريعُ الحساب (٥١) هذَا بلاغٌ للناسِ
وليُتُذَروا به، وليعلموا أنما هو إلهٌ واحدٌ، وليذكْرَ أولُوَاَ
الألباب (٥٢))» .
وقل الإمام القرطبى: قوله - تعالى - ، ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل
٠٠٩٠٠
الظالمون ... )) وهذا تسلبة النبى - صلى الله عليه وسلم .. بعد أن محجبه.
أفعال المشركين، ومخالفتهم دين إبراهيم، أى: أصبر كما صبر إبراهيم، وأعلم
المشركين أن تأخير العذاب ليس الرضا بأفعالهم، بل سنة الله إمهال العصاة
مدة . قال ميمون بن مهران: هذا وعيد للظالم، وتعزية للمظلوم،(١).
والخطاب فى ((ولا تحسبن .. ، يجوز أن يكون للنبى - صلى الله عليه وسلم.
لقصد زيادة تثبيته عنى الحق، ودوامه على ذلك ، ويجوز أن يكون لكل من!
يصلح للخطاب .
والغفله: سهو يعترى الإنسان بسبب قلة تيقظه وانتباهه، ولاشك أن
ذلك محال فى فى حق الله - تعالى -، لذا وجب حمل المعنى على أن المراد بالغفلة
هما : ترك عقاب المجرمين .
والمراد بالظالمين: كل من انحرفوا عن طريق الحق ، وانبحوا طريق
الباطل، ويدخل فيهم دخولا أوليا مشر كو مكة، الذين أبوا الدخول فى
الإسلام الذى جاءهم به النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقوله ((إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار) استئناف وقع تعليلا
للنهى السابق .
وقوله (( لشخص، من الشخوص بمعنى رفع البصر بدون تحرك. يقال:
شخص بصر فلان - من باب خضع - فهو شاخص ((إذا فتح عينيه وجعل
لا يطرف من شدة الخوف والفزع .
والمعنى: ولا تحسبن - أيها الرسول الكريم - أن الله تعالى - تارك
عقاب هؤلاء الظالمين ، الذين كذبوك فى دعوتك ، كلا لن يترك الله - تعالى -
عقابهم ، وإنما يؤخره ليوم هائل شديد، هو يوم القيامة الذى ترتفع فيه
أبصار أهل الموقف ، فلا تطرف أجفانهم من هول ما يرونه.
(١) تفسير القرطبى جـ ٩ ص ٢٧٦
٠ ٩١ -
ثم بين - سبحانه - بعض أحوال هؤلاء الظالمين فى هذا اليوم العظيم،
فقال - تعالى -: ((مهطعين مقنعى رؤوسهم، لا يرقد إليهم طرفهم، وأفئدتهم
هواء، .
والإقطاع: السير السريع . يقال: أقطع فلان فى مشيه فهو يهطع إهطاعا
إذا أسرع فى سيره بذلة واضطراب .
و ((مقنعى رءوسهم، أى رافعيها، يقال: أقنع فلان رأسه، إذا نصبه.
ورفعه دون أن يلتفت يمينا أو شمالا. وقيل، إقناع الرءوس طأطأنه وانتكاسها
والأفئدة : جمع فؤاد ، والمراد بها القلوب .
والمعنى : أن هؤلاء الظالمين يخرجون من قبورهم فى هذا اليوم مسرعين
إلى الداعى بذلة واستكانة، كإسراع الأسير الخائف، رافعى رءوسهم إلى
السماء مع إدامة النظر بأبصارهم إلى ما بين أيديهم من غير التفات إلى شىء.
(((لا يرقد إليهم طرفهم)) أى: لا تتحرك أجفان عيونهم، بل تبقى
مفتوحة بدون حراك طول ما يشاهدونه فى هذا اليوم العصيب .
{ وأفئدتهم هواء، أى: وقلوبهم فارغة خالية عن الفهم ، بحيث لا نعى
شيئا من شدة الفزع والدهشة . ومنه قولهم فى شأن الأحمق والجبان . قليهما
حواء ، أى لا رأى فيه ولا قوة .
وأفرد هوا. وإن كان خبرا عن جمع لأنه فى معنى فارغة أو خالية .
قال - تعالى - ((وأصبح فؤاد أم مرسى فارغاً .. ، أى خالياً من كل شىء
إلا من التفكير فى شأن مصير ابنها موسى - عليه السلام،
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هؤلاء الظالمين فى هاتين الآيتين
بجملة من الصفات الدالة على فزعهم و حيرتهم .
وصفهم أولا بشخوص الأبصار، ووصفهم ثانيا بالإسراع إلى الداعى
- ٩٢ -
فى ذلة وانكسار، ووصفهم ثالثا برفع رءوسهم فى حيرة واضطراب،
ووصفهم رابعا: بانفتاح عيونهم دون أن تطرف من شدة الوجل، ووصفهم
خامسا بخلو قلوبهم من إدراك أى شىء بسبب ما اعتراه من دهشة ورعب.
وق له- سبحانه -:. وأفئدتهم هو أ.) من باب التشبيه البليغ الذى حذفت
فيه الأداة ، والتقدير . وقلوبهم كالهواء فى الخلو من الإدراك من شدة الهول
ثم أمر الله تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يحذر الناس من أهوال
هذا اليوم، وأن يقدموا العمل الصالح الذى ينفعهم فقال - تعالى -: وأنذر
الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نحب
دعوقك وتتبع الرسل ... )).
والإنذار: التخويف من ارتكاب شىء نسوه عاقبته.
والمراد بالناس: جميعهم، وقيل المراد بهم الكفار. ويبدو أن الأولى أرجح
لأن الإنذار كما يكون للمؤمن يكون للكافر ، إلا أن المؤمن يستجيب النصح
فينجو من العقاب: والكافر لا يستجيب فيحل عليه العذاب.
والمعنى: وخوف - أيها الرسول الكريم - الناس من أهوال يوم القيامة،
ومرهم بأن يستعدوا له بالإيمان والعمل الصالح ، من قبل أن يحل عذابه
بالظالمين منهم فيقولون: با ربنا أعدنا إلى الحياة مرة أخرى، وأخر أعمارنا
وحسابنا إلى وقت قريب (« حتى نستطيع فيه أن يستجيب لدعوتك التى تأمر نا
بإخلاص العبادة لك، وأن تتع رسلك فى كل ما أمرونا به ونتدارك مافرطنا
فيه من أعمال الدنيا ...
قال الجمل: وقوله: ((يوم يأتيهم العذاب ... ، مفعول ثان لأنذر على
مذف المضاف، أى: أنذرهم أهواله وعظائمه، فهو مفعول به لا مفعول فيه،
إذ لا إنذار فى ذلك اليوم، وإنما الإنذار يقع فى الدنيا ... ، (١).
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٠٥٣٣
-٩٢-
وإذا اقتصر - سبحانه - على ذكر إتيان العذاب فى هذا اليوم، مع
كون الثواب يحصل فيه - أيضا، لأن المقام مقام تهديد وزجر، فكان من
المناسب ذكر أهو اله وشدائده .
وجمع لفظ الرسل فقال: (( نجب دعوتك وقتبع الرسل)) الإشارة إلى أن
الرسل جميعا قد جاءوا برسالة واحدة فى جوهرها وأصولها، وهى إخلاص
العبادة لله - تعالى -، والدعوة إلى مكارم الأخلاق .
وفى معنى هذه الآية الكريمة جاءت آيات كثيرة، منها قوله - تعالى - «حتى
إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون. أعلى أعمل صالحا فيما تركت ، كلا
إنها كلمة هو قائلها ومن وراءهم برزخ إلى يوم يبعثون)،(١).
وقوله - تعالى -: (ولو ترى إذ المجرمون نا کسو رءوسهمعند ربهم ،ربنا
أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون))(٢).
وجملة « أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال ، مقول القول
محذوف .
والزوال : الانتقال من مكان إلى آخر ، أو من حال إلى حال، والمرادبه
هنا : انتقالهم من قبورهم إلى الحساب يوم القيامة.
والمعنى: أن هؤلاء الظالمين عندما يقولون يا ربنا أخرنا إلى أجل قريب
نجب دعوتك ونتبع الرسل .
يقال لهم من قبل الله والملائكة على سبيل التوبيح والتبكيت: أو لم تكونوا
- أيها الظالمون - تقسمون بالإيمان المغلظة فى الدنيا، بأنكم بعدموتكم ستبقون
فى قبوركم إلى أن تبلى أجسادكم، وأنه ليس بعد ذلك من بعث ولا حساب ،
ولا ثواب ولا عقاب .
قال - تعالى - ((وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت.)) (٢)
(١) سورة المؤمنون . الآيتان ٠١٠٠،٩٩
(٢) سورة السجدة : الآية ١٧.
(٣) سورة النحل الآية ٣٨,
٠٩٤٠٠
فالجملة الكريمة تحسن رفض مطالبهم بأبلغ أسلوب، حتى يزدادوا حزنا على
حزنهم . وحسرة على حسرتهم.
وجملة ((ما لكم من زوال، جواب القسم ,
وقوله - سبحانه -: ومكنتم فى مساكن الذين ظلموا أنفسهم ....
معطوف على «أقسمتم ... )).
والمراد بالسكنى: الحلول فى أماكن الظالمين لوقت يكفى الاتعاظ والاعتبار
وكفار قريش كانوا يمرون بديار قوم نمود فى رحلتهم إلى الشام، وكانوا
يخطون رحالهم هناك كما كانوا يمرون على ديار قوم عاد فى رحلتهم إلى اليمن.
والمعنى: لقد أقسمتم - أيها الضالون - بأنكم مالكم من إنتقال من دار
الدنيا إلى دار الآخرة، وحللتم فى مساكن القوم الظالمين .
( وتبين لكم، عن طريق المشاهدة وتواتر الأخبار.
((كيف فعلنا بهم، من الإهلاك والتدمير بسبب كفرهم وفوقهم .
● وضربنا لكم الأمثال، بما فعلوه وبما فعلناه بهم، عن طريق كتابتا.
وعلى لسان رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - .
وكان من الواجب عليكم بعد كل ذلك أن تعتبروا وتتعظوا وتثوبوا
إلى رشدكم، وتدخلوا فى الإسلام، ولكنكم كنتم قوما فاسقين ، سائرين على
نهج هؤلاء المهلكين فى الكفر والفجور، فاليوم ذوقوا امذاب بسبب جحودكم
للحق فى الدنیا .
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: ((أى: قد رأيتم وبلغكم
ما أحللنا بالأمم المكتبة قبلكم ، ومع هذا لم يكن لكم فيهم معتبر ، ولم يكن
فيما أوقعنا بهم مزدجو لكم .
قال - تعالى - (( حكمة بالغة فما تغنى النذر))(١)
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠٤٣٤
ثم بين - سبحانه - بعدذلك لونا آخر من ألوان عراقهم فى الكفر والجحود
فقال. وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم٢٠
والمكر : تبيت فعل الموء بالغير وإضماره، مع إظهار ما يخالف ذلك.
وانتصب ((مكرهم)) الأول على أنه مفعول مطلق لمكروا، لبيان النوع،
والإضافة فية من إضافة المصدر لفاعله .
أى: أن هؤلاء الظالمين جاءتهم العبر فلم يعتبروا، بل أضافوا إلى ذلك
أنهم مكروا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - مكرهم العظيم الذى استفرغوا
فيه جهدهم لإبطال الحق، وإحقاق الباطل ، والذى كان من مظاهره محاولتهم
قتل الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وقوله (وعند الله مكرهم ) أى: وفى علم اللّه - تعالى - الذى لا يغيب عنه
شىء مكرم ، وسيجازبهم عليه بما يستحقونه من عذاب مهين.
وقوله - تعالى - (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) قرأ الجمهور(لنزول)
- بكسر اللام على أنها لام الجحود والفعل منصوب بعدها، بأن مضمرة وجوبا،
و( إن) فى قوله (وإن كان مكرم ) نافيه بمعنى ما .
والمعنى: ولقد مكر هؤلاء الكافرون مكرهم الشديد الذى اشتهروا به،
وفى على الله - تعالى - مكرهم، وما كان مكرهم - مهما عظم وأشتد - لتنتقل
منه الجبال عن أماكنها ، لأنه لم يتجاوز مكر أمثالهم ممن دمر ناهم تدميرا.
وعلى هذه القراءة يكون المقصود بهذه الجملة الكريمة ، الاستخفاف بهم
مكرهم، وبيان أن ما يضمرونه من سوليس خافيا على الله -تعالى-، ولن يزلزل
المؤمنين فى عقيدتهم، لأن إيمانهم كالجبال الرواسى فى ثباته ورسوخه.
وقرأ (الكسائى) (لتزول) - بفتح اللام على أنها لام الابتداء، ورفع
الفعل بعدها - و(إن ) مخففة من الثقيلة .
فيكون المعنى: وقد مكروا مكرهم، وعند الله مكرهم ، وإن مكرم من
- ٩٦ -
الشفه بحيث تزول منه الجبال وتنقلع من أما كنها ، لو كان لها أن تزول
أو تنقلع .
وعلى هذه القراءة يكون المراد بهذه الجملة المكريمة التعظيم والتهويل من
شأن مكرم، وأنه أمر شفيع أو شديدفى بابه، كما فى قوله - تعالى - : «وقالوا
اتخذ الرحمن ولدا. لقد جئتم شينا إدا. تكاد السموات يتفطرن منه، وتنشق
الأرض , وتخر الجبال هدًا ... )(١)
وقوله: سبحانه -: ز فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ٠٠٠ ) تفريع
على ما تقدم من قوله - تعالى - ( ولا تحسين الله غافلا عما يعمل الظالمون ... )
وتأكيد لتسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولتثبيت يقينه ..
وقوله (مخلف ) اسم فاعل من الإخلاف، يعنى عدم الوفاء بالوعد وهو
مفعول ثان لتحسب والمراد بالوعد هنا: ما وعد الله - تعالى - به أنبياء.
ورسله من نصره إياهم ، ومن جعل العاقبة لهم.
قال - تعالى - (إنا لتنصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا. ويوم
يقوم الأشهاد) (٧).
وقال - تعالى - (كتب الله لأغلبن أنا ورسلى إن الله قوى عزيز (٣).
والمعنى : لقد وعدناك أيها الرسول الكريم - بعذاب الظالمين، وأخبرناك
بجانب من العذاب الذى سيحل بهم يوم القيامة، ومادام الأمر كذلك فاثبت
على الحق أفت وأتباعك، وثق بأن الله - تعالى - لن يخلف ماوعدك به من
نصر على أعدائك .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت : هلا قيل مخلف رسله وعده، ولم قدم
المفعول الثانى - لمخلف وهو: وعده - على المفعول الأول - وهو رسله -؟
(١) سورة مريم الآيات ٨٨ - ٠٩٠
(٢) سورة غافر الآية ٥١
(٣) سورة المجادلة الآية ٢١.
١
- ٩٧ -
قلت: قدم الوعد ليعلم أنه - سبحانه - لا يخلف الوعد أصلا، كقوله
- تعالى - (إن الله لايخلف الميعاد).
ثم قال ( رسله) ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحدا، وليس من شأنه
إخلاف المواعيد، فكيف يخلفه مع رسله الذين هم خيرته وصفوته من
خلقه .. ؟(١)
ويرى صاحب الانتصاف أن تقديم المفعول الثانى منا ، إنما هو للإيذان
بالعناية به، لأن الآية فى سياق الإنذار والتهديدللظالمين بما توعدهم الله - تعالى-
به على ألسنة رسله، فكان المهم فى هذه الحال تقديم ذكر الوعيد على غيره (٢).
وقوله - سبحانه - ((إن الله عزيز ذو إنتقام، تعليل للنهى عن الحسبان
المذكور .
والعزيز : الغالب على كل شىء.
أى: إن الله - تعالى - غالب على كل شىء، وذو إنتقام شديد من أعدائه
لأنهم تحت قدرته ، ومادام الأمر كذلكفإخلاف الوعد منتف فى حقه - تعالى -.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض العلامات التى تدل على قرب قيام
الساعة فقال - تعالى - : (( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات
وبرزوا لله الواحد القهار ،.
والظرف، يوم، متعلق بمحذوف تقديره أذكر.
وقوله ((تبدل)) من التبديل بمعنى التغيير، وهذا التغيير والتبديل لهما قد
يكون فى ذواتهما كمافى قوله - تعالى - «إن الذين كفروا بآياتنا سوف
فصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ... ،(٣)
(١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٣٨٤:
(٢) حاشية الانتصاف علی الکشاف < ٢ ص ٠٣٨٤
-
(٣) سورة النساء الآية ٥٦.
(٧ - سورة إبراهم)
- ٩٨ -
وقد يكون فى صفاتهما كقولك («بدات الحلقة خاتما ، وقد يكون فهما
معا وقد ذكر الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث عند تفسيره لهذه الآية
الكريمة فقال .... وقال الإمام أحمد، حدثنا محمد بن عدى، عن داود ،عن
الشعبى ، عن مسروق ، عن عائشة أنها قالت : أنا أول الناس سأل رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية ((يوم قبدل الأرض ... ، قالت: قلت:
أين الناس يومئذ يارسول الله ؟ قال: على الصراط ...
وفى رواية أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لها : لقد سألتنى عن شىء
ما سألنى عنه أحد من أمتى، ذاك أن الناس - يومئذ يكونون - على جسر جهنم)(١).
والمعنى: أذكر - أيها العاقل - لتتعظ وتعتبر يوم يتغير هذا العالم
المعهود بعالم آخر جديد، يأتى به الله - تعالى - على حسب إرادته ومشيئته
ويوم يخرج الخلائق جميعا من قبورهم ليستوفوا جزاءهم ، وليجازوا على
أعمالهم ، من الله - تعالى - الواحد الأحد، الذى قهر كل شىء وغلبه ،
ودانت له الرقاب ، وخضعت له الألباب ،
وختمت الآية الكريمة بهذين الوصفين لله - تعالى -، الردعلى المشركين
الذين جعلوا مع الله آلهة أخرى يشركونها معه فى العبادة، ويتوهمون أن هذه
الآلهة سوف تدافع عنهم يوم القيامة .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ماسيحل بالمجرمين يوم القيامة من عذاب
عنيف مهين يناسب إجرامهم وكفرهم فقال: ((وترى المجرمين يومئذ مقر فين
فى الأصفاد . سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار)).
و قوله « مقر نین ، جمع مقرن ، وهو مں جمع مع غيره فى قرن ووثاق
واحد يربطان بة .
والأصفاد: جمع صفد - بفتح الفاء - وهو القيد الذى يوضع فى الرجل،
أو الغل - بضم الغين - الذى تضم به اليد والرجل إلى العنق.
(١) راجع تفسير ابن كثير حـ ٤ ص ٠٤٣٧
- ٩٩ -
والسرابيل: جمع سربال وهو القميص .
والقطر ان: مادة حارة فتنة شديدة الاشتعال تصلى بها جلود الإبل الجربی،
لیزول الجرب منها.
أى: وترى - أيها العاقل - المجرمين فى هذا اليوم العسير عليهم , مقرنين
فى الأصفاد، أى: قد قرن بعضهم مع بعض، وضم كل قرين إلى من
يشبههه فى الكفر وفى الفسوق وفى العصيان، وقد قيدوا جميعا بالأصفاد والقيود
والأغلال .
قال - تعالى - ((احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ... ) (١) أى: وأمثالهم
من المصاة، فعابد الصنم يكون مع عابد الصنم، وشارب الخمر مع شارب الخمر.
ويصح أن يكون اقترانهم مع الشياطين كما قال -تعالى - «فوربك لنحشرتهم
والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جئياً،(٢).
هذا عن مشهد المجرمين وهم مقرؤون فى الأصفاد، وهو مشهد مهين مذل
ولكنه ليس كافيا فى عقابهم، بل يضاف إليه أن ملابسهم من قطران ،
ليجتمع لهم لذعه ، وقبح لونه ، ونتن ريحه، وسرعة اشتعاله ، وفوق كل ذلك
فإن وجوههم تعلوها وتحيط بها النار التى تستعر بأجسادهم المسريلة بالقطران.
وخص - سبحانه - الوجوه بغشيان النار لها، لكونها أعز موضع فى البدن
وأشرفه وقوله - سبحانه - ((ليجزى الله كل نفس ماكسبت ٠٠)، متعلق
بمحذوف، والتقدير: فعل مافعل - سبحانه - من إثابة المؤمنين، ومعاقبة
المجرمين ، ليجازى كل نفس بما تستحقه من خير أو شر، دون أن يظلم
ربك أحداً .
٤٠
وقوله (( إن الله سريع الحساب)) أى: إنه - سبحانه -. "سريع المحاسبة لعباده،
لأنه لا يشغله شأن عن شأن، بل جميع الخلق بالنسبة لقدرته كالنفس الواحدة.
(١) سورة الصافات الآية ٢٢. (٢) سورة مريم الآية ٦٨
- ١٠٠ -
قال - تعالى ـ((ماخلفكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ... )(!),
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله - تعالى - ((هذا بلاغ للناس
ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد، وليذكر أولو الألباب)).
واسم الإشارة. هذا، يعود إلى ما أنزله الله - تعالى - من قرآن فى هذه
السورة وفى غيرها . و((بلاغ)) مصدر بمعنى التبليغ .
والانذار : التخويف من سوء عاقبة أرتكاب الشرور والآثام .
والألباب : جمع لب وهو الخالص من كل شىء، والمراد بها العقول.
أى: هذا القرآن الكريم الذى أنزلناه عليك يا محمد، فيه التبليغ الكافى
لهداية الناس ، وفيه ما يخوفهم من سوء عاقبة الكفر والفسوق والعصيان، وفيه
ما يجعلهم يعلمون عن طريق توجيهاته وهداياته ودلائله، أن الله - تعالى-واحد
لاشريك له ، وفيه ما يجعل أصحاب العقول السليمة يتعظون ويعتبرون، فيتر قب
علی ذلك سعادتهم فى الدنيا والآخرة .
وخص - سبحانه - بالتذكر أولى الألباب ، لأنهم هم الذين ينتفعون
بهداية القرآن الكريم، أما غيرهم فهم كالأنعام بل هم أضل .
وقد رتب - سبحانه - فى هذه الآية الكريمة، وسائل الدعوة إلى الحق
ترتيبا عقليا حكميما، فبدأ بالصفة العامة وهى التبليغ ، ثم ثنى بما يعقب ذلك من
إندار وتخويف، ثم ذلك بما ينشأ عنهما من العلم بوحدانية الله - تعالى -، ثم
ختم بالثناء على أصحاب العقول السليمة الذين ينتفعون بما يسمعون وبما يبصرون.
قال الإمام الرازى: هذه الآية دالة على أنه لافضيله للانسان ، ولامنقبة
له، إلا بسبب عقله، لأنه - تعالى - بين أنه إنما أنزل هذه الكتب، وإنما
بعث الرسل، لتذكير أولى الألباب ..... (٢).
(١) سورة لقمان الآ ية ٢٨
(٢) تفسير الفخر الرازى = ١٩ ص ١٥٠